إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب الصلاة [3]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقول عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ليقطع بذلك أي توسع وأي زيادة أو نقصان في الصلاة، وذلك لأهميتها فإنه لا ينبغي على الإنسان أن يصلي لله عز وجل وينتهج منهجاً غير الذي رسمه وبينه ووضحه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    صفة الصلاة

    تكبيرة الإحرام وصفتها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صفة الصلاة.

    وإذا قام إلى الصلاة، قال: الله أكبر، يجهر بها الإمام وبسائر التكبير، ليسمع من خلفه ويخفيه غيره ].

    من السنة، أن يجهر الإمام بالتكبير، وأن يسرالمأموم.

    وأول أركان الصلاة تكبيرة الإحرام، ولا تنعقد الصلاة إلا بها، ومعلوم أن النية تتقدمها، وكذا استقبال القبلة، والطهارة، فكل هذه شروط تتقدمها، ثم إن أول ركن من أركان الصلاة أن يقول: الله أكبر، ولا يجزئ غيرها، فإذا قال: الله الأعظم أو الأجل لا يصح، ولا بد من الإتيان بها للإمام والمأموم والمنفرد، فمن لم يكبر بتكبيرة الإحرام فصلاته باطلة، وقوله: (يجهر بها الإمام حتى يسمع من خلفه)، لا يخصها وحدها بل كذلك ينبغي أن يجهر بباقي التكبيرات، وقد كان بنو أمية يسقطون التكبيرات، وهذا من الأشياء التي أحدثوها وهي خلاف السنة، فالسنة إثبات التكبيرات -تكبيرة الإحرام وتكبيرة الانتقال- إذ إن لكل صلاة تكبيرات انتقال مع تكبيرة الإحرام، وعددها اثنان وعشرون تكبيرة في الرباعية، وسبع عشرة في الثلاثية، وست عشرة في الثنائية، وكلها لا بد منها، لكن التكبيرة الأولى وهي تكبيرة الإحرام ركن بالاتفاق، ومن لم يأت بها بطلت صلاته، ولا بد أن تكون بلفظ التكبير، فإذا أبدله بغيره لم يصح، وهذا يروى عن أبي حنيفة أن يقول: إنه يصح أن يقال: الله الأعظم أو الأجل، وهذا ضعيف ولا يعتمد عليه.

    وقد يقول قائل: كيف كان بنو أمية ينتقلون من ركن إلى ركن بدون تكبير؟

    والجواب: أنهم كانوا يسكتون، ولهذا لما كبر بعضهم أنكر عليه بعضهم وقال: ما رأيت شيخاً أحمق من هذا الشيخ كان يكبر على أن تلك هي السنة، وقيل: أن بعض التابعين روى ذلك عن ابن عباس .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويرفع يديه عند ابتداء التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه ].

    ومن السنة أن يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام حتى تكون حذو منكبية، أو إلى فروع أذنيه، وذلك لما جاء في الصحيحين وغيرهما أنه كان يحاذي منكبيه، وجاء في حديث آخر أنه كان يحاذي فروع أذنيه، وقد اصطلح العلماء في الجمع بينهما، فمن العلماء -كـالنووي وغيره- من قال: إن أطراف الأصابع تحاذي فروع الأذنين، والكف يحاذي المنكبين.

    والقول الثاني: أن يفعل الصفة الأولى تارة والثانية تارة، وهذا هو الصواب، ويكون هذا الاختلاف من اختلاف التنوع لا التضاد، يرفع المصلي يديه في أربعة مواضع في: تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعن الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، ويكون الرفع في هذه المواضع الأربعة، تارة إلى فروع الأذنين، وتارة إلى حذو المنكبين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويرفع يديه عند ابتداء التكبير إلى حذو منكبيه أو إلى فروع أذنيه ويجعلهما تحت سرته ].

    قوله: يرفع عند التكبير، أي: يبدأ الرفع عند التكبير وينتهي عند التكبير، وهذه هي السنة، أما ما يفعله بعض الناس من رفع قبل التكبير أو لا يرفع إلا بعد التكبير فهو خلاف السنة، إنما السنة أن يرفع يديه عند ابتداء التكبير وينهيه مع نهاية التكبير. أما جعل اليدين تحت السرة فهو ضعيف؛ لأنه ورد من حديث علي رضي الله عنه: (من السنة قبض اليمين على الشمال وجعلهما تحت سرته)، وهذا حديث ضعيف، والصواب حديث قبيصة بن هلب أنه يضعهما فوق صدره، فيضع اليمين على الشمال ويضعهما فوق صدره، وهذا هو الثابت والسنة.

    وعلى كل حال فالرفع كله سنة، لكن السنة أن يكون عند ابتداء التكبير وينهيها مع انتهاء التكبير، ولو ترك هذا لا يأثم، لأن ذلك ليس بواجب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويجعل بصره إلى موضع سجوده ].

    ومن السنة في الصلاة كذلك أن يجعل بصره إلى موضع سجوده؛ حتى لا يتشتت فينظر يميناً وشمالاً، وإنما يجعل بصره على موضع سجوده؛ ليكون بذلك أخشع له.

    دعاء الاستفتاح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ].

    وهذا الدعاء يسمى: دعاء الاستفتاح، فبعد أن يكبر تكبيرة الإحرام، يسن له أن يستفتح بهذا الدعاء ويقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. فقوله: (سبحانك) تنزيهاً لله، أي: ننزهك يا الله! تنزيهاً لائقاً، قوله: (وبحمدك) أي: أجمع لك بين التنزيه والتحميد، وقوله: (وتبارك اسمك) من البركة، أي: تبارك اسمك يا الله! فإن البركة تنال باسمك، وقوله: (وتعالى جدك) أي: ارتفعت عظمتك، فالجد معناه هنا: العظمة، والجد له معان: فيطلق على العظمة كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا [الجن:1-3]، أي: عظمته.

    ويطلق الجد على أب الأب، ويطلق الجد على الحظ، ومنه الدعاء الوارد بعد الصلاة: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينفع صاحب الحظ منك الحظ، والمراد بصاحب الحظ أي: حظه من الجاه والمال والغنى والسلطان، كل ذلك لا ينفع إلا إذا استعمله المرء في طاعة الله.

    قوله: (ولا إله غيرك): فالإله هو المعبود، والمعنى: ولا معبود بحق سواك.

    ويزيد بعض العامة: (ولا معبود سواك) وهذا غلط؛ لأن معنى: (لا معبود سواك) هو نفسه: (لا إله غيرك) فتصبح زيادته تكراراً لا معنى لها.

    وهذا الدعاء هو أقصر ما ورد في الاستفتاح، وهو أفضل الاستفتاحات؛ لأن المرء إذا أتى به فقد أتى بتنزيه وثناء على الله، وثبت أن عمر رضي الله عنه كان يلقنه الناس على منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك استفتاح آخر وهو أصح منه، وهو أن يقول: (اللهم! باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم! نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم! اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، وقد رواه الشيخان عن أبي هريرة، وإن كان الأول ثابت لكنه أفضل في ذاته؛ ولأن فيه ثناء وتنزيه لله عز وجل وإن استفتح باستفتاحات أخرى مثل ما جاء في حديث عائشة في صحيح مسلم : (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، فحسن.

    وقد ثبت استفتاح آخر وهو: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحيياي ومماتي لله رب العالمين، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين) وهو استفتاح طويل، وقد وردت في قيام الليل استفتاحات طويلة، في بعضها الشهادة بأن الجنة حق وأن النار حق وأن النبيين حق وأن الساعة حق.. وهو استفتاح طويل رواه ابن عباس ، كذلك: (اللهم رب جبرائيل..)، ورد في قيام الليل، أما في الفريضة فيستفتح بأحد الاستفتاحين: إما: (سبحانك اللهم وبحمدك..)، أو (اللهم باعد بيني وبين خطاياي..)، فهما استفتاحان مختصران، أحدهما أصح من الآخر، والثاني أفضل في ذاته وأخصر ويحفظه العامة والخاصة، أما: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، فهو وإن كان أصح فقد رواه الشيخان إلا أن بعض الناس لا يحفظه، والأمر في هذا واسع، ودعاء الاستفتاح غايته أنه مستحب وليس بواجب وهو سنة.

    وكل صلاة لها استفتاح، سواء نافلة كصلاة التراويح والرواتب والقيام، أو فريضة كالصلوات الخمس.

    ولا يشرع الجمع بين الاستفتاحين، ولكن يستفتح بهذا تارة وهذا تارة، وهذه هي السنة.

    ولو قال قائل: هل يستفتح إذا جاء المصلي أثناء الصلاة؟

    والجواب: أنه إذا كانت الصلاة سرية ولا يخشى أن يركع الإمام فيستفتح، أما إذا خشي المصلي أن يركع الإمام فيقتصر على الفاتحة؛ لأن الفاتحة واجب في حق المأموم، ودعاء الاستفتاح مستحب، أما إذا جاء في الصلاة الجهرية فلا يستفتح، بل يقتصر على الفاتحة؛ لأنه مأمور بالإنصات، والفاتحة مستثناة على الصحيح، وجمهور العلماء يرون أن الفاتحة لا تقرأ في الصلاة الجهرية، وأن قراءة الإمام كافية.

    ومن الاستفتاحات الواردة أيضاً: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. وإذا استفتح بهذا فهو حسن.

    حكم الاستعاذة والبسملة قبل قراءة الفاتحة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ].

    ويسن للمصلي كذلك بعد التكبير والاستفتاح أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى (أعوذ) أي: ألوذ وألتجئ وأعتصم بك يا الله! من شر هذا الشيطان العدو اللدود، الذي يريد أن يفسد علي عبادتي، فهي استعاذة والتجاء واعتصام واحتماء بالله عز وجل من شر الشيطان.

    ولا يصح أن يتعوذ في كل ركعة، بخلاف (البسملة) فإنها مستحبة في كل ركعة قبل الفاتحة وقبل أول كل سورة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ولا يجهر بشيء من ذلك: لقول أنس : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ].

    والسنة عدم الجهر بالبسملة، وهي مستحبة في كل ركعة كما سبق، أما التعوذ فيكون في الركعة الأولى، ولا يجهر بها كما في حديث أنس وفي رواية أخرى: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فلم أرهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءتهم ولا في آخرها)، وجاء في غير الصحيح: أنهم كانوا يسرون، والسنة الإسرار فيتعوذ سراً ويبسمل سراً، وإن جهر بها بعض الأحيان لتعليم الناس فلا بأس، فإن أبا هريرة جهر بها والشافعية يرون الجهر بها، لكن الأفضل والسنة عدم الجهر بل يسر بها، ويبدأ الجهر بـالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2].

    ولا يشرع لمن جهر بها سجود السهو؛ لأن العلماء يقولون: الجهر والإسرار من السنن.

    الأقوال الواردة في قراءة المأموم للفاتحة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وفيما لا يجهر فيه ].

    ولا بد لكل مصل أن يقرأ الفاتحة، سواء كان إماماً أو منفرداً، ومن لم يقرأها في كل ركعة لم تصح صلاته، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، ولا بد أن يأتي بها كاملة بحروفها، وهي إحدى عشرة شدة، إذا أسقط حرفاً من حروفها بطلت الصلاة، ولا بد أن يأتي الإمام بالفاتحة فإنها ركن في حقه، أما المأموم فقد اختلف العلماء في حكمها، فقال جمهور العلماء: إنها تسقط عن المأموم ويكتفي بقراءة الإمام ولا سيما في الصلاة الجهرية، وقال آخرون: يقرأ في السرية ولا يقرأ في الجهرية، وقال آخرون: إن قراءة الفاتحة مستثناة ولا بد من قراءتها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فتكون مستثناة من الأمر بالإصغاء للإمام، والأقرب أن يقرأها المأموم ولو في الجهرية فإن سكت الإمام قرأها مترسلاً، وإلا سردها، لما جاء في الحديث أن النبي قال: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟! قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)، وهو حديث سنده جيد وهو من حديث عبادة بن الصامت، فتكون الفاتحة على الصحيح مستثناة من قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204]، وقد أجمع العلماء على أن هذا الأمر بالإصغاء تدخل فيه الصلاة، فيجب الإنصات إلا عند قراءة الفاتحة، وفي صحيح مسلم في الحديث: (وإذا قرأ فأنصتوا)، يستثنى منه الفاتحة وتكون الفاتحة مستثناة ويقرؤها المأموم.

    ومن قال: يقرأ في السرية والجهرية، استثنى فيما إذا أدرك الإمام راكعاً فإنها تسقط عنه في هذه الحالة لحديث أبي بكرة أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، ثم دب دبيباً حتى دخل في الصف، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (زادك الله حرصاً ولا تعد)، أي: لا تعد فتركع قبل أن تدخل في الصف، ولم يأمره بقضاء الركعة، فدل على أن الفاتحة تسقط عن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً.

    وذهب آخرون من أهل العلم أنها لا تسقط حتى لو أدرك الإمام راكعاً، ويقضي هذه الركعة إذا لم يقرأ الفاتحة، وممن ذهب إلى هذا الإمام البخاري رحمه الله، وشدد في هذا وألف مؤلفاً خاصاً سماه (جزء القراءة).

    فتكون الأقوال في هذا:

    القول الأول: تسقط عن المأموم مطلقاً سواء في السرية أو الجهرية، فلا يقرأ المأموم مطلقاً.

    القول الثاني: يقرأ في السرية ولا يقرأ في الجهرية.

    القول الثالث: لا بد من قراءتها في السرية والجهرية إلا أنها تسقط عن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً.

    القول الرابع: لا تسقط ولو أدرك الإمام راكعاً.

    وأرجح هذه الأقوال كما تقدم هو أن المأموم يقرؤها في سكتات الإمام، فإذا لم يكن للإمام سكتات سردها، إلا إذا أدرك الإمام راكعاً فإنها تسقط عنه جمعاً بين النصوص.

    ولا يدخل المسبوق في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، فإنه معذور ولم يستطع قراءة الفاتحة، ولذا يتحملها عنه الإمام، وتسقط عنه في هذه الحالة، ومن لم يستطع قراءتها وجاء في آخر الركعة له حكم من أدرك الإمام راكعاً، وكذلك إذا نسيها فإنه يكون معذوراً؛ لأنها واجب مخصص، وكما لو قلد من يقول من أهل العلم بأن المأموم لا يقرأ في الجهرية فصلاته صحيحة؛ لأنها واجب مخصص أقل من الركن، بخلاف الإمام والمنفرد فهي ركن في حقهما، فلا تسقط مطلقاً.

    والمسبوق الذي يجد الإمام ساجداً أو جالساً أو على أي حال فيدخل معه ولا ينتظر حتى يقوم إلى ركعة جديدة.

    ومن تركها سهواً أو عمداً أو جهلاً بطلت صلاته، وإذا ترك الإمام في ركعة سقطت هذه الركعة وصارت الركعة التي بعدها عوضاً عنها، أما المأموم:

    فقد اختلف العلماء فيها على أقوال:

    منهم من قال أنها مستحبة في السرية والجهرية واستدل بحديث: (من كان له إمام فقراءته له قراءة)، لكنه حديث ضعيف عند أهل العلم.

    وقال آخرون: تجب في السرية وتستحب في الجهرية، وهذا مذهب الجمهور.

    وقال آخرون من أهل العلم: إنها واجبة، لكنها واجبة واجباً مخصصاً، وليست ركن في حقه في الجهرية والسرية، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وقالوا إن هذا عام، وأنها مستثنى مخصص لقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204]، وقوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم: (وإذا قرأ فأنصتوا)، يعني: الإمام، فاستثنوا منه الفاتحة، واستدلوا بحديث: (لعلكم تقرءون خلف إمامكم، قالوا: نعم، يا رسول الله! قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)، وهو حديث لا بأس به من أحاديث البلوغ، فيكون مخصصاً للعموم، وهذا هو الأرجح، فيقرأها في سكتات الإمام إن كان له سكتات، وإن لم يكن له سكتات سردها، وهذا هو الأحوط. فإذا جاء والإمام راكع سقطت، أو إذا جاء ولم يتمكن من قراءتها أو نسيها أو قلد من يقول بأنها ليست واجبة تسقط في حقه.

    استحباب قراءة سورة من القرآن بعد سورة الفاتحة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم يقرأ بسورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي سائر الصلوات من أوسطه ].

    والسنة أن يقرأ سورة بعد الفاتحة في جميع الصلوات في الركعة الأولى والثانية من الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وتكون في الفجر من الطوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، والمفصل من أول سورة (ق)، وطواله إلى (عم) ومن (عم) إلى الضحى من أوساطه، ومن الضحى إلى آخر القرآن من قصاره، وينبغي للإمام أن يقرأ في الأغلب من طواله، وإنما يقرأ كثيراً من المفصل لما فيه من فائدة للمأمومين بحفظ سور المفصل، وإن قرأ من غير المفصل فلا حرج. وأول المفصل سورة (ق) فيقرأ مثلاً: (ق)، والذاريات والنجم والطور والمجادلة والحشر والصف.. وهكذا وإن قرأ بغيرها فلا بأس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ الستين إلى المائة في الفجر كما جاء في الأحاديث الصحيحة.

    (وفي المغرب من قصاره)، يعني: في الغالب، ولكن لا مانع أن يقرأ من طوال السور في بعض الأحيان، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: القمر والمرسلات والطور، وثبت أنه قرأ أيضاً بسورة الأعراف، وقد فعلها مرة واحدة وهي جزء وربع، ولا ينبغي للإمام أن يكثر من قراءتها؛ لأن هذا قد يشق على الناس، وقد يسبب فتنة لبعضهم، إلا إذا كان في مكان خاص، أو في بلدة خاصة، أو في مزرعة، واتفق أن يقرأ معهم سورة الأعراف، فلا بأس أن يفعل السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قرأها مرة واحدة، وينبغي للإنسان أن ينوع ولا يلازم القصار دائماً، وقيل: إن ملازمة القصار في المغرب سنة مروان الحمَّار، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فكان يقرأ أحياناً وأحياناً، وقراءته في الغالب من القصار، وفي بعض الأحيان يقرأ من الطوال، كما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالمرسلات، فيقرأ الإمام المرسلات تطبيقاً للسنة، وله في بعض الأحيان أن يقرأ من سورة الطور، أو من سورة القمر، لكن ينبغي أن تكون غالب قراءته من القصار، وفي الظهر والعصر والعشاء من السور متوسطة الطول، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ : (أفلا قرأت بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1].. وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك ].

    ومن السنة أن يجهر الإمام في الفجر وفي الأوليين من المغرب والعشاء، وفي الجمعة وفي صلاة الكسوف وفي صلاة العيد ويسر فيما عدا ذلك.

    الركوع وصفته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول ].

    ويسن أن يكبر للانتقال للركوع والسجود والرفع، وهذه تكبيرات مستحبة عند جمهور العلماء، والقول الثاني: أنها واجبة وهو مذهب الحنابلة، والقول بوجوبها قوي، فتكبيرات الانتقال، وقول: سمع الله لمن حمده، وقول: رب اغفر لي، وسبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، كلها مستحبة عند الجمهور وهي واجبة عند الحنابلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حافظ عليها، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والركوع هو الركن الرابع من أركان الصلاة، وبعد تكبيرة الإحرام والقيام والفاتحة، وهو أن يهوي ويضع يديه على ركبتيه، ويلقم راحتيه ركبتيه، ويمد صلبه ويجعل رأسه محاذياً لظهره لا يرفعه ولا يخفضه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يضع يديه على ركبتيه، ويفرج أصابعه، ويمد ظهره، ويجعل رأسه حياله، ثم يقول: سبحان ربي العظيم. ثلاثاً ].

    فالركوع ركن كما تقدم، أما كونه يلقم يديه ركبتيه ويفرج بين أصابعه ويمد صلبه ويجعل رأسه حياله، فهذا من المستحبات ومن كمال الصلاة، والواجب هو الهوي، فإذا هوى ووصلت يداه إلى ركبتيه فقد أدى الواجب، لكن كونه يمد صلبه، ويلقم يديه راحتيه، وكونه يجعل رأسه حياله، كل هذا من المستحبات ومن كمال الصلاة.

    والبعض يرفع يديه بعد القيام من الركعة الرابعة وهذا ليس بمشروع، وكذلك عند السجود وعند الرفع من السجود، وقد جاء في حديث ضعيف رواه بعض السلف لكنه لا يصح، والصواب: أنه لا يشرع الرفع إلا في المواضع الأربعة المذكورة، ويبين لمن يفعل ذلك فربما أنه اطلع على حديث ضعيف أو قلد، فيبين له أن المشروع إنما هو في المواضع الأربعة.

    ومن قال ذلك فقد استند إلى حديث ضعيف، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يرفع يديه عند السجود، وعند الرفع من السجود، والحديث في سنن أبي داود وغيره، فلا يعمل به، وإنما السنة الرفع في هذه المواضع الأربعة الثابتة في الصحيحين.

    الرفع من الركوع وما يقال عند القيام من الركوع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه كرفعه الأول ].

    ومن الأركان الرفع من الركوع، ورفع اليدين عنده سنة كما سبق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإذا اعتدل قائماً قال: ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد ].

    وهذا الذكر واجب عند الحنابلة، ومستحب عند الجمهور، وقول: ربنا لك الحمد، فيه أربع سنن:

    الأولى: ربنا ولك الحمد.

    الثانية: ربنا لك الحمد.

    الثالثة: اللهم ربنا ولك الحمد.

    الرابعة: اللهم ربنا لك الحمد.

    بحذف الواو وإثباتها، وكل هذه الصيغ ثابتة في الأحاديث الصحيحة، والواجب: ربنا ولك الحمد، وما زاد عليه مستحب، فيستحب أن يتبعها بقوله: حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. والإمام والمنفرد يجمع بين قوله سمع الله لمن حمده، وربنا ولك الحمد، أما المأموم فلا يجمع بينهما، بل يقول: ربنا ولك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، وذهب بعض العلماء إلى أنه يجمع بينهما واستدلوا بحديث لكنه حديث ضعيف، ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) ولم يقل: فقولوا سمع الله لمن حمده، أما ما ذهب إليه بعض العلماء من الأحناف وغيرهم من كون المأموم يجمع بين التسميع والتحميد فهو ضعيف، إنما يجمع بين التسميع والتحميد الإمام والمنفرد، أما المأموم فيقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقتصر المأموم على قول: ربنا ولك الحمد ].

    السجود وصفته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يخر ساجداً مكبراً ولا يرفع يديه ].

    وهذا هو الصواب، أي: أن يخر ساجداً بدون رفع يديه، وما جاء في بعض الأحاديث أنه كان يرفع يديه فهو ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم كفاه ثم جبهته وأنفه ].

    قوله: (أول ما يقع على الأرض ركبتاه ثم يداه)، عملاً بما جاء في حديث وائل بن حجر : (إذا سجد أحدكم فليسجد على ركبتيه ويديه، لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير)، وأما حديث أبي هريرة ففيه: (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه)، وقد اختلف العلماء في التوفيق بين الحديثين، ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله، أنه حصل انقلاب من بعض الرواة، في حديث أبي هريرة : (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه)، والأصل: (وليضع ركبتيه قبل يديه)، وذلك؛ لأن البعير إنما يضع يديه قبل ركبتيه، فإذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد شابه البعير، فالبعير إذا برك بدأ بيديه، وعلى هذا فيكون حديث أبي هريرة : (لا يبرك أحدكم في السجود كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)، وحدث انقلاب من بعض الرواة، والأصل: أن يضع ركبتيه قبل يديه. وقال آخرون: بل إن هذا هو مقصود النبي صلى الله عليه وسلم أي: وضع الركبتين قبل اليدين؛ لأن ركبتي البعير في يديه، وعلى كل حال في المسألة اختلاف بين أهل العلم، وفيها كلام للشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله، وقد أقر أنه يضع يديه قبل ركبتيه، لكن الأولى الذي عليه جمهور العلماء والذي قرره المحققون ومنهم العلامة ابن القيم والذي عليه أئمة الدعوة: أنه يضع ركبتيه قبل يديه، أي: يبدأ بالأقرب فالأقرب، فيبدأ بالركبتين ثم اليدين، وبالعكس عند النهوض فينهض بيديه ثم ركبتيه. والقول الثاني على العكس من الأول، وهذا كله من باب الاستحباب، وإلا فلو وضع يديه قبل ركبتيه أو ركبتيه قبل يديه. فلا حرج عليه. ويستحب العمل بذلك إذا لم يكن على الإنسان مشقة، أما إذا كان مريضاً، أو كبير السن فلا حرج كونه يضع يديه؛ لأن الأرفق به أن يضع يديه قبل ركبتيه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم كفاه ثم جبهته وأنفه ].

    وهذا هو المختار والمستحب إن تيسر، وهذه هي الأعضاء السبعة التي لا بد أن يحرص المصلي أن يسجد عليها، وهي يديه وركبتيه، وأطراف القدمين، والجبهة والأنف، فلو رفع واحداً منها من أول السجود إلى آخره لم يصح السجود، لكن لو رفع عضواً منها في بعض السجود ثم أعاده فلا شيء عليه.

    وكل هذا من باب الاستحباب، والأمر فيه سعة والحمد لله، ولا ينبغي التشدد في مثل هذا الأمر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويجافي عضديه عن جنبه وبطنه عن فخذيه، ويجعل يديه حذو منكبيه ].

    والسنة المجافاة: وهي أن يجافي عضديه عن جنبيه، ويجافي بطنه عن فخذيه، ويجافي فخذيه عن ساقيه، ويجعل يديه حذو منكبيه، أي: يجعل اليدين تحاذي المنكبين مثل رفع التكبير فتضع يديك حذو المنكبين، ويكون الرأس بين اليدين. وعلى هذا فلا يشرع مد الصلب مداً طويلاً كما يفعل بعض الشباب، ولا ينبغي أن يتكلف الإنسان في مد صلبه بل يجب أن يفعل كفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يجافي حتى لو مرت بهيمة بين جنبيه لدخلت.

    أما بالنسبة للمرأة فإن الفقهاء يقولون: تضم نفسها، أي: لا تجافي؛ لأنها عورة، لكن ظاهر الأحاديث أنها كالرجل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويكون على أطراف قدميه ].

    أي: يثنيهما حتى يستقبل المصلي بأطراف القدمين القبلة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يقول: سبحان ربي الأعلى. ثلاثاً ].

    ومن السنة أن يقول المصلي: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً، وتجزئ الواحدة، وأعلاها في حق الإمام عشر، فقد كان يحسب للنبي صلى الله عليه وسلم عدد تسبيحات الركوع والسجود، كما وصف أنس صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أنها عشر تسبيحات مع التدبر، وكان يطيل هذين الركنين، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، وقف حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجود قال: رب اغفر لي، وجلس حتى يقول القائل: قد نسي، الملاحظة أن بعض الأئمة لا يطيل في هذين الركنين، بل يقصر ولا سيما الأحناف؛ لأن الأحناف يخلون بالركنين، فما أن يتم الإمام قوله: سمع الله لمن حمده، حتى يهوي قائلاً: الله أكبر، ولا يستتم قائماً، وكذا في الجلوس بين السجدتين ما إن يتم قوله: الله أكبر رب اغفر لي، حتى يكبر للسجدة الثانية من دون طمأنينة، وهذا الفعل غير صحيح بل ينبغي الطمأنينة في هذين الركنين وعدم العجلة.

    وإذا أفرط المصلي في ترك الطمأنينة بطلت الصلاة، إذ لا بد منها في كل ركن، والطمأنينة: هي السكون والركود حتى يعود كل مفصل إلى موضعه، لكن إذا وجد أدنى طمأنينة حصل الركن.

    لا يوجد شك، قال الإمام أحمد رحمه الله في رسالة الصلاة صليت بمائة مسجد في الصف الأول فما وجدت أحداً يقيم صلاة كصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أخشى أن يكون هذا الزمان الذي جاء فيه الحديث، (يأتي زمان على الناس يصلون ولا يصلون)، أي: يصلون صلاة صورية ولا يصلون صلاة حقيقة، فكيف بالقرون المتأخرة؟

    وعندما يسجد المصلي ينبغي أن يفرق بين قدميه، أي: ينزل بينهما فرقاً يسيراً، فقد جاء عن عائشة أنها قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فوضعت يدي على قدميه)، وبه استدل بعضهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفرق بينهما، وهذا لا يدل على أنهما متلاصقتين؛ لأن يدها قد تمس القدمين كل واحدة على حدة وإن كان بينهما فرجة.

    مداخلة: إذا كان المصلي خلف الإمام، فهل يقدم الطمأنينة على المتابعة؟

    الشيخ: إذا كان لا يطمئن الإمام فإن الصلاة غير صحيحة إذ إن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، فإذا كان لا يستطيع أن يطمئن قائماً، ولا يستطيع أن يطمئن في السجود حتى يعود كل مفصل إلى موضعه أو في الركوع فإن الصلاة باطلة، وعلى ذلك تقدم الطمأنينة.

    لكن لا أظن -إن شاء الله- أن يوجد مثل هذا، وإن وجد فهو قليل.

    صفة الجلوس بين السجدتين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يرفع رأسه مكبراً ويجلس مفترشاً، فيفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويثني أصابعها نحو القبلة ].

    ومن السنة أن يفرش المصلي رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويثني أطراف أصابع الرجل اليمنى، ويكون مستقبلاً بها القبلة، وهذا من باب الاستحباب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقول: رب اغفر لي، ثلاثاً ].

    أي: رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، ثلاثاً وهذا مستحب، والواجب مرة، والقول الثاني: أنه مستحب، وإذا زاد معه: رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني وعافني، فإنه حسن.

    مداخلة: بعض الأئمة يطيلون في الصلاة مما يسبب ترك الجماعة من قبل بعض المأمومين.

    الشيخ: السنة حاكمة على الناس، فالذي يصلي في البيت بحجة أن الإمام يطيل معناه: أنه يريد أن ينقر الصلاة كنقر الغراب، وبعض الناس يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: (أفتان أنت يا معاذ؟!)، على ذلك، ولا ينظر إلى الأحاديث الأخرى، والعلماء قد بينوا أن قوله: (أفتان أنت يا معاذ)، وكان هذا حين قرأ معاذ سورة البقرة كاملة، ومن اشتكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان قد جاء متعباً بعد أن عمل طول نهاره في مزرعته، فلما جاء وصفَّ مع معاذ ، قرأ معاذ سورة البقرة كلها فشق ذلك عليه فاشتكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (أفتان أنت يا معاذ؟! أفلا قرأت بسبح اسم ربك الأعلى)، ولم يقل له انقر الصلاة نقر الغراب، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: (أفتان أنت يا معاذ ؟)، هو الذي كان يسبح عشر تسبيحات، وهنا لا يتناقض قوله مع فعله، فإنه إذا سبح عشر تسبيحات مع التدبر، قد فعل التخفيف وهو القائل: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)، وإذا سبح خمسين تسبيحة كانت تلك تطويل، والسنة أن يجمع بعضها إلى بعض، وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم هي التخفيف، وما زاد عنها فهو تطويل، وقد بين ابن القيم رحمه الله ذلك في رسالة الصلاة، وهي رسالة ينصح بقراءتها، فقال: بعض النقارين والسارقين لصلاتهم لا يعرفون من الأحاديث إلا (أفتان أنت يا معاذ؟!)، فيأخذونها ويتركون النصوص الأخرى، هذا إن صح، وإن كان يصلي، فلا يلزم الجمع، فلو كان للإنسان حاجة، كما لو كان يريد أن يشتري أرضاً، أو سيارة أو غيرها من العقار لجلس الساعات الطويلة في شدة الحر، أما أن يصبر خمس دقائق ليصلي مع الإمام فلا.

    ومن السنة أن تكون أركان الصلاة متناسبة، كما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في صفة صلاة النبي عن أنس أنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت ركوعه فسجوده فرفعه من الركوع، وجلسته بين السجدتين قريباً من السواء)، وفي لفظ: (ما خلا القيام والقعود)، أي: إلا القيام الذي فيه القراءة والتشهد، أما بقية الأركان كالسجود والركوع، والرفع من الركوع، والرفع من السجود، فينبغي أن تكون متناسبة ومتقاربة، ويحدث أن بعض الناس يطيل الركوع ويخفف السجود أو يطيل السجود ويخفف الركوع، أو يطيل الرفع مع الركوع، ويخفف الرفع بين السجدتين، وهذا غير صحيح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى ].

    أي: يفعل في السجدة الثانية كما فعل في الأولى.

    صفة الجلوس للتشهد الأوسط وما يقال فيه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يرفع رأسه مكبراً، وينهض قائماً فيصلي الثانية كالأولى. فإذا فرغ منهما جلس للتشهد مفترشاً ويضع يده اليسرى على فخذه اليسرى ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة ].

    إذا كانت الصلاة ثنائية كالجمعة والنافلة والفجر، فيضع المصلي يده اليسرى على الفخذ اليسرى، والثانية كذلك، أو يضع أطراف الأصابع على الركبتين، وقد وردت الهيئتان، وأما في التشهد الأول فتكون اليد اليسرى على الفخذ اليسرى، واليد اليمنى يقبض الخنصر والبنصر ويحلق ويجعل الوسطى مع الإبهام حلقة ويشير بالسبابة، وهذه إحدى الصفات، وفي الصفات الأخرى أنه يقبضها كلها ويشير، وقد وردت في ذلك صفات متعددة وهذا كله من باب الاستحباب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويشير بالسبابة في تشهده مراراً ]

    والسنة أن تكون منصوبة إشارة إلى التوحيد وفيما ذكره المؤلف خلاف وكأنه يشير بها في بعض الحالات، والسنة أنها تكون منصوبة ويحركها عند الدعاء إشارة إلى التوحيد.

    ولا يفعل المصلي هذا بين السجدتين فالمعروف عند العلماء أنه لا يفعل هذا إلا عند التشهد، وقد جاء في حديث عند الإمام أحمد بهذا وهذا يحتاج إلى مراجعة.

    وعن القراءة يفضل أن يقرأ سورة في كل ركعة إذا أمكن، ولم تكن السورة طويلة، وإن كانت السورة طويلة وقسمها بين الركعتين فلا بأس.

    وبعض الأئمة يقرأ القرآن في الفرائض كلها بالترتيب، وبعضهم يقرأ في الفجر والعشاء في رمضان ويجعلهما مع قراءة التراويح، وهذا ليس بمشروع، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ذلك، والأولى أن يكون للتراويح قراءة خاصة، والفرائض كذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقرأ في الفجر من المفصل، أما كونه يقرأ القرآن بالترتيب فتركه أولى؛ لأن هذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة، ولو كان من يفعل ذلك من أئمة الدعوة.

    والأولى أن يقرأ سوراً معينة من المفصل حتى يحفظ الناس سور المفصل، وإذا أراد المراجعة فالأوقات واسعة والحمد لله.

    ألفاظ التشهد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ].

    وهذا يكون في الجلسة للتشهد الأول، والتشهد الثاني يقول منه: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وهذا التشهد الثابت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه وهو أصح التشهدات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ابن مسعود ، عندما قال: علمني التشهد كفي بين كفيه، كما يعلمني سورة من القرآن: (التحيات لله، والصلوات والطيبات)، وهناك تشهدات أخرى منها تشهد ابن عباس وهو: التحيات لله المباركات الصلوات الطيبات، وتشهد أبي موسى وفيه اختلاف في تقديم الألفاظ وتأخيرها، لكن أصح ما جاء في التشهد هو التشهد السابق: التحيات لله، والصلوات والطيبات، والواو التي قبل الطيبات، تفيد معنىً جديداً، بخلاف تشهد ابن عباس فقد قال فيه: التحيات لله المباركات الطيبات فجعله وصفاً لشيء واحد، (والتحيات) أي: التعظيمات بجميع أنواعها كلها لله الملك، فله سبحانه وتعالى الكبرياء والعظمة، والجبروت والسلطان، والقدرة التامة، والعلم التام، والقهر التام، فجميع التعظيمات كلها لله، ملكاً واستحقاقاً، كما أن له الحمد بجميع أنواع المحامد ملكاً واستحقاقاً.

    والله تعالى يحيىَّ ولا يسلم عليه وكان الصحابة في أول الهجرة يقولون في التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام ومنه السلام) ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات.

    (والصلوات): المراد بها الصلوات الخمس، وقيل: الدعوات، ولا مانع من شمول الأمرين، فالصلوات الخمس وغيرها من أنواع الصلوات، وكذلك الدعوات كلها لله، وهو يدعى سبحانه وتعالى ويُصلى له ويركع ويسجد له.

    (والطيبات): وهي الأعمال الطيبة من الأقوال والأعمال وكلها لله، قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10].

    فبدأ أولاً بحق الله بالترتيب، والذي رتب هذا الترتيب هو وحي من الله، أولاً: تعظيم الله والثناء عليه: (التحيات لله والصلوات والطيبات)

    ثم بعد ذلك السلام على النبي فتقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)

    (السلام): اسم من أسماء الله، وهو دعاء بالسلامة أيضاً.

    (أيها النبي): وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: (أيها) دلالة على الاستحضار.

    (ورحمة الله وبركاته): يدعى له بالرحمة والبركة، واستدل بذلك الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، على أن الرسول لا يعبد؛ لأنه يدعى له بالسلامة، وعندما يدعى للنبي دليل على أنه محتاج، والمحتاج لا يصلح للألوهية، ويدعى له بالسلام، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يقولوا: السلام على الله؛ لأن الله لا يدعى له، وليس فوقه أحد سبحانه وتعالى، بل هو الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، ولا يلحقه نقص سبحانه وتعالى، وليس فوقه أحد بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه يدعى له بالسلامة، وليس إله بل هو نبي كريم، يطاع ويتبع ويحب ولكن لا يعبد؛ فالعبادة حق الله.

    (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين): وهذا القول شامل لعباد الله الصالحين من الملائكة ومن الإنس ومن الجن، فكل عبد صالح تشمله هذه الدعوة في السماء وفي الأرض.

    (أشهد أن لا إله إلا الله) يعني: أقر وأعترف أنه لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله، وأن كل معبود سوى الله فهو معبود بالباطل.

    (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله.

    (وأشهد) أي: أقر وأعترف، بأن محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي المكي ثم المدني العربي هو رسول الله حقاً، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، هو عبد لا يعبد، ورسول يطاع ولا يكذب عليه الصلاة والسلام، وأشرف المقامات مقاماته وهي العبودية والرسالة، ولهذا وصفه الله بهذين الوصفين في مراتب عظيمة: في مقام الدعوة، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19]، وفي مقام التحدي: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة:23]، وفي مقام الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً [الإسراء:1]، وفي مقام الوحي: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10]، فحاز على أشرف المقامات.

    وهذا هو التشهد الأول، ثم بعد ذلك إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية ينهض المصلي، وإن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فحسن، وذهب بعض العلماء كالشافعية وغيرهم إلى أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، وذهب الجمهور بأنه يقتصر على: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ثم ينهض.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهذا أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ].

    وهو تشهد ابن مسعود رضي الله عنه؛ لأنه قال: علمني الرسول صلى الله عليه وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ].

    قال بعض العلماء: إنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، والجمهور قالوا: إنها تكون في التشهد الأخير الذي يعقبه السلام، وأصح ما قيل في صلاة الله تعالى على عبده ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فأنت تسأل الله أن يثني على عبده ورسوله محمد في الملأ الأعلى.

    (وعلى آل محمد) وهم: أتباعه على دينه. وقيل: (آله) قرابته من أهل بيته، وقيل: إن هذا يختلف باختلاف اللفظ فإذا قيل على آله وأصحابه. أي: إذا أفردوا الصحابة فتكون (آله) بمعنى قرابته، وعلى كل حال فـ(آله) تشمل أتباعه على دينه من قرابته وصحابته وأزواجه، فكلهم داخلون في آل النبي صلى الله عليه وسلم.

    والصلاة على النبي جاءت لها أنواع كثيرة لكن أكملها ما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الأنبياء، من الجمع بين محمد وآل محمد، وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة والتبريك، ومن الأنواع: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.

    وفي النوع الآخر: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.

    وفي بعضها: في العالمين إنك حميد مجيد.

    وفي بعضها: اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته.

    لكن أصح ما جاء في الصلاة عليه هو الجمع بين محمد وآل محمد في الصلاة وإبراهيم وآل إبراهيم في التبريك وهو ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد. وهذا أكمل ما ورد في الصلاة على النبي الكريم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: (يا رسول الله! علمنا السلام عليكم، -كيف نصلي عليك؟- فسكت، ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد)، ولا يزاد على هذا، فلا يقال في الصلاة: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وإن كان هو السيد عليه السلام لكن الأذكار والألفاظ المتعبد بها توقيفية لا يزاد عليها في الصلاة، أو تقول: اللهم صل على أفضل خلق الله محمد، لكن في الخطبة والموعظة لا بأس أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقائدنا رسول الله، لا بأس في الكتابة والخطبة لكن في الصلاة لا تزيد؛ لأن الأذكار توقيفية، وهي عبادة نتعبد الله بها، فالأذكار والألفاظ والأدعية التي وردت لا ينبغي أن يزيد عليها الإنسان.

    وقد خفي أكمل أنواع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم على الإمام العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة ابن القيم مع سعة باعه واطلاعه وحفظه العظيم وكانت الكتب الستة كأنها بين عينيه، ومع ذلك فإن الكمال لله، فخفي عليه، فقال شيخ الإسلام وتبعه ابن القيم : لم يرد بين محمد وآل محمد، وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة والتبريك، مع أنه ورد في صحيح البخاري ذلك.

    ما يقال بعد التشهد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويستحب أن يتعوذ من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ].

    يستحب التعوذ من هذه الأربع المذكورة، فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.

    (من عذاب جهنم): وجهنم هي النار، وهو من أسمائها، وكذلك من عذاب القبر فهو ثابت في النصوص، وقد جاءت عجوز من عجائز اليهود إلى عائشة فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر في أول الهجرة، فأنكرت عليها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (نعم، إن الإنسان يعذب في قبره، قالت: فما سمعت الرسول بعد ذلك صلى صلاة إلا ويستعيذ بالله من عذاب القبر).

    (ومن فتنة المحيا والممات): فتنة الحياة من الشهوات والشبهات والحروب وإلى غير ذلك من الفتن، وكذلك الفتن التي تنبع عند الموت، فالشيطان يفتن الإنسان.

    (ومن فتنة المسيح الدجال): وهو رجل يخرج في آخر الزمان، يدعي الصلاح أولاً ثم يدعي النبوة ثم يدعي الربوبية، وهو كافر وهو الدجال الأكبر -نسأل الله السلامة والعافية- ويمكث أربعين كما جاء في الأحاديث، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامنا، ثم يُقتل على يد مسيح الهدى وهو عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، فيقتل مسيح الهدى مسيح الضلالة.

    فيستحب الاستعاذة من هذه الأربع، وهذا هو المشهور عند جمهور العلماء أنها مستحبة، وذهب طاوس بن كيسان اليماني التابعي الجليل إلى أنه يجب الاستعاذة بالله من هذه الأربع.

    وجاء عنه أنه قال لابنه لما صلى: هل استعذت بالله من أربع؟ قال: لا، قال: أعد صلاتك، دل على أنه يرى أنها واجبة الاستعاذة بالله من هذه الأربع وأنه لا بد منها، لكن المعروف والمشهور عند جماهير العلماء أنه مستحب.

    ويكفر من أنكر عذاب القبر إذا قامت عليه الحجة وليس له شبهة؛ لأنه ثابت في الكتاب والسنة، والله تعالى بين هذا في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30]، هذا أيضاً في الدنيا عند الموت وهذا أول منازل القبر، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام:93].. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].. يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50]، وهذا يكون عند الموت، وهذا من أدلة عذاب القبر من الكتاب، أما السنة فهي كثيرة.

    وقد وردت أدعية كثيرة في آخر التشهد، ومنها ما علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر : (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، وكذلك الاستعاذة من عذاب القبر ومن فتنة الدنيا، وجاءت أحاديث كثيرة في الدعاء في آخر التشهد، وفي آخر الصلاة منها: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، دبر كل صلاة، وقال شيخ الإسلام : دبر الشيء آخره، ودبر الحيوان آخره، فقال: إنها تكون قبل السلام.

    والأمر في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع) للاستحباب، وهذا هو ما عليه جمهور العلماء.

    صفة السلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك ].

    وهذا هو السنة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، ولا يزيد (وبركاته)، وجاء في بعض الأحاديث (وبركاته)، لكنها شاذة، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ذلك كما ورد في صحيح مسلم : (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله).

    وهما تسليمتان، الأولى فرض واجبة، والثانية قيل إنها مستحبة، وقيل إنها واجبة، لكن ينبغي للإنسان ألا يخل بإحداهما، ويلتفت المصلي عن يمينه مع بداية السلام.

    والتسليمة الثانية سنة؛ لأن عائشة روت : (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سلم مرة واحدة تلقاء وجهه)، رواه ابن ماجة وكذلك روي عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث يحتاج إلى مراجعة، والظاهر أن ابن ماجة ما ينفرد به في الغالب عليه الضعف، فهذا ضعيف.

    وقال الترمذي : وأصح الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم تسليمتين وعليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين.

    والمسألة فيها خلاف، فالجماهير على أنه لا بد من تسليمتين، وهو الذي ينبغي والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقول الجمهور قول قوي.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإن كانت الصلاة أكثر من ركعتين نهض بعد التشهد الأول كنهوضه من السجود، ثم يصلي ركعتين لا يقرأ فيهما بعد الفاتحة شيئاً ].

    وهذا هو السنة، وأن الركعتين الأخريين من الظهر والعصر والعشاء والركعة الثالثة من المغرب يقتصر فيهما على قراءة الفاتحة، لكن جاء في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم أنه -ربما- قرأ في الركعتين الأخريين من الظهر زيادة على الفاتحة؛ لأنه جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بمقدار (ألم) السجدة كما سبق أي: ثلاثين آية، لأن الظهر تلي الفجر في الطول، وأنه في الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، أي: قرابة خمس عشرة آية، والفاتحة سبع آيات، بمعنى: أنه كان يقرأ معها سبع آيات، وفي العصر يقرأ في الركعتين الأوليين بمقدار ما يقرأ في الظهر.

    وفي حديث أبي قتادة أنه اقتصر في الركعتين الأخريين من الظهر على الفاتحة، وفي حديث أبي سعيد أنه ربما قرأ زيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين في الظهر خاصة، أما العصر والعشاء فلا.

    وورد عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قرأ بعد الفاتحة في الركعة الثالثة: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

    صفة الجلوس للتشهد الأخير

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإذا جلس للتشهد الأخير تورك فنصب رجله اليمنى وفرش اليسرى وأخرجها عن يمينه ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما ].

    والتورك مستحب في التشهد الأخير، وهو أن ينصب رجله اليمنى ويخرج رجله اليسرى عن يمينه ويجلس على إليتيه في التشهد الأخير، وهذا خاص بالصلاة التي فيها تشهدان كالتشهد الأخير من الظهر والعصر والمغرب والعشاء، أما الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد فليس فيها تورك، كالفجر والجمعة وصلاة النافلة والعيدين، وهذا هو الصواب على ما جاء في حديث أبي حميد .

    وقال آخرون من أهل العلم: يتورك في التشهدين جميعاً.

    وقال آخرون من أهل العلم: لا يتورك في التشهدين، لا في الأول ولا في الثاني.

    والصواب: ما أقره المؤلف رحمه الله إلى أن التورك يكون في التشهد الأخير خاصة على ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي أن النبي تورك.

    ما يقوله بعد الانتهاء من الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإذا سلم استغفر الله ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ].

    يشرع للمسلم إذا سلم من الفريضة أن يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، يقول هذا الإمام والمأموم والمنفرد، ثم إذا كان إماماً ينصرف إلى المأمومين ويعطيهم وجهه، بعد أن يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، أي: أنه يقول وهو مستقبل القبلة: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى المأمومين، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كما ثبت في حديث ثوبان وفي حديث المغيرة بن شعبة ويكمل بعضها بعضاً، وبعضها في غير الصحيحين فيها زيادة وهي: يحيي ويميت، وفي بعضها: وهو حي لا يموت، وفي بعضها: بيده الخير، وفي بعضها: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

    فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات، زيادة على ما سبق بعد المغرب وبعد الفجر، ويبقى على حالته حتى يكمل العشر.

    ولا بأس أن ينصرف عن اليمين أو عن الشمال، لما جاء في صحيح البخاري أن ابن مسعود قال: (لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً فيرى أنه لا ينصرف إلا عن يمينه، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما ينصرف عن يساره)، فجاء هذا وهذا، ينصرف عن شماله أو عن يمينه لا حرج.

    ثم بعد ذلك يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم يختم تمام المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هذا نوع.

    وجاء نوع آخر: أنه يجعل التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين، فهذه مائة كما جاء في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي وفاطمة عند النوم.

    وجاء نوع ثالث: أنه يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وليس فيه تمام المائة، كما جاء في صحيح البخاري حينما علم النبي صلى الله عليه وسلم فقراء المهاجرين قال: (تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبرون ثلاثاً وثلاثين) وليس فيه تمام المائة قول: لا إله إلا الله.. إلخ.

    وجاء أيضاً نوع رابع: وهو أن يقول: سبحان الله خمساً وعشرين، والحمد لله خمساً وعشرين، ولا إله إلا الله خمساً وعشرين، والله أكبر خمساً وعشرين، فهذه مائة.

    وجاء أيضاً نوع خامس: وهو أن يقول: سبحان الله عشراً، والحمد لله عشراً، ولا إله إلا الله عشراً، فتكون ثلاثين وهذه أقلها، وفي هذا جاءت بعض الأحاديث.

    وقول ثوبان : (كان رسول الله إذا انصرف من صلاته يقول: أستغفر الله ثلاثاً)، يشمل النافلة والفريضة في الظاهر، لكن مراده الفريضة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينصرف من الفريضة ويقول هذا الذكر، ولو قال ذلك بعد الانصراف من النفل فلا بأس.

    وهذه الأذكار سنة مؤكدة، ومشروعة، ومشروع للمسلم أن يداوم عليها.

    وإذا كان مستعجلاً وأخذ الذكر الأخير فقال: سبحان الله عشراً، والحمد لله عشراً، والله أكبر عشراً، والشيخ محمد العثيمين يقول: إنه يفعل هذا إذا كان مسافراً أو مثلاً إذا جمع بين الصلاتين.

    وأما بالنسبة لعقد التسبيح فباليد اليمنى، ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، أما قول: (تعاليت) فما ثبتت في السنة فيقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا يوجد (تعاليت)، وكذلك أيضاً: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، قال هنا: وتعالى، لكن جاءت في موضع آخر (تباركت ربنا وتعاليت) وهذا في القنوت، حيث علم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي أن يقول هذه الدعوات: (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت)، فهذا جاء في دعاء القنوت، وأما بعد السلام من الصلاة لا يوجد (وتعاليت) وإنما: تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

    وأنواع الأذكار وأنواع الأذان وأنواع الاستفتاحات لا يجمع بينها، بل يُختار واحد منها.