إسلام ويب

شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [11]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالحوض الذي ترد عليه أمة النبي عليه الصلاة والسلام، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، ويجب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين والميزان، والجنة والنار وأنهما مخلوقتان لا تفنيان.

    1.   

    الإيمان بالحوض

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم الإيمان بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضاً ترده أمته كما صح عنه، وأنه كما بين عدن إلى عمان البلقاء، وروي من مكة إلى بيت المقدس، وبألفاظ أخر (ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء). رواه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي بن كعب وأبو ذر وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو أمامة الباهلي وبريدة الأسلمي ].

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: ثم الإيمان بأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوضاً ترده أمته كما صح عنه، بل يجب الإيمان بالحوض، وهو في موقف القيامة حوض لنبينا صلى الله عليه وسلم، حوض طويل طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، كما جاء في الأحاديث، أوانيه عدد نجوم السماء، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك، يصب فيه ميزابان من نهر الكوثر في الجنة، وحوض نبينا صلى الله عليه وسلم في موقف القيامة جاءت في صفته الأحاديث المتواترة، كما أن الأحاديث في إثبات الشفاعة متواترة، وقد أنكرها الخوارج والمعتزلة مع أنها متواترة.

    والأحاديث المتواترة في السنة قليلة، تقارب خمسة عشر حديثاً، وإلا فالسنة كلها ثبتت في خبر الآحاد، وهو يشمل الغريب والعزيز والمشهور، فما رواه أقل من حد التواتر فهو خبر آحاد، وخبر الآحاد إذا صح السند وعدالة الرواة، ولم يكن فيه علة ولا شذوذ؛ فإنه مقبول صحيح يؤخذ به في العقائد والأعمال والأخلاق وكل شيء، خلافاً لأهل البدع الذين يطعنون في خبر الآحاد، والحوض من الأحاديث المتواترة، والأحاديث المتواترة قليلة كما سبق منها: حديث الشفاعة، ومنها حديث: (من بنى لله مسجداً)، ومنها حديث: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

    حوض النبي صلى الله عليه وسلم

    يقول المؤلف رحمه الله: [ وأنه كما بين عدن إلى عمان البلقاء ]، والبلقاء بلدة في فلسطين، تنسب إلى البلقاء لقربها منها، وروي من مكة إلى بيت المقدس، والحوض ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، ولهذا قال: رواه عبد الله بن عمر . رواه عنه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وعبد الله بن عمرو . رواه عنه أحمد والطبراني وعبد الله بن عمرو متفق عليه في البخاري ومسلم ، وأبي بن كعب . رواه عنه ابن أبي عاصم في السنة، وأبو ذر . رواه عنه مسلم وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه عنه مسلم بلفظ مقارب لما سبق، وأبو أمامة الباهلي . رواه عنه أحمد في المسند والسنة لـابن أبي عاصم .

    وهذه الأحاديث التي جاءت في تحديد الحوض بعضها كما سبق من عدن إلى عمان البلقاء، وبعضها من مكة إلى بيت المقدس، وبعضها من جرباء إلى أذرح، وهذا الاختلاف ليس فيه اضطراب، ولا يدل على التعارض؛ لأن هذا وقع في أحاديث متعددة وليس في حديث واحد، كما بين ذلك القاضي عياض والقرطبي رحمهما الله، وظن بعض الناس أن هذا الاختلاف في التقدير في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف، وليس كذلك، وإنما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيه ستة ألفاظ مختلفة، يخاطب كل طائفة بما كانت تعرفه من مسافات في مواضعها، فيقول مثلاً لأهل الشام: (ما بين جرباء إلى أذرح) ولأهل اليمن: (من صنعاء إلى عدن).. وهكذا، وتارة يقدر بالزمان، فيقولك (مسيرة شهر).

    قال الحنفي في شرح الطحاوية: (الذي يتخلص في الأحاديث الواردة في صفة الحوض أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتساع، عرضه وطوله سواء، كل زاوية من زواياه مسيرة شهر).

    ويقول ابن أبي العز : (إن الخوارج والمعتزلة أنكروا الحوض وأحرى بهم أن يذادوا عن الحوض ويطردوا عنه، وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا فرطكم على الحوض)، وقال: (يرد علي أناس من أمتي أعرفهم ويعرفوني، فيحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي -وفي لفظ: أصيحابي.. أصيحابي- فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي) يعني: بعداً بعداً.

    فهذا يدل على أن المراد بأصحابي هم بعض الأعراب الذين ارتدوا، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، وأما الصحابة رضوان الله عليهم فقد ثبت الإيمان في قلوبهم، لكن بعض الأعراب لم يدخل الإيمان في قلوبهم، ففيهم المرتدون والمنافقون والكفار، فكل هؤلاء لا يردون على الحوض فيطردون ويذادون نسأل الله السلامة والعافية.

    1.   

    وجوب الإيمان بعذاب القبر وبسؤال الملكين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والإيمان بعذاب القبر حق واجب، وفرض لازم، رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأبو أيوب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبو هريرة وأبو بكرة وأبو رافع وعثمان بن أبي العاص وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأختها أسماء وغيرهم. وكذلك الإيمان بمساءلة منكر ونكير ].

    الإيمان بعذاب القبر حق واجب كما ذكر المؤلف رحمه الله، فيجب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، واتساعه وتضييقه، وسؤال منكر ونكير فيه، وقد ثبتت الأدلة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فمن القرآن قول الله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]، ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فدل على أن العرض هذا يكون في القبر، يعرضون عليها غدواً وعشياً، وقال سبحانه وتعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال:50]، هذا من أدلة عذاب القبر.

    ومن الأدلة على النعيم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]، هذا النعيم يكون عند الموت إلى قيام الساعة.

    وكذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93]، هذا دليل على عذاب القبر.

    ومن أدلة عذاب القبر حديث ابن عباس في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين قال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).

    وكذلك أيضاً حديث البراء بن عازب الذي فيه قبض روح المؤمن وقبض روح الفاجر، وأن المؤمن ينزل عليه ملائكة بيض الوجوه معهم حنوط من الجنة وكفن من الجنة، والفاجر تأتي إليه ملائكة العذاب ومعهم المسوح، فيقبضون روحه وينتزعونها نزعاً شديداً كما ينتزع السفود من الصوف المبلول.

    وكذلك أيضاً سؤال منكر ونكير فإنهما يسألان الميت عن ربه ودينه ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ويضل الله الظالمين، ولهذا ذكر العلماء عذاب القبر ونعيمه، وأنه تواترت فيه الأخبار.

    قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية: (فعذاب القبر ونعيمه من الأمور الغيبية، التي وردت في إثباتها النصوص الشرعية، فلا يسعنا إلا الإيمان بها والتسليم بمقتضاها).

    يقول ابن أبي العز : قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ذلك، والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته؛ لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكن قد يأتي بما تحار به العقول، فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد إليه الروح إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا.

    وجاء تسمية منكر ونكير في بعض الأحاديث، أنه إذا قبر الميت أتاه ملكان أزرقان أسودان، يقال لأحدهما: منكر والآخر نكير، وأثبت أهل السنة والجماعة عذاب القبر ونعيمه، وأنكر ذلك الجهمية، والجهمية ملاحدة ولاسيما غلاتهم فلا عبرة بخلافهم.

    ولهذا يقول المؤلف رحمه الله: [ والإيمان بعذاب القبر حق واجب وفرض لازم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأبو أيوب وزيد بن ثابت وأنس بن مالك وأبو هريرة وأبو بكرة وأبو رافع وعثمان بن أبي العاص ].

    حديث علي بن أبي طالب . رواه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه، وحديث أبي أيوب الأنصاري . رواه البخاري في صحيحه، وحديث زيد بن ثابت . رواه مسلم في صحيحه، وحديث أنس بن مالك . رواه البخاري في صحيحه، وحديث أبي هريرة رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز، وحديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رواه الإمام أحمد في مسنده وابن أبي شيبة في مصنفه، وحديث أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن خزيمة وعثمان بن أبي العاص ، وحديث عبد الله بن عباس رواه البخاري في صحيحه ومسلم في صحيحه، وحديث جابر بن عبد الله رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وحديث عائشة رواه البخاري ومسلم ، وكذلك حديث أسماء .

    1.   

    الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً

    قال المؤلف رحمه الله: [ والإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً، خلقتا للبقاء لا للفناء، وقد صح في ذلك أحاديث عدة ].

    الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبداً، خلقتا للبقاء لا للفناء، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، فقد اتفقوا على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأن خلقهما سبق خلق آدم عليه الصلاة والسلام، والأدلة على وجودها الآن كثيرة من الكتاب ومن السنة، فمن الأدلة على وجود الجنة قول الله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133].. أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21].

    ومن الأدلة على وجود النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].. إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ:21].

    ومن أوضح الأدلة على خلق الجنة، قصة آدم عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى له: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35]، ومن السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة وبالعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة).

    وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها، والفاجر يفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها.

    فالجنة موجودة الآن، وفيها الولدان والحور، ومما يدل على ذلك حديث الكسوف: (لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف فتقدم وتقدمت الصفوف، وكأنه يتناول شيئاً، ثم تكعكع وتكعكعت الصفوف، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! رأيناك تقدمت وتأخرت، قال: إني رأيت الجنة فتناولت عنقوداً ولو أصبته لأخذتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء)، والحديث رواه البخاري في صحيحه في باب الكسوف.

    وقالت المعتزلة والقدرية: إن الجنة والنار معدومتان، وإنما تخلقان يوم القيامة، وقالوا: إن وجودهما الآن ولا جزاء عبث، والعبث محال على الله! هكذا صاروا يحكمون عقولهم ويتبعون آراءهم وأهواءهم، يقولون: إن الجنة والنار كونهما يخلقان الآن ولا جزاء فيهما عبث في وجودهما، والعبث محال على الله، وإنما تخلقان وتنشآن يوم القيامة، وهذا باطل، وسنذكر الأدلة على أنهما موجودتان الآن، وأرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكفار في النار، يفتح باب للميت إلى الجنة، ويفتح باب للفاجر إلى النار، ولكن المعتزلة والقدرية يحكمون عقولهم وآراءهم الفاسدة.

    وهما موجودتان باقيتان دائمتان لا تفنيان، وذهبت الجهمية إلى أنهما تفنيان يوم القيامة. وهذا من أبطل الباطل، ونسب لبعض السلف أن الجنة باقية، ولكن النار إذا مضى عليها مدة متطاولة تفنى، ولكن هذا قول ضعيف مرجوح، والصواب أنهما باقيتان دائمتان، وأما قول الجهمية أنهما تفنيان فهذا من أبطل الباطل، وقد رد عليهم أهل السنة وبدعوهم.

    وقال أبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة في القرن الثالث: تفنى حركات أهل الجنة والنار وتكون كالحجارة، وهذا من أبطل الباطل، وقول فاسد، والصواب الذي عليه أهل الحق والذي تدل عليه النصوص: أن الجنة والنار دائمتان باقيتان لا تفنيان، باقيتان بإبقاء الله لهما أبد الآباد.

    1.   

    وجوب الإيمان بالميزان

    قال المؤلف رحمه الله: [ والإيمان بالميزان، قال الله عز وجل: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47] ].

    يجب الإيمان بالميزان، وأنه ميزان حسي له كفتان عظيمتان ولسان، الكفة أعظم من أطباق السماوات والأرض، والأدلة على هذا كثيرة منها: ما ذكره المؤلف في الآية التي استدل بها: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47]، ومنها: قال سبحانه: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:6-11]، وقال سبحانه: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102-103]، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105])، وثبت في الصحيح (أن ابن مسعود رضي الله عنه كان دقيق الساقين، فكشفت الريح عن ساقيه فضحك الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مم تضحكون؟ قالوا: يا رسول الله! من دقة ساقيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد).

    وأهل السنة والجماعة متفقون على إثبات الميزان، وأنه ميزان حسي، ومن الأدلة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه: (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).

    وهو ميزان حسي له كفتان حسيتان توزن فيهما أعمال العباد، حسنها وسيئها.

    وأنكرت المعتزلة الميزان الحسي، وقالوا: إنه ليس ميزاناً حسياً، ولكنه ميزان معنوي المراد به العدل، وقالوا: إنه لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال، وأما الرب فلا يحتاج إلى الميزان، وتأولوا بأن المراد به العدل، ولهذا يقول: ابن أبي العز الحنفي : (فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام، فإن الله يقلب الأعراض أجساماً، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط في يوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال أو الفوال، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً، ولو لم يكن من الحكمة وزن الأعمال إلا ظهور عدل الله لجميع عباده لكفى فلا أحد أحب عليه العذر من الله، ومن أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه).

    اختلف العلماء هل هناك موازين متعددة أم أنه ميزان واحد على قولين:

    من العلماء من قال: إن لكل شخص ميزاناً، وقيل: إنه ميزان واحد عظيم كفتاه عظيمتان، وأما قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ [الأنبياء:47] فجمعت موازين بالنسبة إلى الأعمال الموزونة، كما جاءت الأدلة بأن لكل نبي من الأنبياء حوضاً ترد عليه أمته، ولكن حوض نبينا صلى الله عليه وسلم أعظمها وأكثرها وارداً.