إسلام ويب

دروس في العقيدة [6]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتميز التصوف بانتشار واسع في بلاد المسلمين، ويكمن خطر هذا المذهب في بدع أصحابه وعقائدهم المفضية إلى الفناء المتمثل في الاكتفاء بتقرير توحيد الربوبية بمشاهدة قدرة الله ومشيئته في خلقه، وفي جعلهم الناس طوائف، فطائفة هم أصحاب الشريعة، وأخرى هم أصحاب الحقيقة، وثالثة هم أصحاب التحقيق، وإسقاطهم التكاليف عن طائفتي الحقيقة والتحقيق، وذهاب كثير منهم إلى القول بوحدة الوجود، مع ما يقررونه من بدع في طريق السلوك إلى الله تعالى.

    1.   

    تقرير توحيد الربوبية وبيان حال من ضل فيه

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن علم أصول الدين أشرف العلوم وأجلها، وهو العلم بالله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظيم حقه سبحانه على عباده، وقد افتتح الإمام الطحاوي رحمه الله رسالته بقوله: [ نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره ].

    وهو يشمل أنواع التوحيد الثلاثة التي عرفت بالاستقراء، وهي: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الإلهية.

    وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات وسيلة إلى توحيد الإلهية.

    وتوحيد الإلهية هو الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق، فإذا عرفنا الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وجب علينا أن نخصه بالعبادة، وأن نفرده بها سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى فطر الخلق على الإقرار بربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فتوحيد الربوبية أمر فطر الله عليه جميع الخلق إلا من شذ من بعض طوائف بني آدم، ومشركو الأمم السابقة يعترفون بهذا التوحيد ولا ينكرونه، كأمة الهند والترك والبربر، وكذلك الأمم السابقة الذين بعث الله إليهم الأنبياء السابقين، كقوم نوح وهود وصالح، كلهم يعترفون بتوحيد الربوبية ويقرون به ولا ينكرونه، ويحلفون بالله، كما أخبر الله عن التسعة الرهط الكفار أنهم أقسموا بالله على قتل نبيهم صالح عليه السلام.

    ومع كون توحيد الربوبية أمراً قد فطر الله عليه الخلق كلهم -إلا من شذ- فقد جاء أهل الكلام المتأخرين، وأهل النظر، وأهل الفلسفة، وأهل التصوف فتعبوا في إثبات هذا التوحيد وتقريره، فجعلوا يدأبون كثيراً ويتعبون، ويقررون النظريات، ويسوقون الأدلة لإثبات هذا التوحيد، مع أنه أمر فطر الله عليه الخلق جميعاً، ولهذا قالت الرسل لأممهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم:10]، حتى الحيوانات العجماوات فطرها الله على معرفة ربها، وأن الله في السماء، وأنه في العلو، لكن الفلاسفة تعبوا في إثباته وتقريره، حتى قال بعض أهل الكلام وأهل النظر: إنه لا يمكن تقريره بالعقل، وإنما يتلقى من السمع.

    وكذلك الفلاسفة -مثل ابن سينا والفارابي- تعبوا في إثبات الخالق، ويدأبون كثيراً ويصلون في النهاية إلى أن هذا الوجود له موجد يسمونه واجب الوجود، والمخلوق يسمونه ممكن الوجود، فهم يعبون كثيراً، وفي نهاية المطاف يصلون إلى أمر برز عليهم فيه عباد الأصنام والأوثان، فعباد الأصنام والأوثان معترفون بوجود الله وليس عندهم إشكال، ولا تعبوا في معرفة هذا، بخلاف الفلاسفة، فقد تعبوا كثيراً، فيقررون ويذكرون الأدلة، وكذلك أهل الكلام وأهل النظر يركبون الأدلة في هذا حتى يصلوا إلى إثبات وجود الله.

    1.   

    الفناء وأنواعه عند الصوفية

    الصوفية يرون أن توحيد الربوبية هو النهاية والغاية، حتى إنهم إذا وصلوا إليه فنوا فيه، ومعنى أنهم يفنون فيه أنهم يستغرقون في توحيد الربوبية، وفي رؤية الله ووجوده، وتفرده بخلق الأشياء وملكها واختراعها، وأنه ما شاء الله كان، ويستغرقون في شمول مشيئة الله، وشمول ربوبيته للأشياء وقيوميته وقدرته، ونفوذ مشيئته، ويشهدون ما اشتملت عليه المخلوقات من قدرة الله عليها، وملكه لها، ونفوذ مشيئته وشمول قيوميته وربوبيته.

    وهذا الفناء يعده الصوفية غاية، ويعدونه نهاية التوحيد.

    وقد انتشر الصوفية في كل مكان من أرجاء الدنيا، فلابد من معرفة توحيدهم وفنائهم حتى يكون الإنسان على بصيرة، لاسيما أن العالم صار كحلقة واحدة، وكثير من الإخوان ابتلوا بالصوفية في بلادهم، فتجد في السودان صوفية، وفي الشام صوفية، وفي مصر صوفية، وفي المغرب صوفية، وفي ليبيا صوفية، وفي باكستان صوفية، وفي أفريقيا صوفية، على طرق متعددة، وكل طريقة لها شيخ، فالصوفية يفنون في توحيد الربوبية، ويرونه الغاية والنهاية.

    الفناء عن وجود السوى

    والفناء عند الصوفية ثلاثة أنواع: فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن مراد السوى.

    فالفناء الأول فناء عن وجود السوى،

    وهو الفناء في الوحدة المطلقة ونفي التكتل عنها بكل اعتبار، فلا يشهد غيراً، ولا يشهد رباً وعبداً، بل يشهد الرب نفس العبد، والعبد نفس الرب، بل ليس هناك رب ولا عبد، وهذا فناء الملاحدة والزنادقة، فناء أهل وحدة الوجود، والفناء عندهم هو الوحدة المطلقة، فيقولون: الخالق هو الواحد المطلق، أي: الذي لا يقيد بشيء، لا باسم ولا بصفة ولا بمكان ولا بزمان، فهو كل الأشياء، فهذه المحدثات تلبسه وتخلعه، وتكتسيه الماهيات كلها، فيفنون في الوحدة المطلقة، والواحد المطلق الذي ليس له اسم ولا صفة يكون في الذهن، وهذه المحدثات تلبسه وتخلعه، وعلى ذلك فلا يكون هناك عبد ورب، فأنت العبد وأنت الرب! نسأل الله السلامة والعافية، هذا هو فناء الملاحدة والزنادقة، وهذا كفر وإلحاد، بل هو أعظم من كل كفر، وكفر كل كافر جزء من هذا الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.

    ومن هؤلاء الملاحدة والزنادقة ابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني والقونوي وغيرهم من ملاحدة الصوفية الذين ينعقون بوحدة الوجود، ويقولون: الوجود واحد، وهؤلاء ألغوا عقولهم، نسأل الله السلامة والعافية، وإلا فهذا الكلام لا يتصوره عاقل.

    وكلمة الفناء كلمة يعنون بها تجريد شهود الحقيقة الكونية والغيب عن شهود الكائنات.

    فالمخلوقات كلها يغيب عنها وينساها، فلا يكون هناك إلا تجريد شهود الحقيقة الكونية، وهو الله، ويغيب عن شهود المخلوقات كلها، لكن الزنادقة من ملاحدة الوجود يغيبون عن وجود هذه المخلوقات، بمعنى أنهم ينكرون وجود المخلوقات، فلا يقولون: إن هناك خالقاً ومخلوقاً، بل كل ما تراه هو الخالق، فكل ما تراه من سماء وأرض ومتحرك وساكن وناطق هو الله، وهذا تجليه وأسماؤه وصفاته، وهو الوجود المطلق، وكل شيء يلبسه ويخلعه، نسأل الله السلامة والعافية.

    الفناء عن شهود السوى

    والفناء الثاني هو فناء عن شهود السوى، وهذه هي الدرجة المتوسطة بين ملاحدة وحدة الوجود وبين أهل الشريعة، وهي التي بنى عليها أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد الصوفي الحنبلي كتابه (منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين)، الذي شرحه العلامة ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين، فحقيقة هذا الفناء غيبة أحدهم عن سوى مشهوده.

    فمشهوده هو الله، فلا يشاهد إلا الله، ويغيب عما سواه، بل غيبته أيضاً عن شهوده نفسه، فيقول: أنا لا أشاهد إلا الله، ولا أنكر وجود المخلوقات، لكن أغيب عنها وأتناساها حتى لا تشوش علي، فأنا أوجه شهودي لله فقط، أما كوني أنظر إلى سماوات وأرضين وآدميين وحيوان ونبات فإنه يشوش علي، وأنا أريد أجمع همتي على الله، فلا أشهد إلا الله، وأغيب عما سواه، فيغيب بموجوده عن وجوده، ويغيب بمعبوده عن عبادته، ويغيب بمذكوره عن ذكره، فهو يغيب بالله عن المخلوقات فلا يراها، ويتناسى العبادة من أجل أنه لا يرى إلا المعبود فقط.

    وقد يقوى شهود القلب بمحبوبه حتى يغيب به، فيظن أنه اتحد به وامتزج، بل يظن أنه هو الله من شدة قوة الشهود، كما يحكى أن رجلاً كان له محبوب فغاب به ونسي نفسه، فألقى المحب نفسه في الماء، فألقى نفسه وراءه في الماء، فقال: أنا وقعت في الماء، لكن أنت ما الذي أوقعك في الماء؟ قال: غبت بك عني فظننت أنك أنا. يعني: نسيت نفسي، وأظن أنك أنا، فأنا أنت وأنت أنا.

    وهذا من قوة شهود القلب عند الصوفية بالمحبوب، حتى يغيب بالمحبوب عن نفسه وينسى نفسه، فيظن أنه هو المحبوب وأنه اتحد به وامتزج، وهذا يحصل للصوفية.

    ومن ذلك ما يحكى عن أبي يزيد البسطامي أنه غاب بالله عن نفسه، فجعل يقول عن نفسه: سبحاني سبحاني، غاب بنفسه عن نفسه، وجعل ينقض الجبة ويقول: ما في الجبة إلا الله. يعني نفسه.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: هذه الأقوال لو صدرت من إنسان ومعه عقله فلا شك في كفره، لكن قد يكون زال عقله في هذه الحالة، ويكون مرفوعاً عنه القلم مثل المجنون، فإذا كان عقله معه فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين، وإذا كان ليس معه عقل فقد رفع عنه القلم، ويلتحق بالمجانين، نسأل الله السلامة والعافية.

    وهذا الكلام يعده الصوفية النهاية والغاية، وهو كمال التوحيد عندهم الصوفية.

    الفناء عن مراد السوى

    والفناء الثالث هو فناء مراد السوى، أي: الفناء عن إرادة ما سواه، فيكون فانياً بمراد محبوبه منه عن مراده هو فضلاً عن إرادة غيره، قد اتحد مراده بمراد ربه، أي: المراد الديني الشرعي لا القدري الكوني، وهذا فناء خواص الأولياء والمقربين.

    ومن تحقيق هذا الفناء ألا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا في الله، ولا يوالي إلا في الله، ولا يعادي إلا في الله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، ولا يرجو إلا الله، ولا يستعيذ إلا بالله، فيكون أمره كله باطنه وظاهره كله لله.

    فهذا فناء بمراد ربه عن مراده هو، فالله تعالى أراد منك أن تصرف له العبادة فأنت تقدم حقه، وأراد منك أداء الفرائض فتقدم حقه، وإذا نازعتك نفسك تقدم حق الله، فتفنى وتتناسى حقك من أجل تقديم حق الله، أراد منك ترك المحرمات فتتركها ولو نازعتك نفسك؛ لأنك فنيت بمراد ربك عن مراد نفسك، فتلغي مراد نفسك، بل ومراد الخلائق كلها، ولا تنظر إليه من أجل تقديم مراد الله وما يحبه الله من أداء الفرائض، والابتعاد عن المحارم، والاستقامة على دين الله.

    يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إن كان هناك اتحاد في العقل صحيح فهو اتحاد المرادين هذين، اتحد مراد العبد بمراد ربه، فكل شيء يريده الله فالعبد المؤمن يريده، وكل شيء يكرهه الله فالعبد المؤمن يكرهه، وكل شيء يحبه الله فالمؤمن يحبه، وهكذا.

    فيكون موافقاً لله فيما يحبه وفيما يكرهه وفيما يخافه، فيقدم مراضي الله ومحابه، ويبتعد عن مساخطه ومناهيه مهما كلفه الأمر، ولا ينظر إلى مراده هو ومطلوبه، بل يلغي مراده لمراد الله، ويلغي محبوبه لما يحبه الله، بمعنى: أنه يقدم المراد الديني الشرعي وما يحبه الله على ما تحبه نفسه، فضلاً عما يحبه غيره من الناس، فيكون دينه كله لله باطناً وظاهراً.

    1.   

    أقسام التوحيد عند الصوفية

    وهذه الأنواع الثلاثة مبنية على أقسام التوحيد الثلاثة عند الصوفية، وهم يقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام، ويقولون بناء على ذلك: التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة، فالعامة هم أهل الشريعة، والخاصة هم أهل الحقيقة، وخاصة الخاصة هم أهل التحقيق.

    فالعامة هم الذين لهم الشريعة والتكاليف والأوامر والنواهي والطاعات والمعاصي، أما أهل الحقيقة فليس عندهم معاص، بل كل ما يصدر منهم طاعات؛ لأنهم ارتقوا درجة، ومرتبتهم أعلى من مرتبة العامة، ومن العامة عندهم جميع الأنبياء والمرسلين.

    أما أهل التحقيق -خاصة الخاصة- فما عندهم طاعات ولا معاص؛ لأنهم وصلوا إلى القول بوحدة الوجود، والعياذ بالله.

    توحيد العامة

    فتوحيد العامة عند الصوفية هو الذي يصح بالشواهد، وهو الذي ينفي الشرك الأعظم، والشواهد هي الأدلة والآيات والبراهين، وهذه الأدلة نوعان: أدلة عقلية أو عيانية أو حسية، وهي ما يشاهده الإنسان ويحسه ويعقله، كالشمس والقمر والليل والنهار والسماوات والأرضين، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37]، إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [يونس:3]، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، فهذه كلها شواهد وأدلة على وحدانية الله.

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

    والنوع الثاني: الآيات القرآنية التي أرشد الله بها العباد، فالله تعالى قد أرشد العباد إلى الأدلة العقلية.

    فقالوا: هذا التوحيد العام الذي يصح بالشواهد، وهو الذي ينفي الشرك الأعظم، وهذه الشواهد والأدلة عقلية وشرعية، فهؤلاء الموحدون هم العامة الذين يحتاجون إلى دليل، أما الخاصة فلا يحتاجون إلى أدلة على التوحيد كما سيأتي، ومن العامة عندهم جميع الأنبياء والمرسلين.

    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه الأنواع الثلاثة، وقال تعليقاً على قولهم: (توحيد العامة): هذا التوحيد الذي يسموه توحيد العامة هو توحيد الأنبياء والمرسلين، وأكمل الناس في هذا التوحيد هم الأنبياء والمرسلون، وأكملهم -أي: الرسل- أولو العزم الخمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وأكملهم الخليلان إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فإنهما قاما بهذا التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً ومعرفة وحالاً ودعوة للخلق وجهاداً، فلا توحيد أكمل من التوحيد الذي جاءت به الرسل ودعت إليه، وإذا كان هذا هو توحيد العامة فهنيئاً للعامة أن يكون توحيدهم توحيد الأنبياء والمرسلين.

    ويقول الصوفية: إن هذا التوحيد -توحيد العامة- هو الذي ينفي الشرك الأعظم، وهذا يدل على كماله وشرفه، فقد قامت عليه الشواهد، ونادت عليه الأدلة، وهو ينفي الشرك الأعظم عن الله عز وجل، فيكون العبد مخلصاً لله عز وجل، فلظهور هذا التوحيد ووضوحه وانجلائه وشهادة العقول والفطر له بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فهو واضح لا لبس فيه، قامت عليه الأدلة، والشواهد والبراهين أثبتته، ونادت عليه، وأوضحته وبينته وقررته، وجاء به الأنبياء والمرسلون، ونفى الشرك الأعظم، وما عداه فإنه لا يقوم على الوضوح والبيان، وإنما يقوم على الرموز والإشارات والتعقيد.

    توحيد الخاصة

    يقول الصوفية: إن النوع الثاني من التوحيد هو توحيد الخاصة، وهو الذين يثبت بالحقائق، وأما توحيد العامة فهو الذي يصح بالشواهد، وعندهم الثبوت أقوى من الصحة، والحقائق أقوى من الشواهد، والحقيقة أنه لا شواهد ولا أدلة على توحيد الخاصة، وإنما يقوم على رموز وإشارات وأمور خفية، والحقائق أمور اصطلاحية خاصة بهم تسمى: الكشف والقبض والبسط والمعاينة والاتصال والانفصال، وغير ذلك من الاصطلاحات التي اصطلحوا عليها، ولا يعرفها غيرهم، وهي أمور خفية ليست ظاهرة.

    وقالوا في تعريف توحيد الخاصة: هو إسقاط الأسباب الظاهرة، والصعود عن منازعة العقول، وعن التعلق بالشواهد، وهو: ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة، فيكون مشاهداً سبق الحق بحكمه وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها، وتعليقه إياها بأحايينها، وإخفائه إياها في رسومها، ويتحقق معرفة العلل، ويسلك سبيل إسقاط الحدث، هذا هو توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء، ويصفو في علم الجمع، ويجلب إلى توحيد أرباب الجمع.

    إذاً: توحيد الخاصة عندهم هو إسقاط الأسباب الظاهرة، فتبطل الأسباب كلها، وليس هناك أسباب، والأسباب الظاهرة يحتمل أن يريدوا بها التي جعلها الله أسباباً، وجعل فيها قوى وطبائع، كالإحراق للنار، والقطع للسكين، والأكل سبب في الشبع، والشرب سبب في الري، والعين سبب في الإبصار، والأذن سبب في الاستماع، فهم يقولون: ليس هناك سبب، وتسقط الأسباب الظاهرة كلها، فليست النار فيها قوة الإحراق، ولا السكين فيها قوة القطع، ولا الأكل فيه قوة الشبع، ولا الشرب فيه قوة الري، ولا العين فيها قوة الإبصار، ولا الأذن فيها قوة الاستماع، ولا الكسر فيه قوة الانكسار، ولا العلم فيه قوة الاستدلال، هذه كلها ليست أسباباً.

    فإذا قيل لهم: كيف ذلك، فنحن إذا أشعلنا النار أحرقت، وإذا أجرينا السكين قطعت؟! قالوا: إن الله يوجد هذه الأشياء عند ملاقاتها لا بها، فالله تعالى يوجد الإحراق عند إشعال النار لا بالنار، ويوجد القطع عند إجراء السكين لا بالسكين، ويوجد الإبصار عند فتح العين لا بالعين، ويوجد الاستماع عند فتح الأذن لا بالأذن، ويوجد الاستدلال عند العلم لا بالعلم، حتى قالوا: إن المؤثر هو الله فقط؛ لأن موجتهم موجة متوسطة، فهم يريدون أن يصلوا إلى القول بوحدة الوجود.

    ويحتمل أن يريدوا بالأسباب أعمال العباد، فليست أعمال العباد من الطاعات والمعاصي سبباً في دخول الجنة، وليست المعاصي سبباً في دخول النار، وإنما دخول الجنة بمشيئة الله من دون حكمة، ودخول النار بمشيئة الله، هكذا يقولون، ولا شك في أن هذا مخالفة للنصوص، فالله تعالى يقول: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32][المائدة:105]، والله تعالى ربط الأسباب بمسبباتها، فالمسببات مربوطة بأسبابها في الدنيا والآخرة، واقتضت حكمة الله وإرادته أن يربط الأسباب بالمسببات، فإذا كانوا يسقطون الأسباب الظاهرة فهذا مخالفة للمشروع ومخالفة للعقل، وإن كانوا يريدون بالأسباب الطاعات والمعاصي، فليست أسباباً في دخول الجنة ولا دخول النار، فهذا -أيضاً- مخالف للنصوص الشرعية.

    وقالوا: (الأسباب الظاهرة) احترازاً من الأسباب الباطنة؛ لأنهم لو قالوا بإسقاط الأسباب الباطنة لوقعوا في الكفر؛ فإن الإيمان من الأسباب الباطنة، وهو سبب في دخول الجنة، والتوحيد سبب من الأسباب الباطنة، فمن قال: إنه ليس سبباً في دخول الجنة فقد انسلخ من الدين والإسلام، وخلع ربقة الإيمان، لكن قالوا: الأسباب الظاهرة.

    وعلى كل حال فالأمر خطير، وإسقاط الأسباب -سواء أكانت الأسباب العادية، أم كانت الطاعات والمعاصي -من الخطورة بمكان.

    والصعود عن منازعة العقول يعني أن لا تنازع بمعقولك ما جاءت به الرسل، وهذا ظاهره لا بأس به، وما أفسد أديان الرسل إلا أرباب منازعة العقول الذين ينازعون بمعقولهم ما جاءت به الرسل في إثبات ما أثبتوه، ونفي ما نفوه، وإيجاب ما أوجبوه، وتحريم ما حرموه.

    والصعود عن التعلق بالشواهد معناه ألا تتعلق بأي دليل، وألغ الأدلة كلها، فليس هناك دليل على التوحيد، وليس هناك أدلة على وجود الله.

    فتوحيدهم ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة، أي: لا يرى على التوحيد أي دليل، فيكون توحيدهم توحيداً غامضاً ليس عليه دليل عقلي ولا شرعي، ولا يرى في التوكل سبباً، بل يلغي الأسباب، ويتوكل على الله، ويعتمد على الله من دون سبب، بل إنهم يقولون: إن هذه علل في مقامات الخاصة، فلا يكن مع التوكل شيء، بل يكفي أن تفوض أمرك إلى الله من دون أن تفعل شيئاً.

    بل قالوا: إن التوكل من مقامات العامة، والتوكل فيه علل، وهي أن المتوكل يشهد متوكِلاً، ومتوكَلاً عليه، ومتوكلاً فيه، ويشهد نفس توكله، وهذا عمل في طريق الخاصة، المتوكل على الله عنده أربع علل لابد من أن يبيحها:

    العلة الأولى: أنه يشهد نفسه متوكلاً.

    والعلة الثانية: يشهد المتوكل عليه، وهو الله.

    والعلة الثالثة: يشهد متوكلاً فيه، وهو الأمر الذي يتوكل على الله فيه.

    والعلة الرابعة: يشهد نفس توكله، وهذه كلها علل في طريق الخاصة تعميهم وترجعهم إلى الإسلام، فلابد من إزالتها، ولذا يبطلون التوكل.

    كما أن الخوف من الله فيه علل، والرجاء علة عند الخاصة من الصوفية لابد من أن يزال، ويقولون: ليس في الرجاء إلا فائدة واحدة، وهي أنه يبدد حرارة الخوف فقط، وإلا فهو علة يجب إزالتها، والدعاء كلك، وهكذا.

    فهذه كلها من مقامات العامة: الدعاء والتوكل والرجاء والخوف والصلاة والصيام والزكاة والحج، ومن العامة جميع الأنبياء والرسل، أما الخاصة فلابد من أن يزيلوا هذه العلل من طريقهم إلى الله بزعمهم، ولهذا قال: وهو ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة، فلا يرى على التوحيد أي دليل عقلي ولا شرعي، ولا يرى سبباً مع التوكل، ولا يرى في النجاة من النار وسيلة، فالأعمال الصالحة ليست وسيلة في النجاة من النار، بل النجاة من النار بالمشيئة المحضة، ودخول الجنة بالمشيئة المحضة.

    وليس لله حكمة في ذلك، وليس في الأشياء قوى ولا طبائع ولا غرائز ولا أسباب ولا علل ولا حكم، وليس هناك إلا المشيئة الإلهية، ويقولون: المشيئة الإلهية تخبط خبط عشواء، فتجمع بين المتفرقات، وتفرق بين المتماثلات، فعن المشيئة الإلهية يصدر كل حادث، ويصدر مع الحادث حادث آخر مرتبط به ارتباطاً عادياً، لا أن أحدهما سبب في الآخر، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا هو منهج الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان .

    وعلى هذا فكل الشرائع عبث لا قيمة لها، والكتب السماوية عبث لا قيمة لها؛ لأن الأعمال ليست سبباً في دخول الجنة، ولا في النجاة من النار، وإذا كانت الأعمال الصالحة ليست سبباً في دخول الجنة، وكذلك الأعمال السيئة ليست سبباً في دخول النار؛ فما الفائدة من الشرائع؟! وطرد هذا المذهب مفسد للدنيا والدين، ولجميع أديان الرسل، وهم في خاصة أنفسهم لا يستطيعون طرد هذا المذهب، بل يفعلون الأسباب، فيأكلون ويشربون ويبيعون ويشترون وينكحون ويبذرون ويزرعون، وهذه كلها أسباب فطر الله الخلق على فعلها، وفطر الله الخلق على بطلان هذا المذهب الخبيث، ولو طردوا مذهبهم لما أكلوا؛ لأن الأكل سبب، وحينئذٍ يقال للواحد منهم: اجلس حتى يأتي إنسان فيفتح فمك ويضع فيه الأكل، ولا تشرب، ولا تبع ولا تشتر، ولا تتزوج، ولا تبذر، ولا تزرع، ولا تطالب بحقك إذا أخذ أو ضربت؛ لأن هذه كلها أسباب، والواقع أنهم يعملون بالأسباب في أمور الدنيا، لكن في أمور الدين يبطلونها.

    فهذه طريقة المتوسطة، ولهذا يقول: وهو ألا يرى في التوحيد دليلاً، ولا في التوكل سبباً، ولا في النجاة وسيلة.

    إذاً: فماذا يعمل إذا كان التوحيد ليس عليه دليل، والتوكل ليس معه أسباب، وليس هناك وسيلة للنجاة من النار؟! يقولون: يكفيه مشاهدة الله فقط، فيكون مشاهداً سبق الحق لحكمه وعلمه، والحق هو الله، والله تعالى علم الأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ، وقدر وجودها في أوقاتها المحددة فيكفي أن تشاهد سبق الله بحكمه وعلمه بالأشياء، ووضعه الأشياء مواضعها، واخفائه إياها في رسومها، وتعليقه إياها بأحايينها، أي أن كل شيء معلق بأحايين هي الأزمان، فكل شيء له زمن وله مكان وله مادة تحمله، فيكفيك أن تشاهد أن الله سبق بحكمه وعلمه الأشياء، وأن كل شيء له زمن محدد، ومكان محدد، ومادة محدودة، فتكون مشاهداً سبق الحق بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها، وتعليقه إياها في أحايينها، وإخفائه إياها في رسومها، وهي هذه المادة الحاملة للشيء، ومادام أن كل شيء مكتوب الآن، وأن الله تعالى سبق علمه وحكمه بكل شيء، وأن هذا الشيء يقع في المكان المعين، وأخفاه في المادة المعينة، وهذا يدخل النار، وهذا يخرج من النار، وكل شيء محسوب؛ فلا حاجة إلى العمل، ولا إلى الأسباب، ولا إلى الغرائز، ولا إلى الطبائع، ولا إلى الاستناد على التوحيد، بل يكفيك أن تشاهد سبق الحق بحكمه وعلمه، وفي هذه الحالة تتحقق معرفة العلل، وهي العلل التي تكون حجر عثرة في طريقك إلى الله، فتحققها إذا وصلت إلى هذه الحالة، فتكون الأعمال كلها حجر عثرة، فالصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء هذه كلها أسباب تلغيها؛ لأنها حجر عثرة، فكل هذه علل في طريق الخاصة، فإذا عرفت العلل التي تقف في طريقك إلى الله، وتقف في طريق السالك والعارف إلى الله؛ تحققت معرفة العلل، وفي هذه الحالة تسلك سبيل إسقاط الحدث، وتمشي حتى تبحث فتسقط الحدث، والحدث هو كل ما سوى الله فأنت تسلك سبيل إسقاط المحدثات، وهي المخلوقات، وسبيل إسقاط الحدث هذا هو توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء، وهو أن يفنى ويغيب بالله عن المخلوقات فلايتناساها من الوجود، بل يتناسها من الشهود فلا يشهدها، فإذا وصل إلى المرتبة الثالثة التي هي مرتبة أهل وحدة الوجود يتناسها من الوجود وينكرها، لكن هو في طريقة متوسطة، فيغيب بالله عن المخلوقات فيتناساها ولا يشهدها، حتى لا تشوش عليه سيره إلى الله.

    هذا طريق أهل المعرفة وأهل الحقيقة عندهم، وهذا هو توحيد الخاصة الذي يصح بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع بين الخالق والمخلوق حتى يكون الإنسان واحداً، ويجلب إلى توحيد أرباب الجمع الذين هم الاتحادية الذين يجمعون بين الخالق والمخلوق، فيقولون: الخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، وهؤلاء يسمون أنفسهم أهل الحقيقة، ويسمون أهل التوحيد الأول أهل الشريعة، وليس عندهم طاعات ولا معاصي؛ لأنهم وصلوا إلى العلم، ولأن كل واحد منهم يعلم أن ما قدر سيكون، ويلغي صفاته وأفعاله، ويجعلها صفات لله، وحينئذ فليس هناك تكاليف عندهم، وليس هناك معاص، بل ما صدر من الواحد فهو طاعة، فإذا زنى يكون فعله طاعة، وإذا سرق تكون فعلته طاعة، وإذا كفر تكون فعلته طاعة، نسأل الله السلامة والعافية.

    هؤلاء هم أهل الحقيقة، أما الأوامر والنواهي والحرام والحلال فذلك عند أهل الشريعة، أما أهل الحقيقة فليس عندهم حلال وحرام، بل كل ما يصدر من الواحد منهم طاعة، ويستدلون بمثل قوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وفسروا اليقين بالعلم، فقالوا: إذا وصلنا إلى العلم انتهت العبادة وسقطت.

    توحيد خاصة الخاصة

    النوع الثالث من أنواع التوحيد: توحيد خاصة الخاصة، ويسمون أنفسهم: أهل التحقيق، وهو التوحيد القائم بالقديم، أي: قائم بالله، وهو توحيد اختصه الحق بنفسه، واستحقه بقدره، أي: لا يوحده به غيره، فالتوحيد هو كلامه وصفته القائمة، كقوله سبحانه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة [الحشر:22]، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي [طه:14].

    واستحقه بقدر كنهه الذي لا يبلغه غيره، وألاح منه لائحاً إلى أفراد طائفة من أهل خاصته، أي: أظهر منه شيئاً يسيراً إلى طائفة قليلة من الخلق هم أهل خاصته، وأخرصهم عن نعته، بمعنى أنه لا يقبل نعت المخلوقين له، كما لا يقبل لسان الأخرص الكلام، أو أن الله أسكتهم عنه غيرة وصيانة له.

    وأعجزهم عن بثه، أي: أعجزهم عن الإخبار به والبيان، فما هو هذا التوحيد؟! إنه توحيد أسره إلى طائفة من الخلق، وهم الذين حل بهم، والعياذ بالله، وهم طائفة قليلة هم أهل الحلول، أسر إليهم شيئاً من التوحيد، ومع ذلك أخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثه، أي: لم يمكنهم من الكلام به.

    فما هذا الكلام الذي يدندن حوله هؤلاء الصوفية؟! وما هو التوحيد الذي لا يتكلم به الإنسان؟! إن الإنسان يتكلم إذا أعطاه الله القدرة على الكلام، وإن كان الناس يتفاوتون في البيان والإيضاح، لكن كل ما علمه القلب أمكن التعبير عنه باللسان وإن اختلفت العبارة وضوحاً وخفاء، ولهذا يقول الهروي في بيان توحيد خاصة الخاصة:

    ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد

    توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد

    توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد

    فقوله: (ما وحد الواحد من واحد) يعني: ما وحد الله أحد سواه؛ لأن التوحيد الحقيقي هو الذي يتضمن شهود ذات الواحد وانفراده، بخلاف العبد إذا وحد الله، فيكون توحيده تثنية ظاهرة، حيث يشاهد نفسه ويشاهد ربه، وهذا الشرك عندهم، فالتوحيد الحقيقي هو الذي يتضمن شهود ذات الواحد وانفراده، والذي تتلاشى فيه الأقوال، وتضمحل فيه الرسوم، والعبد المخلوق حينما يوحد ربه يشاهد نفسه ويشاهد ربه، وهذا ليس بدقيق، بل التوحيد هو الذي تتلاشى فيه الرسوم، وتضمحل فيه الأكوان، ولا يبقى شيء إلا الله، وهذا حينما يكون الرب هو الذي يوحد نفسه بنفسه، فهو الموحِد وهو الموحَد، فقوله: (ما وحد الواحد من واحد) (من) زائدة، أي: ما وحد الواحد أحد من الخلق.

    وقوله: (إذ كل من وحده جاحد) معناه أن كل من وحد الله من الخلق جاحد بحقيقة توحيده؛ فإن حقيقة التوحيد تتضمن شهود نفي الواحد وانفراده، وإذا وحد واحد من الخلق يكون توحيده تثنية.

    ثم أن كل من وحد الله من الخلق فقد وصفه بالصفات، وهذا جحود للتوحيد الذي هو عدم انحصار في الأوصاف، إذ لا يحتاج إلى وصف؛ فهو كل شيء، فإذا وحده فمعناه أنه وصفه بوصف، وحصره بوصف، وهذا شرك وليس بتوحيد، فالتوحيد يتضمن عدم انحصاره تحت الأوصاف، ولهذا قال:

    ما وحد الله من واحد إذ كل من وحده جاحد

    فكل من وحد من الخلق جاحد لحقيقة توحيده؛ لأنه يشاهد نفسه ويشاهد ربه، وهذه تثنية، ولأنه وصفه فجعله محصوراً، وهو لا يدخل تحت الأوصاف.

    وقوله: (توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد) أي: كل من ينطق من البشر بنعت الله فنطقه ونعته عارية استعارها من الله، وهي مردودة على صاحبها كما تسترد العواري، وهذه العارية ترده إلى مالكها الحق وهو الله!

    فهذا التوحيد عارية أعارك الله إياها، ووحدة الله المطلقة من جميع الوجوه تبطل هذه العارية وتردها إلى مالكها الحق وهو الله، فيسقط المخلوق.

    وقوله: (توحيده إياه توحيده) يعني: توحيده الحقيقي هو توحيد نفسه لنفسه، هذا هو التوحيد، فتوحيده إياه توحيد حقيقي، وهو توحيده لنفسه بنفسه، فلا تثنية، ولا تعدد، فهو الموحِد وهو الموحَد، ولا رسم ولا شرح ولا مكون ولا مخلوق.

    وقوله: (ونعت من ينعته لاحد) يعني: كل من ينعت الله فهو ملحد؛ لأنه أسند إلى ما لا يقوم به إسناده، ووصفه بما لا يليق به وصفه؛ فإن عين الأولية في الله تأبى نطق الحدث، فالله هو الأول، فعين الأولية تأبى أن ينطق كل مخلوق بما ينطق، فإذا نطق يكون ملحداً.

    ومحض التوحيد عند هؤلاء الملاحدة يأبى أن يكون للسوى أثر البتة، أي: ما سوى الله، فمحض التوحيد يأبى أن يكون للسوى أثر، فمحض التوحيد عند هؤلاء الملاحدة هو القول بوحدة الوجود، فهذه الأبيات تقرر مذهب وحدة الوجود لخاصة الخاصة، حيث قال:

    ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد

    توحيد من ينطق عن نعته عارية أبطلها الواحد

    توحيده إياه توحيده ونعت من ينعته لاحد

    فهؤلاء هم خاصة الخاصة يسمون أنفسهم: أهل التحقيق، وليس عندهم طاعات ولا معاص ولا عمل، فالوجود عندهم واحد.

    فالصوفية يقسمون الناس إلى ثلاث طوائف:

    الطائفة الأولى: العامة، ومن العامة جميع الأنبياء والمرسلين، وهؤلاء يسمونهم: أهل الشريعة، فلهم طاعات ولهم معاص، ويحرم عليهم الشرك، ويجب عليهم أن يوحدوا الله، ويخلصوا له العبادة، ويأتمروا بالأوامر وينتهون عن النواهي.

    الطائفة الثانية: أهل الحقيقة الخاصة، وهؤلاء قد ارتفعوا دريجة -كما ذكر العلامة ابن القيم - فصارت المعاصي كلها في حقهم طاعات، وسقطت عنهم التكاليف، واكتفوا بالشهود والنظر إلى ربوبية الله ومشيئته، وشمول قيوميته، وانفراده بخلق الأشياء، وألغوا صفاتهم وأفعالهم وجعلوها صفات لله، فسقطت عنهم التكاليف، فصار جميع ما يصدر منهم طاعات.

    ثم يرتفعون درجة أخرى فيصلون إلى الطائفة الثالثة، وهم أهل وحدة الوجود، وهم خاصة الخاصة، ويسمون أنفسهم: أهل التحقيق، وهؤلاء ليس عندهم طاعات ولا معاص أبداً؛ لأن الوجود واحد، فالعبد هو الرب والرب هو العبد. إذاً: الصوفية يفنون في توحيد الربوبية حتى يصلوا إلى القول بوحدة الوجود، ولا يسلكون طريق توحيد العبادة والعياذ بالله، كما أن كثيراً من أهل النظر يظن أن توحيد الربوبية هو نفي العبادة، ومن ذلك الصوفية الذين يفنون في توحيد الربوبية، ويرون أن الفناء هو النهاية، وأن الشهود في هذا هو الفناء، وهو نهاية التوحيد، وهذا هو خلاصة التوحيد عند هؤلاء الملاحدة، نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    فناء الصوفية في توحيد الربوبية

    إن التصوف منتشر على نطاق واسع في كل زمان ومكان، ولاسيما في هذا الزمان، وهذه الأمور كلها موجودة، ولا تظن أن هذا خيال، بل ذلك موجود في طوائف متعددة، حيث تجد في البلد مائة طريقة، ولكل طريقة شيخ، ويقررون هذا، ويقولون: هذا هو التوحيد، ومن هؤلاء ابن عربي رئيس وحدة الوجود، الذي يسمونه: خاتم الأولياء، وكبير العارفين والمحققين والسالكين إلى الله، وهناك من يقدسه ويعظمه من الناس، وهناك مؤلفات كثيرة لهؤلاء الصوفية، فلابد من معرفة ما يقال، ولابد من معرفة حالهم.

    ومن قال: إن أحداً من الناس قد تسقط عنه التكاليف، وعقله معه، وهو ليس صغيراً ولا مخرفاً ولا مجنوناً غير الحائض والنفساء في الصلاة خاصة من قال ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ويفرد بالعبادة، فالله كلف العباد، فكان نبينا عليه الصلاة والسلام أشرف الرسل وأشرف الخلق وأعلى الخلق مكاناً عند الله، يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه عليه الصلاة والسلام، وهو أشرف وأكمل خلق، وأعلى الخلق مقاماً عند الله، فتقول له عائشة رضي الله عنها: (لم تصنع هذا -يا رسول الله- وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً)، فهو يفعل هذا عليه الصلاة والسلام تعبداً لله، وشكراً لله، ولتتأسى به أمته عليه الصلاة والسلام.

    فالرسل أعلى الناس مقاماً ومنزلة عند الله، وهم أطوع الناس لله، وأعرفهم بالله، وأخوفهم من الله، وأكثرهم عبادة وتقوى وخشية لله، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لما جاء بعض الناس.

    فسألوا عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السر، فأخبروا بأن الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي بعض الليل وينام بعض الليل، ويصوم بعض الأيام ويفطر بعض الأيام، ويتمتع بما أحل الله له، فيأكل اللحم، وله زوجات، قالوا: أين نحن من رسول الله؟! فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه، أما نحن فما ندري عن حالنا، فلابد من أن نزيد على ما فعله الرسول، فقال أحدهم: أنا أصلي الليل ولا أنام على فراشي، وقال الآخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم زهداً، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وهؤلاء الملاحدة يرون أن الخاصة تسقط عنهم التكاليف، نسأل الله السلامة والعافية.

    فالواجب على طالب العلم أن يعتني بمعرفة توحيد العبادة وتوحيد الربوبية والفرق بينهما، ويعرف ما عليه هؤلاء الملاحدة من الانحراف والضلال حتى لا يقع في الشر، وحتى لا يقع في الشبكة.

    وقد كان حذيفة رضي الله عنه يقول: (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)، فلابد أن يعرف الإنسان ما عليه هؤلاء من الانحراف عن الصراط المستقيم حتى يَحذر ويُحذِّر؛ لأن كثيراً من الناس يظنون أن هؤلاء الصوفية على الحق والصواب، ويظنون أنهم من كبار العارفين، وبعض الصوفية يغلون في بعض شيوخهم، ويزعمون أن بعض الصوفية لهم تصرف في الكون، حتى قال بعضهم: إن الأبله -وهو ضعيف العقل- قد يكون ولياً من أولياء الله وأنت لا تشعر، وقد يكون قطباً من الأقطاب يتصرف في الكون وأنت لا تشعر، يقول: لا تدري لعل هذا الأبله الذي أظفاره طويلة، وعليه ثياب خلقة مشققة، ويجلس على زبالة، لا لعله ولي يتصرف في الكون، هكذا يقولون ويزعمون، ولقد قال بعضهم: هناك أقطاب وأوتاد يتصرفون في الكون غلواً فيهم، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا شرك في الربوبية أعظم من الشرك في الإلهية.

    ومنهم من يزعم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحضر حفل الصوفية ويكون معهم ويؤيدهم، ومنهم من يزعم أنه جاء إلى الرسول ومد إليه الكف وأعطاه كذا وكذا، ومنهم من يزعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبره ببعض الأشياء ويقره على بعض الأشياء، ومنهم من يزعم أن الرسول يأتيه في المنام، وكل هذه أقوال باطلة، فلابد لطالب العلم من أن يكون على بصيرة.

    والمقصود أن هؤلاء الصوفية يفنون في توحيد الربوبية، أي: يكتفون بمشاهدة الرب، وبإثبات هذا التوحيد، وإثبات وجود الله، وأن الله تفرد بخلق أشياء ووجودها واختراعها وملكها، وأن ربوبيته وقيوميته وقدرته شاملة لها، ويكفي هذا الشهود، وهذا النظر هو نهاية التوحيد وغايته.

    وهؤلاء ألغوا عقولهم، وكلامهم هذا موجود الآن في كتب محققة منقحة في أوراق صقيلة، وهناك من يعتني به، ويعتبر قائليه من كبار العارفين والمحققين، ويعتبر هذا نهاية التوحيد، نسأل الله السلامة والعافية.

    وإثبات توحيد الربوبية أثبته عباد الأصنام والأوثان، وهم أحسن منهم في هذا، كما قال الله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، فالتوحيد الذي بعثت به الرسل وأنزلت به الكتب هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، قال تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    فالتوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب هو إفراد الله بالعبادة، وإخلاص الدين لله، فالله تعالى عرفنا بنفسه وبأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة، فمن حقه أن نعبده ونخصه بالعبادة، لا أن نكتفي بالشهود، أو نفنى في توحيد الربوبية، ولا يقف عند هذا أحد، وسيأتي الكلام على توحيد العبادة إن شاء الله تعالى.

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.

    1.   

    الأسئلة

    عقيدة ابن سينا

    السؤال: هل ابن سينا كافر أم أنه رجع عن الفلسفة في آخر حياته؟

    الجواب: ابن سينا من الفلاسفة المتأخرين، ويسمونه المعلم الثالث، والمعلم الأول أرسطو ، والمعلم الثاني الفارابي، وأرسطو هو أول من ابتدع القول بقدم العالم، وخالف الفلاسفة الذين قبله، وكان الفلاسفة والأساطين قبل أرسطو يعظمون الشرائع والإلهيات، ويثبتون وجود الله، وأن الله فوق العرش، وأن العالم حادث خلقه الله، ومنهم أفلاطون شيخ أرسطو ، فلما جاء أرسطو ابتدع قولاً عظيماً، ابتدع القول بأن العالم قديم كقدم الله،لم يخلقه الله بمشيئته وقدرته، ولم يثبت وجوداً لله إلا من جهة كونه مبدأً عقلياً للكثرة، وعلة غائية لحركة الفلك فقط، يقول: مبدأ الكثرة هو الله، وهو الذي يحرك الفلك، ثم جاء الفارابي -وهو أول من وضع علم صروف المنطق- وتوسع في علم المنطق، وصاروا يسمونه المعلم الأول، ولم يثبت وجوداً لله ولا للملائكة، ولا للكتب، ولا للرسل، ولا لليوم الآخر، ولا للقدر، ثم جاء أبو علي بن سينا -ويسمونه المعلم الثالث- فحاول أن يجمع بين الفلسفة والإسلام، وأن يقرب الإسلام من الفلسفة، لكن في محاولته الشديدة لم يصل إلى ما وصلت إليه الجهمية الغالية في التجهم، فالجهمية الغالية في التجهم أحسن حالاً منه وأصح مذهباً، مع أن غالب الجهمية الغالية في التجهم لا يثبتون شيئاً من الأسماء والصفات، فلما جاء ابن سينا أثبت وجودين، فقال: هناك وجودان: وجود واجب ووجود ممكن، فالوجود الواجب هو وجود الله، والوجود الممكن هو وجود المخلوق، لكن الواجب ليس له اسم ولا صفة ولا علم ولا قدرة ولا سمع، ولا خلق الخلق بقدرته، بل وجوده مطلق في الذهن، وهذا من محاولته في التقريب إلى الإسلام.

    أما الفارابي وأرسطو فما أثبتا أي شيء أبداً، لكن ابن سينا حاول التقريب، ولذلك أثبت الملائكة على أنهم أشكال نورانية، وليسوا ذواتاً تصعد وتنزل، بل هم أشكال نورانية، وأثبت الإسلام على أنه عبارة عن أمور معنوية، أو هو القوى العقلية التي تبعث الخير، والكتب هي فيض معنى يسير من العقل الفعال على رجل عبقري، والرسول رجل عبقري توافرت فيه قوة الإدراك والتخييل والتأثير، وهذه الصفات يمكن أن يحصل عليها الإنسان المران والخبرة والكسب، وليست هبة من الله، بل هناك أعلى منها، فالفلسفة عنده أعلى منها، وكثير من الفلاسفة لا يرضى بالنبوة، ويقول: النبوة منزلة ليست عالية، بل هي منزلة هابطة، وهناك ما هو أعلى منها، وهو الفلسفة، فالنبوة فلسفة العامة، والفلسفة نبوة خاصة، والنبوة الخاصة أعلى من العامة، ولا يثبتون اليوم الآخر ولا البعث ولا النشور ولا الجنة ولا النار، ولا الشرائع، فليس هناك حلال ولا حرام، والرسل أمثال مضروبة لتهذيب العوام، والرسول رجل عبقري يفهم الناس، فيقول: هناك جنة ونار، وبعث وحساب حتى يعيش الناس بسلام، ولا يعلو أحد على أحد، وإلا فإن الواقع أنه لا يوجد جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور! هذا مذهب ابن سينا .

    ويسميه ابن القيم (إمام الملحدين) كما في إغاثة اللهفان في الجزء الثاني، وله كتاب (الإشارات)، كله إلحاد وزندقة، ونصير الدين الطوسي الذي تسبب في جلب التتار إلى بلاد المسلمين وسقوط بغداد أخذ كتاب (الإشارات) لـابن سينا وأراد أن يلغي القرآن، فحين لم يوافقه الناس قال: هذا قرآن الخواص -يعني كتاب ابن سينا- وهذا قرآن العوام! وحاول أن يختصر الصلوات الخمس إلى صلاتين، نسأل الله السلامة والعافية.

    ويقول ابن سينا عن نفسه: أنا وأبي من دعوة الحاكم العبيدي ، ودعوة الحاكم العبيدي رافضي خبيث، لا يؤمن بالله، ولا بملائكته، ولا بكتبه، ولا برسله، ولا باليوم الآخر، ولا بالقدر.

    وبعض الناس يغتر فيقول: ابن سينا الفيلسوف الإسلامي! ويعتز به، وقد سميت باسمه مدارس ومؤلفات، صحيح أنه طبيب، وله كتاب القانون، فيه شيء من الطب وشيء من الصيدلة، لكن لا ينبغي أن يسمى باسم هذا الملحد، فهو ملحد ليس من الإسلام في شيء، لكن بعض الناس وبعض الأدباء وبعض المذيعين لا يعرفون حاله، فيعتزون به ويقولون: فلاسفة الإسلام الفارابي وابن سينا نعتز بهم! وهؤلاء ملاحدة زنادقة ليسوا من الإسلام في شيء.

    أما كونه رجع عن الفلسفة فلا ندري به، لكن كتبه ومؤلفاته في إنكار البعث موجودة، حيث ويقول: إن البعث للأرواح. وله كتاب (النجاة)، وإذا ثبت أنه رجع ووجد ذلك في كتاب وعرف تأريخه فلا بأس، وما يذكره بعض الناس في ذلك احتمالات تحتاج إلى دليل، فهذه مؤلفاته وهذا هو اعتقاده، نسأل الله السلامة والعافية.

    الرد على مدعي اندثار فرق الضلال

    السؤال: ما رأيك فيمن يقول: لماذا تدرسون أقوال المعتزلة والخوارج وغيرهما من الفرق مع أنها فرق قديمة مندثرة؟

    الجواب: ليست مندثرة، ومن قال ذلك؟! بل امتلأت الأرض بهم، فالجهمية موجودة، وقد قال بعض الطلاب: إن بعض المدرسين يقول: ما أدري الله في السماء أو في الأرض! وهذا جهمي، فمن يقول: إنهم انقرضوا؟! فالأرض مليئهم بهم، وفي كل مكان جهمية ومعتزلة والأشاعرة.

    حكم الصلاة خلف مبتدع ينكر النزول

    السؤال: صليت في مسجد عدة مرات، وسمعت من بعض الإخوة أن إمام هذا المسجد ينكر النزول، فما حكم منكر ذلك، وما حكم الصلاة خلفه؟

    الجواب: يحتاج إلى قيام الحجة عليه، ويمكن أن يكون جاهلاً لا يدري، فإذا كان ما يفعله مكفراً فلا تصح الصلاة خلفه، ويحتاج إلى قيام الحجة عليه، ونصوص النزول متواترة.

    والقاعدة أنه إذا كان الإمام الذي تصلي خلفه قد فعل مكفراً وقامت عليه الحجة، فلا تصح الصلاة خلفه، وإن كان فعله بدعة أو فسقاً فقد قال بعض العلماء: تعاد الصلاة، وقال آخرون: لا تعاد، والصواب أنك لا تعيد، فإذا أعاد المرء على قول بعض العلماء فذلك حسن، لكن الصواب أنه لا يعيد إلا إذا كان الإمام قد فعل مكفراً.

    حكم قول (إني اعبد الله حباً له)

    السؤال: ما رأيكم في قول بعضهم: إني أعبد الله لا رجاء في جنته ولا خوفاً من ناره، ولكن حباً له؟

    الجواب: هذا قول الصوفية الملاحدة الزنادقة، وهذه العبارة مكتوبة في كتب الوعظ مثل كتب ابن الجوزي وغيرها، والبعض يقرؤها على الناس في المساجد.

    فبعضهم ينقلها من كتب بعضهم، ويقرأ هذا على الناس في رمضان وفي غيره، وينسبون هذا الكلام إلى رابعة العدوية، وهو أنها قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فأكون كأسير السوء، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه. تقول: أنا إذا عبدت الله خوفاً ورجاء فمعنى ذلك أنني أنفع نفسي فقط، وإنما أعبده حباً لذاته وشوقاً إليه، حتى قال بعض الصوفية: أنا أعبد الله، ولا أبالي أوضعني في النار أو في الجنة! بل بعضهم يفضل أن يجعل في النار على أن يجعل في الجنة، يقول: لأن نفسه تميل إليها ليتمتع، أما النار فهو بها يعاكس مراده، وهو يحب النار! نسأل الله السلامة العافية.

    فهذه المقالة مقالة الملاحدة والزنادقة، والعبادة لا تكون إلا بالحب والخوف والرجاء، فلابد من أن يعبد الإنسان ربه حباً وخوفاً ورجاء، كما أخبر الله تعالى بذلك عن أنبيائه ورسله الذين هم أفضل وأخص الناس وأعرفهم بالله، فلما ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإسحاق، ويعقوب، ونوحاً، وداود، وسليمان، وأيوب، وزكريا، وعيسى، واليسع، وذا الكفل، قال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90]، فقوله: رَغَبًا هذا الرجاء، وَرَهَبًا هذا الخوف، فكانوا يعبدون الله خوفاً ورجاء وهم أشرف الخلق.

    وقال في وصف عباده المتقين: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16].

    فلا تتم العبادة إلا بالحب والخوف والرجاء، ولهذا يقول العلماء: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري من الخوراج، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.

    وبعض الصوفية له كلام شنيع، يقول: إذا كان يوم القيامة فسوف ينصب خيمته على النار، ويمنع أصحابه وأصدقاءه من دخول الجنة، وهذا كلام -والعياذ بالله- كفري، نسأل الله السلامة والعافية.

    نظرة في بيت النشيد (أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى)

    السؤال: ما رأيكم في هذا البيت الذي ينشد:

    أن تدخلني ربي الجنة هذا أقصى ما أتمنى

    وهل في ذلك إنكار الرؤية؟

    الجواب: هذا مثل ما قال البلقيني عن الكشاف: استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش. ومن ذلك أنه قال في قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ [آل عمران:185] قال: أي فوز أعظم من الجنة؟! وقصده بذلك إنكار الرؤية؛ لأن الرؤية أعظم أعلى نعيم يعطاه أهل الجنة؛ فلذا أقول: لا ينبغي قراءة هذا النشيد.

    حقيقة الفناء عن مراد السوي

    السؤال: ذكرتم أن القسم الثالث من فناء الصوفية: هو أن يقدم رضى الله على رضى النفس، ومراد الله على مراد النفس والناس، أليس هذا علم التوحيد، ومنهج الرسل والأنبياء؟!

    الجواب: هذا النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن مراد السوى، وهو أن يفنى بمراد ربه عنه عن مراده هو، وهذا فناء خواص الأولياء والمقربين، وأكمل الناس في هذا الفناء توحيداً هم الأنبياء والرسل، لكن تسميته فناء من باب المقابلة، فالمعنى: أن يقدم محبة الله على محبته نفسه، ويقدم مراد الله على مراد نفسه، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن كان في العقل اتحاد صحيح فهو هذا.

    وتسميته فناء من باب المقابلة للأقسام الأخرى، وإلا فإن أصل الفناء معناه أن تفني مادة في مادة، فإذا وضعت الدقيق في الماء فقد أفنيت الدقيق في الماء، وهذا الفناء هو فناء خواص الأولياء والمقربين، فخواص المؤمنين يقدمون مراد الله على مراد النفس ومراد الناس.

    حكم الصلاة خلف إمام أشعري

    السؤال: هل تجوز الصلاة خلف إمام أشعري؟

    الجواب: هذه مسألة خلافية، وهي مسألة الصلاة خلف الفاسق أو المبتدع هل تصح أو لا تصح؟ فبعض العلماء يرى أن الصلاة غير الصحيحة، فإذا صلى خلف المبتدع أو الفاسق فإنه يعيدها، وقال بعضهم: يصلي خلفه نفلاً ثم يعيدها، وذهب آخرون إلى أنها تصح، وهو الصواب، بشرط أن تكون بدعته أو فسقه لا تصل إلى الكفر، أما إذا كانت بدعته أو فسقه موصلة إلى الكفر فإن صلاته لا تصح، فإذا كان وثنياً يدعو غير الله ويذبح للأولياء وللصالحين، أو حلولياً أو اتحادياً لا تصح الصلاة خلفه، والدليل على ذلك أن الصحابة صلوا خلف الحجاج ، وكان الحجاج فاسقاً ظالماً، ولما ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلون لكم -يعني الأئمة- فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم)، لكن إذا وجدت غير الفاسق لا تصل خلف الفاسق، ولا ينبغي أن يكون إماماً للناس وهو فاسق أو مبتدع، وإذا وجد فاسق أو مبتدع يصلي بالناس فإنه يجب أن يرفع به إلى ولاة الأمور حتى يعزل ويعين مكانه إمام من أهل السنة والجماعة سلفي المعتقد، لا أشعري، ولا فاسق، بل عدل، لكن إذا بليت به وصليت خلفه فصلاتك صحيحة، أو لم تجد جماعة إلا جماعته فإنك تصلي خلفه، وإذا وجدت غيره فلا تصل خلفه، وصل خلف غيره، وإذا صليت خلفه فمعناه أنك أقررته على المنكر، ولهذا يقول العلماء: من صلى خلف فاسق وهو يجد غيره فإنه ما أنكر عليه المنكر، وأقل إنكار المنكر أنك لا تصلي خلفه، فإذا كنت لا تنكر المنكر باللسان فأقل شيء ألا تصلي خلفه، لكن لو صليت خلفه فالصلاة صحيحة في أصح قولي العلماء، بشرط ألا تكون هذه البدعة أو الفسق موصلة إلى الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر، أما إذا كانت البدعة أو الفسق توصله إلى الشرك الأكبر فلا تصح الصلاة، وإذا صلى أمرؤ خلفه يجب عليه إعادتها، كما لو صلى خلف من يدعو غير الله، أو صلى خلف من يذبح للأولياء، أو يطلب المدد منهم، أو ينذر للصالحين، أو ينكر وجود الله، أو يقول: إن الله حال في المخلوقات، أو: إن الله متحد في المخلوقات، فهذا لا يصلى خلفه، وإذا صلى امرؤ خلفه أعاد الصلاة.

    غلو المحذرين من كتب ابن حجر والنووي

    السؤال: ما رأيكم فيمن يحذر الناس من كتب ابن حجر والنووي ؛ لأن فيها شيئاً من التعطيل، بل ربما أمر بإحراقها ووصفهما بأنهما من أهل البدع؟

    الجواب: هؤلاء -والعياذ بالله- عندهم غلو، وهؤلاء مخطئون خطأ عظيماً كبيراً، فكتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر كتاب عظيم، مازال العلماء في كل عصر ومصر بعده ينهلون من معينه، فهو من أعظم الكتب، وأما الأخطاء التي في العقيدة فيمكن تلافيها بأن ينبه عليها، ومازال العلماء ينبهون عليها، وهم لم يتعمدوها، فهم علماء كبار أجلاء نرجو أن يغفر الله لهم، فهذا ما نشئوا عليه، فصاروا يؤولون في بعض الصفات، لكن ليس معنى ذلك أن يهجر الكتاب، فهو كتاب عظيم.

    وكذلك النووي في شرحه لـمسلم سلك هذا المسلك في الصفات، لكنه كتاب عظيم في معاني الأحاديث والاستنباطات والأحكام الفقهية.

    فكيف يهجر ما في هذه الكتب من العلم من أجل أشياء يسيرة يمكن تلافيها ويمكن التنبيه عليها؟! إن هذا غلط كبير، وهؤلاء الذين يفعلون ذلك يوصفون بالجهل والسفه، أما الأخطاء فليس هناك أحد يسلم منها، وليس هناك كتاب معصوم إلا كتاب الله عز وجل، فالغلط ينبه عليه وتؤخذ الفائدة، أما لو كان الكتاب أكثره فيه أغلاط وفيه أخطاء وأخطار عظيمة -مثل كتاب الزمخشري الكشاف، وكتاب مفاتيح الغيب للرازي- فإنه يؤثر على المبتدئ، فلا ينبغي للإنسان أن يقرأ الكشاف، ولا أن يقرأ مفاتيح الغيب؛ لأنه يدعوك إلى القول بالحلول وإنكار وجود الله وتعلم السحر، ولا يصلح أن يقرأ هذين إلا طالب العلم الذي عنده بصيرة.

    أما كتاب (فتح الباري) للحافظ ابن حجر فهو كتاب عظيم نفع الأمة، فرحمه الله رحمة واسعة وغفر له، وقد مكث في شرحه سبعة عشر عاماً، وهو من أحسن الكتب، ولا يستغني عنه طالب العلم، وكذلك النووي في شرح صحيح مسلم، فكيف تقال هذه المقالة؟! فتهجر الحسنات العظيمة والعلم العظيم في الكتاب من أجل أخطاء يسيرة في التأويل في الصفات، من يقول هذا؟! هذا لا يقوله إلا سفيه جاهل، والذي يعمل هذا فيحذر الناس أو يحرق الكتابين سفيه جاهل، ويجب أن يؤخذ عليه ويؤدب ويعزر حتى يترك هذا العمل المشين، ويرفع به إلى ولاة الأمور ليرتدع، فيرفع به إلى المحكمة ليرتدع عن هذا العمل بالسجن أو بالضرب، على حسب ما يراه القاضي، فهو يستحق الضرب والتأديب والسجن حتى يتوب من هذا العمل المشين، فكيف يحرق هذين الكتابين العظيمين اللذين تلقتهما الأمة والعلماء بالقبول والاستفادة؟!

    الضابط في تكفير أهل البدع

    السؤال: أي الفرق نستطيع القول بأنها خرجت من الإسلام؟ وما هو الضابط الشرعي في تكفير هذه الطوائف وغيرها ؟

    الجواب: الحلولية والجهمية من العلماء من كفرهم بإطلاق، ومنهم من بدعهم بإطلاق، ومنهم من كفر الغلاة دون غيرهم، وعلى كل حال فإن من قال: إن الله حال في شيء من مخلوقاته، أو اتحد بمخلوقاته، وهو يعلم ذلك كافر بإجماع المسلمين لا شك فيه، أما من كان عنده شبهه مثل المعتزلة، فهناك خلاف في تكفيرهم، فمن العلماء من بدعهم، ومنهم من كفرهم، والمشهور تبديعهم، وكذلك الأشاعرة المبتدعة؛ لأن لهم تأويلاً وشبهة، وهناك فرق بين الجاحد والمتأول، فالمتأول لا يكفر، وهذا هو الضابط، فمن كان له تأويل فالأصل أنه لا يكفر، وأما الجاحد عن علم وبصيرة فإنه يكفر.

    حقيقة الإيمان

    السؤال: هل الإيمان قول وعمل واعتقاد، أم قول واعتقاد، وما حكم الذي يقول: إن الإيمان اعتقاد وقول فقط؟

    الجواب: هذا السؤال يحتاج إلى كلام طويل، والخلاصة أن الإيمان عند أهل الحق قول القلب، وقول اللسان، وتصديق القلب، وعمل القلب، وعمل الجوارح، ومرجئة الفقهاء -وهم طائفة من أهل السنة- يقولون: الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وأما الأعمال فليست من الإيمان، لكنها مطلوبة، وأما المرجئة المحضة فيقولون: ليست مطلوبة، فأهل السنة من الأحناف وغيرهم من مرجئة الفقهاء يقولون: الأعمال ليست من الإيمان، لكنها مطلوبة، والواجبات واجبات، والمحرمات محرمات، لكن لا نسميها إيماناً، فالإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان، وواجب العمل، أما المرجئة المحضة فقالوا: لا تؤثر الأعمال في الإيمان ولا تضر، وهذا هو الفرق بينهما، والصواب أن الإيمان قول باللسان، وقول بالقلب، وهو التصديق، وعمل القلب وعمل الجوارح، وكلها داخلة في مسمى الإيمان، والنصوص الدالة على هذا كثيرة.

    إقرار المشركين بتوحيد الأسماء والصفات

    السؤال: ذكرت أن المشركين آمنوا بتوحيد الأسماء والصفات، فكيف نقول في قوله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:30]؟

    الجواب: قد وجد منهم من جحد بعض الأسماء من باب التعنت والعناد أو من باب الجهل، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: الظاهر أن إنكارهم لصفة الرحمن من باب التعنت والعناد، وإلا فقد وجد في أشعارهم ما يثبت صفة الرحمن، قال الشاعر: (وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق).

    وكذلك في صلح الحديبية قالوا: لا نعرف إلا رحمن اليمامة، من باب التعنت، وإلا فالمعروف عنهم إثبات الأسماء والصفات، فإذا وجد شيء -مثل إنكارهم للرحمن- فهو إما جهل وإما من باب التعنت والعناد.

    حكم قول (أمره بين الكاف والنون)

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: إن أمر الله بين الكاف والنون، إذا أراد أمراً فإنما يقول له: (كن) فيكون؟

    الجواب: ينبغي أن يقال كما قال الله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، فهو سبحانه يخلق بكلمة (كن)، أما (بين الكاف والنون) فلا أعرف هذا، إنما يقال: إن الله يخلق بكلمة (كن)، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] وهذا هو الذي ينبغي، أما هذه العبارة فلا أعرفها.

    حكم قول (الله بالعقل عرفناه)

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: الله بالعقل عرفناه؟

    الجواب: عرفناه بالعقل وعرفناه بالفطرة، وعرفناه بالشرع، فالله تعالى فطر الخلق على معرفته وإثبات وجوده، وفطرهم أيضاً على الميل إلى الخير وحب الخير، لحديث: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه)، فالله تعالى معروف بالعقل وبالفطرة، وأدلة الشرع أرشدت إلى هذا.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.