إسلام ويب

دروس في العقيدة [10]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حذر الإسلام من الشرك وأهله، وسد كل الأبواب والذرائع الموصلة إليه، ووجه أتباعه إلى الاهتمام بالعقيدة الصحيحة ومحاربة السحرة والكهنة والمشعوذين وغيرهم، وحذر من إتيانهم فضلاً عن تصديقهم، وتوعد فاعل ذلك وسائله ومصدقه بالوعيد الشديد إن ماتوا على حالهم قبل التوبة.

    1.   

    أمثلة الشرك وأنواعه

    الشرك في الكهانة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن الحديث لا يزال موصولاً عن أمثلة الشرك وأنواع الشرك في العبادة التي تنافي التوحيد، وقد استعرضنا فيما سبق بعض الأنواع والأمثلة، ومن الأمثلة والأنواع للشرك في العبادة: الشرك في الكهانة.

    والكهانة: هي ادعاء علم الغيب مع الاستناد إلى سبب، كالإخبار بما سيقع في الأرض، فالكهان هم الذين يخبرون عن المغيبات في المستقبل من الزمان، ويأخذون عن مسترق السمع من الشياطين.

    والأصل في الكاهن أنه يأخذ عن مسترق السمع من الشياطين، والشيطان يلقي الكلمة في أذن الكاهن فيأخذها، فالكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وهو الذي يدعي علم الغيب عن طريق الاتصال بالشياطين والجن، فيتخذ له قريناً من الجن يأتيه ويخبره.

    وقد كثر الكهان قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلموا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو معروف في كتب التاريخ وكتب السير.

    والكهانة التي عن طريق الاتصال بالشياطين شرك بالله عز وجل من جهتين: من جهة تقرب الكاهن إلى الوسائط التي يستعين بها على العلوم الغيبية بما هو من خصائص الله، فيتقرب إلى الشيطان بما يحب من الشركيات، فإما أن يدعوه، وإما أن يذبح له، وإما أن يفعل غير ذلك.

    والجهة الثانية: دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، فالكاهن يدعي علم الغيب فيكون كافراً، قال الله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وقال سبحانه: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27]، فالكاهن الذي يتصل بالشياطين كافر من جهتين: من جهة تقربه إلى هذه الوسائط التي يستعين بها على دعوى علم الغيب، ومن جهة ادعائه لعلم الغيب.

    والكاهن قد يسمى العراف، ولهذا قال البغوي رحمة الله: العراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بالمقدمات، فيستدل بها على المسروق ومكان الضالة، وقيل: هو الكاهن, والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير.

    وقال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يدعي معرفة الأمور بهذه الطرق.

    وعلى كل حال فإنه يجمع هؤلاء شيء واحد، وهو دعوى علم الغيب، فمن ادعى علم الغيب فهو كافر، لكن إن كان دعوى علم الغيب عن طريق الإخبار عن المغيبات في المستقبل سمي فاعل ذلك كاهناً، وإن كانت عن طريق عقد العقد والنفث فيها والاستعانة بالشياطين سمي فاعل ذلك ساحراً، وإن كانت عن طريق الاستدلال على معرفة المسروق ومكان الضالة سمي فاعل ذلك عرافاً, وإن كانت عن طريق النظر في النجوم والاستدلال بها على علم الغيب سمي فاعل ذلك منجماً، وإن كانت عن طريق الخط في التراب أو الضرب بالحصى سمي فاعل ذلك رمالاً.

    وكل من ادعى علم الغيب فإنه يكون كافراً بأي طريق، سواء عن طريق العقد والنفث فيها، أو عن طريق الإخبار عن المغيبات في المستقبل، أو عن طريق ادعاء معرفة الأمور التي يستدل بها على المسروق ومكان الضالة، أو عن طريق الإخبار عما في الضمير، أو عن طريق النظر في النجوم، أو عن طريق الخط في التراب أو الرمل أو الضرب بالحصى، أو عن طريق فتح الكتاب وإحضار الجن، أو عن طريق القراءة في الكف أو القراءة في الفنجان، فإذا ادعى علم الغيب بأي طريقة من هذه الطرق فإنه يكون كافراً مشركاً؛ فإن دعوى علم الغيب كفر أكبر وشرك أكبر، نسأل الله السلامة والعافية.

    حكم سؤال الكاهن وتصديقه

    وقد ورد الوعيد الشديد على من أتى إلى الكاهن وسأله أو صدقه، فقد ثبت في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً)، وهذا وعيد شديد إذا سأله ولم يصدقه.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) صلى الله عليه وسلم، رواه أحمد وأبو داود وغيرهم, فإذا كان هذا حال السائل والمصدق فكيف بحال الكاهن نفسه؟! إذا كان السائل الذي يسأل الكاهن جاء في حقه هذا الوعيد فكيف بحال الذي يُصدَّق؟!

    فإذا سأله ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً؛ لأن سؤاله ميل إليه، ولأن سؤاله رفع لشأنه واهتمام به، ولا يجوز للإنسان أن يهتم بالكاهن، ولا أن يرفع من شأنه، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليسوا بشيء) أي: أخبارهم لا يوثق بها.

    وما يأخذه الكاهن على كهانته وما يأخذه الساحر على سحره سحت حرام، وليس بحلال، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكهان خبيث)، ومهر البغي: ما تعطاه الزانية من أجرة على زناها، فهذا خبيث وسحت، وثمن الكلب خبيث، فالكلب لا يباع ولا يشترى، حتى ولو كان كلب صيد أو ماشية، ويجوز أن يقتنى كلب الصيد أو الماشية أو الحرث، لكن لا يباع، وإنما يهدى فقط، أما أن يُعطي من أجله ثمناً فليس للكلب ثمن، ولو كان كلباً أذن الشارع باقتنائه وهو كلب الصيد والماشية والحرث، لكن لو أعطاه كرامة وهدية من دون اشتراط ثمن فلا بأس.

    وحلوان الكاهن: أجرته على الكهانة، سمي حلواناً لأنه يأكله حلواً بدون تعب ولا مشقة، فالذي يأتي الكاهن ويسأله جاء في حقه هذا الوعيد، بأنه لن تقبل له صلاة أربعين يوماً؛ لأنه رفع من شأن الكاهن، وهو خبيث يدعي علم الغيب ويدعي مشاركة الله في علمه، فكيف تأتي إليه وترفع من شأنه وتهتم به؟! ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم قال: (ليسوا بشيء).

    أما إذا أتاه وصدقه ففيه وعيد آخر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما نزل على محمد) صلى الله عليه وسلم، واختلف العلماء في المراد بالكفر، فقال بعض العلماء: قد كفر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، وتوقف آخرون من أهل العلم، فقالوا: نتوقف فلا نقول: إنه كفر أكبر أو كفر أصغر، والصواب أنه كفر أكبر إذا صدق دعوى الكاهن في دعوى علم الغيب؛ لأنه مكذب لله في قوله: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، هذا إذا صدقه في دعوى علم الغيب، أما إذا صدقه في قضية معينة، كأن يحتمل أن تكون هذه الكلمة سمعت من السماء، أو صدقه في شيء يتعلق بعلاج مريضه أو ما أشبه ذلك؛ فلا يعتبر كفراً أكبر، لكن إذا صدق الكاهن في دعوى علم الغيب فإنه يكفر والعياذ بالله؛ لأنه مكذب للقرآن، فإذا كان هذا حال المصدق للكاهن والذي يأتي إلى الكاهن فكيف بحال الكاهن؟! فالكهنة كذبة كفرة.

    كيفية استراق الشياطين السمع وإلقائه في آذان الكهان

    وقد جاء في الحديث بيان كيفية استراق الشياطين السمع وإلقائه في أذن الكاهن، ثم كذب الكاهن معه، قد جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله يفزعهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، فيأخذها مسترق السمع) ومسترق السمع هكذا وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه، أي: فرق بين أصابعه، فالشياطين يكونون واحداً فوق الآخر حتى يصلوا إلى السماء من دون ملاصقة، فبعضهم يكون فوق بعض، ولا يلزم من ذلك الملاصقة، هكذا وصف سفيان ركوب الشياطين بعضهم فوق بعض، والله تعالى يتكلم بالأمر، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير.

    وفي حديث آخر: (إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماوات منه رجفة -أو قال: رعدة شديدة-، فإذا سمع الملائكة كلام الله صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله بوحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق، فيقولون: قال الحق، ويتحدث أهل السماء ويتحدث كل سماء بما تكلم الله به من الوحي، حتى يصل إلى أهل السماء الدنيا، فيتحدث أهلها فيسمع الجني) وربما كانت الملائكة في العنان في السحاب وتكلمت بالوحي، ثم يسمع مسترق السمع الشيطان الأعلى كلام الملائكة، والكلمة التي سمعت من السماء كلمة حق من الوحي، فيلقيها الشيطان الأعلى إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى تصل إلى الشيطان الذي في أسفل الأرض، فيلقيها الشيطان الذي في الأسفل في أذن الكاهن، فيقرقرها كقرقرة الدجاجة (قر قر قر)، والشهب تلاحق هؤلاء الشياطين، وتحرق هؤلاء الشياطين، وأحياناً يصل الشهاب إلى الشيطان الذي في الأسفل قبل أن يلقي الكلمة في أذن الكاهن، وأحياناً يلقيها قبل أن يدركه الشهاب، فمرة ومرة، فربما أدركه الشهاب وأحرقه قبل أن يلقيها في أذن الكاهن، وربما ألقاها قبل أن يحرقه، وهذا يدل على أن الشياطين كثيرون، وأنهم يتناسلون، وكل إنسان معه قرين.

    فإذا وصلت الكلمة إلى أذن الكاهن كذب معها مائة كذبة أو أكثر، ثم يحدث الكاهن الناس بهذا الكذب الكثير ومعه كلمة واحدة سمعت من السماء، فإذا وقعت هذا الكلمة التي سمعت من السماء صدق الناس الكاهن بجميع كذبه من أجل الكلمة التي سمعت من السماء، فيقول الناس بعضهم لبعض: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فوقع ذلك؟! فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، ويصدق في الكذب الكثير من أجل كلمة واحدة وقعت؛ لأنها سمعت من السماء.

    قال العلماء: وهذا فيه دليل على قبول النفس للشر والباطل، فكيف يصدقونه بالكذب الكثير من أجل واحدة؟! فلا يعتبرون بالكذب الكثير، ويعتبرون بواحدة، والحكم للأغلب والأعم، فواحدة سمعت من السماء ووقعت، ومائة أو أكثر كلهن كذب، ومع ذلك يصدق هذا الكاهن بجميع كذبه من أجل أنها سمعت من السماء.

    فإذاً: فالكهان كفار، وكانت للعرب قبيل البعثة في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه، فكثروا، ثم بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم شددت حراسة السماء، وكانوا قبل البعثة يسترقون السمع كثيراً ويلقونه في آذان الكهان، والكهان يتكلمون ويكذبون، فانتشرت الخرافة والكذب والدجل والتلبيس والكفر والظلم والطغيان قبيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان الناس في ظلام دامس، وكانوا في أشد الحاجة وأشد الضرورة إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

    فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل، وفي وقت الحاجة والضرورة إلى بعثته، ومن الله تعالى ببعثته على الناس وعلى هذه الأمة ورحمها به، قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].

    إذاً: هؤلاء الكهنة كفار كذبة، فلا يجوز الإتيان إليهم، ولا يجوز الأخذ عنهم، ولا يجوز سؤالهم ولا يجوز تصديقهم، ومن سألهم لزمه الوعيد الشديد، فلم تقبل له صلاة أربعين يوماً، ومن صدقهم في دعوى علم الغيب فقد كفر، فالأمر جد خطير، وكثير من الناس يتساهلون مع هؤلاء المشعوذين وهؤلاء السحرة وهؤلاء الدجالين، ولا يجوز التساهل معهم، بل يجب على من عرف أحداً منهم أن يرفع به إلى ولاة الأمر حتى يحال إلى المحكمة الشرعية، ويقام عليه الحد، وقبل ذلك يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وقد مر معنا ذكر الخلاف في قبول توبة الساحر، والصواب أنه لا تقبل توبته في أحكام الدنيا، بل يقام عليه الحد، أما في الآخرة فأمره إلى الله, فالله تعالى يقبل توبة الصادق، فإن كان صادقاً في توبته فالله يقبل توبته، وإن كان كاذباً فله حكم الكاذبين.

    فهؤلاء الكهنة وهؤلاء المشعوذون وهؤلاء الدجالون يجب التبليغ عنهم، ويجب إيصالهم إلى ولاة الأمور حتى يقام فيهم حكم الله عز وجل، والمشعوذ الذي يعالج الناس -ولو لم يدع علم الغيب، ولكنه يبتز أموال الناس ويضرهم- يجب تأديبه وتعزيره من قبل ولاة الأمر؛ حتى يرتدع عن ظلم الناس وإيذائهم والإضرار بهم وابتزاز أموالهم.

    الشرك في التنجيم

    ومن أمثلة الشرك في العبادة: الشرك بالتنجيم.

    والتنجيم: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، فيستدل بالأحوال الفلكية على شيء يقع في الأرض، أو: هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع، مستندين في ذلك إلى علم النجوم، كاستدلالهم على أوقات هبوب الرياح، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، ومجيء الحروب، وقيام الدول وزوالها، وموت عظيم أو ولادة عظيم، أو ما أشبه ذلك، فيستدلون على هذه الحوادث بالنجوم وينظرون فيها، ويستدل بها على وقوع حرب، أو غلاء أسعار، أو نزول مطر، أو ولادة عظيم، أو زوال عظيم، أو قيام دولة أو زوال دولة، أو ما أشبه ذلك، مستندين في ذلك إلى علم النجوم.

    أقسام علم التنجيم

    علم التنجيم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ادعاء أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الحوادث مركبة من تأثيرها، وهذا كفر بإجماع المسلمين وشرك أكبر بالله العظيم من غير خلاف، وهذا الشرك هو الذي وقع فيه الصابئة عباد الكواكب، وهم الذين بعث فيهم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه أفضل السلام وأتم التسليم، وهذا شرك أكبر، وهو شرك في الربوبية.

    القسم الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، ويقولون: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، وإن الله هو المسير وهو المقدر، لكن يستدلون على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب، فإذا سارت الكواكب أو اجتمعت أو افترقت استدل بذلك على وقوع حرب في الأرض، أو زوال دولة أو قيام دولة، أو ولادة عظيم أو موت عظيم، أو وقوع المطر، أو تغير الأسعار، أو ظهور الحر والبرد، أو هبوب رياح عظيمة، أو ما أشبه ذلك، فهؤلاء يقولون: هذا بمشيئة الله وقدرته، وهو الذي خلق ذلك وأوجده وسيره، لكن يستدلون على ذلك بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، فإذا سارت الكواكب أو اجتمعت أو افترقت استدل بها على حادث يقع في الأرض، وهذا -أيضاً- كفر وشرك أكبر؛ لما فيه من دعوى علم الغيب؛ لأن صاحبه يدعي علم الغيب.

    وهذا اقتباس من النجوم، وهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد)، فكلما زاد في تعلم علم النجوم زاد في اقتباس السحر.

    وقد اختلف المتأخرون في حكم متعلم هذا النوع، والصواب الذي ينبغي القطع به أنه كافر، فمن استدل على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها فهو كافر؛ لما فيه من دعوى علم الغيب، وقد نص الله سبحانه وتعالى على أنه لا يعلم الغيب إلا هو سبحانه فقال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59]، قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34] ومن ادعى علم الغيب كفر، ومسير الكواكب واجتماعها ليس دليلاًُ على علم الغيب، فإنه لا يعلم الغيب إلا عن طريق الأنبياء والرسل، فما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم من علم الغيب قبلناه وصدقناه، أما الاستدلال على علم الغيب بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها فهو كفر أكبر، نسأل الله السلامة والعافية.

    وهذان النوعان والقسمان من علم التنجيم يسميان عند العلماء بعلم التأثير.

    النوع الثالث من علم التنجيم: علم التسيير، فيكون علم التنجيم قسمان: علم التأثير وهو قسمان كما سبق، والثالث: علم التسيير، وهو الاستدلال بمنازل الشمس والقمر على معرفة القبلة، ومعرفة الزوال ليعلم به وقت دخول الظهر، ومعرفة فصول السنة، أو الاستدلال به على معرفة أوقات البذور من الفلاحين، ومعرفة الطرق في البر أو في البحر حتى يستدل بها المسافرون، كأن ينظر في النجوم فيعرف النجم القطبي؛ لأن النجم القطبي نجم ثابت في جهة الشمال، وإذا تحددت جهة الشمال تحددت بقية الجهات، فيعرف المسافر الطريق ويمشي، ويستدل بالنجوم على معرفة سيره، فيعرف في أي جهة هو، وينظر إلى النجم القطبي فيستدل به، سواء أكان في البر أم في البحر، فهذا جائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب، وهو علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر، وشيء يخبرك به الثقات، فتُعلم به جهة القبلة، ويعلم به وقت الزوال وأوقات الصلوات، ويعلم به معرفة الطرق، ويهتدي به المسافرون في البر أو في البحر، ويعرف به فصول السنة، فيعرف فصل الربيع وفصل الخريف وفصل الشتاء وفصل الصيف، وتعرف أوقات البذور؛ لأن البذر يختلف، فهناك بذر في وقت الصيف، وبذر في وقت الشتاء، وبذر في وقت الخريف، فتنظر في النجوم حتى تعرف أوقات البذر، فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء، وهو الصواب، قال الله سبحانه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [يونس:5].

    فهذا يسمى علم التسيير عند أهل العلم، وهو تعلم منازل الشمس والقمر، والنظر في النجوم؛ ليستدل بذلك على معرفة جهة القبلة حتى يصلي المرء، أو يستدل بذلك على معرفة زوال الشمس، فإذا كانت الشمس أمامك فإنه تصلي، وإذا كانت بين الحاجبين فوقع وقت العصر فإنك تصلي، وتنظر في الشمس حتى تعرف جهة القبلة، وتعرف وقت الزوال، وتعرف أوقات فصول السنة، وأوقات البذر للفلاحين، وطرق المسافرين في البر أو في البحر أو في الجو، فالطيار في الجو قد يستدل بالنجوم، فهذا جائز عند جمهور العلماء، وهو الصواب.

    وذهب بعض العلماء إلى المنع منه، ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي وسفيان بن عيينة، ذكر ذلك حرب الكرماني في مسند الإمام أحمد عنهما، وأنهما منعا من علم التسيير.

    ورخص في تعلم المنازل الإمام أحمد رحمه الله وإسحاق بن راهويه، وهو رأي جمهور العلماء وهو الصواب.

    أما القول بأنه ممنوع فهو قول ضعيف؛ لأنه لا محذور فيه، ولأن الحاجة ماسة إلى معرفته، ولأن الفائدة ظاهرة، بل قد يضطر الإنسان إلى معرفته، بل قد يؤمر الإنسان بالنظر في الشمس والقمر والنجوم حتى يعرف جهة القبلة إذا أراد أن يصلي، ويعرف وقت الزوال، وكذلك المسافر ينظر في النجوم حتى يعرف جهة سيره في البر أو في البحر، وهذه فائدة محضة لا محذور فيها، ولهذا يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله مبيناً خلاف العلماء في هذا: والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير؛ فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه؛ لشغله عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما هو واقع من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً، وذلك يفضي اعتقاده إلى خطأ المسلمين في صلاتهم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله.

    إذاً: الحافظ ابن رجب رحمه الله يحكي الخلاف في هذا، ويقول: المأذون في تعلمه علم التسيير، أما علم التأثير فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وقد سبق أن علم التأثير ينقسم إلى قسمين: إدعاء أن الكواكب فاعلة مختارة، أو ادعاء علم الغيب عن طريق سير الكواكب واجتماعها وافتراقها.

    قال: وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطرق، ومعرفة القبلة والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه، لشغله عما هو أهم منه، فكون الإنسان يتعمق في معرفة منازل الشمس والقمر والنجوم شيء زائد عن الحاجة يشغل عما هو أهم.

    قال: وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما هو واقع من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً، وذلك يفضي اعتقاده إلى خطأ المسلمين في صلاتهم.

    وهذا واقع الآن، فبعض الناس يتشدد إذا أراد أن يحدد جهة القبلة بالبوصلة بالشعرة، فيقول: هذه جهة القبلة، حتى إن بعض الناس قال: إن كثيراً من المساجد الآن مائلة عن جهة القبلة؛ لأنه ينظر إلى البوصلة بالدقة، وهذا تشديد لا وجه له؛ لأن ما بين الشمال والجنوب قبلة والحمد لله، وما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة ونحوهم، فالميل اليسير والانحراف لا يضر، فإذا كانت القبلة عندنا في مدينة الرياض على أربعة عشر، فمالت القبلة إلى خمسة عشر أو ثلاثة عشر فذلك لا يضر.

    يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله: إن التعمق وتدقيق النظر في علم التسيير قد يؤدي إلى محذور، وهو إساءة الظن بمحاريب المسلمين، كما هو واقع من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً، فبعض الناس يتعمق وينظر إلى القبلة بالشعرة، فيرى القبلة مائلة عن أربعة عشر فيقول: القبلة مائلة، والقبلة ليست بصحيحة، هذا معنى قول الحافظ ابن رجب : وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين، وذلك يفضي اعتقاده إلى تخطئة المسلمين والعلماء السابقين والمسلمين في صلاتهم، يقول: مضت مئات السنين أو مائة سنة والمسجد هذا مائل عن القبلة، فالمسلمون الذين سبقوا أخطئوا في صلاتهم، هذا مراد الحافظ ابن رجب رحمه الله.

    إذاً: لا ينبغي التشدد في مثل هذا، فقد قال بعض الناس: كل المساجد القديمة مائلة عن جهة القبلة، وهذا غلط، فليست مائة عن جهة القبلة؛ إذ القبلة ما بين الجهتين، والميل اليسير لا يضر، إنما الذي يضر أن تستقبل الشمال أو تستقبل الجنوب وتنحرف انحرافاً واضحاً، أما كون الإنسان يقول: أن القبلة بالدقة وبالشعرة والدبوس لا تميل عن أربعة عشر فهذا غلط.

    وعلى كل حال فإن هذه النجوم خلقها الله سبحانه وتعالى وجعلها علامات يهتدى بها، كما قال الله تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16] وخلقها الله زينة للسماء ورجوماً للشياطين، فلا ينبغي للإنسان أن يتجاوز هذا الحد ويستدل بها على دعوى علم الغيب، فهذا باطل، بل كفر وردة، ولهذا قال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف مالا علم له. وهذا كلام سديد وجيد، وهذه الثلاث التي ذكرها قتادة رحمه الله دل عليها القرآن، فهي زينة للسماء ورجوم للشياطين، قال الله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك:5]، فهذان أمران، وعلامات يهتدى بها، قال الله تعالى: وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فهذه الحكمة من خلق النجوم: زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فلا ينبغي للإنسان أن يتجاوز الحد، ولهذا قال قتادة رحمه الله: فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به.

    ومن الخطأ والتكلف وتجاوز الحد أن الإنسان ينظر في النجوم ويستدل بها على السعادة أو الشقاوة، أو على الحظ، فبعض الناس ينظر ويقول: أنظر إلى حظي في النجوم، وأنظر في البرج، وأنا ولدت في أي برج، أو يذهب إلى بعض المنجمين ثم ينظر في النجوم فيخبره بحظه ويقول: حظك كذا وكذا، وسيكون لك في المستقبل كذا وكذا، وسيكون لك كذا وكذا، أو يقول: أهلك يفعلون كذا وكذا الآن، أو ما أشبه ذلك، كما يذكر بعض الناس في بعض الصحف في الأبراج، وكونهم يجعلون مولد الإنسان في برج معين يستدلون به على الحظ، أو على التعاسة أو السعادة أو النحاسة، أو طول العمر أو غير ذلك، كل ذلك من دعوى علم الغيب، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوم يكتبون أباجاد: وينظرون في النجوم -وأباجاد هي الحروف الأبجدية: أبجد هوز حطي كلمن صعفص قرشت تخذ ضظغ- ويستدلون بذلك على دعوى علم الغيب، قال: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق. أي: ليس له نصيب، أي: ما أرى من فعل ذلك له عند الله نصيب وحظ، كما قال الله تعالى في السحرة: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102] أي: ليس له حظ ولا نصيب في الآخرة؛ بسبب إدعائه علم الغيب عن طريق النظر في النجوم، وهذا من التنجيم المحرم، وهو كونه يكتب الحروف الأبجدية وينظر في النجوم ويستدل بها على دعوى علم الغيب، أما إذا كتب الحروف الأبجدية للتهجي، أو لضبط الوفيات، مثل وفيات العلماء أو الأئمة أو ولادتهم، أو لضبط بعض الأشياء، أو القواعد العلمية يربطها بحروف، من دون النظر في النجوم والاستدلال بها على دعوى علم الغيب فهذا لا بأس به، ولا محذور فيه.

    1.   

    الأسئلة

    حكم علاج السحر بالسحر

    السؤال: رجل صالح ابتلي بإصابة زوجته بالسحر، فعالجها بالرقية الشرعية فترة من الزمن عند كثير من القراء الصالحين، ولكنها لم تشف، وتراوده نفسه بعلاجها عند بعض السحرة؛ لأنهم قد ضمنوا له علاجها، وقد قيل له: يجوز ذلك عند الضرورة القصوى، فما رأيكم؟

    الجواب: الذي أنصح به هذا السائل ألا يذهب إلى السحرة، وعليه أن يكرر العلاج بالقرآن والأدوية والدعوات المباحة والمشروعة، مع التضرع إلى الله والابتهال إليه وسؤاله العافية والشفاء، فإن الشفاء بيد الله، وهذا ابتلاء وامتحان، وعليه الصبر والتحمل، والمرض يكفر الله به السيئات ويرفع به الدرجات.

    ومعلوم أن النشرة -وهي حل السحر عن المسحور- نوعان كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله: نوع جائز ونوع محرم، وفي هذا تجتمع النصوص؛ فإنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان)، وقال الحسن رحمه الله: لا يحل السحر إلا ساحر.

    وقال قتادة : قلت لـابن المسيب : رجل به طب أو يؤخر عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلا ينهى عنه.

    فهذه النصوص وهذه الآثار في بعضها جواز النشرة، وفي بعضها المنع من النشرة، والجمع بينهما: أن ما ورد من الآثار والنصوص في المنع محمول على النشرة المحرمة، وهي النشرة التي من عمل الشيطان التي تكون عن طريق الذهاب إلى السحرة، ولهذا قال الحسن : لا يحل السحر إلا ساحر. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان)، وقال ابن المسيب لـقتادة لما سأله: رجل به طب أو يؤخر عن امرأته -يعني: يدخل على امراته فلا يصل إلى جماعها- أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلا ينهى عنه. فهذا محمول على النشرة الجائزة، ولهذا قال العلامة ابن القيم رحمه الله: النشرة نوعان:

    النوع الأول: محرم، وهو أن يعالج عن طريق حل السحر عن الساحر، وهو حله عن طريق الإتيان إلى السحرة؛ لأنه يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، وهذا طريق مسدود ومحرم؛ لأن الناشر والمنتشر يتقرب إلى الشيطان بما يحب من الشركيات فيبطل عمله عن المسحور.

    والثاني: النشرة عن طريق الرقية الشرعية، وقراءة القرآن، والأدوية المباحة، والدعوات التي لا محذور فيها.

    فالسائل أنصحه أن يداوم على النشرة الشرعية، وليحذر من الإتيان إلى الكهنة والسحرة، وعليه أن يصبر ويحتسب ويتضرع إلى الله ويبتهل إليه في شفاء مريضه، وعليه مع ذلك أن يستعمل الأسباب الشرعية، وهذه من المصائب التي قدرها الله، وهي خير للمؤمن، تكفر بها السيئات، وترفع بها الدرجات، وقد ورد في الحديث الصحيح أن المؤمن يكون له الدرجة العالية من الجنة لا يبلغها بكثير عمل، وإنما بالمصائب التي أصيب بها واحتسب، وإذا رضي بالمصيبة صار له ثواب أعظم، وإذا اعتبرها نعمة وشكر الله عليها صار من عباد الله الخلص.

    فالناس حينما تنزل بهم المصائب والنكبات يكون على أقسام:

    القسم الأول: من يجزع ويتسخط، ويفعل ما حرم الله، ويلطم الخد ويشق الثوب، وينتف الشعر، ويدعو بالويل والثبور، فهؤلاء تسخطوا ولم يصبروا، فتركوا الصبر وهو واجب، ومن ترك الواجب فإنه يأثم، ولهذا جاء في الحديث: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) والسربال: ثوب من قطران، حتى يكون اشتعال النار به أشد، وتكسى ردعاً من جرب، ثم تشعل فيه النار والعياذ بالله، لأنها ناحت ولم تصبر، وإنما تسخطت، وهذا متسخط حصل على الإثم والوزر.

    القسم الثاني: من يصبر عند المصيبة، والصبر هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشفي، وحبس الجوارح عن فعل ما لا يرضاه الله، فلا يلطم خداً ولا يشق ثوباً، ولا ينتف شعراً، بل يصبر ويحتسب، فهذا أدى ما عليه.

    والقسم الثالث من الناس: من يصبر ويرضى, فيرضى بقضاء الله وقدره؛ لما يعلم من ترتب الأجر والثواب العظيم، فهذا له أجر الصابرين وله أجر الراضين، فتراه يصبر ويرضى ويشكر الله على هذه المصيبة، ويعتبرها نعمة، ولا فرق عنده بين المصيبة وبين غيرها، فهي نعمة يشكر الله عليها حيث قدرها عليه؛ ليرفع درجاته، ويكفر سيئاته، ولا يقوى على هذا ولا يصل إلى هذه الدرجة إلى عباد الله الخلص الصابرون الراضون الشاكرون لله.

    فنصيحتي لهذا السائل أن يصبر ويحتسب، ويتضرع إلى الله كثيراً ولا ييأس، وليكرر النشرة الشرعية من دعوات وآيات من القرآن وتعويذات شرعية، ولا ييأس، بل يصبر ويحتسب، وليكثر من دعاء الله وسؤاله الشفاء والعافية، ومن صدق مع الله فالله تعالى يصدقه, وربما كان في وقوع ذلك خير له، فقد ثبت في الحديث: (ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خلال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يعطيه من الخير مثلها، وإما يصرف عنه من الشر مثلها) أو كما جاء في الحديث، فهو على خير، سواء أجيبت دعوته، أو صرف عنه من الشر ما هو أعظم منها أو مثلها، أو أعطي من الخير ما هو أفضل، (قالوا: يا رسول الله! إذاً: نكثر؟ قال: الله أكثر) أي: الله أكثر عطاءً.

    إذاً: نكثر من الدعاء، وما دام أن الإنسان دعا بخير فلم يكن في دعوته إثم ولا قطيعة رحم فقد وجدت الشروط، فهذا إما أن تجاب دعوته، وإما أن يعطى من الخير ما هو أفضل، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم.

    فأنت -يا أخي- عليك أن تصبر وتحتسب وتكثر من التضرع والدعاء، وأنت على خير عظيم، وإياك أن تذهب إلى السحرة والمشعوذين، فإن هذا طريق مسدود ممنوع شرعاً.

    حكم القيافة

    السؤال: هل الذين يعرفون الأثر يعتبرون عرافين؟

    الجواب: العراف ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: العراف الذي يدعي معرفة الأمور في المقدمات، فيستدل بها على مكان المسروق ومكان الضالة، ويدعي علم الغيب، فهذه هي العرافة الممنوعة، وفاعلها يدعي علم الغيب.

    والثاني: العراف من القافة الذي يعرف الشبه، ويعرف الأثر، وهذا ليس داخلاً في ذلك، وقد كانت العرب تعرف هذا.

    وقد ثبت أن أسامة بن زيد وأباه زيد بن حارثة كانا ملتحفين بقطيفة، وقد بدت رجلاهما الأربع، وأحدهما رجلاه بيضاوان، والآخر رجلاه سوداوان، ومعلوم أن زيداً أنجب أسامة، لكنه خالفه في اللون، فطعن الناس في نسب أسامة، فقالوا: ليس أسامة ابناً لـزيد؛ لأن اللون مختلف، فدخل مجزز المدلجي ، وكان رجلاً يعرف القافة والشبه، وهو لا يدري من هذان اللذان التحفا بالقطيفة، وغطيا جسميهما ورأسيهما ولم يبد منهما إلا الأرجل، فقال مجزز المدلجي : إن هذه الأرجل بعضها من بعض، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مسروراً تبرق أسارير وجهه على عائشة ، وقال يا عائشة : (ألم تري إلى مجزز المدلجي؟! دخل فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) تأييداً له، فهذا دليل على أن الإسلام يعتبر القافة والشبه، والأصل أن الولد للفراش، فالطعن بغير دليل لا يعتبر، فهذا مؤيد.

    وكذلك بعض الناس يعرف أثر القدم في الأرض، فهذه خاصية أعطاها الله لبعض الناس، وهي قوة معرفة، فليست من هذا الباب، إنما الممنوع العرافة التي يستدل بها على دعوى علم الغيب.

    حكم اعتقاد تسبب تحول النجوم في إحداث تغير الجو

    السؤال: عندما يحدث أحياناً تغير في الجو من رياح وغبار يقول بعض العامة: إن هذا بسبب دخول نجم أو خروج نجم، وهو لا يعتقد أن لهذا النجم تأثيراً، ولكن يجعل هذا علامة وسبباً، فما حكم ذلك؟

    الجواب: قد يقال: إن هذا من جنس معرفة فصول السنة، وإن المراد أن الله أجرى العادة، وأنه إذا طلع النجم الفلاني فقد دخل الفصل الثاني، لكن كونه يقول: إن هذا سبب غلط، فلا ينبغي أن يعتبر هذا بسبب النجم، فالسببية هذه ممنوعة، لكن كونه يتعرف على النجوم وعلى فصول السنة، ويعرف أنه في هذا الوقت يدخل فصل الربيع أو فصل الخريف أو فصل الشتاء، ويكون الجو بارداً، وأن الله تعالى أجرى العادة بهذا، فهذا لا بأس به، لكن حين يقول: بسبب كذا فالسببية هذه لا ينبغي له أن يقولها، فلا ينبغي أن يجعل النجم هو السبب، وإنما الله تعالى هو الذي جعل ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى جعل علامات لفصول السنة، وطلوع النجوم وغروبها، أما السببية فلا ينبغي ذكرها، وسيأتي أن من قال: (مطرنا بنجم كذا)، إذا كان يعتقد أن الله أجرى العادة بنزول المطر عند طلوع النجم أو غروبه فهذا من الشرك الأصغر، فلا ينبغي أن يكون هذا بسبب النجم، لكن كونه يعرف الفصول ويتعرف على النجوم، ويعرف أنه دخل الفصل الفلاني، وهذا وقت البدر، وإذا طلع النجم الفلاني أو النجوم الفلانية دخل فصل الربيع أو فصل الشتاء أو فصل الخريف، من دون أن يقول: هذا سبب، فهذا لا بأس به.

    حكم دراسة علم الفلك

    السؤال: ما حكم دراسة علم الفلك؟

    الجواب: إن كان يدرس فيه علم التسيير فلا بأس، أما علم التأثير فهذا حرام، وإن كان يدرس ليستدل به على دعوى علم الغيب أو اعتقاد أن النجوم لها تأثير في الأرض فهذا شرك، أما إذا كان يدرس علم التسيير ليتعرف به على وقت الزوال أو وقت القبلة أو وقت البذر ونحو ذلك، فهو علم جائز، وعلم التأثير محرم باطل -كما قال الحافظ ابن رجب - قليله وكثيره.

    حكم قراءة الأبراج في الصحف والمجلات وحكم تصديقها

    السؤال: هل من قرأ في باب الأبراج والحظ في الصحف والمجلات لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، وإذا صدقها فهل يكفر؟

    الجواب: إذا صدقهم في دعوى علم الغيب يكفر، أي: إذا صدقهم في دعوى علم الغيب وأن هذه الأبراج سبب في الحظ وسبب في السعادة أو التعاسة، أو سبب في طول العمر وفي كثرة المال، أو أن هذا البرج الفلاني إذا طلع يكون حظ الإنسان سعيداً أو تعيساً، فمن ادعى ذلك أو صدق من يقول ذلك كفر؛ لأن هذا دعوى لعلم الغيب وتصديق في دعوى علم الغيب، وهذا معناه تنجيم، ومن قال ذلك فهو منجم، من قال: إذا طلع النجم الفلاني حصل لفلان حظ وحصل له سعادة، أو طال عمره، أو كثر رزقه، أو حصل له مال، فهذا منجم كافر، ومن صدقه في دعوى علم الغيب فهو كافر.

    أما إذا قرأها للرد عليها، أو للنظر وللعبرة في هذا، أو لإيصالها وتبليغها للعلماء حتى يردوا على القائل، أو للتعرف على خرافات هؤلاء المنجمين لا لتصديقها؛ فهذا لا بأس به، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل ابن صياد -وكان دجالاً من اليهود- فقال: (ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب، فقال له: لقد خبأت لك خبأً، قال: هو الدخ. قال: اخسأ عدو الله، فلن تعدو قدرك)، أي: إنما أنت من إخوان الكهان، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يختل أن يسمع من ابن صياد قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أمه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً، فقالت: أي صاف! هذا محمد، فثار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو تركته بين).

    فـابن صياد هذا سأله عليه الصلاة والسلام للتعرف على حاله والتحذير منه، ولهذا قال: (ما يأتيك؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب) ثم قال في النهاية: (اخسأ عدو الله فلن تعدو قدرك).

    بيان حال صلاة سائل الكاهن

    السؤال: في الحديث أن من أتى كاهناً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فهل يترك الصلاة أربعين يوماً، أم يصلي وتكون صلاته بدون أجر؟

    الجواب: لا يجوز للإنسان أن يترك الصلاة، بل عليه أن يصلي، لكن لا تقبل له صلاة من باب الوعيد، والمقصود أنه لا يثاب على صلاته أربعين يوماً، لكن صلاته مجزئة، ولابد من الصلاة، فيجب عليه أن يصلي، ولا أحد يقول: إنه لا يصلي، فيزيد الطين بلة، بل يؤمر بالتوبة والندم على ما مضى والاستغفار، وعدم الذهاب إلى الكهان، ويصلي ويتوب، ومن تاب تاب الله عليه، أما أن يترك الصلاة فهذا جهل عظيم، بل عليه أن يصلي ويتوب إلى الله، ويندم على ما مضى، ويعزم عزماً جازماً على أن لا يأتي الكهان ولا يصدقهم.

    الموقف من تأثر العامة بالسحرة

    السؤال: يوجد في قريتنا شركيات كثيرة، وسحرة، وأخشى إذا ذهبت إليها أن يصيبوني بأذى، سواء بسحر أو بقتل أو غيره، علماً أنهم يعرفونني، فما واجبي تجاه العامة الذين تأصل فيهم تقديس هؤلاء السحرة؟

    الجواب: الواجب عليك أن تتحصن بالأوراد الشرعية والأدعية والآيات من القرآن، فتقرأ بعد كل فريضة آية الكرسي، وتقرأها عند النوم، فإن من قرأها عند النوم لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه الشيطان حتى يصبح، فهؤلاء السحرة معهم شياطين، ولا يقربك الشيطان إذا صدقت مع الله، فتقرأها عند النوم، وتقرأها بعد كل فريضة كما ثبت في الحديث، وتقرأ (قل هو الله أحد)، و(قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس) بعد كل فريضة، وتقرأ هذه السور الثلاث بعد المغرب ثلاث مرات، وبعد الفجر ثلاث مرات، وعند النوم تقرؤها أيضاً، وتنفث بكفيك وتمسح وجهك ورأسك وما استطعت من جسدك، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك عند النوم، وتتعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وتقول: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)، وتقرأ الآيتين من آخر البقرة في كل ليلة، وأبشر بالخير، ولن يضرك شيء.

    وعليك أن تعلم العامة أنهم سحرة وأنهم ليس بأيديهم شيء فالأمر بيد الله، قال الله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، فلا يضرك شيء إلا شيء قدره الله عليك، فلا ينبغي للإنسان أن يكون جباناً رعديداً، بل تحصن بالأوراد الشرعية، وقو إيمانك بالله، وثق به وتوكل عليه، والله هو الحافظ وهو الواحد سبحانه وتعالى، وأفهم العامة ذلك، وبين لهم أن يعلقوا آمالهم وأن يثقوا بالله، وأن يتوكلوا على الله، وأن يتحصنوا بالآيات والأوراد الشرعية من شر هؤلاء الشياطين ومن غيرهم.

    فقوله سبحانه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2] أي: جميع ما خلقه الله تستعيذ بالله من شره، وإلا فهناك بعض المخلوقات لا شر فيها، فالأنبياء والملائكة هم خير، فقوله: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:2] يعني: من شر المخلوقات التي فيها شر.

    وقوله: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3] أي: الليل إذا دخل؛ لأن أهل الشرور ينتظرون الليل فيظهرون، وتظهر شرورهم في ظلام الليل.

    وقوله: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4] أي: السواحر اللاتي يعقدن وينفثن في عقدهن، فاصدق مع الله، فإن هذه آيات عظيمة.

    وتقرأ قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:1-6].

    وكذلك آية الكرسي اقرأها بتدبر وتمعن، وفكر في معانيها، وثق بالله، وتوكل عليه، واعتمد عليه، ولن يضرك أحد إلا بشيء كتبه الله عليك لابد منه، فالقدرة والمشيئة ونفوذ القضاء والقدر لابد منه, فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    حكم مصدق الكاهن الجاهل بالتحريم

    السؤال: أصابني مرض نفسي، وبعد مدة جاء أخي بشخص وقال: إنه شيخ، فقال هذا الشيخ: إنني مصاب بعين، والذي أصابني بالعين أوصافه كذا وكذا، فذهب والدي إلى هذا الشخص الذي أصابني بالعين، فقال له: توضأ وأتى بوضوئه واغتسلت به، فهل أصبح أنا وأخي ووالدي ممن ينطبق عليهم الحديث، وهل علي ذنب وأنا لم أعلم ذلك إلا منك هذا اليوم؟

    الجواب: إذا لم تعلم فالحمد لله، وعليك بالتوبة مع الاستغفار والندم، فلا لوم عليك؛ لأن الإنسان لا يكلف إلا بعد العلم، فعليك بالتوبة والندم، وفي المستقبل لا تذهب إلى هؤلاء الذين يدعون علم الغيب، فهذا الشخص مشعوذ، فكونه يقول: إن ذلك الشخص هو الذي أصابك ويجزم بدون دليل يدل على أنه مشعوذ في الغالب؛ لأنه ليس عنده دليل على هذا، إلا إذا كان قد حضر ورأى أو سمعه، لكن هذا رجل بعيد كما ذكرت وليس بقريب، وعلى كل حال فإنه إذا عُرف العائن فإنه يؤمر بالاغتسال، فيغسل أطراف القدمين وركبتيه ووجهه وداخلة إزاره، كما ثبت في الحديث أن رجلاً من الصحابة كان يغتسل فرآه عائن فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فعان الرجل وأصابه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (علام يقتل أحدكم أخاه؟ استغسل له) أو كذا، والاستغسال معناه أن يغسل قدميه وركبتيه ويديه ووجهه وداخلة إزاره.

    وكذلك إذا عرف العائن وأخذ شيء من آثاره، كنوى التمر الذي كان يأكله، أو فنجان يشرب به، فهذا مجرب ونافع، هذا إذا عرف العائن، أما التخمينات بدون دليل فلا تجوز، وبعض الناس يوسوس في كل شيء أصابه ويقول: هذا عين أو جن، وهذا ليس بصحيح، بل لابد من دليل.

    الموقف الشرعي عند حصول صدق الكاهن

    السؤال: أخبرني أحد الكهنة فيما مضى أني مشارع مع أهلي، وهذا صحيح، وأخبرني أن هذا بسبب سحر عمل لي، ولم آخذ الأمر بجدية، ولكن قد زاد الأمر الآن، فهل يجوز أن أذهب إلى أحد المشايخ وأسأله عن هذا السحر؟

    الجواب: ليس لك هذا بسبب إتيانك إلى الكاهن، وليس لك أن تأتي إلى الكاهن كما سبق، فلا يجوز الإتيان إلى الكهان ولا سؤالهم، وعليك التوبة والاستغفار والندم على ما مضى، وإنما عليك أن تستعمل العلاج الشرعي، والكهان كذبة ولو صدقوا، ولو وافقوا الواقع، ومن طبيعتهم الكذب، فليس لك أن تأتي إليهم، بل عليك أن تلتجئ إلى الله عز وجل، وتعتمد عليه، وتتوكل عليه سبحانه، وتقرأ على نفسك أو يقرأ عليك بعض الإخوان، فيرقيك بالرقية الشرعية بآيات من القرآن، وأدعية شرعية، نحو: اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً. ونحو: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك. ونحو: أعيذك بكلمات الله التامات من شر ما خلق. ونحو: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع. فهذه كلها رقى شرعية وردت منها غنية عن الحرام، وما أباحه الله من الرقية الشرعية والتعويذات والأدوية المباحة والعقاقير الطبية عند الأطباء التي لا محذور فيها يكفيك عن الحرام، وعليك بالتوبة والندم على ما مضى، واستعمال ما شرعه الله من الرقية الشرعية، والحذر من الإتيان إلى الكهنة والمنجمين والسحرة والعرافين.

    حكم الأخذ من بول العائن ونعاله وثيابه لإذهاب العين

    السؤال: بعض الناس يأخذ من بول العائن ونعاله وثيابه ويغسلها ويشربها، فما حكم ذلك؟

    الجواب: شرب البول حرام؛ لأنه نجس، ولا يجوز التداوي بالمحرم ولا بالنجاسات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي في ما حرم عليهم) وقال: (عباد الله! تداووا ولا تداووا، بالحرام) فلا يجوز التداوي بالنجاسات من البول، لكن إذا عرف أنه عائن فإنه يأخذ من سؤره من الفنجان الذي يشرب فيه ويغسله، أو ما أشبه ذلك، وغسل الثوب ليس بطيب، أما شرب البول فلا يجوز، بل هو حرام؛ لأنه نجاسة، وهذا من صفات الشيطان، فيدفعه إلى ذلك ويزين له أن يشرب البول، فالبول نجس لا يجوز التداوي به، لا بول نفسه ولا بول غيره، إلا الأبوال التي أباح الله شربها، وهي أبوال الإبل أو البقر أو الغنم، فلا بأس بها، فقد ثبت أن جماعة من العرنيين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودخلوا المدينة فأصابهم الوخم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، فشربوها وصحوا، لكنهم بعد ذلك قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم وسملوا عينيه، وسرقوا الإبل وارتدوا عن دينهم، فأرسل صلى الله عليه وسلم في أثرهم وجيء بهم إلى المدينة، فأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم، فسملت أعينهم كما فعلوا بالراعي، وقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فكل واحد قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم تركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا، قال الراوي: إن هؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بالله، وارتدوا عن دينهم، نسأل الله السلامة والعافية.

    حكم اعتقاد ارتباط الظواهر الكونية بالأحداث في الأرض

    السؤال: سمعت في برنامج علمي فلكي أنهم وجدوا علاقة بين الظاهرة التكوينية التي تسمى البقع الشمسية، وبين الكوارث والحروب التي تقع على سطح الأرض، وذلك بالملاحظة والمراقبة، فهل يجوز تصديق هذا القول من باب معرفة سنة الله عز وجل في الكون والاستفادة منها؟

    الجواب: لا يجوز تصديق هذا القول، فهذا من التنجيم، وهذا من علم التأثير، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية أو بمسير الكواكب أو باجتماعها وافتراقها على حادث أرضي، فهذا من علم التأثير وهو باطل محرم قليله وكثيره، فإذا كان يُدعى أن هذه البقع الشمسية مؤثرة في الحروب والكوارث فهذا شرك أكبر في الربوبية، وهو شرك الصابئة، أما إذا كان يعتقد أن الحوادث والكوارث بإذن الله وبتقدير الله، لكن هذه البقعة الشمسية دليل عليها، فإذا حصل كذا صار كذا، فهذا من النوع الثاني من علم التأثير.

    وعلى كل حال فهذا محرم لا يجوز تصديقه، ولا يجوز تصديق من أخبر بذلك، ولا يجوز العمل بذلك، ولا يجوز النظر في ذلك ولا اعتقاد صحة ذلك، فكل هذا لا أساس له من الصحة، بل هو من علم التأثير الباطل المحرم.

    حكم النشرات المتضمنوة بيان أحوال الطوالع وذكر حالات الطقس

    السؤال: تصدر بعض الشركات جدولاً تبين فيه أحوال الطوالع على مدار السنة، بحيث إنه في الفترة الفلانية إلى الفلانية من المتوقع أن يكون الجو ممطراً، ومن الأفضل زراعة الفاكهة الفلانية، ويصدرون ذلك بقولهم: بمشيئة الله؟

    الجواب: لا أعلم محذوراً في هذا، ومن ذلك ذكر أحوال الطقس التي يتوقع حصولها في الإذاعة، فإن هذا يبنونه على توقعات وعلى أشياء يشاهدونها ولا يجزمون بها، وإنما هو من باب التوقعات، وكذلك ما تصدره بعض الشركات من التقاويم التي فيها بيان مطالع النجوم وأوقات البذر وأوقات رأس السنة، فهذا كله من علم التسيير لا محذور فيه؛ لأنهم لا يدعون علم الغيب، وإنما يضعون جدولاً لبيان طلوع النجوم وأفولها، وما كان في سنة الله الكونية، فالتوقعات التي يذكرها أهل المراصد في نزول المطر بمشيئة الله إنما هي توقعات يبنونها على أشياء يرونها ولا يجزمون بذلك، فهم لا يجزمون بأن هذا الأمر سيقع وإنما يتوقع.

    جهة استحقاق إقامة الحدود

    السؤال: جزاء الساحر القتل، فهل يجوز لي أن أقوم بهذا إن كنت قادراً عليه؟

    الجواب: لا يجوز لك ذلك، إنما هذا من قبل ولاة الأمر، فليست المسألة فوضى، إذ بذلك يكون كل من أبغض شخصاً أو كان له عدو قتله وقال: هذا ساحر، والساحر يقتل، بل هذا يكون من قبل ولاة الأمر، فيرفع به إلى ولاة الأمور، ويرفع به إلى المحكمة الشرعية، وينظر فيه ويتحقق من الأدلة التي تدل على أنه ساحر، ثم يحكم عليه بما تقرر شرعاً، أما الأفراد فليس لهم أن يقيموا الحدود، وليس لهم أن يعملوا شيئاً، فالساحر الذي ثبت سحره، أو علم أنه يتعاطى هذه الأمور يرفع به إلى المحكمة، ويرفع به إلى الإمارة حتى يحال إلى المحكمة الشرعية، وحتى يصدر حكم شرعي في حقه، فإقامة الحدود والتعزيرات ليست للأفراد، وإنما هي لولاة الأمور.

    التحذير من شراء المجلات الناشرة للتنجيم

    السؤال: في إحدى المجلات ركن لأحد علماء النجوم يطلب القراء منه أن يحدد لهم النوم المفضل، والعطر المفضل، والطعام المفضل، وذلك عن طريق إعطائه الاسم والعنوان، ثم يجيبهم ويبين جميع الأشياء التي طلبها السائل، فما حكم ذلك وما حكم شراء هذه المجلة، وما توجيهكم تجاه ذلك؟

    الجواب: لا أدري ما المقصود باللون المفضل والطعام المفضل، فإن كان يدعي أن هذا الطعام له تأثير، بحيث إذا طلع النجم الفلاني وأكل الإنسان الطعام الفلاني في النجم الفلاني يحصل له كذا وكذا، ويحصل له عافية وشفاء، أو إن حصل اللون الفلاني ربطه بشيء من دعوى علم الغيب، فهذا لا يجوز.

    والذي يظهر لي في هذا -والله أعلم- أنه لا يخلو شيء من هذا، فنصيحتي هي بالبعد عن هذه الأمور، ولا ينبغي شراء هذه المجلة والاعتناء بها، وينبغي الرفع بها إلى ولاة الأمر حتى تزال؛ لأن هذا من ادعاء علم الغيب، والذي يظهر -والله أعلم- أن هناك دعوى لعلم الغيب عن طريق اللون وعن طريق الطعام، وأن لها تأثيراً؛ لأنه ربط اللون وربط الطعام بالفلك وظهور النجوم.

    حكم الاستشفاء بتراب المكان الذي سقط فيه المرء

    السؤال: أحياناً عندما يسقط أحد في مكان ما على الأرض يصاب بمرض يسميه بعض العامة بالتعوير، فيقومون بمسح المكان الذي سقط فيه ويشرب منه المريض، فما حكم هذا.

    الجواب: لا يجوز مسح المكان والشرب، فما علاقة هذا المكان بالشرب؟! فهذا قد يكون سببه اعتقاد بعض الناس أنه سقط وأن الجن عوروه، فهم يريدون أن يشرب من هذا الشيء، وكأنه تقرب إلى الجن حتى لا يعوروه ولا يؤذوه، فهذا لا يجوز، فكيف يشرب من التراب، وما علاقة التراب بذلك؟!

    بل إذا حصل له مرض فإنه يعالج عند الأطباء بالعقاقير الطبية والأدوية المباحة، أو الرقية الشرعية، فيقرأ عليه آيات من القرآن والتعويذات الشرعية، أما شرب التراب فهو غلط كبير.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن هناك اعتقاداً سيئاً فاسداً، وهو اعتقاد أن هؤلاء الجن هم الذين عوروه، فيشرب من المكان أو من التراب الذي سقط فيه حتى لا يؤذوه، وحتى يخففوا عنه التعوير وما أشبه ذلك، فإذا كان هذا الاعتقاد حاصلاً فهذا لا يجوز، بل هو حرام، وهذا تقرب إلى الجن وموافقة لهم، فلا يجوز هذا العمل؛ لأنه ناشئ عن اعتقاد فاسد، ويحتمل أنه أخبره أحد بهذا من كاهن أو غيره.

    فالمقصود أن هذا العمل لا يجوز، وهو محرم، ولا ينبغي هذا.

    الموقف من الأقوال الكفرية المنشورة

    السؤال: ذكر بعض العلماء في كتبهم توبة أبي المعالي الجويني والشهرستاني والفخر الرازي وابن عربي، وأن بعضهم صرح بذلك قبل موته ولم يتمكن من الكتابة، وبعضهم تمكن من الكتابة، أي: الرجوع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فما موقفنا من تلك الأقوال، أنصدقها أم نقول: إنها لم تثبت عنهم، علماً أن بعض العلماء ترحم عليهم ودعا لهم بالمغفرة؟

    الجواب: الأصل المقصود هو بقاؤهم، وهذه كتبهم موجودة، حتى يثبت بنقل صحيح خلافها، فإذا ثبت بنقل صحيح عن الثقات، ووجدنا سنداً صحيحاً أنه تاب أو كتب فهذا لا بأس به، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الرازي تاب في آخر حياته وترحم عليه، وقد نقض كتابه أساس التقديس في مجلدات عظيمة، وهو بيان تلبيس الجهمية الذي وزع على ثمان رسائل دكتوراة، وكنت مشرفاً على الثمان كلها والحمد لله، وهو بيان تلبيس الجهمية في نقض التأسيس للرازي، وهو كتاب مخطوط من أعظم كتب شيخ الإسلام ، رد فيه على الرازي ، والرازي أشعري ولكنه جهمي ينفي النقيضين، ويقول: لا داخل العالم ولا خارجه، لكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: إنه تاب في آخر حياته وترحم عليه، وشيخ الإسلام ثقة وإمام عظيم، فإذا أخبرنا فهو ثقة، وكذلك إذا وجدنا سنداً يدل على أنه تاب فلا بأس، أو أعلن ذلك في كتبه، وبعض الناس يقول: ابن سينا تاب، وفلان تاب، وابن عربي تاب.

    وعلى كل حال فإن من تاب تاب الله عليه، فإذا أشكل عليك الأمر فقل: إن لم يتب، لكن هذا لا يمنع من الرد على آرائه المنتشرة في الكتب وكفرياته وإلحاده وزندقته، فالإلحاد والزندقة والكفر منتشرة في الكتب والمؤلفات، فهل معنى ذلك أن نسكت لأن بعض الناس قالوا: إنه تاب؟

    لا، بل يرد عليه، أما الشخص نفسه فقل: إن تاب غفر الله له، وإن لم يتب فعليه من الله ما يستحق.

    والمقصود أنه إذا وجد سند صحيح ثابت متصل أنه تاب أو أعلن ذلك في كتبه، أو أخبر عن ذلك إمام وثقة -كشيخ الإسلام ابن تيمية حينما ترحم على الرازي وقال: إنه تاب في آخر حياته- فإنا نقبل ذلك.

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.