إسلام ويب

دروس في العقيدة [18]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات الله تعالى الدالة على كماله وجلاله علوه على خلقه، فهو العلي ذاتاً، والعلي قدراً وشأناً، والعلي قهراً وسلطاناً، وقد أثبت تعالى لنفسه هذه الصفة وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، ودلائل ذلك قد تفوق الحصر نقلاً وعقلاً وفطرة، ولذا يجب الإيمان بها وإثباتها لله تعالى كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.

    1.   

    صفة العلو للعلي القهار

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فقد سبق الكلام على بعض البدع في صفات الله سبحانه وتعالى، وذكرنا أن أشد البدع وأعظمها هي البدع في أسماء الله وصفاته، وأن من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين مخالفيهم من أهل البدع صفة الكلام.

    وعرفنا البدع القولية في هذه الصفة، وأن منها ما يصل إلى حد الكفر، ومنها ما لا يصل.

    ومن الصفات التي اشتد النزاع فيها أيضاً بين أهل السنة وبين أهل البدع صفة العلو.

    والعلو في اللغة: الارتفاع، وهو وصف ذاتي لله سبحانه وتعالى، فالله ذاته عالية -سبحانه وتعالى- فوق العرش، وهناك ثلاثة أنواع من العلو يتصف بها الرب سبحانه وتعالى، وهي: علو الذات، وعلو القدر والشأن، وعلو القهر والسلطان، قال العلامة ابن القيم رحمه الله:

    والفوق أنواع ثلاث كلها لله ثابتـة بـلا نكـران

    وصفة العلو للناس فيها مذاهب وأقوال، والقول الحق والصواب هو قول سلف الأمة وأئمتها، وقول أهل السنة والجماعة، وهو أن الله فوق سماواته مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، فهذا هو القول الصواب الذي تدل عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الحق الذي قرره الصحابة والتابعون والأئمة والعلماء من أهل السنة والجماعة.

    ذكر أقوال المبتدعة في صفة العلو

    في صفة العلو أقوال مبتدعة ثلاثة، وهي أقوال كفرية والعياذ بالله:

    القول الأول: أن الله ليس متصفاً بالعلو وليس فوق العرش، وإنما هو حال في مخلوقاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهذا قول حلولية الجهمية، فهم يقولون: إن الله ليس فوق العرش، ولا هو فوق السماوات، بل هو في كل مكان، وهذا ما تقوله النجارية وغيرهم.

    القول الثاني المبتدع: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وهذا قول معطلة الجهمية ونفاتهم، وهو أشد كفراً من القول الذي قبله، وبهذا قال أكثر المعتزلة، وبعض الأشاعرة المتأخرين كـالرازي ، فقد قرر هذا في كثير من كتبه، فهؤلاء ينفون عنه الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود عن واحد منهما، ويستحيل أن يكون هناك موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا مخالط له؛ لأن النقيضين لا يرتفعان ولا يجتمعان معاً، فالموجود إما أن يكون داخل العالم وإما أن يكون خارجه، فالذي لا داخل العالم ولا خارجه لا وجود له، والذي ليس فوقه ولا تحته، ولا متصل به ولا منفصل عنه معدوم، بل ممتنع، نسأل الله السلامة والعافية، فهذا أشد كفراً من القول الذي قبله.

    القول الثالث من الأقوال المبتدعة: أن الله فوق العرش بذاته، وهو في كل مكان بذاته، وهذا قول طائفة من السالمية والصوفية، وهؤلاء أرادوا بزعمهم أن يجمعوا بين نصوص العلو ونصوص المعية.

    فهذه الأقوال الثلاثة كلها أقوال كفرية، ومع ذلك فهي منتشرة الآن في الكتب والمؤلفات، ولها أصحاب يدافعون عنها، ولهم شبه، ويعتقدون أنهم ينزهون الله في ذلك، وأنهم أهل الحق، ولهم مؤلفات تحقق وتدرس الآن، فالذي ينبغي على المسلم -وخصوصاً طالب العلم- أن يكون على بينة من هذا الأمر العظيم.

    1.   

    أدلة أهل السنة النقلية الدالة على علو الله

    وقد استدل أهل السنة والجماعة -رحمة الله تعالى عليهم- على ما قرروه من أن الله فوق خلقه وفوق السماوات بذاته، وأنه مستوٍ على عرشه، استدلوا على ذلك بالنقل الصحيح، والعقل الصريح، والفطرة السليمة.

    وقد ذكر العلامة ابن القيم وغيره أن أفراد الأدلة النقلية الدالة على علو الله على خلقه تزيد على ثلاثة آلاف دليل، وهناك أنواع من الأدلة العامة ترجع إليها هذه الأفراد، وسوف نستعرض بعض هذه الأنواع، فكل نوع من الأدلة تحته أفراد كثيرة.

    التصريح باستواء الله على العرش بلفظ (على)

    النوع الأول من أنواع الأدلة: الإخبار والتصريح بأن الله استوى على العرش، وهذا في سبعة مواضع من كتاب الله بلفظ (على) الدالة والصريحة على علو الله على عرشه، وذلك في سورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الرعد، وسورة طه، وسورة الفرقان، وسورة السجدة، وسورة الحديد.

    قال الله تعالى في سورة الأعراف: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، وقال سبحانه في سورة يونس: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [يونس:3]، وقال سبحانه وتعالى في سورة الرعد: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرعد:2]، وقال في سورة طه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال في سورة الفرقان: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان:59]، وقال في سورة السجدة: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [السجدة:4]، وقال في سورة الحديد: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4].

    فهذه السبعة المواضع ذكرت نوعاً واحداً من الأدلة، وهو تصريح بأن الله استوى على العرش، وكلها بلفظ (على) الصريحة والدالة على علو الله على عرشه.

    التصريح بعلو الله سبحانه

    النوع الثاني من الأدلة: التصريح بأن الله في العلو، كقوله سبحانه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وقوله سبحانه: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255]، وقوله سبحانه: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12].

    التصريح بالعروج إليه

    النوع الثالث: التصريح بالعروج إليه، والعروج إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى، كقوله: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4].

    التصريح بالصعود إليه

    النوع الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10].

    التصريح برفع بعض المخلوقات إليه

    النوع الخامس: التصريح برفع بعض المخلوقات إليه، والرفع إنما يكون من الأسفل إلى الأعلى، كقوله في المسيح عليه الصلاة والسلام: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158]، وقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55]، وثبت في الأحاديث والآثار أن دعوات المظلومين والمضطرين ترتفع إلى الله.

    التصريح بتنزيل الكتاب منه

    التصريح بأن الله في السماء

    النوع السابع: التصريح بأن الله في السماء، كقوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17]، وقوله صلى الله عليه وسلم في دعاء رقية المريض الذي رواه أبو داود : (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمه)، والمراد بالسماء هنا العلو، والله سبحانه له أعلى العلو، فهو فوق العرش، وإذا أريد بالسماء الطباق المبنية فتكون (في) بمعنى: على، كقوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] أي: من على السماء، كقوله: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، أي: على جذوع النخل، وقوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ [الأنعام:11] أي: على الأرض.

    الإخبار بأنه تعالى رفيع الدرجات

    النوع الثامن: الإخبار عن رفعته وارتفاع عظمته سبحانه، وأنه رفيع الدرجات، كقوله سبحانه: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [غافر:15]، والمعنى: مرفوعة درجاته؛ لارتفاعه هو وعلو شأنه سبحانه وتعالى، فـ (رفيع) على وزن (فعيل) بمعنى مفعول، وليست (رفيع) هنا بمعنى رافع كما قالت المعطلة الذين يقولون: (رفيع) بمعنى رافع درجات المؤمنين. وهذا باطل؛ لأن سياق الكلام يأباه، فإن الله قال قبل ذلك: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، ثم قال: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ [غافر:15]، فالضمير يعود إلى الله، أي: مرفوعة درجاته هو؛ لارتفاعه وعظمته وعلو شأنه، ونظير ذلك قول الله سبحانه وتعالى: مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [المعارج:3] أي: المصاعد التي تصعد فيها الملائكة إلى الله جل شأنه، والقرآن يفسر بعضه بعضاً.

    التصريح بأن بعض المخلوقات عنده

    النوع التاسع: التصريح بأن بعض المخلوقات عنده، كقوله سبحانه: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ [الأنبياء:19]، وقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ [فصلت:38]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف:206]، وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه -فهو عنده فوق العرش-: إن رحمتي سبقت غضبي)، والإخبار بأن بعض المخلوقات عنده يدل على العلو، ولو لم يدل ذلك على العلو لما كان للتعبير بالعندية فائدة، ولكانت المخلوقات كلها في القرب والعندية سواء، فلما أخبر بأن بعض المخلوقات عنده دل على أن لها خصوصية وأنها في العلو، أما الملك فالله مالك لكل شيء، ولهذا قال: وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أي: ملكاً وتصريفاً وتدبيراً، وَمَنْ عِنْدَهُ أي: في العلو، (لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).

    الإخبار بأن من أسماء الله الظاهر

    النوع العاشر: الإخبار بأن من أسماء الله سبحانه الظاهر، وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الاسم بنفي فوقية أيّ شيء عليه، كقوله سبحانه: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3]، فهذه أربعة أسماء متقابلة، فالأول والآخر اسمان لأبديته وأزليته، والظاهر والباطن اسمان لفوقيته وعلوه وعدم خفاء شيء عليه، وأنه لا يحجبه شيء من مخلوقاته سبحانه وتعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) فسر (الظاهر) بنفي فوقية أي شيء عليه، وهذا يدل على علوه سبحانه وتعالى، وذلك لأن الظهور والعلو متلازمان، فكلما علا الشيء ظهر وبان، كما أن السفول والخفاء متلازمان، فكلما سفل الشيء خفي واستتر، فالله تعالى هو الظاهر وليس فوقه شيء.

    إشارة النبي بأصبعه إلى السماء في خطبته

    النوع الحادي عشر: الإشارة، أي: إشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى السماء في خطبته في حجة الوداع عندما كان يستشهد الله على الناس قائلاً: (ألا هل بلغت؟! قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد)، فقد كان يرفع أصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الناس ويقول: (اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد) فإشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى السماء دليل صريح على أن الله في العلو.

    وأما المعطلة من الجهمية وغيرهم فهم ينكرون الإشارة بالأصبع، فلو رفعت أصبعك عند جهمي واستطاع قطعها لقطعها؛ لأنه يقول: إن الله في كل مكان، والإشارة إليه تنقص له، فإذا جعلته فوق فقد تنقصته وجعلته محدوداً في جهة محددة، وهو في كل مكان.

    النصوص المتواترة الدالة على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

    النوع الثاني عشر: ما ثبت في الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة من رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، كقوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وقوله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته)، وفي لفظ: (كما ترون الشمس والقمر)، فهذه النصوص دلت على أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم.

    والرؤية المعقولة عند جميع بني آدم تقتضي مواجهة الرائي للمرئي ومباينته له، فهذا يدل على أنه ليس مختلطاً بخلقه، فهذا فيه بطلان لقولهم: إنه مختلط بالمخلوقات.

    سؤال الرسول للجارية عن الله بـ (أين)

    النوع الثالث عشر: ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من سؤال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية عن الله بـ (أين) كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما صك الجارية وعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعتقها، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: (أين الله؟، قالت: في السماء، قال: من أنا، قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة)، والسؤال عن الله بـ (أين) يدل على أن الله في العلو؛ لأن (أين) يسأل بها عن المكان.

    والجهمية يجيبون عن حديث الجارية بأن هذه الجارية أعجمية لا تفهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم خاطبها على قدر عقلها وفهمها، فسألها سؤالاً فاسداً يناسب حالها وأقرها على جواب فاسد؛ لأن هذا هو المناسب لحالها، لذلك فهم يقولون: إن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم (مَنْ الله؟) وليس مراده (أين الله) و(من) يطلب بها السؤال عن الحقيقة.

    هكذا جعلوا الرسول عليه الصلاة والسلام عاجزاً عن أن يقول: (مَن الله) فقال: (أين الله) وعلى هذا يكونون قد اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبلغ الشريعة، وأنه سأل سؤالاً فاسداً وأقر على جواب فاسد، وأنه لم يبين الحق، نسأل الله العافية، وهذه تهمة عظيمة، وطعن في النبي صلى الله عليه وسلم.

    فتلك أنواع من الأدلة، وكل نوع تحته أفراد من الأدلة.

    1.   

    موقف المعطلة من النصوص الدالة على علو الله

    ما موقف المعطلة الذين أنكروا علو الله بذاته على الخلق من هذه النصوص؟ فهل سكتوا؟ وهل وقفوا مكتوفي الأيدي؟ أم أجابوا عليها واعترضوا عليها؟

    الجواب: اعترض نفاة العلو على هذه النصوص، فقالوا: إن المراد بالعلو والفوقية في هذه النصوص ليس فوقية الذات، وأن ذاته فوق العرش، بل المراد بها فوقية الخيرية والأفضلية، فقوله سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، أي: هو خير من العرش، وقوله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، أي: هو خير من عباده وأفضل، فالمراد بالفوقية إما فوقية الخيرية والأفضلية، أو فوقية القهر والسلطان؛ لأن المعطلة يثبتون نوعين من العلو: علو الخيرية والأفضلية، وعلو القهر والسلطان، والذي ينكرونه هو علو الذات، فهم يقولون: لا نوافق أن الله بذاته فوق العرش، بل المراد أن قدره عال وعظمته عاليه، ولهذا تأولوا النصوص وقالوا: إن هذا يلزم منه معنى فاسد، وهو أن يكون الله محدوداً ومتحيزاً، وهذا تنقص لله، وأيضاً قالوا: واللغة العربية تدل على ما ذهبنا إليه، فالعرب تقول: الأمير فوق الوزير، فهل معنى ذلك أن الأمير راكب فوق الوزير؟! لا، بل المعنى أنه خير وأفضل منه، وقولهم: الدينار فوق الدرهم، يعني أن الدينار أفضل من الدرهم، وقولهم: الذهب فوق الفضة، يعني: أن الذهب خير من الفضة، فالمراد فوقية الخيرية والأفضلية لا فوقية الذات.

    1.   

    ردود أهل السنة على المعطلة في مسألة علو الله

    وقد أجاب أهل الحق على اعتراضات المعطلة على نصوص العلو وتأويلاتهم بعدة أجوبة:

    الجواب الأول: أن تأويلكم لنصوص الفوقية بفوقية الخيرية والأفضلية، أو بفوقية القهر والسلطان على خلاف الحقيقة، فالتأويل هو صرف للفظ عن حقيقته إلى المجاز، والأصل في الألفاظ الحقيقة، وحقيقة الفوقية أن تكون ذات الشيء فوق الشيء، ولا يجوز صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز إلا بقرينة، ولا قرينة هنا، فإذا وجدت قرينة فلا مانع، بل ليس هناك قرينة تدل على صرف الفوقية في هذه النصوص إلى فوقية الخيرية والأفضلية، لكن إذا وجدت قرينة فنعم، كما في قوله تعالى حكاية عن فرعون أنه قال عن بني إسرائيل: قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف:127]، فهذه فوقية قهر وغلبة، والقرينة أن فرعون ومن معه كانوا كلهم على الأرض مستوين عليها، فليس فرعون أعلى منهم، بخلاف الفوقية في هذه النصوص والآيات، فليس الله مستوياً مع خلقه في الأرض حتى تؤولوها وتصرفوها إلى فوقية القهر والغلبة، بل الله فوق مخلوقاته بذاته.

    الجواب الثاني: أن تفضيل الله على خلقه لم يأت في النصوص ابتداءً، وإنما جاء ذلك في سياق الرد على من اتخذ مع الله نداً، وعبده مع الله، وأشركه في الإلهيه، فتأتي النصوص للرد على هؤلاء وبيان أن الله خير من ذلك الند وأفضل،كما في قوله سبحانه عن يوسف عليه الصلاة والسلام أنه قال: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:39]، وقوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل:59]، وقوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:17]، فهذه الخيرية جاءت في سياق الرد، وذلك أنه يحسن في الخطاب الداحض لحجة الخصم وإلزامه بالحجة والرد عليه ما لا يحسن في الابتداء، وهذا أمر واضح لا ينكره إلا غبي.

    الجواب الثالث: أن تأويل النفاة والمعطلة لنصوص العلو والفوقية بفوقية الخيرية والأفضلية تأويل باطل يفسد به معنى الآيات، حيث تشمئز منه العقول السليمة، وتنفر منه القلوب الصحيحة، وليس في هذا التأويل مدح ولا تمجيد ولا ثناء على الله، والله تعالى لم يمدح نفسه بأنه خير من العرش وأفضل منه، وبأنه خير من عباده وأفضل منهم، فلا مقارنة بين الخالق والمخلوق حتى يقال: إن الخالق خير من المخلوق وأفضل، بل إن المخلوقات المتفاوتة في الخلق لو قارنت بينها وفضلت بعضها على بعض لتنقصت الفاضل، فلو قال قائل: الشمس أفضل من السراج لتنقص الشمس، أو قال: السماء أعلى من سطح الدار، أو: السماء أكبر من الرغيف، أو: الجبل أثقل من الحصى، أو: رسول الله أفضل من اليهود، أو: السيف أحسن من العصا وأقوى، فكل هذا تنقص، كما قال الشاعر:

    ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

    وإذا كان يقبح كل القبح -ويضحك من ذلك العقلاء- لو قلت: الجوهر أفضل من قشر البصل؛ فكيف تؤول آيات الفوقية بأن الرب خير من المخلوق وأفضل من المخلوق؟! فهذا باطل وهذا تنقص لله.

    الجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه الفوقية المطلقة، وهي تشمل فوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة، وفوقية الخيرية والأفضلية، فمن أثبت بعضها ونفى بعضها فقد جحد ما أثبته الله لنفسه وتنقّص الله عز وجل.

    وإثبات الفوقية لله عز وجل لا يستلزم محذوراً، ولا يوجب نقصاً، فالله تعالى لا يحتاج إلى العرش، ولا إلى حملة العرش، ولا إلى شيء من مخلوقاته، فالله هو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41]، وهذه الشبه موجودة ومقررة، بل هناك من يعتنقها الآن ويدافع عنها ويقررها، فهناك من يدرس في التفسير والفقه والحديث ويقرر أن الله ليس فوق مخلوقاته، بل يقول: إن الله حال في مخلوقاته، أو يقول: إن الله ليس داخل العالم ولا خارجه. فمن هنا تكون الحاجة ماسة وملحة إلى معرفة هذه الشبه وإبطالها وردها ودحضها.

    1.   

    أدلة أهل السنة العقلية الدالة على علو الله

    استدل أهل الحق على ما ذهبوا إليه من أن الله فوق السماوات وفوق العرش بذاته بالعقل الصريح، وذلك عن طريق السبر والتقسيم، والسبر والتقسيم عند أهل الأصول وأهل المنطق هو أن تحصر الأقسام التي يتصورها العقل ثم تبطلها واحداً بعد واحد وتثبت القول الحق، فقالوا: لما خلق الله الخلق فلا يخلو من أن يكون خلقهم داخل ذاته، أو يكون خلقهم خارج ذاته، أو يكون خلقهم لا خارج ذاته ولا داخلها، فهذه ثلاث صور عقلية لا يمكن للعقل أن يتصور أكثر منها، أما الأولى -وهو كون الله خلق الخلق داخل ذاته- فباطل، لأنه يلزم منها أن يكون الله محلاً للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك، وهذا قول الحلولية، وهو كفر وباطل بالاتفاق.

    وأما الثانية -وهي أن الله خلقهم لا داخل ذاته ولا خارجها- فباطل أيضاً؛ لأنه يلزم منها نفي الله وعدم وجوده بالكلية، ولأنه يلزم منها وصف الله بارتفاع النقيضين، وهذا غير ممكن، وهو قول معطلة الجهمية، وهو كفر.

    وأما الثالثة -وهي أن الله خلق الخلق خارج ذاته- فلا يخلو إما أن يكون خلقهم خارج ذاته من فوقهم، أو خلقهم خارج ذاته من تحتهم، أو خلقهم خارج ذاته أمامهم، أو خلقهم خارج ذاته خلفهم، أو عن أيمانهم، أو عن شمائلهم.

    وأليقها بالله جهة العلو، فثبت أن الله خلق الخلق خارج ذاته من فوقهم، ويلزم من ذلك أن الله عليٌ على عرشه فوق مخلوقاته.

    وقد اعترض النفاة والمعطلة على هذا الدليل فقالوا: لا نسلم بأن هذا دليل عقلي واضح وبدهي تثبته العقول وتقرره، بل هو قضية وهمية خيالية، بدليل أن جمهور العقلاء أنكروا بداهته ولم يقولوا: إنه معروف.

    فأجاب أهل الحق عن هذا الاعتراض بقولهم: إذا كان قولكم حقاً مقبولاً في العقل فقولنا أعظم وأولى بأن يكون حقاً، وإن كان قولنا باطلاً بحكم العقل فقولكم أعظم رداً، وعامة فطر الناس توافقنا على هذا، فإن قبلتم فطرهم ترجحنا عليكم، وإن رددتم فطر جميع الناس بطلت عقلياتنا، فيبطل دليلنا ودليلكم العقلي؛ لأنهما تعارضا فتساقطا، وحينئذ نرجع إلى النصوص الشرعية، فالعقل مشترك بيننا وبينكم, ونحن متمسكون بالأدلة السمعية هنا.

    أما قولكم: إن أكثر العقلاء ينكرون بداهة هذا الدليل فهذا القول باطل، فليس أكثر العقلاء هم الذين ينكرون هذا؛ بل الذي يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه طائفة قليلة من النظار، وأول من قال بذلك الجهم بن صفوان .

    الدليل العقلي الثاني: دليل عقلي بطريقة الملازمة والاستثنائية، قال أهل الحق: لو لم يكن الرب متصفاً بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مختلط بالعالم لكان متصفاً بضدها، وهو السفول؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول، والسفول مذموم على الإطلاق، وهو مستقر إبليس وجنده، فدل على أنه قابل للفوقية.

    واعترض هؤلاء النفاة فقالوا: لا نسلم أن الله قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها، بل نقول: إن الله ليس قابلاً للفوقية حتى تلزمونا بأنه إذا لم يكن فوق كان أسفل.

    وقد أجاب أهل الحق على هذا بجوابين:

    الجواب الأول: أنه لو لم يكن قابلاً للفوقية مع أنه قائم بنفسه وموجود، ووجوده خارجي؛ لكان قابلاً لضدها، فلو لم يكن قابلاً للفوقية لم يكن له ذات قائمة بنفسها، فكل موجود في الخارج لا بد من أن يكون قابلاً للفوقية أو للسفول، فمتى أقررتم بأن لله ذاتاً وأنه قائم بنفسه وأنه موجود في الخارج وليس وجوده ذهنياً لزمكم قبول الفوقية.

    الجواب الثاني: لو لم يكن قابلاً للفوقية لكان كل عال على غيره أكمل منه، فإن من يقبل العلو والفوقية أكمل مما لا يقبل، والفوقية صفة كمال لا تستلزم نقصاً ولا توجب محذوراً ولا تخالف كتاباً ولا سنة ولا عقلاً، فنفيها يكون عين الباطل.

    دليل الفطرة الدال على علو الله تعالى

    استدل أهل الحق على أن الله فوق العرش بالفطرة السليمة، فقالوا: إن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء إلى السماء، ويتوجهون عند التضرع إلى الله تعالى، وهذا شيء يجدونه في نفوسهم من غير أن يتلقوه من المرسلين، بل يجدون طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو، فالجارية الأعجمية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله عليها، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وشهد لها بالإيمان.

    ولما كان أبو المعالي الجويني -وهو معروف ومن الأشاعرة- يقرر في درس له أن الله ليس فوق العرش وليس فوق السماوات، وجعل يأتي بالشبه التي فيها أن الله ليس فوق العرش، بل هو في كل مكان، قام أحد التلاميذ وقال: يا أستاذ! دعنا من هذا الكلام، أخبرنا عن هذه الضرورة التي يجدها الإنسان في نفسه، ما قال قائل قط: يا ألله إلا اتجه إلى العلو، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟ فلطم الشيخ نفسه وجعل يقول: حيرني الهمذاني ، حيرني الهمذاني ، حيرني الهمذاني.

    فتحير ولم يستطع أن يرد عليه، وهذا هو الدليل الفطري.

    اعتراض النفاة على دليل الفطرة والرد عليهم

    وقد اعترض النفاة على الدليل الفطري باعتراضين:

    الاعتراض الأول: قالوا: إن رفع اليدين عند الدعاء إلى السماء ليس لأن الله في السماء؛ بل لأن السماء قبلة للدعاء كما أن الكعبة قبلة للصلاة.

    وبعضهم يقول: إن الإنسان يرفع يديه في الدعاء لأن المطر ينزل من فوق، ولأن الأنوار تأتي من فوق، ولأن الملائكة تنزل من فوق.

    وأجاب أهل الحق على هذا القول بأجوبة:

    الجواب الأول: أن ادعاءكم أن السماء قبلة للدعاء ادعاء باطل لم يرد به كتاب ولا سنة ولا قاله أحد من سلف الأمة وعلمائها، وهذا من الأمور الشرعية، فكيف يخفى على سلف الأمة وأئمتها؟!

    الجواب الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى القبلة في دعائه في مواطن كثيرة، فمن ادعى أن السماء قبلة للدعاء أو أن هناك قبلتين: قبلة للدعاء، وقبلة للصلاة، فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين.

    الجواب الثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العبد بوجه لا ما يستقبله بيديه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل القبلة ويتوجه إلى القبلة في مواقف كثيرة، في الدعاء وفي الذكر وفي الذبح، فقبلة الدعاء هي قبلة الصلاة.

    رابعاً: لو كانت السماء قبلة للدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع.

    الجواب الخامس: أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأمر الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر لا يقبل النسخ ولا التحويل.

    سادساً: أن المستقبل إلى الكعبة يعلم أن الله ليس هناك، بخلاف المتوجه إلى السماء، فإنه يعلم أن الله هناك، فهو يرجوه ويتضرع إليه ويرجو أن تنزل الرحمة من عنده.

    وبهذا يبطل الاعتراض الأول.

    الاعتراض الثاني: اعترضوا على الدليل الفطري فقالوا: إن دليلكم منقوض بوضع المصلي جبهته على الأرض، والله ليس في جهة الأرض، فهل معنى ذلك أن الله في الأرض؟! فكذلك إذا رفع يديه في الدعاء فلا يدل ذلك على أن الله في السماء.

    وأجيب على هذا الاعتراض بأن وضع المصلي جبهته على الأرض إنما قصده الخضوع لمن فوقه، والذل والخشوع له، وليس قصده بأن يميل إليه لأنه تحته، فهذا لا يخطر في قلب إنسان إلا من انتكست فطرته وعميت بصيرته، كـبشر المريسي، فقد سُمع وهو يقول في سجوده: سبحان ربي الأسفل، قبحه الله وأخزاه.

    1.   

    شبه نفاة العلو والرد عليهم

    استلزام إثبات العلو للجهة

    إن نفاة العلو الذين نفوا أن الله فوق العرش وفوق السماوات ليس لهم أدلة من الكتاب ولا من السنة، وإنما لهم شبه عقلية، وبيانها على النحو الآتي:

    الشبهة الأولى: أنه يلزم من إثبات أن الله فوق العرش وفوق السماوات أن يكون الله في جهة، ويلزم أن يكون محتاجاً إلى الجهة، ويلزم أن يكون جسماً، ويلزم أن يكون محدوداً ومتحيزاً.

    وأجاب أهل الحق عن هذه الشبهة بجوابين: جواب مجمل وجواب مفصل.

    الجواب المجمل أن نقول: إن أردتم بالجهة الجهة الوجودية التي هي خلق من المخلوقات، بمعنى أنها تحويه وتحصره وتحيط به إحاطة الظرف بالمظروف فهذا باطل، فالله أعلى من ذلك وأجل؛ لأنه سبحانه لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات، وإن أردتم بالجهة ما وراء العالم فالله فوق العالم بعد أن تنتهي المخلوقات، هذا هو الجواب المجمل.

    والجواب التفصيلي من وجوه:

    الوجه الأول: أن نقول: قولكم: إنه يلزم من إثبات العلو الجهة إن أردتم بالجهة جهة وجودية كالعرش وأن الله داخل السماء فهذا باطل، فليس الله داخل العرش ولا داخل السماء، بل هو بائن من خلقه لم يدخل في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، فهو سبحانه وتعالى بائن من خلقه منفصل عنهم.

    الثاني: إن أردتم بالجهة السماء وأن المراد بكونه في السماء، أي: على السماء؛ فهذا حق، وحينئذ لا يكون هناك جهة وجودية حتى يقال: إنه محتاج إليها أو غير محتاج إليها.

    الثالث: إن أردتم بالجهة ما فوق العالم، فهذه جهة عدمية، وما وراء العالم نهاية المخلوقات، فالمخلوقات سقفها عرش الرحمن، والله فوق العرش بعد أن تنتهي المخلوقات، وليس فوق العرش جهات وجودية.

    الرابع: أنه لا يلزم من كون الله فوق العرش أن يكون محتاجاً إلى العرش، أو إلى شيء غيره، ولا يلزم من كون الشيء فوق الشيء أن يكون محتاجاً إليه، فالله تعالى جعل هذه المخلوقات بعضها فوق بعض ولم يجعل العالي محتاجاً إلى السافل، فالهواء فوق الأرض وليس الهواء محتاجاً إلى الأرض، والسحاب فوق الهواء وفوق الأرض وليس محتاجاً إلى الهواء ولا إلى الأرض، والسماء فوق السحاب وفوق الهواء وفوق الأرض وليست السماء محتاجة إليها، والسماء الثانية فوق السماء الأولى وليست محتاجة إليها، إلى السماء السابعة، والكرسي فوقها وليس محتاجاً إليها، والعرش فوق الكرسي والسماوات وليس محتاجاً إلى الكرسي ولا إلى السماوات، فإذا كانت المخلوقات بعضها فوق بعض ولا يكون العالي محتاجاً إلى السافل، فكيف يقال: إن الله إذا كان فوق العرش يكون محتاجاً إلى العرش؟! تعالى الله عن هذا، فالله فوق العرش ولا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته.

    فهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته سبحانه وتعالى، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41].

    الخامس: قولكم: إنكم تثبتون الجهة والحيز والحد والعرض والجسم، نقول: كل هذه ألفاظ اصطلاحية فيها إجمال وإيهام وإبهام، فالمعارضة بها ليست معارضة بدلالة شرعية؛ لأن هذه الألفاظ لم ترد في الكتاب ولا في السنة، ولا قالها أحد من السلف، فلا يجوز إثباتها ولا نفيها.

    وقد وقف علماء الإسلام من أهل الكلام موقفاً واضحاً، وأنكروا عليهم إطلاق هذه الألفاظ وبدعوهم، وقال فيهم الإمام الشافعي رحمة الله عليه: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، وأن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.

    وصح عن إمام الأئمة محمد بن إسحاق ابن خزيمة رحمه الله أنه قال: من لم يؤمن بأن الله فوق سماواته على عرشه وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه وطرح على مزبلة. أي: قمامة.

    وفي لفظ: حتى لا يتأذى به أهل السنة ولا أهل الذمة.

    فهذا يدل على أنه ارتد، وكفره أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى كفرهم أخف، لذلك يجوز بقاؤهم مع دفع الجزية، وتحل نساؤهم وذبائحهم، أما هذا فهو وثني مرتد لا تحل ذبيحته، فليس له إلا الإسلام أو السيف، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل.

    شبهة استلزام إثبات العلو لكون الله في السماء وخلقه نفسه

    الشبهة الثانية من شبه نفاة العلو شبهة وردت على لسان الرازي ، وهو من علماء الأشاعرة المتأخرين، لكنه اعتنق مذهب الجهمية وصار من النفاة المعطلة الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، وقد وقرر هذا في كثير من كتبه، مثل كتاب (مفاتيح الغيب) وكتاب (السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم)، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكر أنه تاب في آخر حياته وترحم عليه.

    وهذه الشبهة مكونة من مقدمتين ونتيجة، والقاعدة عند أهل الكلام وأهل المنطق أنه إذا كان الدليل مكوناً من مقدمتين أن تأتي بالمقدمة الأولى ثم تسلمها، ثم تأتي بالمقدمة الثانية ثم تسلمها، فإذا سلمت للمقدمة الأولى وسلمت للمقدمة الثانية لزمتك النتيجة.

    لكن الطريقة السليمة أن تعارض المقدمة الأولى أو تعارض المقدمة الثانية أو تعارض المقدمتين حتى ينقض الدليل.

    يقول الرازي في هذه الشبهة التي يبطل بها أن الله فوق السماوات وفوق العرش: لو كان الله في جهة فوق لكان السماء، هذه المقدمة الأولى، والمقدمة الثانية: ولو كان السماء لكان مخلوقاً لنفسه، فكونه في جهة فوق محال، وكونه مخلوقاً لنفسه محال.

    ففي المقدمة الأولى: لو كان الله في جهة فوق لكان السماء قال: عندي دليلان يثبتانها: الدليل الأول من اللغة، وهو أن اشتقاق السماء من السمو، وكل شيء سماك فهو سماء، وهو كذلك في عرف القرآن، فهذا الدليل الأول الذي أثبت به هذه المقدمة.

    والدليل الثاني عقلي: قال: لو كان الله فوق العرش لكان من جلس في العرش ونظر إلى فوق لم ير إلا نهاية السطح الأخير من ذات الله، فكانت نسبة نهاية السطح الأخير من ذات الله إلى سكان العرش كنسبة السطح الأخير من السماوات إلى سكان الأرض، فثبت من ذلك أنه لو كان فوق لكان سماءً.

    المقدمة الثانية: ولو كان السماء لكان مخلوقاً لنفسه، قال: الدليل على ذلك أن السماء مخلوقة بنص القرآن، قال الله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47]، وقال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الأعراف:54]، فالسماء مخلوقة، فلو كان السماء لكان مخلوقاً لنفسه، وكونه مخلوقاً لنفسه محال، فثبت أن كونه فوق العرش محال.

    ويرد على هذه الشبهة بأنه لما كان قد استقر في نفوس المخاطبين في عهد النبوة أن الله هو العلي الأعلى؛ كان هذا هو المفهوم من النصوص، كقوله سبحانه: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، فالمفهوم أن الله في العلو من غير تخصيصه بالأجسام وحلوله فيها، فالجارية التي قال لها النبي: (أين الله؟ قالت: في السماء) مرادها أن الله في العلو من غير تخصيصه بالأجسام وحلوله فيها، ولو قدر أن المراد بالسماء الأفلاك تكون (في) بمعنى على، كقوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، أي: على السماء، وكقوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، أي: على جذوع النخل، وقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ [الأنعام:11]، أي: على الأرض، ويقال: فلان في السطح وإن كان على السطح.

    الجواب الثاني: أن من فهم من قول الله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] أن السماء تحيط بالله وأن الله داخل السماء فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحداً يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحداً نقله عن أحد من أهل العلم.

    ولو سئل سائر المسلمين عن قول الله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ربنا الله الذي في السماء) فهل سيفهمون من قوله: (في السماء) أن الله داخل السماء؟! بل لبادر كل واحد منهم قائلاً: لعل هذا لا يخطر ببال واحد منا، وإذا كان كذلك فمن التعسف والتمحل أن يحمّل النص معنى فاسداً لا يحتمله، ثم يريد أن ينفي النص ويبطله.

    الجواب الثالث: أن الأصل في ما ورد في النصوص من قول الله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ربنا الله الذي في السماء)، الأصل أن المراد بالسماء العلو، وهذا هو المعروف في اللغة، وتكون (في) للظرفية، فقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، أي: من في العلو. فالسماء اسم جنس للعالي، فهو اسم للعرش، والعرش يسمى سماء؛ لأنه علو، فالعرش وما دونه كله علو، ولكن قد يفهم بعض الناس أن المراد بالسماء الطباق المبنية، وحينئذٍ فلابد من قرينة، وإذا أريد بها الطباق المبنية فتكون (في) بمعنى على، كقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، أي: من على السماء، وكقوله قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ [الأنعام:11]، أي: على الأرض، وقوله: فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ [التوبة:2]، أي: على الأرض، وقوله عن فرعون: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، أي: على جذوع النخل، فليس المعنى أنه يدخلهم في وسط الجذوع، بل المراد على جذوع النخل.

    ولكن لا حاجة إلى هذا؛ لأن السماء اسم جنس للعالي والعرش فما دونه، والله تعالى له أعلى العلو وهو فوق العرش، وهو العلي الأعلى سبحانه وتعالى.

    وبهذا ينتهي البحث في هذه المسألة العظيمة، وهي مسألة العلو، وهي محل نزاع ومفترق طرق، فمن أثبت العلو لله فهو من أهل السنة، ومن نفاه فهو من أهل البدعة ومن أهل التجهم، وهناك بدع أخرى في صفات أخرى.

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العمل الصالح الذي يرضيه، ووفقنا جميعاً للعلم النافع والعمل الصالح، وجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الثبات على دينه والاستقامة عليه حتى الممات، إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تكفير منكري علو الله على عرشه

    السؤال: هل يكفر من أنكر صفة العلو كالجهمية وغيرهم؟

    الجواب: هذه مسألة مختلف فيها، فمن العلماء من كفرهم بإطلاق، وقال بكفر كل من أنكر العلو، ومنهم من قال: لا يكفرون بإطلاق، ومنهم من قال: العامي المقلد لا يكفر وإنما يكفر علماؤهم وخاصتهم، ولعل هذا هو الأقرب، ولكن لا بد من أن تقوم عليه الحجة، وقد ذكر العلامة ابن القيم كما سبق أنه كفر الجهمية من العلماء خمسمائة عالم، فقال في نونيته:

    ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان

    واللالكائي الإمام حكاه عنهم بل حكاه قبله الطبراني

    وعلى كل حال فالجاهل الذي لا يعلم لا بد من إقامة الحجة عليه، بخلاف الخاصة الذين عندهم علم ومعرفة وقامت عليهم الحجة.

    أهمية معرفة حقيقية التوحيد

    السؤال: نرجو إلقاء الضوء على أهمية التوحيد، ووجوب العناية به تعلماً وعملاً وتعليماً؛ لما لهذا الأمر من أهمية عظيمة؟

    الجواب: لا شك في أن معرفة حقيقة التوحيد أمر مهم؛ لأنه أمر عظيم، ولأنه الأمر الذي خلق الله من أجله الخلق، وبعث من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وهو الذي يترتب عليه السعادة والشقاوة، فجدير بالمسلم وطالب العلم خاصة أن يعلم حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزله به كتبه، وأن يدرس كتب العلماء المحققين، وأن يدرس على أيدي علماء الشريعة ويسأل عما أشكل عليه، ويبحث حتى يتبين له الحق، ويفرق بين توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، ويعلم أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات توحيد فطري، قد فطر الله عليه الخلق وأقر به المشركون، ولكن النزاع في توحيد العبادة أو الإلهية، لا سيما أن هناك بعض المخرفين من المحاضرين والأساتذة وغيرهم يسبون أهل التوحيد، ويسمونهم أهل التلحيد.

    فعلى طالب العلم أن يكون على علم وإلمام بهؤلاء، فليس كل من تكلم أو استطاع أن يتكلم وأن يحاضر طالب علم عنده تحقيق، بل قد يكون مخرفاً، ولهذا حذر الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من علماء المشركين، وقال: إن علماء المشركين عندهم علوم وفهوم وشبه، لكن على باطل، قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر:83]، فعندهم علم لكنه مزيف، وهناك كثير من المخرفين من المحاضرين والدكاترة، وكثير من المؤلفين في الساحة يقررون الشرك ويقولون: إن دعاء الموتى والذبح لهم والنذر لهم ليس شركاً. فهم يقررون مذهب الصوفية.

    إذاً: فلا بد لطالب العلم من أن يكون على حذر، ولا بد من أن يدرس العلم الشرعي من معادنه ومنابعه الصافية، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويدرس على أهل العلم المعتبرين من أهل السنة والجماعة، أهل الحق الذين يوثق بهم؛ لأن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.

    فاختر أهل العلم العارفين بالله الواقفين عند كتاب الله وسنة رسوله، الذين يأخذون بكتاب الله وسنة رسوله وبأقوال سلف الأمة وأئمتهم من الصحابة والتابعين؛ لأنهم أفضل الناس وأعلم الناس بمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فالذي قرره السلف من الصحابة والتابعين والعلماء والأئمة من كتاب الله وسنة رسوله هو الحق، وإياك وبنيات الطريق، وإياك أن تنحرف، فما أكثر المنحرفين! وما أكثر دعاة الضلال! وما أكثر المخرفين من المؤلفين والمحاضرين والدكاترة والمدرسين في الجامعات والأندية وفي الندوات، وفي الأمكنة العامة وفي كل مكان! فكن على حذر، وخذ دينك عمن تثق به، وادرس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وخذ العقيدة الصحيحة الصافية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والعلم إنما يؤخذ من أفواه العلماء، فلا يكفي طالب العلم أن يطلب العلم من الكتب؛ لأنه لم يكن هناك طالب علم أو عالم ناشئ من الكتب أبداً، والعلماء والأئمة لهم مشايخ كانوا يأخذون العلم عنهم.

    وجلسة واحدة تجلسها مع شيخ تعدل ساعات طويلة وأياماً طويلة تقرؤها بنفسك من الكتب، وهذا شيء مجرب ومعروف، والدروس في المساجد فيها خير وبركة، فالإنسان إذا قصد المسجد وأخلص نيته لله فهو على خير عظيم، والملائكة تحفه وتدعو له، وهو في روضة من رياض الجنة، وكذلك الدروس في الجامعات والكليات فيها خير وبركة إذا أخلص الإنسان فيها نيته.

    الموقف من رؤية الله تعالى يوم القيامة

    السؤال: نرجو توضيح مسألة الرؤية، وما يدور حولها من نزاع؟

    الجواب: مسألة الرؤية من المسائل العظيمة التي اشتد النزاع فيها، وكذلك مسألة الاستواء، وكذلك مسألة المعية والقرب، فكلها تحتاج إلى وقت طويل، وتحتاج إلى دروس حتى يبين الحق فيها ويبين مواقف أهل البدع.

    والخلاصة أن أهل الحق يثبتون رؤية الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وأن الله يرى في الآخرة، وأما أهل البدع من المعتزلة والجهمية فيقولون: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم يقولون: إن إثبات الرؤية يلزم منه الجهة؛ لأن المرئي يكون في جهة، والله ليس في جهة، وهم ينكرون العلو كما سبق، أما الأشاعرة فإنهم يثبتون الرؤية وينكرون الجهة، فصاروا مذبذبين، فيقولون: إن الله يرى، لكن ليس في جهة، وهذا غير معقول وغير متصور، ولذلك تسلط عليهم المعتزلة وقالوا: يجب عليكم أن تثبتوا الجهة حتى تكونوا أعداء لنا، أو تنكروا الجهة حتى تكونوا أصدقاء لنا في الجميع، أما أن تكونوا هكذا مذبذبين وتقولون: رؤية بدون جهة فهذا غير معقول وغير متصور.

    فالمقصود أن إثبات الرؤية من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدعة، فمن أثبتها فهو من أهل السنة، ومن أنكرها فهو من أهل البدعة.

    كتب العقيدة

    السؤال: نرجو منكم ذكر بعض المراجع التي تبين مذهب أهل السنة في الاعتقاد وتبين مذاهب أهل البدع وترد عليها؟

    الجواب: المراجع موجودة كثيرة، فكتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتب العلامة ابن القيم من أشهر الكتب في ذلك، كمجموع الفتاوى في الأجزاء الأولى، وكذلك رسالة (العقيدة الواسطية)، فهي رسالة عظيمة ومختصرة، أوصي بقراءتها ودراستها، ثم (الحموية)، ثم (التدمرية)، وكذلك (الطحاوية) وشرحها، وكذلك ما كتبه العلماء قديماً، مثل كتاب (التوحيد) لـابن خزيمة ، وكذلك كتب الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، مثل (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، وكتاب (كشف الشبهات)، والرسائل المتعددة، ورسائل أئمة الدعوة، والدروس السنية، وشرح كتاب التوحيد المسمى بـ(تيسير العزيز الحميد) و(فتح المجيد)، وهما كتابان عظيمان، وهناك كتب كثيرة من طلبها وجدها.

    وجه شبهة المنكرين لأسماء الله وصفاته

    السؤال: هل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة يعترفون بأسمائهم هم؟ وإذا كانوا يعترفون بذلك فكيف يعترفون بأسمائهم ولا يعترفون بأسماء الله وصفاته؟

    الجواب: نعم يعترفون بأسمائهم، وهذا معروف، وهم يناقشون بهذا، لكن لهم شبهة، فهم يقولون: إن الله ليس كمثله شيء، وإثبات الصفات والأسماء يلزم منه التشبيه، فإذا كان المخلوق له أسماء وصفات والخالق له أسماء وصفات شابه الخالق المخلوق، والله ليس كمثله شيء.

    نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.