إسلام ويب

شرح عمدة الفقه كتاب الطهارة [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المياه التي يجوز التطهير بها كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض، وهو أقسام: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، ونجس، ويغسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب، ويغسل من سائر النجاسات مرة تأتي عليه.

    1.   

    شرح مقدمة العمدة

    الحمد والثناء لله

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله أهل الحمد ومستحقه حمداً يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله ].

    هذا الكتاب اسمه: عمدة الفقه للإمام ابن قدامة رحمه الله، وضعه للمبتدئين برواية واحدة، ثم وضع كتاباً آخر بعده، وهو: المقنع للمتوسطين، وهو أوسع من العمدة، ثم ألف الكتاب الثالث، وهو: الكافي، يذكر فيه بعض الأدلة، والمقنع يذكر فيه الخلاف، والكافي يذكر فيه الروايات، ويذكر الأدلة تعويداً للمتوسطين، ثم ألف كتاب: المغني للمجتهدين، فـابن قدامة ألف العمدة للمبتدئين، ثم المقنع للمتوسطين، ثم الكافي لبيان بعض الأدلة، وضبط الخلاف بالأدلة، ثم المغني للمجتهدين.

    قوله: (الحمد لله) الحمد: هو الثناء على المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فهو ثناء على الرب سبحانه وتعالى مع حبه وإجلاله وتعظيمه.

    قوله: [ أهل الحمد ومستحقه حمداً يفضل على كل حمد كفضل الله على خلقه ].

    الله هو أهل الحمد سبحانه، وهو المستحق لجميع أنواع المحامد، وهي ملك لله واستحقاق له.

    قوله: [ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة قائم لله بحقه ].

    هذا اعتراف لله بالوحدانية والألوهية، وأنه هو المستحق للعبادة، فـ(أشهد أن لا إله إلا الله) يعني: أقر وأعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله، فهذا اعتراف بوحدانية الله وربوبيته وألوهيته.

    قوله: [ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ].

    وحده تأكيد، و(لا شريك له) يعني: لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

    قوله: [ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ].

    هذه الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فالأولى: هي شهادة لله بالوحدانية، والثانية: شهادة لنبيه بالرسالة، وهاتان الشهادتان أصل الدين وأساس الملة، ولا يصح إسلام أي إنسان حتى يقر بهاتين الشهادتين، حتى يشهد لله تعالى بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله غير مرتاب في صدقه ].

    يعني: لا بد من اليقين، أشهد عن يقين لا عن ريب وشك.

    معنى الصلاة من الله والعبد والملائكة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بودقه ].

    أحسن ما قيل في تفسير صلاة الله على عبده ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. وقيل: الصلاة الرحمة، وقيل: تشمل الأمرين الرحمة والثناء، والصلاة من الله ومن العبد والملائكة الدعاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ما جاء سحاب بودقه، وما رعد بعد برقه ].

    الودق: المطر، يعني: صلاة وسلاماً عدد المطر، وعدد صوت الرعد ولمعان البرق.

    معنى كلمة (أما بعد)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أما بعد ].

    هي كلمة يؤتى بها للدخول في المقصود، وللانتقال من أسلوب إلى أسلوب، كأن يكون انتقل من الخطبة إلى الدخول في الموضوع الذي يريده وهو التأليف.

    معنى الفقه لغة واصطلاحاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهذا كتاب في الفقه اختصرته حسب الإمكان ].

    الفقه لغة: الفهم، واصطلاحاً: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واقتصرت فيه على قول واحد ليكون عمدة لقارئه ].

    اقتصر فيه على قول واحد ليكون عمدة للمبتدئين، فيحفظون هذا الكتاب، وكتاب العمدة على قول واحد لمذهب الحنابلة، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى المقنع وهو أوسع، ثم إلى الكافي، ثم إلى المغني.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلا يلتبس الصواب عليه باختلاف الوجوه والروايات ].

    لأنه مبتدئ، والمبتدئ لا ينبغي أن يذكر له الوجوه والخلاف؛ لأنها تشوش عليه فيعطى قولاً واحداً يحفظه, ولا يشوش عليه بكثرة الأقوال والأوجه والخلافات حتى يتقوى ويكون عنده حصيلة علمية وملكة، فيكون هذا عنده أصل، ثم بعد ذلك يتوسع في الخلاف ومعرفة الراجح من الأقوال بالدليل.

    سبب تأليف المؤلف لكتاب العمدة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ سألني بعض إخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين ].

    هذا هو سبب التأليف وهو: أنه سأله بعض الإخوان أن يؤلف، فألفه على قول واحد للمبتدئين ليقرب فهمه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ سألني بعض إخواني تلخيصه ليقرب على المتعلمين، ويسهل حفظه على الطالبين ].

    ألفه ليكون قريباً للذهن، وليكون سهل الحفظ على المبتدئين؛ فاجتهد في إخلاصه، وفي الاستعانة بالله عز وجل، وهذا من أسباب التأليف، فكل مؤلف في الغالب يذكر سبب التأليف, فسبب تأليفه أن بعض الإخوان سأله أن يؤلف لهم كتاباً سهلاً فيحفظه المبتدئون.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأجبته إلى ذلك معتمداً على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم ].

    فلا بد من الإخلاص, فهو ركن أساسي لقبول العمل.

    والركن الثاني: أن يكون موافقاً للشرع صواباً على السنة المطهرة، وهو معتمد على الله في الإخلاص سائلاً الله له المعونة والتسديد والتوفيق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ معتمداً على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم، والمعونة على الوصول إلى رضوانه العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل ].

    فهو كافينا سبحانه وتعالى، وهو نعم الوكيل والكافي سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأودعته أحاديث صحيحة تبركاً بها واعتماداً عليها ].

    فهو يستدل ببعض الأحاديث الصحيحة في بعض المواضع وإن كان على قول واحد، لكن يستدل ببعض الأحاديث تبركاً بها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأودعته أحاديث صحيحة تبركاً بها واعتماداً عليها وجعلتها من الصحاح ].

    يعني: طلباً للبركة؛ لأن الذي يعمل بالسنة فلا شك أنه مبارك؛ ولأنها تكون دليلاً وحجة على القول الذي يستدل له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعتماداً عليها وجعلتها من الصحاح لأستغني عن نسبتها إليها ].

    جعلها من الأحاديث الصحيحة.

    1.   

    أحكام المياه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب أحكام المياه ].

    بدأ المؤلف في أحكام المياه على طريقة المتأخرين الذين يؤلفون المؤلفات فيبدءونها بالفروع، وأما في التوحيد والعقيدة فيجعلونها في مؤلفات خاصة, وكان القدامى على غير هذا المنهج, فقد كانوا يبدءون أولاً بأصول الدين في العقيدة وبالتوحيد كما فعل الإمام البخاري رحمه الله، حيث بدأ بكتاب الإيمان، وكما فعل الإمام مسلم حيث بدأ بكتاب الإيمان، وكذلك غيرهما من أهل السنن، أما المتأخرون فاصطلحوا على أن يجعلوا الفروع على حدة، وكتب العقائد على حدة، كما فعل الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، حيث بدأ بكتاب الطهارة فيبدءون بالعبادات أولاً، وأعظم العبادات هي الصلاة؛ فيبدءون بالطهارة؛ لأنه شرط في صحة الصلاة؛ ولهذا بدأ المؤلف رحمه الله باب المياه, والمياه هي: التي يتطهر بها الإنسان، وإذا تطهر صلى، والصلاة تسبقها الطهارة؛ فلهذا بدأ في كتاب المياه بأحكام المياه؛ لأن الطهارة تسبق الصلاة، فالمصلي لا بد أن يتطهر.

    الماء الذي يطهر النجاسة والأحداث

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ خلق الماء طهوراً يطهر من الأحداث والنجاسات ].

    الماء خلقه الله طهوراً كمياه الأمطار والبحار والأنهار والآبار والعيون، كلها خلقها الله طهوراً يطهر من الأحداث والأنجاس يعني: يرفع بها الحدث، فإذا أحدث الإنسان فخرج منه بول أو غائط أو ريح أو أصابته جنابة فإنه يطهره الماء, وكذلك النجاسات التي تصيب البدن والثوب فإنه يطهرها الماء، والله تعالى خلق الماء طهوراً يطهر به الأحداث والأنجاس سواءً كان هذا الماء من ماء الأمطار والسيول أو ماء الأنهار والبحار أو العيون والآبار.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تحصل الطهارة بمائعٍ غيره ].

    هذا هو الصواب، أنها لا تحصل الطهارة بمائع غير الماء, فلو عصر ماءً من الأشجار وأخذه ليتطهر فإنه لا يطهر, ومثله أيضاً ماء الورد، وما أشبه ذلك من المائعات كالدهن، وكذلك أيضاً ما يعصر من الأشجار من المياه وإن كان مائعاً فلا يطهر النجاسة، وإنما يطهرها الماء فقط، هذا هو الصواب خلافاً لمن قال من العلماء: إنه يجوز التطهير بالمائع كـأبي حنيفة ، فإنه يرى أنه لا بأس إذا عصر ماءً من الشجر وغسل به النجاسة, وكذلك عنده تطهر النجاسة الشمس والريح ومياه الأشجار التي يعصر منها, والصواب كما ذكر المؤلف أن النجاسة لا يطهرها إلا الماء خاصة دون غيره من المائعات ودون الشمس والريح.

    إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولا تحصل الطهارة بمائع غيره، فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شيء ].

    إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء؛ لحديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وفي لفظ: (لم ينجس) يعني: أنه إذا لاقته النجاسة فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه في النجاسة وهي لونه أو طعمه أو ريحه, أما إذا لاقته النجاسة وهو قلتان فلا ينجس، والقلتان: ما تقارب خمس قرب وهما ذراع وربع تقريباً طولاً وعرضاً وعمقاً, فإذا بلغ الماء قلتين -خمس قرب- ولاقته نجاسة فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه, أما إذا كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير في أوصافه، عملاً بحديث القلتين، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وكثير من الفقهاء.

    القول الثاني: أنه لا ينجس حتى ما دون القلتين إلا إذا تغير أحد أوصافه؛ لحديث أبي سعيد : (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وحديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) هذا منطوقه ومفهومه: أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث بمجرد الملاقاة, لكن هذا المنطوق ألغاه حديث أبي سعيد : (الماء طهور لا ينجسه شيء) والصواب: أن الماء لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه قليلاً كان أو كثيراً, وسواء كان دون القلتين أو فوق القلتين, وأما مفهوم حديث ابن عمر أنه إذا لم يبلغ القلتين يحمل الخبث وينجس بمجرد الملاقاة، هذا المفهوم أبطله وألغاه حديث أبي سعيد : (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فالماء إذا اختلط قليلاً أو كثيراً لا ينجس إلا إذا تغيرت أوصافه، وإذا كان الماء قليلاً في الأواني فإنه يراق؛ لما ورد في بعض أحاديث ولوغ الكلب بلفظ: (فليرقه)، أما إذا كان في غير الأواني فلا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، وحديث القلتين يفيد أن الماء القليل على الإنسان أن يعتني به؛ لأنه قد تغيره النجاسة وهو لا يشعر، فينظر فيه ويتأمل فإن تغير أحد أوصافه فهو نجس وإلا فهو طهور.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإذا بلغ الماء قلتين أو كان جارياً لم ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ].

    وكذلك إذا كان الماء جارياً لا بأس؛ لأن الجرية تذهب وتأتي بعدها جرية أخرى, فإذا كانت المياه جارية فلا تنجس إلا إذا تغيرت أوصافها, وكذلك إذا كان الماء أكثر من القلتين فإنه لا ينجس إلا بالتغير على ما ذهب إليه المصنف وعرفنا أنه حتى ما دون القلتين لا ينجس إلا بالتغير.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وما سوى ذلك ينجس بمخالطة النجاسة ].

    الشيخ: يعني: مادون القلتين ينجس بمجرد المخالطة ولو لم يتغير، والصواب أنه لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون أو الطعم أو الريح كما ذهب إلى ذلك المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من أهل العلم.

    تقدير القلتين في الطهارة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والقلتان ما قارب مائة وثمانية أرطال بالدمشقي ].

    هذا التقديرات عندهم، وهي تقارب خمس قرب، قدرها بعضهم بأنها ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً، أي: ما يسع مكاناً طوله ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً.

    متى يسلب الماء طهوريته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن طبخ في الماء ما ليس بطهور وكذلك ما خالطه فغلب على اسمه أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته ].

    إذا طبخ في الماء ما ليس بطهور فإنه يسلبه طهوريته على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، والصواب أنه لا يسلبه طهوريته إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة أو ارتفع اسم الماء عنه، بأن كان مثلاً طبخ فيه زعفران، فالصواب أنه لا يسمى ماءً، وإنما يسمى زعفران، كذلك إذا رفع الحدث بقليله فالصواب أنه لا يسلبه الطهورية.

    فإذا اختلط به ما سلب وصفه فلا بأس، زعفران أو حبر فصار لا يسمى ماءً وإنما يسمى: حبراً أو زعفران، فهذا يسلبه الطهورية؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً، وإنما يقال له: ماء الزعفران، ماء الحبر.

    (وإذا طبخ فيه ما ليس بطهور) فهذا فيه تفصيل: إن كان الذي طبخ فيه يسلبه اسم الماء ويتغير فلا يسمى ماء، أما إذا كان لا يسلبه اسم الماء فإنه يبقى طهوراً، وكذلك إذا رفع بقليله الحدث فإنه لا يسلبه الطهورية على الصحيح, والصواب أنه إذا توضأ الإنسان بماء قليل فرفع الحدث فلا يسلبه اسم الطهورية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أو استعمل في رفع حدث سلب طهوريته ].

    الصواب أنه لا يسلبه طهوريته، ولو استعمل في رفع حدث إلا إذا تغير أحد أوصافه.

    الحكم فيما إذا شك في طهارة الماء أو غيره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا شك في طهارة الماء أو غيره ونجاسته بنى على اليقين ].

    إذا شك في طهورية الماء أو نجاسته فإنه يبني على اليقين، إذا كان عنده يقين أن هذا الماء طهور لكن شك هل وقعت فيه نجاسة أو لم تقع فيبني على اليقين، فالأصل أنه طهور ولا يعتبره نجساً، وكذلك العكس إذا كان يعلم أن هذا الماء نجس لكن شك هل زالت النجاسة أو لم تزل؟ وهل أخرجت أو لم تخرج؟ فإنه يبقى نجساً فيعمل بالأصل, وإذا شك في نجاسة الماء أو طهوريته فإنه يعمل بالأصل، فإن كان يعلم أنه طهور وأن النجاسة هي التي طرأت ولا يدري هل طرأت أو لم تطرأ فإنه يعتبره طهوراً، وكذلك إذا كان يعلم أن الماء نجس لكن شك هل طهر هذا الماء أو لم يطهر، فإنه يبقى نجساً بناءً على الأصل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن خفي موضوع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن به غسلها ].

    إذا خفي موضع النجاسة من الثوب أو غيره غسل ما يتيقن أنه أزال النجاسة، وإذا شك أن النجاسة مثلاً في وسط الثوب فإنه يغسل الوسط كله حتى يتيقن أنها زالت النجاسة، وإذا كان عنده ماء طهور أخذه من البئر وعنده ماء آخر جمعه من القطرات التي تنزل من أعضائه فهذا يسمى طاهراً, فلا يرفع الحدث، لكن إن اشتبه ولا يستطيع أن يميز وما عنده دلو ليستخرج من البئر ماءً آخر، فإنه يتوضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة، يعني: يغسل وجهه مرة من الإناء ثم يغسل مرة أخرى من الإناء الثاني ثم يغسل يده اليمنى مرة من الإناء، ثم يغسل مرة أخرى من الإناء الآخر حتى يتيقن أنه توضأ مرة واحدة من الطهور؛ لأن أحدهما لا يرفع الحدث، والماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس.

    هذا هو الأصل، لكن الذي مشى عليه المؤلف بأن ما كان دون القلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة ولو لم يتغير أحد أوصافه، فإذا وقعت فيه قطرة من بول تنجس عندهم ولو لم يتغير؛ لأنه دون القلتين؛ لحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) فالمفهوم: أن ما لم يبلغ القلتين فإنه يحمل الخبث ولو لم يتغير.

    وبالنسبة إلى ما خالط الماء: إذا كان لم يسلبه اسم الماء فهو باق على طهوريته، ولا يضر، أما إذا كان قد تغير وسلبه اسم الماء فلا يسمى ماءً، ولا يصلح للتطهر.

    1.   

    إذا اشتبه طهور بطاهر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما، وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب بعدد النجس وزاد صلاة ].

    يعني: صار عنده أربعة ثياب: اثنان نجسان، واثنان طاهران ماذا يعمل؟

    يقول: يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد صلاة، إذا كانت الثياب النجسة اثنين، فإنه يصلي في هذا الثوب صلاة الظهر أربع ركعات، ثم يخلعه، ويلبس الثوب الثاني ويصلي صلاة الظهر مرة ثانية ويخلعه، ثم يلبس ثوباً ثالثاً ويصلي الظهر مرة ثالثة؛ لأن النجس اثنان, وإذا كانت الثياب النجسة خمسة وخمسة أخرى طاهرة فإنه يصلي ست مرات، كل مرة يصلي بثوب ويخلعه حتى يتيقن أنه صلى بثوب طاهر؛ لأن الثياب النجسة خمسة ويمكن إذا صلى خمس مرات صلى بالثياب النجسة ولم يصل بثوب طاهر، فيزيد في الصلاة صلاة سادسة، أي: يصلي ست مرات في كل مرة يصلي بثوب ويخلعه.

    والقول الثاني: أنه يتحرى حسب غلبة الظن ويختار أحد الثياب ويصلي فيه.

    كيفية غسل نجاسة الكلب والخنزير

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب ].

    لما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، إحداهن بالتراب) وفي لفظ: (أولاهن بالتراب) وفي لفظ: (وعفروه الثامنة بالتراب) وتسمى ثامنة لأنها زائدة على الماء، والأقرب أن تكون الأولى بالتراب حتى يزيلها ما بعدها, وهذه الغسلات خاصة بنجاسة الكلب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، أولاهن بالتراب) وذكر بعض الأطباء أن لعاب الكلب فيه خاصية لا يزيلها إلا التراب، وهذا من محاسن الإسلام، ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، ومن علامات النبوة، حيث اكتشف الأطباء أن الكلب فيه هذه المادة السمية التي لا يزيلها إلا التراب، أما الخنزير فالعلماء قاسوه على الكلب، وذهبوا إلى أن الخنزير حكمه حكم الكلب، والصواب أن الخنزير لا يقاس على الكلب، وأن هذا خاص بالكلب, والنبي صلى الله عليه وسلم أفصح الناس ما قال: إذا ولغ الخنزير في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، فيكون هذا خاصاً بالكلب، وإلحاق الخنزير بالكلب إنما هو من باب القياس، والدليل إنما هو خاص بالكلب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وتغسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية ].

    ذهب المؤلف أن بقية النجاسات تغسل ثلاث مرات، والقول الثاني: إذا أنقت النجاسة غسلة واحدة كفى، والقول الثالث: أن النجاسة تغسل سبع مرات، واستدلوا بحديث: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) لكنه حديث ضعيف عند أهل العلم، والصواب أنه لا يتحدد لا ثلاث ولا سبع، وإنما هذا يرجع إلى غلبة الظن إذا غلب على ظنه أنها زالت النجاسة فيكفي سواء مرة أو مرتين أو ثلاثاً، والمؤلف رحمه الله مشى على أن نجاسة الكلب تغسل سبعاً إحداهن بالتراب، وسائر النجاسة تغسل ثلاثاً، وقيل: سبعاً، والصواب أنه لا يتحدد عدد، وإنما هذا يرجع إلى غلبة الظن، فإذا طهر المحل انتهى مثل الاستنجاء, إذا استنجى الإنسان لا يوجد عدد بالتحديد، المهم غلبة الظن، أن يغلب على ظنك أنك أنقيت وطهرت المحل وكفى؛ لأن الرسول نص على هذا، فلا بد منه.

    وأما الصابون فإنه لا يزيله، هذا هو الظاهر، وقد يقال: عند العدم إذا لم يجد تراباً يقوم مقامه.

    مسألة: هل تصح الصلاة في الثوب المغصوب؟

    الجواب: الصلاة في الثوب المغصوب الصواب أنها تصح مع الإثم، وفيه خلاف: الثوب المغصوب والماء المغصوب وقد مر بنا هذا في درس صحيح البخاري ، وذكرنا القاعدة في هذا، أنه إذا صلى في ثوب مغصوب أو صلى في ثوب حرير أو توضأ بماء مغصوب أو صلى في أرض مغصوبة فبعض العلماء -وهو المذهب- رأوا عدم صحة الصلاة إذا صلى في ثوب حرير، أو ثوب مغصوب، أو في أرض مغصوبة.

    والقول الثاني: أنها تصح مع الإثم؛ لأن القاعدة: أنه إذا كان النهي يرجع إلى ذات المنهي فهذا يدل على الفساد, وإذا كان النهي خارجاً فلا يدل على الفساد، فمثلاً: إذا صلى في ثوب نجس ما صحت الصلاة؛ لأن النهي يرجع إلى ذات المنهي؛ ولأن المصلي مطلوب منه طهارة البقعة والثوب والبدن, فإذا صلى في ثوب نجس أو في أرض نجسة ما صحت الصلاة؛ لأنه لو لبس الثوب في غير الصلاة لما منع من ذلك، فهذا منهي عنه خصوصاً في الصلاة، أما الثوب الحرير فهذا منهي عنه في الصلاة وخارج الصلاة، فلا يجوز لبس الحرير لا في الصلاة ولا خارجها، والغصب لا يجوز لا في الصلاة ولا داخلها، فله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب، فاجتمع في الصلاة موجب الثواب والعقاب فنقول: صلاته صحيحة وله ثواب الصلاة وعليه إثم الغصب، فصاحب الثوب المغصوب صلاته صحيحه وعليه إثم الغصب، كالماء الذي توضأ به غصباً، وإذا صلى في ثوب حرير فله ثواب الصلاة وعليه إثم لبس الحرير، وهكذا، هذا على الصحيح والصواب وإلا المسألة فيها خلاف.

    قال صاحب الحاشية لما ذكر: (ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية) قال: هذه رواية عن الإمام أحمد رضي الله عنه، واختارها الشيخ تقي الدين ، والمذهب أنه لا بد من الغسل سبع مرات في النجاسة التي على غير الأرض, والصحيح أنه يكفي بعد زوال عين النجاسة مكاثرتها بالماء سواء كانت على الأرض أم غيرها، فهذه ثلاث روايات في غسل النجاسة التي هي غير نجاسة الكلب والخنزير، وأدلتها في الشرح الكبير، واختار العلامة ابن بدران القول الثالث فقال: واختار في المغني أن المعتبر زوال العين وبه أقول بالدليل.

    وهذا هو الصواب أن العبرة بزوال العين، فإذا أزال العين وكاثر بالماء وغلب على ظنه أنها طهرت فيكفي, لكن إذا كانت النجاسة لها جرم كالعذرة وقطع الدم فلا بد أن تنقل العذرة وتنقل قطع الدم ثم يغسل محلها, ولا يحتاج إلى عدد، فالعبرة في غلبة الظن ونقاء المحل, فإذا أنقى المحل وزالت العين كفى.

    أما القول بأنها ثلاث أو سبع فهذه أقوال في المذهب, والرواية في المذهب أنه لا بد من سبع مرات؛ لحديث: (أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً) لكنه حديث ضعيف، والقول الثاني: أنها ثلاث, والقول الثالث: أنها تكاثر بالماء بعد نقل عين النجاسة وجرمها، أما إذا كانت على الأرض فيكفيها صبة واحدة وغسلة واحدة فتذهب بها النجاسة بعد نقل عين النجاسة إذا كانت عذرة أو قطع الدم، ثم يصب الماء على الأرض ويكاثر، ولا يحتاج إلى حفر الأرض، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب على بول الأعرابي الذي بال في المسجد دلواً من ماء.

    وأما بقاء أثر الدم إذا عجز عنه فلا يضره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته عن دم الحيض فقال: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) وهذا إذا عجز.

    كيفية غسل سائر النجاسات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويجزئ في سائر النجاسات ثلاث منقية، وإن كانت على الأرض فصبة واحدة تذهب بعينها؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء) ].

    الذنوب: هو الدلو، فدل على أنها تكاثر بالماء ويكفيها مرة واحدة إذا كانت على الأرض، أما إذا كانت على غير الأرض فعلى حسب غلبة الظن، إذا أنقى المحل وغلب على ظنه طهرت وكفاه.

    ما يجزئ في بول الغلام والمذي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح، وكذلك المذي ].

    بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يكفي فيه النضح، والمعنى: صب الماء عليه فقط من دون رش أو فرك، إذا كان لم يأكل الطعام فيكفي النضح، وهذا خاص بالغلام الذكر, أما الأنثى فلا بد من غسله، فلا يكفي النضح، وكذلك إذا أكل الغلام الطعام, أو كان يشرب من الحليب الصناعي ويتغذى به فلا بد من غسله، وإن كان لم يأكل الطعام ويرضع من حليب أمه فيكفيه النضح، وكذلك بول الأنثى لا بد من غسله على كل حال.

    واختلف العلماء في الحكمة من هذا، وفي الفرق بينهما، فقال بعضهم: الفرق بينهما: أن الناس يحملون الذكر أكثر من الأنثى، فتعم البلوى به لمحبته، وقيل: لأن بول الذكر ينتشر وبول الأنثى لا ينتشر, وقيل غير ذلك، وقد تكون لهذه الحكم ولغيرها، والله أعلم.

    وكذلك المذي, وهو: ماء لزج يخرج على طرف الذكر عند الملاعبة واشتداد الشهوة، فهذا نجس لكن نجاسته مخففة، فإذا أصاب الثوب فيكفي فيه النضح مثل بول الغلام، ولا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء، لكن لا بد من غسل الذكر كاملاً والأنثيين أي: الخصيتين؛ لقوله في الحديث الصحيح: (اغسل ذكرك)، وفي رواية الدارمي : (اغسل ذكرك وأنثييك) وكأن الحكمة في هذا والله أعلم ليتقلص الخارج, أما بعد البول فإنه يغسل رأس الذكر ولا يغسل الذكر كله، فيغسل رأس الذكر ولا يغسل الخصيتين، بخلاف المذي فإنه يغسل الذكر كاملاً والخصيتين، أما نجاسته فهي مخففة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح، وكذلك المذي ويعفى عن يسيره ].

    الشيء اليسير يعفى عنه، وهذا يرجع إلى العرف.

    كيفية غسل الدم وما تولد منه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه ].

    الدم إذا كان يسيراً كالدم يكون في العين أو في اللثة أو في الأسنان فيعفى عنه، شيء يسير مثل رأس الإبرة وما أشبه ذلك فيعفى عنه.

    ويدل على نجاسة الدم قول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة عندما قالت: (يصيب إحدانا دم الحيض؟ قال: حتيه ثم اقرصيه، ثم انضحيه بالماء) الحت: هو الحك، والقرص بأطراف الأصابع، ثم انضحيه بالماء، ونقل النووي الإجماع على نجاسة الدم كما في شرح النووي .

    وهذا إذا كان كثيراً، وكذلك الدم الذي يخرج عند الذبح، فهو الدم المسفوح، قال تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام:145] أما ما يبقى في عروق اللحم فالأصل فيه الطهارة.

    قول المؤلف: (يعفى عن يسيره) يعود إلى أقرب مذكور وهو المذي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه ].

    يعني: ما تولد من الدم من القيح والصديد الشيء اليسير فيعفى عنه، وهذا يرجع إلى عرف الإنسان، وكل شخص بحسبه.

    وأما الصلاة مع وجود الدم فقد يكون من الحالات الخاصة، وقد يكون ما جاء وقت الصلاة, ثم لو جاء وقت الصلاة في الحالات الخاصة فقد لا يتيسر الماء، قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    وكما حصل لـعمر حين طعن فقد قدم عبد الرحمن بن عوف ، فـعمر لو عاد فإن الدم مستمر لا يكف، وليس هناك حالة غير هذه الحالة، فالدم مستمر، لو غير ثيابه فسيبقى مستمراً كما هو.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويعفى عن يسيره ويسير الدم وما تولد منه من القيح والصديد ونحوه، وهو ما لا يفحش في النفس ].

    هذا القليل ضابطه: ما لا يفحش في نفس الإنسان.

    طهارة مني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومني الآدمي وبول ما يؤكل لحمه طاهر ].

    مني الآدمي طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، وهو: ماء أبيض يخرج متدفقاً بلذة في الجماع أو في النوم وهو طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، ويوجب الغسل وتعميم البدن بالماء، بخلاف البول فلا يوجب الغسل، وإنما يغسل رأس الذكر، وبخلاف المذي فإنه يوجب غسل الذكر والأنثيين، والودي: ما يخرج بعد البول، فهو تابع للبول، فمني الآدمي طاهر؛ لأنه أصل الإنسان، وكذلك بول ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم فإنه طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين لما اجتووا المدينة أن يشربوا من أبوال إبل الصدقة وألبانها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم, وذهب الإمام السيوطي رحمه الله إلى نجاستها، واستدل بالأحاديث التي فيها البول: (لا يستنزه من البول), وقال: هذا عام، والصواب أن أبوال ما يؤكل لحمه طاهر بدليل قصة العرنيين.