إسلام ويب

دروس في العقيدة [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أرسل الله تعالى رسله ليبينوا للناس أصل الدين، وهو معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وإلهيته، وليبينوا الطريق الموصلة إليه، وهي شريعته المتضمنة أمره تعالى ونهيه، وليبينوا ما للسالكين إليه تعالى بعد الوصول إليه من النعيم عند الامتثال والعذاب عند المخالفة، وليوصلوا القلوب إلى محل سعادتها، وهو معرفة الرب تبارك وتعالى وعبادته، واتباع رسله فيما جاءوا به، ومن ذلك إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه وأثبته له رسوله، ونفي ما نفياه، وقد حاد عن هذا النهج طوائف الابتداع.

    1.   

    التعريف بمؤلف العقيدة الطحاوية وشارحها

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فإن العقيدة الطحاوية منسوبة إلى الإمام أبي جعفر الطحاوي ، وهو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي ، حنفي المذهب، سلفي المعتقد، وقد كتب هذه العقيدة في علم أصول الدين.

    والطحاوي منسوب إلى بلدة في مصر تسمى طحا، وسميت هذه العقيدة بالعقيدة الطحاوية لأن الذي كتبها هو هذا العالم من هذه البلدة بمصر، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، وولادته كانت في سنة 236هـ، وقيل: في سنة 237هـ، وذكر الشارح ابن أبي العز أن ولادته كانت سنة 236هـ، ووفاته كانت سنة 321هـ.

    وهذه العقيدة مختصر في أصول الدين، وقد شرحها جماعة من العلماء يبلغون السبعة، ولكن أغلبهم مشوا في شرحهم لهذه العقيدة على معتقد أهل الكلام في كثير من المسائل، كما أشار إلى ذلك علي بن علي بن أبي العز ، ثم وفق الله علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي فشرحها على معتقد أهل السنة والجماعة، وقد أشار رحمه الله في مقدمة شرحه إلى أن الحامل له على شرحها هو أن كثيراً من الشروح التي سبقته لا تتفق مع معتقد أهل السنة والجماعة، فأحب أن يشرحها على معتقد أهل السنة والجماعة، والشارح -أيضاً- حنفي، وهو علي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي الدمشقي الحنفي ، المولود سنة 731هـ، والمتوفى سنة 792هـ، من علماء القرن الثامن الهجري، وهو من تلاميذ الحافظ ابن كثير صاحب التفسير رحمه الله.

    فالشارح حنفي والمؤلف حنفي بالنسبة للفروع، وأما في أصول الدين فهما على معتقد أهل السنة والجماعة، والشارح -رحمه الله- قرأ كثيراً من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- والعلامة ابن القيم فتأثر بهما كثيراً، ونقل كثيراً من كتبهما وكثيراً من كلامهما، وفرَّقه في شرح هذه العقيدة، ولكنه لا يعزو، ويحتمل أن يكون سبب عدم عزوه -والله أعلم- أنه في ذلك الوقت كان هناك كثير من الناس ينفرون من بعض أهل السنة والجماعة كـشيخ الإسلام وابن القيم ، فأحب أن ينقل كلامهما وأن يفرقه في شرح هذه العقيدة من غير أن يعزو.

    والعقيدة الطحاوية التي كتبها صاحب المتن تتفق مع معتقد أهل السنة والجماعة كما سبق، ولكن هناك بعض الإطلاقات التي قد يظن بعض الناس أنه يوافق أهل الكلام فيها، وقد نبه على ذلك الشارح رحمه الله، وبين أن الطحاوي سلفي المعتقد، وأنه لا يريد ما يريده أهل البدع، فلما وجدت عنده مثل هذه الإطلاقات شرحها بعض الشراح على ما يوافق معتقد أهل الكلام، وشرحها علي بن علي بن محمد بن أبي العز على معتقد أهل السنة والجماعة، وناقش في بعض الإطلاقات، وستمر بنا إن شاء الله تعالى.

    والطريقة التي سوف نمشي عليها -إن شاء الله- هي أننا نشرح ثم نقرأ في شرح الطحاوية، وهو الشرح المتداول المعروف لـعلي بن علي بن أبي العز الحنفي المعروف بشرح الطحاوية؛ لأن الشرح فيه علم كثير عزيز، وبحوث قيمة، ولابد من أن يرتبط طالب العلم بكتب أهل العلم، وكلام أهل العلم، ولا يكون بعيداً عنها، وإلقاء الدروس والمحاضرات من غير ربط لها بالكتب ذو فائدة محدودة، والعلماء الأوائل ومشايخنا الكبار وغيرهم كان طلبهم للعلم مرتبطاً بالكتب والمشايخ، فلابد من الأمرين: الأخذ من أفواه العلماء، ومراجعة الكتب والارتباط بها، وعدم الانفصال عنها، أما الكلمات التي تلقى من غير ربط بالكتاب فإن فائدتها محدودة، وقد يحصل ضرر من انعزال طالب العلم عن الكتب، وهو أنه إذا لم يتمرس ولم يتمرن على قراءة كتب العلماء السابقين، فإنه إذا أراد أن يقرأ كتاباً منها لا يستفيد منه، ولا يعرف عبارات ومقاصد العلماء، فربط طالب العلم بالكتاب مهم جداً.

    وهذه العقيدة الطحاوية وشرحها لم يزل العلماء قديماً وحديثاً يستفيدون منه، ويدرسونها في المساجد والمدارس والجامعات، ونفع الله بهذه العقيدة وبهذا الشرح كثيراً، ولعل من أسباب ذلك حسن النية من مؤلفها وشارحها، غفر الله لهما، وأسكنهما فسيح جناته.

    1.   

    بيان موضوع علم العقيدة وأقسام العلم النافع

    و

    موضوع هذه العقيدة هو علم أصول الدين، وهو أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، وهو هنا العلم بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته وأفعاله، واستحقاقه للعبادة، فهذه المعرفة هي أعظم المعارف، وأساس الهداية، وأساس الدين، وأساس الملة، وهي أفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب، وأدركته النفوس، وحصلته العقول، وهذا هو المسمى بالفقه الأكبر، والفقه الأصغر هو علم الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله ما جمعه في أوراق وكتبه في أصول الدين: الفقه الأكبر.

    إذاً: أصل الدين وأصل الملة معرفة الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وإلهيته، ثم يتبع هذه المعرفة أصلان عظيمان:

    الأصل الأول: معرفة الطريق الموصلة إلى الله المعبود، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.

    والأصل الثاني: معرفة ما للسالكين إليه، ومعرفة حالهم بعد الوصول إلى الله من النعيم المقيم إن استقاموا على دينه وامتثلوا أمره ونهيه، وما لهم من الإهانة والعذاب السرمدي إن سلكوا طريق الغواية، وانحرفوا عن دينه، فهذه هي أقسام العلم النافع.

    فأقسام العلم النافع الذي بعث الله به رسوله ثلاثة لا رابع لها:

    القسم الأول: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، هذا هو أصل الدين، وأساس الملة، وهذا وعلم أصول الدين يسمى الفقه الأكبر، وعلى هذه المعرفة تدور مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها؛ لأنه سبحانه المعبود، فلابد أن تعرف معبودك، فتعرفه بأسمائه وصفاته وأفعاله حتى تعبده على بصيرة، وهذا يسمى علم أصول الدين، وهو أشرف العلوم، وهذا هو القسم الأول، وهو الأصل الأصيل.

    القسم الثاني: العلم بشرائع دينه وأحكامه سبحانه من الأمر والنهي والحلال والحرام، وهذا هو الفقه الأصغر.

    والقسم الثالث: العلم بشئون المعاد من البعث والجزاء والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، ومصير الإنسان ومستقره في الدار الآخرة، فإما إلى جنة وإما إلى نار.

    هذه هي أقسام العلم النافع، وأصلها وأساسها علم أصول الدين، وهو معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم معرفة الأحكام الشرعية التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان رسوله من الأوامر والنواهي، ثم معرفة شئون المعاد، وما يحصل للإنسان بعد الموت من الحساب والجنة والنار، وقبل ذلك ما يحصل للإنسان في القبر من سؤال منكر ونكير، ومن النعيم أو العذاب، وهذه الأنواع الثلاثة كلها مبينة في القرآن والسنة وموضحة في أتم وأوضح بيان، ولهذا يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الشافية، وهي القصيدة النونية:

    والعلم أقسام ثلاثة ما لها من رابع والحق ذو تبيان

    علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمن

    والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني

    والكل في القرآن والسنن التي جاءت عن المبعوث بالقرآن

    فهذه أقسام العلم النافع، فقوله:

    علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمن

    يتناول علم أصول الدين، وهو العلم بالله وصفاته وأفعاله وأسمائه.

    وقوله: والأمر والنهي الذي هو دينه.

    يتناول القسم الثاني، وهو دين الله، أي: معرفة الأوامر والنواهي، وشرائع الدين التي شرعها في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والقسم الثالث: الجزاء وشئون المعاد، وحال السالكين إلى الله، وحال الناس بعد الموت.

    1.   

    طريق معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله

    لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة لها إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها وخالقها بأسمائه وصفاته وأفعاله، فالنفوس معذبة إن لم تعرف ربها وخالقها، ولا يحصل لها سلام من هذا العذاب، ولا يحصل لها نعيم ولا راحة ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها وخالقها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه، ويكون مع ذلك كله هذا المعبود سبحانه وتعالى أحب إليها من كل ما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه من دون سائر خلقه، فإذا كانت بذلك تمت السعادة، فإذا عرف الإنسان ربه ومعبوده وفاطره وخالقه، وكان مع ذلك أحب إليه من كل شيء، وكان سعيه فيما يقربه إليه تمت السعادة، وإذا عرف الإنسان معبوده وفاطره وخالقه وإلهه بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فقد تعلم علم أصول الدين، وحصل على علم الفقه الأكبر، ولا يمكن أن يفقه فيما يقربه من الله إلا عن طريق معرفة الشريعة -وهي الأوامر والنواهي، والحلال والحرام- التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فإذا عرف الإنسان ربه ومعبوده وفاطره وخالقه، وكان أحب إليه من كل ما سواه من النفس والولد والوالد والناس جميعاً، وكان سعيه وعمله فيما يقربه إليه من دون سائر خلقه فقد تمت السعادة، ويستحيل أن تستقل العقول وأن تدرك تفاصيل معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة الشريعة والأوامر والنواهي، ومعرفة شئون المعبود، يستحيل أن تستقل العقول بمعرفة ذلك، ولا يمكن للعقول أن تعرف أسماء الله وصفاته وأفعاله، وما يحبه الله ويرضاه، وشئون المعاد وما يكون لها، والعقول متفاوتة ومختلفة اختلافاً عظيماً، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بخلقه أنه لم يكلهم إلى عقولهم؛ لأن العقول لا تستطيع أن تدرك علم أصول الدين، ولا تستطيع أن تدرك شرائع الدين، ولا تستطيع أن تدرك شئون المعاد، وما يكون للإنسان بعد موته، فمن رحمة العزيز الرحيم أنه لم يكل ذلك إلى العقول، فلذلك أرسل الرسل يعرفون بالله، ويدعون إليه، ويبشرون من أطاعهم بالجنة، وينذرون ويحذرون من عصاهم بالنار، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بخلقه، قال الله عز وجل: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].

    والفائدة من معرفة الله بأسمائه وصفاته، ومعرفة شريعته وأوامره ونواهيه، وما يكون شئون المعاد، الفائدة من ذلك العمل، إذا عرف الإنسان ربه ومعبوده وخالقه بأسمائه وصفاته، وعرف دينه؛ تقرب إلى الله بما يحبه، وأخلص له العبادة، وآمن بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وعمل رجاء لقاء الله، وتيقن أنه ملاقٍ ربه، وأنه واقف بين يديه، وأنه محاسبه ومجازيه على كل صغيرة وكبيرة، فالعبد إذا عرف ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فحينئذٍ يعبد الله على بصيرة، ويتقرب إلى الله بما يحبه، ويعبده حق عبادته، ويخلص له العبادة، ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته.

    والطريق إلى معرفة المعبود ومعرفة الشريعة ومعرفة شئون المعاد هم الرسل، وآخر الرسل هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو حظنا من الأنبياء والرسل، ونحن حظه من الأمم، عليه وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    والكتاب والسنة الذان جاءا عن طريق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بهما نعرف ربنا وأسماءه وصفاته وأفعاله وما يحبه ويرضاه من الأوامر التي نفعلها والنواهي التي نتركها، وما يحصل لنا بعد الموت حينما نلاقي ربنا، ونعرف بهما أن الناس قسمان في النهاية: فريق في الجنة وفريق في السعير، وأن هناك قبراً، وسؤالاً بعد الموت، وأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وأن هناك حساباً ووقوفاً بين يدي الله، وأن هناك بعثاً وحشراً ونشراً، وأن هناك صحفاً تتطاير فتؤخذ بالأيمان وبالشمائل، وأن هناك حوضاً يرد الناس عليه في الموقف يوم القيامة، وأن هناك ميزاناً توزن فيه الأعمال والأشخاص، وأن هناك صراطاً يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، ثم الاستقرار في الجنة أو النار، وكل هذا لا يمكن أن تعرفه العقول ولا أن تدركه على التفصيل، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يكل ذلك إلى العقول، بل أرسل الرسل وأنزل معهم الكتب ليعرفوا الناس بصفات الله وبأسمائه وأفعاله، ويعرفوا الناس بما يحبه الله وبما يكرهه، وما يرضاه الله وما يأباه، وما يحب أن يفعله العباد وما يحب أن يتركه العباد، ويعرفوا الناس بحالهم ومصيرهم بعد الموت.

    ولهذا كان أطوع الناس لله وأعرفهم بالله هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه، والطريق الموصل إليه لا يعرف إلا عن طريق شرائع الدين التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فأتبع الناس، وأطوع الناس لله، وأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه، وفي مقدمة هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعرف الرسل وأطوعهم وأتبعهم هم أولوا العزم الخمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأطوعهم وأتبعهم وأعرفهم الخليلان -إبراهيم ومحمد- عليهما الصلاة والسلام، وأطوع الخليلين وأتبعهما وأعرفهما نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام:(إني أخشاكم لله وأتقاكم له)، وفي لفظ آخر: (إني أعلمكم بالله)، فهو أعلم الناس بالله، وأعرف الناس بالله، وأتقى وأخشى الناس، وأفضل الناس عليه الصلاة والسلام، وأكرمهم وأطوعهم وأتبعهم عليه الصلاة والسلام، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف.

    1.   

    مراتب الخلق في اتباع الشرع

    من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه لا يوجب على كل أحد أن يعلم ويؤمن بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام تفصيلاً في كل شيء، فالواجب على الفرد العلم والإيمان بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم إجمالاً، وأما العلم التفصيلي فإنه يختلف باختلاف أحوال الناس بحسب قدرتهم، وبحسب ما أعطاهم الله من العقول والأفهام والعلم وسماع النصوص وفهمها، فيجب على من سمع النصوص وفهمها وعلمها ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على العالم ما لا يجب على العامي، ويجب على المحدِّث ما لا يجب على غيره، ويجب على القاضي ما لا يجب على غيره، ويجب على الحاكم ما لا يجب على غيره، فالعلم التفصيلي بالشريعة فرض كفائي على الأمة، ويجب على الأمة أن تعلم ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم على وجه التفصيل، كما أنه يجب عليها أن تتدبر كتاب ربها، وأن تتعقله وتتفهمه، كما يجب عليها أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن تنشر الإسلام، فهذا واجب كفائي، فإذا وجد في الأمة حصل المقصود، وإلا أثمت الأمة.

    وأما الأفراد فلا يجب عليهم ذلك، وإنما يختلف الوجوب باختلاف أحوال الناس.

    وأطوع الناس وأتبعهم وأعرفهم بالله، وأعلمهم بالطريق الموصل إليه هم الأنبياء، والطريق الموصل إليه هو الشريعة، فمن اتبع ما أحله الله، وامتثل أمر الله، واجتنب نهيه، واستقام على دينه؛ فهو أطوع الناس.

    وأطوع الناس وأتبعهم هم الأنبياء والرسل، وأطوعهم وأتبعهم أولوا العزم الخمسة، وأطوعهم وأتبعهم الخليلان، وأطوعهما وأتبعهما نبينا محمد عليه وعليهم وعلى سائر المرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    ثم أطوع الناس وأتبعهم بعد الأنبياء والرسل الصديقون، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه، ثم الشهداء، فقد بذلوا أجسامهم لله عز وجل حتى قتلوا في سبيل الله، فجعل الله سبحانه وتعالى أرواحهم في البرزخ في حواصل طير خضر، كما جاء في الحديث: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسبح في الجنة؛ ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش)، ثم سائر الصالحين من المؤمنين، وهم طبقات: فمنهم السابق بالخيرات، وهو الذي أدى فرائض الله وانتهى عن محارم الله، ثم صار عنده نشاط فسابق إلى الخيرات وفعل النوافل، وترك مع المحارم المكروهات وشيئاً من فضول المباحات، فهؤلاء أفضل الناس بعد الأنبياء وبعد الصديقين والشهداء، وهم السابقون المقربون.

    ثم يليهم المقتصدون والأبرار، وهم الذين أدوا الفرائض وانتهوا عن المحارم، لكن لم يكن عندهم نشاط في فعل النوافل المستحبة، وقد يفعلون بعض المكروهات.

    وهناك طبقة ثالثة، وهم الظالمون لأنفسهم، وهم المؤمنون الذين قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهؤلاء مؤمنون ظالمون لأنفسهم، لكنهم ما فعلوا الشرك، فهم مؤمنون موحدون قصروا في بعض الواجبات أو فعلوا بعض المحرمات، فهؤلاء ظالمون لأنفسهم، وهم على خطر من العذاب في القبر، وعلى خطر من العذاب في النار، فأمرهم دائر بين السلامة والعذاب، فقد يعفى عنهم، وقد يعذبون، لكن مآلهم ونهايتهم السلامة والاستقرار في الجنة بعد العذاب أو العفو، قال الله تعالى في كتابه العظيم: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32]، فهؤلاء كلهم ورثوا الكتاب، وكلهم من المصطفين، قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر:32]، فهذا الظالم لنفسه هو الذي قصر في بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [فاطر:32] وهذا هو الذي أدى الفرائض وانتهى عن المحارم، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32]، وهذا هو الذي أدى الفرائض وانتهى عن المحارم وفعل النوافل، وترك المكروهات، وشيئاً من فضول المباحات، وهؤلاء كلهم ناجون، وليس بعدهم إلا الكفرة بجميع أقسامهم وأنواعهم، نسأل الله السلامة والعافية.

    وقد ذكر الله تعالى في سورة الواقعة أقسام الناس، فذكر السابقين، والمقتصدين أصحاب اليمين، وأصحاب المشأمة، وهم الكفار بجميع أنواعهم من اليهود والنصارى والوثنيين والمجوس والمنافقين وغيرهم ممن مات على الكفر، فهؤلاء هم أصحاب النار تغشاهم النار وتصلاهم من جميع النواحي نعود بالله، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف:41] ولا يخرجون منها أبداً.

    أما العصاة الموحدون فهم على خطر، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة فشقها نصفين وغرس في كل قبر واحدة، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) فهذان عذبا بسبب فعل بعض المحرمات، والنميمة من كبائر الذنوب، وكذلك عدم الاستنزاه من البول، وفي لفظ: (لا يستبرئ من بوله) وفي لفظ: (لا يستتر من بوله)، وكذلك في يوم القيامة قد ينال شدة الحساب، وقد يدخل النار، وقد يعفو الله عنه، فهو تحت المشيئة، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فهو تحت مشيئة الله، فقد يعفو الله عنه لتوحيده وإيمانه وإسلامه فيدخل الجنة من أول وهلة، وقد يعذب في النار مدة، ثم إذا طهر فيها أخرج إلى الجنة إما بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين.

    وقد تواتر في الأحاديث الصحيحة أنه يدخل النار جملة من أهل التوحيد وأهل الإيمان العصاة، فهذا يدخل النار بعقوقه لوالديه، وهذا بقطيعته للرحم، وهذا لأنه زنى، وهذا لأنه سرق، وهذا لأنه يأكل الربا، وهذا لأنه أكل مال اليتيم، وكل هؤلاء ما استحلوا تلك المعاصي، ولكن فعلوها طاعة للهوى والشيطان، أما من استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة فقد كفر، لكن هؤلاء غلبتهم نفوسهم وأهواؤهم وشهواتهم ففعلوا الحرام فعذبوا.

    وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع أربع شفاعات، فيحد الله له حداً فيخرجهم من النار، وثبت أن الملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والشهداء يشفعون، والصالحين يشفعون، وثبت أنه يبقى بقية من العصاة في النار بعد شفاعة الشافعين لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، كما جاء في الحديث: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوماً من النار لم يعملوا خيراً قط) أي: زيادة على التوحيد والإيمان.

    وقد ثبت أنهم يخرجون منها قد امتحشوا وصاروا فحماً، فيلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم بدخول الجنة، ثم إذا خرج عصاة الموحدين ولم يبق أحد منهم في النار أغلقت النار على الكفرة، فلا يخرجون منها أبد الآباد، كما قال الله تعالى: عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [البلد:20] يعني: مطبقة مغلقة، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [الهمزة:9] فيستقر أهل النار في النار، وهم أهلها من اليهود والنصارى والوثنيين والمجوس والمنافقين، لا يخرجون منها أبد الآباد، أما الموحد العاصي فمثل معصيته كالنجاسة الطارئة التي حصلت، فإذا غسلت النجاسة زالت، فكذلك هؤلاء يطهرون من معاصيهم بالنار، فإذا طهروا خرجوا منها إلى الجنة؛ لأنهم من أهل الجنة.

    لكن بعض العصاة قد تطول مدته في النار بسبب عظم الجريمة وعظم المعصية، وقد يعفو الله عنه، فهذا كله من العلم بشئون المعاد، ولا يعرف إلا عن طريق الرسل.

    1.   

    الهدي النبوي في الأسماء والصفات وموقف السلف الصالح منه

    إن أعرف الناس بالله هم الرسل والأنبياء، ثم الصديقون ثم الشهداء ثم الصالحون، والرسل عرفوا الناس بالله، وأثبتوا لله الأسماء والصفات والأفعال، والله تعالى في كتابه العظيم أثبت لنفسه ذلك فقال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119]، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ [التوبة:46]، وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا) كما في الحديث الصحيح المتواتر، فالله سبحانه أثبت لنفسه الصفات والأسماء في كتابه، وقال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام.

    وقد درج على منهاج الرسل وطريقة الرسل الصحابة، فأثبتوا الصفات لله عز وجل والأسماء والأفعال، وعبدوا الله على بصيرة، ثم تبعهم التابعون، فحذوا حذوهم، فأثبتوا الأسماء والصفات والأفعال لله عز وجل، ثم تبعهم الأئمة المشهود لهم بالإمامة، ومنهم الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وأبو عمر الأوزاعي وغيرهم من العلماء والأئمة، قال الإمام مالك رحمه الله في المشهور عنه لما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    فأثبتوا الأسماء والصفات لله، فالصحابة والتابعون والأئمة وعلماء الأمة المشهود لهم بالإمامة وسائر أهل السنة والجماعة درجوا على منهاج نبيهم عليه الصلاة والسلام، فأثبتوا الأسماء لله كما أثبتها لنفسه، وكما أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، وعبدوا الله على بصيرة.

    1.   

    موقف المعطلة من أسماء الله تعالى وصفاته

    وبعد السلف جاء بعض الناس من الخلوف وابتدعوا في دين الله ما ليس منه، وحرفوا نصوص الكتاب والسنة، ونفوا الأسماء والصفات عن الله، وقالوا: إنه لم يستو على عرشه، وقالوا في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]: نؤمن باللفظ، لكن المعنى: استولى على العرش، ويقولون: إن الله لا ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فهذا لا يليق به، وقالوا: إن الله لا يتصف بالسمع ولا بالبصر، وهؤلاء هم المعطلة والخلوف الذين جاءوا من بعدهم.

    واتصل هؤلاء المعطلة وغيرهم بأهل الشرك والأوثان، فأول من ابتدع القول بنفي الصفات هو الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية، وتعطيله إنما هو في كلمتين: حيث نفى أن يكون الله اتخذ إبراهيم خليلاً، ونفى أن يكون الله كلم موسى تكليماً، وكان في زمن التابعين، فقتله خالد بن عبد الله القسري رحمه الله ورضي عنه، وكان أمير العراق والمشرق في واسط، وكان ذلك بفتوى من علماء زمانه، وكان هو الذي يصلي بالناس العيد، ويخطب الناس خطبة العيد، فأتى بـالجعد مكبلاً، وجعله تحت أصل المنبر، وصلى بالناس العيد، ثم خطب خطبة العيد، ثم قال في آخرها: ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـالجعد بن درهم ؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل وأخذ السكين وذبحه، وضحى به أمام الناس، فأثنى عليه العلماء وشكروه على ذلك، فكان قتله بفتوى من العلماء، ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله هذا في الكافية الشافية، فقال:

    ولذا ضحى بجعد خالد الـ قسري يوم ذبائح القربان

    ثم ذكر في بيت بعده أن سبب ذلك هو أنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم قال:

    شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان

    وكان قد اتصل به رجل آخر يسمى الجهم بن صفوان قبل موته، فأخذ عنه عقيدة نفي الصفات، ثم قتل الرجل الثاني الجهم بن صفوان أمير خراسان بها، لكنه كان قد نشر هذا المذهب وناظر عليه، فنسب مذهب التعطيل وعقيدة نفي الصفات إلى الجهمية، فيقال: مذهب الجهمية؛ لأنه نشره على نطاق أوسع.

    وكان الجهم قد أخذ عن الجعد ، والجعد بن درهم أخذ عن أبان بن سمعان ، وأبان بن سمعان أخذ عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وطالوت أخذ عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، فعقيدة نفي الصفات تتصل باليهود، وكانت -أيضاً- في أرض حران، وفي ذلك الوقت كان فيها مشركون وصابئة، فعقيدة نفي الصفات ترجع إلى الصابئة والمشركين واليهود، نسأل الله السلامة والعافية.

    فهؤلاء الذين غيروا وبدلوا ونفوا الصفات وخالفوا منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وما درج عليه الصحابة والتابعون والأئمة يسمون بالمتكلمين، وهؤلاء الذين حرفوا النصوص وأنكروا الصفات كثر فيهم النفاق، وصاروا يزعمون أنهم يريدون أن يجمعوا بين الأدلة العقلية وبين الشريعة، فصار لهم شبه بالمنافقين، فالمنافقون يزعمون أنهم يجمعون بين الشريعة وبين ما يتحاكمون إليه، وهؤلاء يريدون أن يجمعوا بين الأدلة العقلية والأدلة الشرعية، كما أن الصوفية الذين انحرفوا يزعمون أنهم يجمعون بين الشريعة وبين الحقيقة، وكما أن الفلاسفة الذين انحرفوا يزعمون أنهم يريدون أن يجمعوا بين الشريعة وبين الفلسفة، كما أن المتفلتة وملوك الجور على مر العصور الذين خالفوا الشريعة يزعمون أنهم يجمعون بين السياسة وبين الشريعة.

    والله تعالى أنكر على المنافقين زعمهم الإيمان بالله ثم تحاكمهم إلى غير الشريعة، وبيَّن مقالتهم السيئة، وأنهم يزعمون أنهم يريدون أن يجمعوا بين الشريعة وبين ما يتحاكمون إليه، ونفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن من لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع ويسلم بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجاً، فيسلم بحكمه تسليماً كاملاً، قال الله تعالى عن المنافقين: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء:60-62] أي: نريد أن نوفق بين الشريعة وبين ما نتحاكم إليه.

    وكذلك كثير من أهل الكلام سلكوا مسلك المنافقين، فقالوا: نريد أن نوفق بين الأدلة الشرعية وبين الأدلة العقلية؛ إذ العقل هو الأساس والأصل، فيعرضون الشريعة على الأصول، فما وافقه قبلوه، وما رده ردوه بزعمهم.

    كما أن الفلاسفة قالوا: نريد أن نجمع بين الشريعة وبين الفلسفة حتى يتوافقا، فهم على نهج إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [النساء:62].

    كما أن الصوفية يقولون: نريد أن نوفق بين الشريعة وبين علم الحقيقة، أي: علم الباطن، فهم -بزعمهم- يقسمون الناس إلى أقسام وطبقات، فمنهم من تسقط عنه التكاليف، ومنهم من تجب عليه التكاليف، كما أن المتفلتة يقولون: نريد أن نوفق بين الشريعة وبين السياسة.

    وكل هؤلاء قال الله تعالى عنهم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] فنفى الإيمان، وأقسم سبحانه وتعالى بنفسه الكريمة فقال: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وجعل غاية هذا النفي وجود ثلاثة أمور: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ تحكيم الرسول والشريعة في موارد النزاع، ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ أي: لا يكون عند المحتكم حرج، ولا يكون في نفسه شيء، ولا يريد حكماً آخر، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وأكده، فهو اطمئنان كامل إلى حكم الله ورسوله، وهذا لا يوجد عند المنافقين، ولا أهل الكلام، ولا الفلاسفة، ولا الصوفية، ولا المتفلتة من ملوك السوء.

    ولذلك لما كان أهل الكلام قد انحرفوا عن الجادة وعن الطريق السوي، وكثر النفاق فيهم؛ حذر العلماء من أهل الكلام، وحذروا الناس من سلوك طريقهم، وبينوا أن العلم بالكلام هو الجهل، كما قال أبو يوسف رحمه الله الصاحب الأول لـأبي حنيفة لـبشر المريسي : العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم. وإذا كان الإنسان رأساً في الكلام قيل: تزندق، أو قيل: زنديق. وقوله: (الجهل بالكلام هو العلم)، يعني: عدم اعتقاده أو الإعراض عنه هو العلم.

    وقال أبو يوسف أيضاً: من طلب العلم بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب.

    فقوله: (من طلب العلم بالكلام تزندق) أي: يصل في النهاية إلى الزندقة -والعياذ بالله- وينحل من دينه.

    (ومن طلب المال بالكيمياء أفلس) الكيمياء نوع غير الكيمياء المعروفة الآن، بل هي نوع من السحر فيه زور وتغيير للواقع، فإذا علم المشتري بهذا الزور رد البيع، فيكون البائع مفلساً.

    (ومن طلب غريب الحديث كذب) لأنه يتتبع الغريب.

    وسبب هذا الانحراف من أهل الكلام عن الجادة وعن المنهاج الذي رسمه الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم هو تفريطهم في اتباع ما جاء به الكتاب والسنة، وإعراضهم عن كتاب الله وسنة رسوله، حيث اعتمدوا على غير الكتاب والسنة، وتركوا الكتاب والسنة وراءهم ظهرياً، واعتمدوا على العقول، ولهذا يقول المعتزلة: العقل هو الأصل الأصيل عندنا، حتى قال بعضهم في قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، قال: الرسول العقل. فاعتمدوا على العقول، فانحرفوا وأعرضوا عن الكتاب والسنة، كما أن الفلاسفة اعتمدوا على الفلسفة وأعرضوا عن الكتاب والسنة، وكما أن الصوفية اعتمدوا على علم الباطن وعلم الحقيقة، وأعرضوا عن الكتاب والسنة فضلوا وأضلوا، قال الله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:123-126].

    إذاً: فالسبب في ضلالهم وانحرافهم هو إعراضهم عن الكتاب والسنة، وتفريطهم في اتباع ما جاء به الكتاب والسنة، فلما أعرضوا ضلوا وانحرفوا، والواجب على المسلم اتباع ما جاء به الكتاب والسنة.

    وليس هناك طريق إلى الله، وإلى معرفة دينه، وإلى الوصول إلى جنته وكرامته، وإلى معرفة ما يرضي الرب إلا طريق الرسل، سدت الطريق الموصلة إلى الله إلا عن طريق الرسل، وآخر الرسل وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو حظنا من الرسل كما أننا حظه من الأمم، وليس لنا طريق يوصلنا إلى الله إلا من الطريق الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار) رواه الإمام مسلم في الصحيح، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم كاملة لا تحتاج إلى زيادة، وليس فيها نقص، فلا يجوز تركها، ولا يجوز استبدالها، ولا يجوز تغييرها وتبديلها.

    1.   

    بيان معاني التوحيد

    افتتح الإمام الطحاوي رحمه الله رسالته الطحاوية بقوله رحمه الله: [ نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره ].

    فتوحيد الله هو اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا إله غيره، فالله تعالى واحد لا شريك له في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في إلهيته واستحقاقه للعبادة، وهذا هو التوحيد، وهذا هو الإيمان بالله، وهو الاعتقاد بوجود الله، وأن الله سبحانه وتعالى موجود فوق السماوات وفوق العرش، وأن له ذاتاً، وأنه قائم بنفسه سبحانه وتعالى، وهو الحي القيوم القائم بنفسه المقيم لغيره سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255]، فهو الحي سبحانه وتعالى، وله ذات كريمة لا تشبه الذوات، فهو فوق العرش سبحانه وتعالى مستو عليه استواءً يليق بجلاله وعظمته.

    فالملاحدة الذين لم يثبتوا وجود الله من أكفر الناس، وكذلك الاتحادية الذين يقولون: إن الوجود واحد، والخالق والمخلوق واحد، فهؤلاء ما آمنوا بوجود الله، وكذلك الفلاسفة الذين أثبتوا وجود الله في الذهن، وكذلك المعطلة الذين نفوا الأسماء والصفات، ولم يثبتوا لله اسماً ولا صفة، ولا يمكن أن توجد ذات ليس لها اسم ولا صفة، وليس كذلك إلا العدم، فلابد من الإيمان بوجود الله، وأنه سبحانه وتعالى فوق العرش وفوق السماوات.

    ولابد من الإيمان بأن الله هو الرب وغيره مربوب، وأنه الخالق وغيره مخلوق، وأنه المالك وغيره مملوك، وأنه المدبِر وغيره المدبَر، وكذلك سائر أفعاله سبحانه وتعالى، فهذا هو توحيد الربوبية.

    وليس هناك خالق إلا الله، كما قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، وليس هناك رب إلا الله، فالله تعالى رب الأرباب، ورب العالمين، ورب الناس يربيهم بنعمه.

    وهو المدبر، المحيي المميت، المتصرف، منزل المطر، مسبب الأسباب، وهذه هي أفعال الرب، ولذا كان توحيد الله بأفعاله هو أن تعتقد بأن الله هو الخالق الرازق، المالك، المدبر، المحيي المميت، المتصرف، وهذا هو توحيد الربوبية.

    وكذلك توحد الله في أسمائه وصفاته، بأن تؤمن وتعتقد وتثبت لله الأسماء والصفات، وليست تلك الأسماء والصفات من عندك، بل المراد ما أثبته الله لنفسه في كتابه وفي السنة على لسان رسوله، ولا نخترع أسماء ولا صفات من عندنا، فإن الأسماء والصفات توقيفية، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وقد أثبت لنفسه السمع، وأثبت لنسفه البصر، فتثبت له السمع والبصر، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:20]، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:134]، وأثبت لنفسه العلم، فتثبت له العلم، قال تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282]، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12].

    وأثبت لنفسه الرضا، فتثبته، قال تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119].

    وأثبت لنفهس الكره، فتثبته، قال تعالى: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ [التوبة:46].

    وأثبت لنفسه السخط فقال: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المائدة:80]، فتثبت له السخط كما يليق بجلاله وعظمته، وهكذا نثبت جميع الأسماء والصفات التي وردت في الكتاب والسنة، ونؤمن بها، ونعتقد أن الأسماء حسنى، وأن الصفات عليا، وأن له الكمال، وأنه اتصف بها حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته، ولا نعرف الكيفية ولا الكنه، ولا نقول: هي صفات كصفاتنا، بل هي صفات تليق به، فالخالق له صفات تليق به، والمخلوق له صفات تليق به.

    ولابد من الإيمان بإلهية الله، فتعتقد أن الله هو المعبود المستحق للعبادة، وتتقرب إلى الله وتعبده بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله، فتمتثل الأوامر وتجتنب النواهي، وهذا يسمى توحيد الله بأفعال العباد، ويسمى توحيد العبادة، فتوحد الله بأفعالك أنت من صيام وصلاة وزكاة وحج وبر للوالدين وصلة للرحم وغير ذلك.

    فهذا هو توحيد الله بأفعال العباد، وهو الغاية المرضية لله تعالى، وهو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء والرسل مع أقوامهم، بخلاف توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فإنهما توحيدان فطريان، وهما وسيلة، والغاية أن توحد الله وتعبده.

    فإذا عرفت الله بأسمائه وصفاته وأفعاله فإنك تخصه وتفرده بالعبادة، وهذا هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء والرسل مع أقوامهم، فهم كانوا يقرون بربوبيته وبأنه الخالق المالك المدبر، ويقرون في الجملة بأسمائه وصفاته، لكن أنكروا أن يكون مخصوصاً بالعبادة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش: كلمة واحدة لو قلتموها لملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، فقالوا: لنعطينكها وأمثالها، فقال: قولوا: لا إله إلا الله، فنكص أبو جهل على عقبيه، وجعل ينفض يديه ويقول: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟! إن هذا لشيء عجاب، فكون المعبود واحداً أمر صعب وشاق عندهم، فالمعبودات متعددة، فبعض الكفار يعبدون اللات والعزى، واليهود يعبدون عزيراً، وهناك من يعبد النجم والقمر والشمس، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يخصوا الله بالعبادة، فقال: قولوا: (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق إلا الله.

    ومكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وترك عبادة ما سواه، ولم يشرع حينئذٍ من شرائع الدين إلا الصلاة، فقد فرضت قبل الهجرة بثلاث سنين -في أصح أقوال أهل العلم- لعظم مكانتها، فلما هاجر إلى المدينة شرعت سائر الشرائع، فشرع الأذان، وشرعت الزكاة، وشرع الصوم، وشرع الحج، وشرعت الحدود، لكن العقيدة هي أساس الدين وأساس الملة.

    ونوح عليه الصلاة والسلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى التوحيد، ويقول: قولوا: لا إله إلا الله، وصبر هذه المدة العظيمة الطويلة وهم لا يزدادون إلا عتواً وعناداً ويسخرون منه ويقولون: إنه مجنون، ويوصي بعضهم بعضاً بالكفر بنوح عليه الصلاة والسلام، حتى إن الأجداد يوصون الأحفاد بالكفر بنوح والعياذ بالله، ولم يؤمن معه في هذه المدة الطويلة إلا القليل، كما قال تعالى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40].

    وفي آخر الأمر أوحى الله إليه أنه لا حيلة فيهم، وأنه لن يؤمن أحد وراء من سبق، قال الله تعالى: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [هود:36]، فعند ذلك دعا عليهم، فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27].

    إذاً: فتوحيد العبادة وتوحيد الإلهية هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم، وهو أول واجب على المكلف، وهو الشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، فهذا أول واجب وأول منازل الطريق، وأول ما يسير فيه السائر إلى الله عز وجل، فيعبد الله ويوحد الله، وهو أول دعوة الرسل، وأول الدين وآخره وظاهره وباطنه، قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:65]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73]، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:85]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

    وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله).

    إذاً: أوجب الواجبات، وأول واجب، وأول مقام يسير فيه السالك إلى الله عز وجل هو توحيد الله وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له، ولهذا خلق الله الخلق، وبهذا بعث الله الرسل، وبهذا أنزل الله الكتب ليعبد وليوحد.

    ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وسيلة إلى عبادته وإفراده بالعبادة، فإذا عرفت الله بأسمائه وصفاته وأفعاله عند ذلك تخصه بالعبادة، وتفرده بها.

    فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ولهذا احتج الله سبحانه وتعالى على الكفار بأنهم وحدوا الله في ربوبيته، ويجب عليهم أن يوحدوا الله في عبادته، قال سبحانه: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:60-64]، فاحتج -سبحانه- بالشيء الذي يؤمنون به على الشيء الذي ينكرونه، فهم يعترفون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، فعليهم أن يعبدوه، قال سبحانه في أول الأوامر في القرآن الكريم في أول سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21]، فاحتج عليهم فقال: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22] فقال: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، ثم احتج عليهم بما يقرون به، فقال: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وكل هذا هم يعترفون به.

    فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات توحيدان فطر الله عليهما جميع الخلق، ولم يذهب إلى نقيضهما طائفة معروفة من بني آدم إلا ملحد.

    أما توحيد العبادة وتوحيد الإلهية فهو التوحيد الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء والرسل وأممهم.

    1.   

    الأسئلة

    حد الكبيرة

    السؤال: هل لنا أن نحكم على بعض المعاصي التي لم تكن في زمان من كان قبلنا بأنها من الكبائر؟

    الجواب: لا شك في أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر وصغائر بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء:31]، واختلف العلماء في عدد الكبائر، فقال بعضهم: هي سبع، وقال بعضهم: هي سبعون، وقال بعضهم: هي سبعمائة، وقال بعضهم: هي كل ما نهى الله عنه، وقال بعضهم: ما اتفقت الشرائع على تحريمه، ولكن أرجح تعريف للكبيرة -كما بين ذلك المحققون- هو كل ذنب توعد عليه بالنار أو اللعنة أو الغضب في الآخرة، أو وجب فيه حد في الدنيا، أو نفي عن صاحبه الإيمان، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من حمل علينا السلاح فليس منا) ، (من غشنا فليس منا)، والسرقة فيها حد، فهي من الكبائر، والزنا فيه حد، فهو من الكبائر، والقتل كذلك، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام)، فالنميمة توعد عليها، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10] فأكل مال اليتيم كبيرة، فهذا هو أرجح الأقوال، وعلى ذلك فكل ذنب نزنه بهذا الميزان، فإن كان فيه حد في الدنيا، أو نفي عن صاحبه الإيمان، أو ختم بنار أو لعنة أو غضب نقول: إنه كبيرة، وإن لم يكن كذلك نقول: إنه صغيرة.

    الفرق بين الأنبياء والرسل في الاتباع من حيث الكمال

    السؤال: ذكرتم في كلامكم أن هناك مفاضلة بين الأنبياء والرسل في الاتباع لأوامر الله سبحانه وتعالى، فنرجو توضيح ذلك؛ لأنه قد يشكل ذلك علينا، حيث إنا نعتقد أن الأنبياء لا يحصل منهم تقصير في الاتباع؟

    الجواب: الأنبياء والرسل لا يحصل منهم تقصير، ولكنهم يتفاضلون في منزلتهم عند الله عز وجل وفي الكمال، وهذا واقع بنص القرآن، قال الله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [الإسراء:55]، وقال سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253]، وقال سبحانه لنبيه: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35] فخص أولي العزم، فلا شك في أن الأنبياء منزلتهم عند الله متفاوتة، ومنزلة أولي العزم أفضل من غيرهم، فهم أكمل الناس في الاتباع، وإن كان الأنبياء كلهم متبعون، بل إن الصديقين والشهداء وسائر المؤمنين كلهم متبعون، وكلهم يحافظون، وقد سبق أن قلنا: إن السابقين بالخيرات هم الذين أدوا الفرائض وانتهوا عن المحارم، وتركوا المكروهات وفضول المباحات، وتقربوا إلى الله بالنوافل، فسائر المؤمنين يسابقون، لكن يتفاوتون في هذا، فمنهم الصديق ومنهم الشهيد، ومنهم الأنبياء في أعلى رتب المؤمنين، وهم أكمل الناس في الاتباع، والأنبياء يتفاوتون في الكمال، كما أن المؤمنين يتفاوتون في الكمال، وإن كانوا جميعاً كلهم متبعون.

    الإشراك بالله سبب بعثة نوح عليه السلام

    السؤال: عندما دعا نوح عليه السلام قومه، هل دعاهم على أنهم مشركون، أم دعاهم على أنهم جاهلون؟

    الجواب: دعاهم على أنهم مشركون، فقد انتشر الشرك في زمن نوح عليه الصلاة والسلام، وفي تفسير قوله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213] جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس وغيره: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد)، ثم حدث الشرك في قوم نوح، وجاء في صحيح البخاري في كيفية ذلك أنه كان في زمن نوح أناس صالحون هم: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، ثم ماتوا، وتقاربت وفاتهم، فحزنوا عليهم، فقالوا: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم، ثم لما طال الأمد وطال العهد وجاء أحفادهم بعدهم دب إليهم الشيطان وأوحى إليهم وقال لهم: إن آباءكم إنما صوروا هذه الصور لأنهم يستسقون بهم ويدعونهم، فعبدوهم من دون الله، فحدث الشرك في قوم نوح.

    فسبب الشرك في قوم نوح هو تصوير الصالحين، ثم الغلو والعكوف على قبورهم، فلما حدث الشرك بعث الله نوحاً عليه السلام، فهو أول رسول بعثه الله بعد الشرك، وإلا فآدم كان قبله، وهو نبي مكلف مرسل إلى بنيه، غير أنه ما وقع الشرك، وشيث كذلك نبي قبل نوح، غير أنه لم يقع الشرك في زمنه، فنوح أول رسول بعثه الله بعد وقوع الشرك، فدعا قومه إلى توحيد الله عز وجل، ومكث فيهم هذه المدة الطويلة -وهي ألف سنة إلا خمسين عاماً- يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك، يقول تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، فدعاهم إلى العبادة والتوحيد.

    كيفية لحوق التائب من ذنبه بالسابقين

    السؤال: ذكرت أن الناس أقسام، فمن وقعت منه معاصٍ في أول عمره ثم تاب واتصف بصفات السابقين، هل يلحق بهم؟

    الجواب: نعم، فمن تاب تاب الله عليه، وفي الحديث: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، فمن وقعت منه المعاصي ثم تاب فقد تكون حاله بعد التوبة أحسن من قبل التوبة، فإذا ندم وانكسر بين يدي الله، وتاب توبة نصوحاً، ثم أتبع ذلك بالإيمان والعمل الصالح؛ بدلت سيئاته حسنات فضلاً من الله وإحساناً، فالتائب إذا تاب تاب الله عليه، ومحى الذنب عنه، فإن زاد مع ذلك بأن آمن وعمل صالحاً وأكثر من الأعمال الصالحة بدلت سيئاته حسنات، قال الله تعالى في كتابه العظيم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70]، فتكون حاله بعد التوبة أحسن من حاله قبلها.

    وتبدل كل السيئات حسنات، فإذا تاب توبة نصوحاً ثم أدى الفرائض وانتهى عن المحارم، وترك المكروهات وفضول المباحات وسابق بالنوافل؛ صار من السابقين.

    حكم دعاء غير الله

    السؤال: هناك بعض الناس يقولون: (يا رسول الله! ويا شيخ فلان!) فهل يخرجون بذلك من الإسلام، وهل نقول: إنهم كفار؟

    الجواب: من دعا غير الله وطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله خرج من الملة، وصار من المشركين، كأن يقول: يا رسول الله! اشفع لي، يا رسول الله! خذ بيدي، يا رسول الله! اغفر ذنبي، أو يقول: يا عبد القادر الجيلاني ! أو: يا سيدي البدوي! أو: يا دسوقي! أو: يا نفيسة! المدد المدد، خذ بيدي، أنا في جوارك، اشفع لي، لا تخيب رجائي، فهذا كفر وردة، وخروج عن ملة الإسلام، ومن فعله صار من المشركين الوثنيين بعد أن كان من المؤمنين الموحدين، وإذا مات على ذلك صار من أهل النار، والعياذ بالله.

    فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، نقول: هذا لا يجوز، وإذا قال: الرسول صلى الله عليه وسلم يشفع، نقول: نعم يشفع، لكن لا تسأل الرسول الشفاعة، بل اسألها من الله، وقل: يا رب! شفع في نبيك، فإذا كان يوم القيامة وهو حي قادر فإنك تطلب منه الشفاعة، أما بعد وفاته فلا.

    فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، نقول: هذا شرك لا يجوز، فمن دعا غير الله فقد أشرك، وقد قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18].

    وإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، أو: يا رسول الله! أغثني، أو: يا رسول الله! فرج كربي، أو: يا رسول الله! المدد المدد، أو: يا عبد القادر ! أو: يا سيدي البدوي ! المدد المدد، خذ بيدي، لا تخيب رجائي، أنا في جوارك، فهذا شرك وردة، والعياذ بالله.

    أما إذا دعا حياً حاضراً قادراً فلا يكون ذلك شركاً، كأن تقول: يا فلان! أعني على إصلاح سيارتي، أعني على إصلاح مزرعتي، أعني على إصلاح البيت، ساعدني على السيارة، أقرضني، فلا بأس بذلك، لكن أن تدعو ميتاً أو غائباً لا يسمع فيما يقدر عليه إلا الله كفر وردة، كأن تدعوه لأن يفرج كربتك وهو ميت قد بليت عظامه وصارت تراباً، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13-14]، وقال سبحانه: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] وهم المشركون، وقال سبحانه: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، فنص الله على أن من دعا غير الله فهو كافر، قال تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، وقال: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر:13-14]، فسماه الله شركاً بنص القرآن، فمن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله كفر وأشرك وخرج من الملة، فإن تاب قبل الموت تاب الله عليه، فإن مات على هذا حبطت أعماله، وصار من أهل النار لفعله ذلك، نسأل الله العافية، وكذلك من ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، أو طاف بغير بيت الله تقرباً إليه.

    وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.