إسلام ويب

آثار الذنوب والمعاصيللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بخلقه أنه أرشدهم إلى الطريق القويم، وجعل لهم التقوى جنة ووقاية من لهيب جهنم، ولهول الذنب وقبحه كانت له علىصاحبه آثار مفصلة في هذا الموضوع، فكن ممن يستمعون ويعون ويحذرون؛ لعل الله أن يقيك من شر تلك الآثار ويرزقك خير الطاعة ويهديك الصراط المستقيم.

    1.   

    التقوى وقاية من المعاصي

    الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوت والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، هدى به الله الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله والتابعين لهم بإحسان.

    ولما جلسنا مجلساً طله الندى     جميلاً وبستاناً من الروض ناديا

    أثار لنا طيب المكان وحسنه      مُنىً فتمنينا فكنت الأماني

    أمانينا في الحياة الدنيا أن نجلس مع الصالحين، فسلام الله على الصالحين ورحمته وبركاته، وأشكر أصحاب الفضيلة العلماء الذين هم أمامي الآن، والإخوة السامعين، وأشكر القائمين على هذا المؤتمر، أسأل الله أن يجري الحق على ألسنتنا، وأن يجعل ما نقول في ميزان الحسنات ولا يجعل في كلامنا ولا في مقاصدنا ولا في أعمارنا بغيره سبباً ولا نسباً، ولا يجعل لنا طريقاً إلى الرياء والسمعة.

    أيها الإخوة الكرام! أيها المسلمون! كما سمعتم عنوان المحاضرة (آثار الذنوب والمعاصي) وما تهدمت الشعوب، ولا فسدت القلوب، ولا خربت الأسر، ولا تشتت الآراء، ولا تمزقت الأفكار إلا من الذنوب والمعاصي، وما بخست الأرزاق ولا قست القلوب ولا جفت العيون إلا من الذنوب والمعاصي، وما غضب الجبار ولا انتهت المغفرة من الغفار وما نزلت الحدود إلا للذنوب والمعاصي، وما أقيمت النار وما نصب الصراط وما أتى هناك محاسبة إلا مع الذنوب والمعاصي.

    أيها الإخوة الكرام! آثار الذنوب كثيرة أوصلها بعض علماء الإسلام إلى ثلاثين أثراً أو عقوبة، ومن أحسن من تكلم في ذلك فيما أعلم الإمام الفذ ابن القيم رحمه الله تعالى ورفع درجته في الجنة في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وأتحف شيخ الإسلام ابن تيمية، وتعرض لآثارها في المجلد العاشر من فتاويه، وتكلم في ذلك كثير من العلماء.

    وأنا أجمل آثارها بثمانية آثار:

    أولها: الضيق والهم.

    ثانيها: حرمان الرزق.

    ثالثها: نسيان العلم.

    رابعها: البغض في قلوب الخلق.

    خامسها: الوحشة بين العبد وربه.

    سادسها: قسوة القلب أو موته.

    سابعها: ضياع العمر.

    ثامنها: عواقبها في الآخرة يوم يأتي الإنسان بلا توبة مفلساً من الخير.

    أيها الإخوة! لقد كرر القرآن قضية كبرى أخذت مساحة شاسعة منه هي تقوى الله، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    تعريف التقوى

    وأهل السنة يعرفون التقوى بتعاريف باختلاف الأسباب وباختلاف الاتجاهات والمشارب.

    فمما نحفظ عن ابن تيمية أنه يقول: التقوى هي العمل بالمأمور وترك المحذور.

    وبعضهم يقول: التقوى هي: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية.

    ونسب بعض العلماء كلمة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قالها في تعريف التقوى قال: [[هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنـزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]].

    وقال ابن رجب: قال بعض العلماء: التقوى ترك الذنوب كبيرها وصغيرها.

    وقال بعضهم: التقوى أن يكون الله نصب عينيك وهي درجة الإحسان في حديث جبريل {وأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك}.

    والتقوى فسرها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام بحياته، وفسرها بسلوكه، وفسرها بعمله، فكان يقول للصحابة: {إن أعلمكم بالله وأتقاكم أنا} ولذلك بوب البخاري في ذلك باب المعرفة معرفة القلب، وأن أتقى الناس محمد عليه الصلاة والسلام، أو كما قال في كتاب العلم.

    وأتى الصحابة فكانوا نموذجاً خالداً لتفسير التقوى في الحياة، لم تكن تقواهم إرجاءً ولا كلمات جافة ولا أفكاراً غريبة ولا قضية أمانٍ أو عواطف، إنما كان تحقيقاً في الواقع.

    وعند الإمام مالك في الموطأ موقوفاً عن الحسن [[ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل]].

    تأتي التقوى لهؤلاء من أمور:

    أولاً: مراقبة الواحد الديان على نور من الكتاب والسنة.

    ثانياً: قصر الأمل.

    ثالثاً: غلبة العقل على الهوى.

    أمثلة على التقوى

    أبو بكر الصديق: يقول الإمام أحمد في كتاب الزهد بسند جيد: [[دخل أبو بكر مزرعة رجل من الأنصار فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة فبكى وجلس، فقال له الصحابة: مالك يا خليفة رسول الله؟ قال: طوبى لهذا الطائر! يشرب الماء ويأكل من الثمر ثم يموت ولا حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت طائراً]] إنها المحاسبة الدقيقة، إنه زيادة الإيمان في القلب.

    أبو بكر الذي قال الرسول عليه الصلاة والسلام عنه كما في صحيح البخاري في كتاب الجهاد {إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد.. - إلى آخر تلك الأبواب- فيقول أبو بكر: يا رسول الله! هل يدعى أحد من أبواب الجنة الثمانية؟} لا يسأل إلا أبو بكر ولا يتقدم بالمسألة إلا أبو بكر، فيعلق ابن القيم على هذا السؤال ويقول:

    من لي بمثل سيرك المدلل     تمشي رويداً وتجي في الأول

    أي: دائماً تحب المركز الأول، دائماً في أول المصلين، وفي أول الصائمين، وفي أول الذاكرين، وفي أول المجاهدين، فيقول عليه الصلاة والسلام: {نعم -أي: يدعى بعض الناس من الأبواب الثمانية- وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر} ولكن ما جعله ذلك يركن إلى هذه الوعود وهذه الأخبار الصادقة من الرسول عليه الصلاة والسلام، في أنه من أهل الجنة كما صح ذلك في الأحاديث التي بلغت درجة التواتر، بل زاده خوفاً من الله، وتقوى لله، ومحاسبة لنفسه أمام الله.

    يقول ابن القيم في روضة المحبين وهو يتحدث عن أبي بكر يقول: لما تولى أبو بكر الخلافة كان يخرج بعد صلاة الفجر كل يوم، فكان عمر يلحظه وينظر أين يذهب، فإذا هو يذهب إلى خيمة امرأة من المسلمين، فذهب عمر وراءه يوماً من الأيام، وخرج أبو بكر من الخيمة فدخل عمر وراءه من حيث لا يراه أبو بكر، فقال عمر وقد رأى عجوزاً عمياء حسيرة كسيرة داخل الخيمة: يا أمة الله! من أنت؟ قالت: عجوز حسيرة كسيرة عمياء، قال: ومن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟ قالت: لا أعرفه، قال: ولم يأتي؟ قالت: يأتينا فيصنع طعامنا، ويكنس بيتنا، ويحلب شياهنا، فجلس عمر يبكي ويقول: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]].

    إنها -والله- التقوى، ولا يمكن أن تكون إلا في قراءة سير أولئك القوم الذين رفع الله منـزلتهم.

    أولئك آبائي فجئني بمثلهم     إذا جمعتنا يا جرير المجامع

    وعند مسلم في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: {هل أصبح منكم اليوم أحد صائم؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل شيع أحدٌ منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل تصدق أحد منكم اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل عاد أحد منكم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: ما اجتمعت هذه الأمور في أحد في يوم واحد إلا دخل الجنة} وتقواه رضي الله عنه تأتي من هذا التعريف العملي للتقوى ليس الشفهي الإنشائي النظري الذي بدأنا به وأرعدنا ونشكو أحوالنا إلى الله، لكن أقول لنفسي وللمقصرين من أمثالي كما قال أحد التابعين -وأظنه ابن إدريس- لـسفيان الثوري: [[يا أبا عبد الله! ذهب القوم -يعني: الصحابة- على خيول جادة ونحن على حمير قال: والله لتصلن بالقوم إذا سلكت ما سلكوا ولو كنا على الحمير]] مادام أننا على الخط وعلى الطريق التي هم عليها فسوف نصل.

    وعند البخاري باب "الرجل يحب القوم" قال أنس :{كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث الناس فقام أعرابي وقال: متى الساعة؟ قال: ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء يحشر مع من أحب} والشافعي يقول:

    أحب الصالحين ولست منهم     لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي     ولو كنا سواءً في البضاعة

    1.   

    آثار الذنوب والمعاصي

    الضيق والهم

    أيها الإخوة الكرام! والله ما ذاق الناس أَمَرَّ من المعاصي، ولا تجرعوا أخبث ولا أشد ولا أنكى من السيئات، ولقد حاول كثير من الناس أن يتناسى الخطايا ولو كانوا من الكفار، ولكنهم وجدوا ألماً وقلقاً ويأساً وقنوطاً وبعداً عن الواحد الأحد؛ لأن من قرب من الله قربه وأتحفه، ومن ابتعد منه أضناه وأشقاه في الدنيا والآخرة.

    أعظم أثر للذنب والخطيئة الضيق والهم والغم والأسى واللوعة والحزن، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    قال ابن تيمية وهو يتحدث عن بعض أصحاب المنطق في المجلد الرابع من فتاويه: قيل لهذا الرجل المتكلم المنطقي: تب إلى الله وعليك بالعبادة لتعرفك بالله -لأنهم يسلكون مسالك نظرية في معرفة الله والكون والحياة ليست مسالك السجود ولا التسبيح ولا تدبر القرآن- فقال هذا الرجل المنطقي الفلسفي: أريد ذلك ولكن قلبي عليه الظلمات يعني: حجب.

    ويقول ابن تيمية في المجلد الأول في درء تعارض العقل والنقل ويتكلم عن العلامة المعتزلي الذكي ابن الخطيب أو ابن الخطاب يقول: ومع ذلك كان بعيداً عن الله بسبب بعده، ولو سلك الطريقة المحمدية الشرعية كان وصل، وصل إلى من؟ إلى رضوان الله، قال: وهو صاحب تلكم الأبيات التي يقول فيها:

    وحقك لو أدخلتني النار قلت     للذين بها قد كنت ممن أحبه

    يقول: يا رب! لو أدخلتني النار، فإنني سأتكلم وأخطب وألقي محاضرة في أهل النار، وأقول: أنا كنت أحب الله.

    وهي أبيات جميلة بديعة، ولكنها من رجل ما عرف الطريق.

    وحقك لو أدخلتني النار قلت     للذين بها قد كنت ممن أحبه

    وأفنيت عمري في علوم كثيرة     وما بغيتي إلا رضاه وقربه

    أما قلتمُ من كان فينا مجاهداً     سيحمد مسعاه ويكرم قربه

    على ذلك لكن ما سلك طريق التقوى فضاق حاله.

    وبعضهم يصل إلى درجة الانتحار وتصعب عليه الحياة، قال سبحانه: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] وقال سبحانه فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125] إذا عُلم ذلك فيا إخوتي! اعلموا أن من أعظم عقوبات الذنب والخطيئة الضيق، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] والأستاذ سيد قطب -رفع الله منـزلته في الجنة- تكلم بكلام بديع، حتى أنه يقول: كلمة (ضنكا) صعبة في النطق يكاد الإنسان أن يختنق بها لأنها تؤدي إلى معنى عجيب، وهي الحياة التي يعيشها المعرض عن ذكر الله، سكنوا -والله- في ناطحات السحاب، واستقلوا السيارات الفاخرة، وحصلوا على المناصب العالية؛ ولكن لما أعرضوا عن منهج الله أرداهم وجعل حياتهم تعاسة عليهم. قال سبحانه: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

    تعال معي يا طالب العلم يا داعية الإسلام إلى حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول عنه ابن القيم يقول شيخنا شيخ الإسلام: إني لأجد من الحياة والروح عن السعادة ما أقول: لو أن أهل الجنة فيما أنا فيه لكانوا في عيش طيب، أدخلوه السجن، أوصدوا عليه الباب، حاولوا قتل مبادئه، حاولوا إطفاء نوره، فقال وهو يتبسم وينظر إلى البواب: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13] ثم قال كلمة أشبه بالمقطوعة الشعرية يقول: "ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أنَّى سرت فهو معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة".

    ابن تيمية يدخل على ابن قطلوبك السلطان السلجوقي -الذي ما يعرف يقرأ الفاتحة، مسلم لكن بالهوية- فيقول ابن قطلوبك يا بن تيمية وددنا أنا لو زرناك في بيتك فأنت عالم زاهد قال: دعنا من دركواناتك يا بن قطلوبك، كان موسى يأتي فرعون في اليوم مراراً وتكرارً، ثم قال له ابن قطلوبك: يا بن تيمية أصحيح ما قيل عنك؟ قال: وماذا قيل؟ قال: يزعم الناس أنك تريد ملكنا -يظن أن هذا الكرسي كل شيء- يقول ابن تيمية: ملكك؟ قال: نعم. قال: والذي نفسي بيده! ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً.

    خذوا كل دنياكم واتركوا     فؤادي حراً طليقاً غريباً

    فإني أعظمكم ثروة     وإن خلتموني وحيداً سليباً

    قال الذهبي في ترجمة عبد الملك وما أدراك ما عبد الملك؟! عبد الملك بن مروان خليفة دندنت له الدنيا وطنطنت ما يقارب ثلاثين سنة، نشر المصحف بين يديه صباح نهار ثم أغلقه وقال: هذا آخر العهد بك، قد صح هذا الكلام عنه، قال الذهبي: اللهم لا تمكر بنا، ملك الدنيا وقتل العظماء وذبح الملوك كذبح الدجاج، فلما أتته سكرات الموت نزل من على سريره وقال: يا ليتني ما توليت الخلافة، يا ليتني كنت غسالاً، قال سعيد بن المسيب: لما وصله هذا الكلام [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم]] وقال إبراهيم بن أدهم: [[نحن في عيش لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف]].

    ما هو العيش؟ أعيش الخبز والجرجير؟ أو عيش السيارة والفلة؟ أو عيش الملابس؟ لا والله، إن هذه يشترك فيها الناس جميعاً بل حظ الكافر أعظم من حظ المؤمن، فإنا نجد كثيراً من المؤمنين يسكن خيمة وينام على الرصيف ولا يجد كسرة خبز، بينما الكافر يتقلب كالحمار في النعم، يقول الله عنهم: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:3] ويقول أيضاً: الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] لكن حياة الإيمان، حياة القلوب والاتصال، حياة السجدات، حياة التسبيح والتهليل، حياة التوبة والاستغفار، وإني لأ عجب منكم أشد العجب وأسأل الله أن يثبتني وإياكم أن تحلوا في هذه البقعة الظالم أهلها وتحافظوا على مسيرتكم مع الله، حتى أني رأيت من الشباب من يحافظ على جزئيات السنة بيض الله وجهه، ورفع منـزلته، جزئيات السنة في بلد كافر ملحد وثني لا يعرف الله، وهذا من الانتصار على الشهوات، وهذا والله من توفيق الله للعدل أن ينتصر في مثل هذا المكان.

    حدثنا داعية من الدعاة بسند جيد: أن طالباً من طلابنا المسلمين ذهب إلى لندن في بريطانيا ليدرس -ولندن للإفادة والفائدة عاصمة بريطانيا وصل هذا الطالب المسلم وهو يحمل مبادئ لا إله إلا الله، وتربى على لا إله إلا الله، في قلبه شجرة الإيمان تهز أغصانها كل حين، فكلما أراد أن ينظر قال الإيمان: لا. وكلما أراد أن يقبل ويغني مع الموسيقى قال الإيمان: لا. وكلما أراد أن يمد يده إلى الكأس قال الإيمان: لا. ما تربى على جمع الطوابع والمراسلة وصيد الحمام والدجاج، وأغنية هل رأى الحب سكارى مثلنا، لا. ذهب هناك مؤمناً يحمل هوية الإيمان، فوصل ثم سكن مع أسرة بريطانية فأدخلوه في البيت مضطراً: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:119] فلما دخل كان يصلي الفجر في الجو القارس جو الثلج، يقوم إلى الصنبور فيتوضأ، فتقول عجوز بريطانية أعمى الله قلبها، قالت: لماذا لا تؤخر الصلاة عن هذا الوقت؟ قال: ديني أمرني أن أصلي في هذا الوقت، قالت: لو أخرت لأن البرد قارص قال: لو أخرت ما قبل الله مني، فهزت رأسها وقالت: هذه إرادة تكسر الحديد.

    ونعم والله إنها إرادة تكسر الفولاذ بل تكسر الصخور، انتصار الإيمان في بلد الطغيان، ولعلمكم حفظكم الله أن هؤلاء يبحثون عن السعادة وأنتم أدرى بذلك، حتى يأتي مؤلف دايل كارنيجي الذي ألف دع القلق وابدأ الحياة أو كارنيدي في لفظ وفي رواية ولا يضر الاختلاف، أتى فألف كتابه هذا كيف تصل إلى السعادة؟ كيف تزيل الهم؟ كيف تقضي على الغم؟ ولكن ما انتصر في الأخير قالوا: وأخذ سكيناً ونحر نفسه، فر من الموت وفي الموت وقع، عجباً لك.

    قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أُرْكَب

    فإنني جاهل بسيط     وصاحبي جاهل مركب

    يريد أن يهدي أمته ولكن ما اهتدى، ويريد أن يوصل نوراً إلى القلوب ولكن ما وصل النور إلى قلبه، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44].

    حرمان الرزق

    وأما المسألة الثانية والأثر الثاني للذنوب والخطايا فهي: حرمان الرزق، وحرمانه على قسمين عند العلماء:

    الأول: حرمانه أصلاً ووجوداً.

    الثاني: حرمانه بركة ونوراً.

    فأصلاً: تجده يعيش مملقاً عديم الرزق، يغلق الله عليه أبواب الرزق، ولذلك صح عن ابن عباس من كلامه أنه قال: [[إن للحسنة لبياضاً في الوجه ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، وضيقاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق]] وأما نقصان بركتها: فيغدق الله عليه ولكن نَّعمة لا تسمى نِعمة، ولذلك منع النور هنا، وبعض العلماء يقول: النَّعمة هي: ما يشترك فيها الحيوان والإنسان، والنِّعمة هي: ما يُستعان بها على طاعة الواحد الديان، فالنعمة هنا تجدهم مبخوسين منها لا حظ ولا نصيب ولا متعة ولا استغلال في طاعة المولى تبارك وتعالى وذلك حرمان الرزق.

    والرزق لا يطلب إلا من الله، وفي المجلد العاشر لـابن تيمية أن أبا القاسم المغربي سأل شيخ الإسلام بقوله: دلوني على عمل يقربني من الله، وعلى كتاب بعد القرآن يكون عليه اعتمادي في علم الحديث، وما هي أفضل السبل في طلب الرزق؟ -الشاهد في هذا السؤال، أفضل السبل في طلب الرزق أهي الزراعة أم الصناعة، أم التكنولوجيا، أن أكون ذا دواجن، أو أكون مراسلاً أو ماذا أفعل؟ أي: معنى السؤال، فوصل من فهمه للجواب- قال: أفضل السبل في طلب الرزق الاتكال على الواحد الأحد وتفويض الأمر إليه -انظر جوابات الموحد العظيم العبقري الفذ- وطلب الرزق إليه أنه لا يرزق إلا هو، ولا يعطي ولا يطعم ولا يسقي إلا هو، وليكن هذا الرزق عوناً على طاعته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فحرمان الرزق -يا أيها الإخوة- من أعظم آثار الذنوب والمعاصي، قال سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] ولكنهم ما آمنوا وما اهتدوا فأغلق الله عليهم أبواب البركات وأحرمهم الخيرات، ولذلك لا عبرة بهذه الكثرة الكافرة فيما يشهده الكافر أو يأكله فليس فيه بركة ولا هداية ولا نور ولا نتيجة.

    نسيان العلم

    الأثر الثالث: نسيان العلم، نقول: ما لنا ننسى، ما لنا نخطئ، مالنا لا نستحضر المعلومات؟! والجواب: يعود السبب إلى أحد أمرين:

    الأول: إما أن أصل الجبلة والفطرة مفطورة على هذا، وليس الذكاء حداً بين الناس أو قاسماً مشتركاً للتقوى، لا. ابن الراوندي هذا الكلب المعثر المجرم فيلسوف محسوب على الإسلام مثل ابن سينا كان يعترض على أمر الله، قال الذهبي عنه: الكلب المعثر ابن الراوندي الذي أتاه الله ذكاءً ولم يؤته الزكاء، كان ذكياً ولم يكن زكياً، قال الذهبي معلقاً -ولله در الذهبي -: فلعن الله الإلحاد بالذكاء، وحي الله البلادة بالتقوى، ابن الراوندي هذا محسوب على الإسلام وأخذ كسرة خبز على نهر دجلة فيأكلها -وكان ابن الراوندي فقيراً- فمر عليه عبد عنده خيول وبغال وبقر وغنم، فقال ابن الراوندي: لمن هذه؟ قالوا: لفلان قال: سبحان الله! -ويلتفت إلى السماء- يعطي العبد فلان الغبي البليد كذا وكذا ويتركني وأنا من أذكياء العالم ثم قال: هذه قسمة ضيزى ورمى بالخبز في النهر.

    وهذا إلحاد ولست أتكلم في ترجمة ابن الراوندي ولكن في نسيان العلم، وأن الذكاء لا يتقيد دائماً بالتقوى؛ لأننا نجد بعض الناس من لا يستحضر النصوص أو لا يعرف التخريج وهو من أفضل عباد الله في التقوى والورع، بل كثير من الأجلة في تاريخ الإسلام لا يحفظون أحاديث، وعندهم من التقوى والورع والقرب من الله أمر عجيب.

    ولكن السبب الثاني الذي أريد أن أقوله: الكسبي فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] النسيان وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] وبمفهوم المخالفة من لا يتق الله لا يعلمه الله.

    والذنب هذا في طلب العلم أمره عجيب، قال ابن الجلاد: نظرت منظراً لا يحل لي، فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى الحرام؟! والله لتجدن غبه ولو بعد حين، فنسيت القرآن بعد أربعين سنة، ذكر ذلك ابن تيمية ولكن ما ذكر اسم ابن الجلاد، وذكر الذهبي اسم ابن الجلاد وابن الجوزي قال: ابن الجلال ولا يهمنا ابن الجلال ولا ابن الجلاد، ولكن يهمنا العبرة من القصة.

    خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه     كلا جانبي هرشى لهن طريق

    وكيع وما أدراك ما وكيع! مدرسة مستقلة في الحديث وكيع بن الجراح الرواسي شيخ الإسلام حافظ الدنيا أمير المؤمنين في الرواية كان خاشعاً، قال الإمام أحمد: ما رأيت أخشع من وكيع. وكان إذا ذكر الله تنهل دموعه على لحيته، وكان من جهابذة السيرة والسنة، أتاه أحد الناس -قيل: الإمام الشافعي وقيل غيره- قال: يا وكيع! يقول الأطباء: إن الزبيب من أحسن شيء للحفظ -الزهري يرى ذلك، وذكره الذهبي وابن كثير، قيل للزهري الإمام المعتبر محمد بن شهاب الزهري: ما هو أحسن شيء في حفظ الحديث؟ قال: أكل الزبيب، وبعضهم يرى البطاطس، وبعضهم يحذر من الباذنجان كما يحذر ابن القيم من الباذنجان يقول: احذروا من الباذنجان فإنه يفسد الذهن، فقلنا: أما نحن سواءً أكلنا باذنجان أم لم نأكل فذاكرتنا ليست بجيدة، فعلى الأقل لا نخسر الباذنجان- على كل حال، فيقال لهذا العالم-وكيع -: ما هو أحسن دواء في الحفظ؟ قال: "ما رأيت والله للحفظ مثل ترك المعاصي". لله درك:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وقال اعلم بأن العلم نـور     ونور الله لا يهدى لعاصي

    قال مالك لـمحمد بن إدريس الشافعي: يا محمد! إني أرى عليك نجابة، وإني أرى لك إمامة في هذا الدين، فإياك والمعاصي فإنها تتلف العلوم، أو كما قال، ولذلك قال سبحانه: وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] قال ابن تيمية النسيان قد يكون في المعاني وفي الألفاظ بسبب عدم العمل بالعلم، ولذلك قال الله عن بني إسرائيل: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5] الحمار ضع على ظهره فتح الباري ورياض الصالحين وبلوغ المرام لا يتغير ولا يتأثر، والخبث الذي لا يتغير ذكره الله في سورة الأعراف حيث قال عزوجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:175-176] قال أهل العلم: الكلب إذا ترك في الشمس مد لسانه ولهث، وتدخله الظل مد لسانه ولهث، أي: أنه لا يتغير سواءً بسواء.

    إذاً هذا مثل الخبيث الذي لا يستفيد من العلم، ولا يتقي الله في العلم، ولا يوصله العلم إلى رضوان الله، ولذلك ألف الخطيب البغدادي كتاب اقتضاء العلم العمل، يعني: النتيجة من العلم العمل. الخليل بن أحمد الفراهيدي كان من أذكياء الناس حتى يقولون: قتله ذكاؤه، كان يفكر في الحساب وقال: لأجعلن حساباً تذهب به الجارية إلى البقال فلا يظلمها، فأخذ يتمتم ويفكر وأغمض عينيه فاصطدم بسارية المسجد، وكان الخطأ منه لا من السارية فمات رحمه الله رحمة واسعة، إنما الشاهد: الخطيب يقول: رؤي الخليل بن أحمد في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: أرأيتم تلكم العنون والعروض؟ قالوا: نعم. قال: ذهبت فما نفعني إلا ركعتين كنت أركعهما في السحر، والعروض هي: علم القافية

    مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن

    وليس معنى ذلك أن نزري بعلم العروض لكن أن المقصود من العلم العمل وتقوى الله الواحد الأحد، ولذلك كم روى أبو بكر للناس، وكم روى معاذ للناس، أحاديث قلائل وما تصدروا للرواية، ولكن كانوا قرآناً يمشي على الأرض رضي الله عنهم وأرضاهم، فحذارِ حذارِ.

    وأحذر نفسي والمقصرين من أمثالي: أن يجعلوا حواجب المعرفة والحفظ النظرة والنغمة والخطيئة والمعصية والسيئة.

    البغض في قلوب الخلق

    من آثار الذنوب البغض في قلوب الخلق، الحب هذا من الواحد الأحد يأتي من فوق سبع سماوات، والحب والقبول ليس يصنعه أحد، الجماهير تصنع للجماهير حباً مصطنعاً إذا كان بالحديد والنار، والجماهير تصفق للأشخاص؛ لأن وراءها حديداً وناراً وطوابير وجنوداً وبنوداً، لكن الحب هذا المتلقى من الواحد الأحد، الحب والقبول كما قال البخاري: باب المقة من الله، يقول في باب الرقائق: باب المقة من الله، يقصد: الحب ثم أورد حديث {إذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فيبغضه جبريل، ويقول للملائكة: إن الله يبغض فلاناً فيبغضونه، ثم يوضع له البغض في الأرض} وفي بعض الروايات وفي سنده نظر {إن الناس يشربون القبول -قبول بعض الناس- في الماء البارد، ويشربون بغضهم في الماء البارد}.

    ولذلك الحب هذا لا يتصنع فيه، وإنما يطلبه الإنسان المسلم من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ويعرف أنه إذا استقام مع الله رزقه الله قبولاً، وجعل لكلمته تأثيراً، وأتى عليه بالقلوب، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: وقد رأيت نفراً من الناس يتصنعون في كلامهم وفي مشيتهم ويكثرون من الصلاة والصمت والصيام والقلوب تنفر عنهم، ورأيت أناساً يكثرون من المزح ويتوسعون في غير المحرم والقلوب تنصب عليهم أو تلتف عليهم، أو كما قال، فعلمت أن الأمر في السرائر، وفي النيات اللواتي هي خفايا، ولكنها عند الله بادية للعيان.

    ومقصودي من هذا أيها الإخوة: أن يعرف العبد أن هذه النكايات والدعايات السيئة، والسمعة الباطلة ضد الأشخاص إنما هي من سوئهم مع الله، ينشر الله له البغض في الجيران والخلان والإخوان والقرى والمدن بسبب أنه عصى الله، قال عثمان رضي الله عنه وأرضاه: [[من تردى برداء ألبسه الله ذلك الرداء]].

    ولذلك -والله- نعرف أشخاصاً يريدون أن يحبهم الناس كثيراً، ويحاولون بكل وسيلة إلى ذلك، ويحاولون أن يوجدوا أمراً من الأمور يلفت الأنظار لحبهم، ولكن أبت القلوب، ونعرف أناساً ما حرصوا على حب الناس أو مدحهم أو ثنائهم وأقبلت إليهم القلوب بالدعاء والحب والشوق واللهفة، حتى يتمنى كثير من الناس الجلوس معهم، فعرفنا أن الحب من الواحد الأحد، وأنه هو الذي يعطي سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو الذي يمنع بسبب عمل العبد في الخلوة مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أو في العلانية، قال أبو الدرداء: [[ لو أطاع طائع ربه وراء سبعة أبواب، لأخرج الله آثار طاعته للناس، ولو عصى الله عاصٍ وراء سبعة أبواب، لأخرج الله آثار معصيته للناس]] أو كما قال، وهذا أمر معلوم فإنا ما عرفنا ذنوب الناس وما رأينا خطاياهم، وكثيراً من الفواحش التي يفعلها كثير من الناس ولا يدري بها حتى أبوه وأمه لا يدريان بهذا الذنب والخطيئة لكن البغض يتابعه، وكأن القلوب تقول: فعل شيئاً، وكأنها توحي بأمرٍ الله أعلم به.

    الوحشة بين العبد وربه

    ومن آثار الذنوب: الوحشة بين العبد وبين ربه، والوحشة أمرها عجيب، ونبأها غريب وسرها ومكمنها أنها تنسي العبد حلاوة الحياة وسعادتها، لا تنعم -والله- بأطفال ولا تهدأ -والله- في بال، ولا تعيش في خير حال، تبدو دائماً قلقاً مشذباً مندداً مزعزعاً حتى يقول ابن القيم: إن العاصي دائماً إذا سمع نفحة من ريح يظن أن الصوت عليه، قال تعالى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [المنافقون:4] ولذلك هو في وحشة، العاصي لو تحرك الباب خاف، لو سمع البوليس انتفض، لو أتت دعاية قال: ضدي، ولذلك:

    كاد المريب أن يقول خذوني

    فهي وحشة بينه وبين الله لأنه كما قيل: أوصدتم طرق الإجابة والقبول بينكم وبين الله، فكيف تطلبون حلاوة؟

    قيل لـأبي معاذ الرازي: أيجد العبد حلاوة الطاعة إذا هم بالمعصية؟ قال: لا والله، ولو فكر فيها، أي: إذا عمل معصية هل يجد حلاوة الطاعة؟ قال: لا والله، حتى ولو هم بها، مجرد هم لا يجد حلاوة الطاعة من الوحشة.

    والوحشة هذه لها آثار منها:

    الأول: أن العبد لا يثق في موعود الله، أي: آيات الرجاء، وآيات الخير وآيات الوعد الحسن لا يثق فيها ولا يجد فيها مصداقية، ولذلك يقرأ المصحف ويمر على آيات الجنة ورحمة الله عز وجل وكأنها ليست بآيات.

    الثاني: لا يحسن ظنه بربه في لقائه، ولذلك جعلوا حسن الظن بالله من حسن العمل.

    الثالث: أنه لا يتهم نفسه؛ لأنه في وحشة، ولأنه يرى أن ما بينه وبين الله مقطوع، فلا يعيش سهاماً لنفسه، حتى قالوا: إن من أسباب هذا قضية النفاق، قال الحسن البصري: [[لا يخافه إلا مؤمن، ولا يأمنه إلا منافق]] والنفاق والوحشة هذه تصاحب العبد حتى يريد أن يقضي عليها وينهي عليها ببعض المجريات والأمور لكن يأبى الله، الآن بعض الفسقة أكثر الناس ضحكاً لا يضحك مثل الناس بل يقهقه قهقهة؛ لأنه مكبوت، ولأن في قلبه شدة وغلظة وفزعاً وقلقاً وخوفاً فيريد فرصة ينفذ بها إلى هذا المرح، تجده يزجي الأوقات في مجلة خليعة أو أغنية ماجنة أو مسلسل مهدم أو فيديو مخرب أو جلسة لاغية لاهية، ولذلك يخاف إذا سمع القرآن.

    والله! لقد سمعنا بعض العصاة إذا سمع الراديو على القرآن يقول: لا، لا، دعونا نرتاح، دعونا نأكل العيش، دعونا نطمئن قليلاً؛ لأن القرآن هذا يستنفر طاقته ويؤنبه ويبكته ويوقفه أمام الله في محاسبة، ويدخل عليه من أقطار الناس ولذلك يخاف ويوجل، إنما يهدأ مع الموسيقى، الموسيقى الإيطالية قبل النوم، أو الألمانية بتهوفن، ولذلك يستيقظ على الموسيقى، ويمسي على الموسيقى.

    قسوة القلب أو موته

    القضية السادسة: قسوة القلب أو موته وهي درجتان: ذكر في القرآن القفل، والطبع، والران، وهي منازل بل ذكر بعض العلماء أن هناك عشرين منـزلة للقلب تبدأ بالغين {إنه ليغان على قلبي} وتنتهي بالقفل، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء:155] وقال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] موت القلب لا يحس.

    ومن يهن يسهل الهوان عليه     ما لجرح بميت إيلام

    قال سيد قطب كذلك في قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135] يقول كلاماً معناه: إن ثقل الدم واللحم قد ينتهي في بعض الناس إلى أن يتبلد إحساسه، ولكن تأتي الفطرة الحقة -أو كما قال- فتستيقظ فيعود إلى الله عز وجل، وتجد بعض الناس من يرتكب من الذنوب والخطايا مثل الجبال ولكن ما يحس، تقول له: لا تغتاب، قال: الغيبة سهلة، إسبال الثوب، قال: هذه من القشور، حلق اللحى، قال: الأمر سهل ليس الإسلام قضية حلق لحى ولا إسبال ثوب، يفتفت الدين فتفتة ويمزقه تمزيقاً، وما عرف عند السلف قشور ولا لباب، هذه كلمة مستوردة وغير مسئولة ولا يقولها طالب علم، بل الدين لباب كله، أتى به معلم الخير عليه الصلاة والسلام، بل أتى بلا إله إلا الله، وفي الحديث: {إماطة الأذى عن الطريق صدقة}... الحديث فالدين كله لباب.

    وقسوة القلب أو موته تأتي من وقوف الإنسان أمام المعاصي والخطايا والزلات، فتجده قاسي القلب لا يتأثر قال سبحانه: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ [البقرة:74] وابن تيمية يرى في درء تعارض العقل والنقل في المجلد الثاني يقول: كل خطاب لبني إسرائيل فإن المقصود به نحن، على قول المثل السائر: "إياك أعني واسمعي يا جارة" نحن المخاطبون بهذا الخطاب، وقال سبحانه: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    إخوتي في الله! ابن القيم في مدارج السالكين يذكر أسباباً لقسوة القلب منها:

    الأول: الذنوب والخطايا، وهذا موضوعنا.

    الثاني: كثرة المباحات، مثل: كثرة الكلام بغير ذكر الله، وكثرة الطعام بغير حاجة، وكثرة النوم، وكثرة الخلطة، هذه من أسباب قسوة القلب. وقد فصلها بكلام عجيب، أما موته فنعوذ بالله من موت القلب: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    وأما قسوته فإنها تحدث للمؤمن وسئل عبد الغني المقدسي كما ترجم ابن رجب له في ذيل طبقات الحنابلة أو أبو يعلى في كتاب الطبقات قيل له: ما صحة الحديث: [[أن أبا بكر مر على قوم فوجدهم يبكون -من الصحابة- فقال: كنا كذلك حتى قست قلوبنا]] ويروى عن أبي بكر ذلك، وسببه بعض شواغل الحياة التي تحدث للمؤمن، فقد يقسو قلبه بذلك وهو ليس آثماً في هذا، بسبب شغل مباحٍ أو لم يشتغل بالرقائق مثل: المجاهد في سبيل الله، لا تجد قلبه كالعاكف في المسجد المصلي المسبح يبكي، ولكن المجاهد الذي يعيش مع السيف والدبابة والطائرة قد لا يجد من الرقة مثل ما يجد هذا، والآخر يعذر ويشكر على هذا ولو أن المطلوب فيه أن يكون كاملاً من كل جهة.

    أما القسوة التي يلام عليها العبد فهي ترك ذكر الله، والإدبار والإعراض عن تدبر القرآن الكريم، وعدم تذكر الموت ولقاء الله عزَّ وجلَّ.

    ضياع العمر

    الأثر السابع: ضياع العمر، كل شيء يتعوض إلا العمر، وكل شيء إذا ذهب ربما تستعيده من طريق أو أخرى إلا العمر.

    ما مضى فات المؤمَّلُ غيب     ولك الساعة التي أنت فيها

    قال سبحانه: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] وما تذكر فيه من تذكر موصولة بمعنى: الذي يتذكر ما تذكر، أو مصدرية أي: تذكر من يتذكر في هذه الحياة، وقال سبحانه: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:112-113] فلامهم الله عز وجل فقال: قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:114-116].

    عند البخاري عن ابن عباس مرفوعاً {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ} وأعظم ما يضيع العمر الغالي المعاصي، وأحرص ما حرص عليه السلف الصالح العمر، وإذا أتت المعاصي ذهبت الدنيا والآخرة والعياذ بالله، إن السلف كانوا يخافون من المباحات على الأوقات، والآن نحن أخذتنا المعاصي لا المباحات في الأوقات، فأسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.

    قيل لـكرز بن وبرة -أحد العباد-: اجلس معنا، قال: امسك الشمس وأجلس معك، معناه: الشمس تذهب وتأتي وتقرب الأعمار.

    نروح ونغدو لحاجاتنا     وحاجة من عاش لا تنقضي

    تموت مع المرء حاجاته     وتبقى له حاجة ما بقي

    أشاب الصغير وأفنى الكبير     كر الغداة ومر العشي

    إذا ليلة هرمت يومها     أتى بعد ذلك يوم فتي

    وقال آخر:

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثواني

    وإن من المآسي التي شهدها كثير من المسلمين -فأنا لا أتحدث عن الكفار، فهؤلاء لا حسبان لهم في هذا الكلام، وهؤلاء في منأى، هؤلاء لا يوجه لهم الكلام؛ لأنهم أبطلوا وصولهم وضيعوا اتجاههم مع الله عز وجل، لكن على المسلمين- أعظم ما مني به المسلمون -إلا من رحم ربك- ضياع الوقت، ضياع العمر، فكيف إذا كان في المعاصي؟! كيف إذا كان في الخطايا؟!

    عواقب الذنوب في الآخرة

    أما آخر عقوبة للمعاصي -يا طلبة العلم ويا أهل الفضل والخير- فهي عقوبات في الآخرة ذكرها الله في كتابه ورسوله عليه الصلاة والسلام وتوعد بها، فللزاني عقوبة، ولشارب الخمر عقوبة من نوع آخر، وللقاتل عقوبة، وللكاذب عقوبة، ولعاق الوالدين عقوبة، فنعوذ بالله من عقوبات الله، ومن غضبه، ومن شر أليم عذابه.

    رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:193] وأنا لا أملك إلا أن أقول في ختام هذه المحاضرة قبل الأسئلة بيتين جميلين يقول أحد الصالحين:

    يا رب إن الملوك إذا شابت عبيدهم     في رقهم عتقوهم عتق أبـرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرمـاً     لقد شبت في الرق فاعتقنا من النار

    إنها -والله- مقصد كل مؤمن أن يعتق من النار فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران:192] تهاوت الشهادات، واحترقت الشهرة، وضاع الظهور، وانتهت المناصب، وتدكدكت الوظائف، وما بقي إلا وجه الله، والعمل له سبحانه، والإخلاص لطلب ما عنده.

    سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182] وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    من جمع بين الخلق والدين سهلت محبته

    السؤال: ذكرت في أثناء المحاضرة أن من أحبه الله أحبه الناس، ولكن نجد في عالمنا المعاصر أناساً -أشراراً- وهو محبوبون من كثير من الناس المسلمين، ونجد أخياراً وهم مكروهون من قبل المسلمين، فكيف يكون ذلك؟

    الجواب: الذي قاله الأخ الكريم مخالف للنقل والعقل والحس والعادة، والدليل على ذلك من النقل ما سمعتم من المحاضرة، وأما من العقل فإنا نقول: يستحيل ذلك، فإن الناس كما يقول ابن تيمية في المجلد الأول من الفتاوى: إنما يحب بعضهم بعضاً على منافع، ثم قال: من استغنيت عنه فأنت نظيره، ومن احتاج إليك فأنت أميره، ومن احتجت إليه فأنت أسيره. هذه مثل كلمة الخليل بن أحمد تحتاج إلى حفظ وشرح، يقول الخليل بن أحمد: الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك غافل فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذاك جاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذاك أحمق فاتركوه. إنما المقصود هنا: أنا أقول للأخ: من أين حصلت لنا على هذه الوثائق والبراهين والأدلة؟ لعلك رأيت نماذج، لكن أقول: على خلاف ما ظننته وزعمت حفظك الله، يعني: من جلوسي في هذا المكان نتكلم عن هذه القضية.

    فهي ليست عداوة فحسب، لكن الوثائق التي ذكرها الأخ ليس عنده أدلة وبراهين على ما قال، نقول: إن سبب حب الأشرار من بعض الناس من المسلمين لمصالح، ولذلك جعل الحب في الله أن تحبه ليس إلا لله، واجتمعا في الله وافترقا عليه لله، وأما كره بعض الصالحين فلأسباب، فإنه قد يوجد سبب عند بعض الصالحين تكرههم من أجله حتى إن كان من الأخيار، مثل بعض الناس خيِّر يقوم الليل، ويصوم النهار، ويصلي ركعتي الضحى، ويقرأ القرآن، ويتوجه إلى الله، لكن فيه شراسة تقطع الحبال، أي: إذا نظرت إليه تقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وإذا تكلمت معه ما يمكن، حتى وجد في تاريخ الإسلام تراجم لبعض العلماء ما كان إلا بالضرب، العصا جاهزة، ولذلك تجد من بعض طلابهم والصالحين كراهية لهم لهذا السبب، وتجد في بعض الأشرار دواعٍ وأسباباً مع فجوره تحببه لهذا مثل ماذا؟ مثل: أنه خلوق يستقبلك بابتسامة وبمعانقة وبحرارة، فيحبه حباً وقتياً لمنفعة خاصة.

    إذاً قد بطل السؤال من أوله إلى آخره والحمد لله وأصبح قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً [طه:106-107].

    الطاعة تؤدي إلى انشراح الصدر حتماً

    السؤال: تعرضتم لقضية انشراح الصدر مع الطاعة والإيمان، ولكن نجد بعض أهل الإيمان من الصالحين يصاب بأشياء يقال: بأنها أمراض نفسية مثل: الهم والحزن والاكتئاب وضيق الصدر، فهل هذا يعني أن في إيمانه خللاً أو في إخلاصه، أم أنها أمراض مثل أمراض الجسد مع التعقيب على ضوء الآية: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125].

    الجواب: يا أخي! ما ذكرته صحيح وهو واقع ويحمل على أحد محملين اثنين:

    المحمل الأول: أن يعاقب العبد بسبب ذنوبه بهذه الأمور، كأن يكون ناقص الإخلاص فيصاب بهم وغم وحزن، أو ينظر نظرة غير مسئولة محرمة، أو يسمع أغنية -وما أعني بذلك أنه خرج من الإسلام- فيصاب بكدورات وعقوبات وسيئات وجزاءات في الحياة الدنيا.

    المحمل الثاني: يقولون: أن تكون رفعاً لمنـزلته، أي: قضاءً وقدراً من الله عز وجل ليرفع منـزلته فيبلى عليها ويؤجر عليها إذا صبر، كالمرض العضوي، كالحمى، ومرض السرطان وغيره من الأمراض، يصاب بهذا فيرفع الله منـزلته، واختلف العلماء من أرباب القلوب، هل أعظم الطرق لانشراح الصدر السرور أم الحزن وتذكر ما عند الله عز وجل والقلق من هذه الحياة؟ قال الحسن البصري: طريق الحزن، وأتى ابن القيم مع أبي إسماعيل الهروي بمنـزلة من منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قال: ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] منـزلة الحزن، ثم أتى بحديث ضعيف عن المصطفى عليه السلام قال: {وكان متتابع الأحزان} ولكن شيخ الإسلام الأستاذ الكبير ذاك يقول: الحزن ليس من منازل السائرين إلى الله، ولا يؤجر عليه العبد إلا إذا كانت مصيبة صبر لها واحتسب، ولا يطلب من العبد أن يكون حزيناً، بل الرسول صلى الله عليه وسلم أشرح الناس صدراً: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1] فتش في جوانحك وابحث في خفاياك أما وجدناك أشرح الناس صدراً.

    إذاً فليس الحزن مطلوب وليس من منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وهذه المنـزلة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله ليست بصحيحة وحديثها ضعيف -فليعلم ذلك- وإنما يكون على أمرين: إما ذنب فيكون جزع، وإما أن يقدر على العبد فيرفع به منـزلته فيكون مما يثاب عليه العبد مثل: الأمراض العضوية فليعلم هذا.

    غسيل الذنوب التوبة

    السؤال: ذكرت أن آثار الذنوب، ولكن أود أن أعرف كيفية غسل هذه الذنوب؟

    الجواب: هي لا تغسل بشامبو ولا بصابون، وإنما تغسل بالاستغفار والتوبة وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] وخاصة للمبتدئ، الطرق يا أخي معروفة، الطريقة المحمدية الشرعية، تبدأ بالصلوات الخمس في المسجد، وتبدأ بتدبر القرآن وبالاستغفار، وأمور التخلية عن المعاصي أمرها عظيم، فغض البصر، يستهين به بعض الناس حتى من المستقيمين، ووالله ما يفتك بالإيمان مثل إطلاق البصر، وإنه أسباب كل شر. حتى ابن القيم وهو يكتب عن آثار إطلاق البصر نسي نفسه، وأتي بكتاب الجواب الكافي في إطلاق البصر، بل بعضهم نظر نظرة أودت بإيمانه وبحياته ومستقبله مع الله، هذا ثم قس على الذنوب ذلك، فلذلك أرى التخلي عن المعاصي.

    رأيت الذنوب تميت القلوب     وقد يورث الذل إدمانها

    وترك الذنوب حياة القلوب     وخير لنفسك عصيانها

    أيها الإخوة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وإلى لقاء آخر، وإني لأعتذر عن بقية الأسئلة لضيق الوقت.