إسلام ويب

شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [5]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يثبت أهل السنة لله تعالى صفة اليد كما أثبتها لنفسه سبحانه وكما أثبتها له نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما يثبتون أن لله يدين وأن كلتا يديه يمين مباركة، ومن قال: إن يد الله هي قدرته أو نعمته فإن كلامه باطل ومردود وهذا قول المعطلة من معتزلة وأشاعرة.

    1.   

    إثبات صفة اليدين لله عز وجل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن صفاته سبحانه الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان، قال الله عز وجل: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، وقال عز وجل: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التقى آدم وموسى فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت موسى، كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته، فبكم وجدت في كتاب الله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121]؟ قال: بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى) ].

    سبق الكلام على بعض الصفات مثل: صفة الاستواء، والعلو، والوجه، والنزول، ثم تكلم المؤلف رحمه الله على صفة اليدين، وقال: (ومن صفات الله سبحانه وتعالى الواردة في كتابه العزيز، الثابتة عن رسوله المصطفى الأمين: اليدان)

    إثبات صفة اليدين من الكتاب العزيز

    اليدان صفة لله عز وجل، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب العزيز، وبالسنة المطهرة، وقد استدل المؤلف رحمه الله بآيتين من كتاب الله عز وجل، الأولى: قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] فيها إثبات اليدين لله عز وجل، وأضاف الضمير إليه سبحانه: (بل يداه مبسوطتان) والآية فيها الرد على اليهود قبحهم الله، الذين حكى الله عنهم قولهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64].

    والآية الثانية: قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] فالآيتين فيهما إثبات اليدين لله.

    ووجه الدلالة: أن الله تعالى أثبت لنفسه يدين اثنتين، وأضافهما إلى نفسه الكريمة بضمير الإفراد، وهي (بل يداه مبسوطتان) يعني: الرب سبحانه وتعالى، والآية الأخرى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي).

    معنى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)

    قول الله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47] هذه الآية ليست من آيات الصفات، ومعنى قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأييد) أي: بقوة وقدرة؛ لأنها من آد يئيد ولم يضفها الرب سبحانه وتعالى إلى نفسه بضمير الإفراد، بل قال: (والسماء بنيناها) بلفظ الجمع (بأيد) وهذا اللفظ يدل على القوة والعظمة، ولهذا فإن معنى الآية: (والسماء بنيناها بأييد) أي: بقوة وقدرة؛ ولأن الله أتى بصيغة الجمع التي تفيد التعظيم، بخلاف هاتين الآيتين، فإن الله تعالى قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] أتى باليدين بصيغة التثنية، وأضافها إلى ضمير نفسه المفرد.

    وكذلك الآية الأخرى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] هذا خطاب خاطب الله تعالى به إبليس عندما امتنع من السجود لآدم، قال الله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص:75].

    إثبات صفة اليدين من السنة المطهرة

    واستدل المؤلف رحمه الله أيضاً على إثبات صفة اليدين لله بالسنة، فاستدل بحديث أبي هريرة رضي الله عنه في احتجاج آدم وموسى، وهذا الحديث رواه البخاري رحمه الله في الصحيح في عدة مواضع؛ في كتاب التفسير، وفي كتاب القدر، وفي كتاب التوحيد، وكذلك رواه الإمام مسلم في كتاب القدر: باب احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، ورواه أبو داود في سننه في كتاب السنة، والترمذي في كتاب القدر: باب ما جاء في احتجاج آدم وموسى، ورواه ابن ماجة في مقدمة باب القدر.

    ووجه الدلالة من الحديث: في قول موسى عليه الصلاة والسلام لأبيه آدم: (يا آدم أنت أبونا خلقك الله بيده) فأضاف اليد إلى نفسه أي: إلى الله بضمير الإفراد، (قال موسى: يا آدم! أنت أبونا، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه)، وهذا الحديث يعرف بحديث احتجاج آدم وموسى.

    الأوصاف التي اختص الله بها آدم

    قوله: (فقال موسى لآدم: أنت أبونا خلقك الله بيده) فموسى هنا يذكر فضائل أبيه آدم وخصائصه. (يا آدم أنت أبونا خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته) هذه ثلاثة أوصاف اختصها الله بآدم: فخلقه بيده، وخلق الخلق كلهم بقدرته كما قال سبحانه: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، لكن آدم له ميزة وله خصوصية وهي: أن الله خلقه بيده، فهذه ميزة وخصوصية وتشريف أي: فيها تشريف وتكريم لآدم من بين المخلوقات.

    وكذلك نفخ فيه من روحه، يعني: من الروح التي خلقها، والإضافة هنا إضافة مخلوق إلى خالقه، وهي إضافة تشريف وتكريم.

    قوله: (نفخ فيك من روحه) أي: من الروح التي خلقها، وأضافها إليه للتشريف، كما يقال عن عيسى: روح الله، أي: روح من الأرواح التي خلقها الله، وكما تضاف الكعبة إلى الله فيقال: بيت الله، ويقال عن ناقة صالح: ناقة الله، وهي مخلوقة، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه للتشريف والتكريم.

    كذلك قوله: (ونفخ فيك من روحه) أي: من الروح التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وأضافها إلى نفسه للتشريف.

    وقوله: (وأسجد لك ملائكته)، هذه كلها خصائص لآدم.

    ومعنى الحديث: أنه لما التقى آدم وموسى قال موسى: يا آدم! أنت ميزك الله بهذه الميزات، وخصك بهذه الفضائل العظيمة: (خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته: خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) وفي لفظ آخر: (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة) مع أن الله أعطاك هذه الخصائص، وهذا من غيرة موسى عليه السلام، فهو يريد أن يقول: أنت السبب في خروجنا من الجنة.

    الأوصاف التي اختص الله بها موسى

    قال آدم: (أنت موسى كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته) آدم ذكر الخصائص أيضاً فقال: (كلمك الله تكليماً) أي: كلمه الله من وراء حجاب من غير واسطة.

    وقوله: (وخط لك التوارة بيده) هذا فيه إثبات صفة اليد أيضاً، والحديث فيه إثبات صفة اليد في موضعين، في قول موسى: (خلقك الله بيده) وفي قول آدم: (وخط لك التوراة بيده).

    ثم قال: (واصطفاك برسالته) فموسى ذكر لآدم ثلاث خصائص، وآدم ذكر لموسى ثلاث خصائص وهي: (كلمك الله تكليماً، وخط لك التوراة بيده، واصطفاك برسالته).

    تقدير الخلق وكتابته في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض

    ثم قال آدم: (فبكم وجدت في كتاب الله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] قال موسى: بأربعين سنة) وهذا هو تقدير الخلق مأخوذ من القدر المكتوب في اللوح المحفوظ؛ لأن اللوح المحفوظ مكتوب فيه كل شيء.

    كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها قال الله تعالى: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، وقال سبحانه: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، والإمام: هو أيضاً اللوح المحفوظ، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ. وفي الحديث: (لما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: يا رب! وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء فجرى بذلك الأمر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من الذوات والصفات والحركات والسكنات مكتوب فيه.

    أنواع التقدير

    أما قوله تعالى: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59]، فهذا تقدير مأخوذ من القدر السابق بأربعين سنة.

    وقول آدم: (فبكم وجدت في كتاب الله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] قال: بأربعين سنة).

    هذا تقدير خاص، وهو غير التقدير العام لجميع المخلوقات في اللوح المحفوظ وهو: التقدير العمري، وذلك أنه إذا مضى عليه أربعة أشهر في بطن أمه أرسل الله إليه الملك، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، وهناك تقدير سنوي، وهو: التقدير في ليلة القدر: يقدر فيها ما يكون في السنة من صحة وإعزاز وإشقاء وإبعاد وفقر وغنى.

    وهناك تقدير يومي، ويدل عليه قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، يعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويغني ويفقر، ويحيي ويميت سبحانه وتعالى.

    قوله: (قال آدم لموسى: فبكم وجدت في كتاب الله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121]، قال: بأربعين سنة، قال آدم: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى) وفي لفظ: أنه كررها ثلاثاً: (فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى) يعني: غلبه بالحجة.

    الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على الذنوب والمعايب

    ما هو الذي لام موسى آدم عليه؟ هل لامه على الذنب؟ لا؛ لأن الذنب قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإنما لامه على المصيبة التي حصلت له وسببت خروجه من الجنة، فاحتج آدم بالقدر، قال: المصيبة مكتوبة علي، والاحتجاج بالقدر على المصائب قال تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156] ويقول من نزلت عليه المصيبة: قدر الله وما شاء فعل، لكن الاحتجاج بالقدر على الذنب لا يجوز وليس بحجة، ولو كان القدر حجة في فعل الذنب لكان حجة للكفرة، ولبطل التشريع، فهذا الحديث فيه إثبات اليد لله في موضعين: في قول موسى: (خلقك الله بيده)، وفي قول آدم: (وخط لك التوراة بيده)، ففي هذين الموضعين إثبات اليد لله.

    بيان أنواع الفرق التي ضلت في باب القدر

    وهذا الحديث أيضاً في إثبات القدر، واحتج به بعضهم على رفع الذم والعقاب عمن عصى الله، وهم الجبرية، وهذا باطل، وبعضهم قال: إن هذا الحديث يقتضي رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله، وكلاً من الطائفتين قد ضلت سواء السبيل، وبعض المبتدعة -وهم الجبرية- استدلوا بهذا الحديث على الاحتجاج بالقدر، وقالوا: القدر حجة للعاصي، أي: العاصي أو الإنسان مجبور على أفعاله، فلا يلام عليها، وهذا من أبطل الباطل.

    وطائفة أخرى رفعوا اللوم والذنب والعقاب عن العاصي، وهم القدرية، وطائفة رفعت اللوم والذنب دون العقاب عن العاصي واحتجوا بالقدر، وطائفة كذبت بالقدر وهم المعتزلة، وقالوا: إن الله تعالى لم يقدر أفعال العباد، وإنما العباد هم الخالقون لأنفسهم أفعالاً سواء أكانت خيراً أم شراً .. طاعة أم معصية، والله تعالى لم يخلق أفعال العباد! فلهذا إنما يلام ويعذب الإنسان على فعله. وقابلتهم الجبرية فقالوا: إن الإنسان مجبور على أفعاله، ولهذا ألف شيخ الإسلام رحمه الله رسالة شرح فيها هذا الحديث، وقال: إن هذا الحديث ضلت فيه طائفتان: طائفة كذبت بالقدر لما ظنوا أنه يقتضي رفع الذنب والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شر من هؤلاء جعلوا القدر حجة، وقد يقولون: القدر حجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، وهم الصوفية الذين يسمون أنفسهم أهل الحقيقة، ولا يرون أن لهم فعلاً، بل يلغون أفعالهم ويجعلونها أفعالاً لله! ويقولون: إن الإنسان إذا شهد الحقيقة رفع عنه التكليف فلا يؤمر ولا ينهى، وصار من الخاصة الذين تجاوزوا مرتبة العامة، فلا تكليف عليهم! وهذا من أبطل الباطل، ومن قال: إن أحداً يسقط عنه التكليف وعقله معه -ما عدا الحائض والنفساء في الصلاة خاصة- فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً، فلا يوجد أحد يسقط عنه التكليف، إلا إذا زال عقله كالصبي، والشيخ المخرف، والمجنون؛ هؤلاء مرفوع عنهم القلم، وأما من عداهم فلا، وكل واحد مكلف حتى يموت، قال تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، فمن اعتقد أن أحداً يسقط عنه التكليف وعقله معه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتداً.

    أما هؤلاء الجبرية والملاحدة كالصوفية وغيرهم فيرون أن الإنسان إذا تجاوز مرتبة العامة وصار من أهل الحقيقة وألغى صفاته وأفعاله، وجعلها صفات لله سقط عنه التكليف ويستدلون بقوله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، ولا يفسرون اليقين بالموت، بل المرتبة العلية عندهم التي يصل إليها بعضهم بزعمهم.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من الناس من يقول في هذا الحديث: إنما حاج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة أخرى؛ أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الآخرة، وكل هذا باطل، والصواب أن موسى عليه الصلاة والسلام لام أباه لأجل المصيبة التي لحقتهم فقال له: (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟) لم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنباً وتاب منه؛ فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب أيضاً، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر:55]، ولا يزال أهل العلم يبينون معنى هذا الحديث، ويردون على من لم يفهم هذا الحديث من المعتزلة الذين يقولون بخلق أفعال العباد، ومن الجبرية الذين يقولون: إن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإمام ابن القيم رحمه الله قال: إن هذا الحديث فيه رد على من لم يفهمه من المعتزلة كـأبي علي الجبائي ومن وافقه، وقال: لو صح لبطلت نبوة الأنبياء، أي: لو صح الاحتجاج بالقدر لبطلت نبوة الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي، فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له حجة في القدر السابق ارتفع اللوم عنه، وهذا من ضلال أهل البدع، وجهلهم بالله ورسوله وسنته.

    تأويل المبتدعة (اليد) بالقدرة أو النعمة والرد عليهم

    وأهل البدع يؤولون اليد بالقدرة، وبعضهم يؤولونها بالنعمة، وكلاهما باطل، فلو أولها المبتدع بالقدرة كان معنى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] أي: بقدرتي، وبهذا يفسد المعنى فلا يكون فيه ميزة لآدم على غيره، والقدرة واحدة لا اثنتان، وكذلك إذا فسرها بالنعمة كان المعنى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بنعمتي! مع أن النعم كثيرة لا اثنتان، فنعم الله لا تعد ولا تحصى كما قال سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] فتأويل أهل البدع لليد: بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى، ولا يستسيغه عاقل.

    الرد على أهل التكييف والتشبيه والتعطيل والتأويل في صفة اليد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلا نقول يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة من غير تحديد ولا تشبيه، ولا يصح حمل اليدين على القدرتين؛ فإن قدرة الله عز وجل واحدة، ولا على النعمتين؛ فإن نعم الله عز وجل لا تحصى، كما قال عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] ].

    الحافظ عبد الغني رحمه الله من أهل السنة والجماعة ، ولذا يقول: إننا معشر أهل السنة والجماعة لا نقول: يد كيد، ولا نقول: يد الله كيد المخلوق، فهذا تشبيه، والأول تمثيل، والله ليس كمثله شيء، فلا نكيف أي: نقول: إن يد الله كيفيتها كذا، ولا نشبه كأن نقول: إن يد الله تشبه كذا وكذا، فكل هذا باطل، وكل هذا من طريقة المبتدعة من أهل التمثيل، والتكييف، والتشبيه.

    قوله: (ولا نتأول اليدين على القدرتين)؛ لأن هذه طريقة أهل التأويل والتحريف.

    فلا نتأول اليدين بالقدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم، فبعضهم يتأول اليد بالقدرة، واليدان عندهم: القدرتان أو النعمتان، وهذا من أبطل الباطل، كما بين المؤلف رحمه الله، وتأويل اليد بالقدرة فيه إبطال للخصائص التي خص الله بها بعض مخلوقاته، فآدم خصه الله بأن خلقه بيده، فإذا فسرت اليد بالقدرة يكون المعنى: لما خلقت بقدرتي، فتزول الخصيصة؛ لأن إبليس مخلوق بقدرة الله! فإذا كان إبليس مخلوق بقدرة الله وآدم مخلوق بقدرة الله زال التفضيل لآدم، والله تعالى فضل آدم بقوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وكذلك: خط الله التوارة لموسى بيده، فإذا قيل: اليد القدرة، أي: خط الله التوراة بقدرته، زالت الخصوصية.

    وكذلك أيضاً تأويل اليد بالقدرة أو بالنعمة يفسد به المعنى؛ لأن الآية وردت بصيغة التثنية فيكون المعنى: لما خلقت بنعمتي أو بقدرتي، والنعم ليست اثنتان، وإنما نعم الله لا تعد ولا تحصى، ونعم الله مخلوقة، وأما يداه فهما صفة له عز وجل، وكذلك القدرة صفة أخرى غير اليد، والقدرة واحدة فلا يقال: خلقت بقدرتي، فإنما هي قدرة واحدة، وبهذا تبين أن تأويل أهل الباطل اليد بالقدرة أو النعمة تأويل باطل.

    كما أن التمثيل والتكييف مذهبان باطلان، فأهل التمثيل لليد بأيدي المخلوقين مشبهة، بل من غلاة المشبهة من الشيعة والبيانية والسالمية، والبيانية هم أتباع بيان بن سمعان التميمي ، والسالمية هم أتباع هشام بن سالم الجواليقي وداود الجواربي وغيرهم من غلاة الشيعة المشبهة، هؤلاء يقول أحدهم: لله يد كيدي! ووجه كوجهي! واستواء كاستوائي! وهذا من أبطل الباطل، وهؤلاء كفار؛ لأن من شبه الله بخلقه كفر؛ ولهذا قال أئمة أهل السنة والجماعة: من شبه الله بخلقه كفر، ومن مثل الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ذلك التشبيه، وهذا مروي عن نعيم بن حماد الخزاعي وغيره من أئمة السلف، كلهم قالوا: من شبه الله بخلقه كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله كفر.

    وجوب الإيمان بالصفات الواردة في الشرع وإثباتها

    وقوله: (بل نؤمن بذلك ونثبت له الصفة) أي: نثبت ما أثبته الله لنفسه من الصفات، (من غير تحديد) يعني: من غير تحديد لكيفية الصفة، يعني: لا يحدد كيفيتها؛ لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله، فالسلف يثبتون الصفة، ويثبتون معانيها الظاهرة، وينفون المشابهة والكيفية.

    (ولا تشبيه) يعني: لا نشبه، فنقول: يد الله تشبه يد المخلوق.

    (ولا يصح حمل اليدين على القدرتين) كما يقوله أهل التأويل. من المعتزلة والأشاعرة، فإن قدرة الله عز وجل واحدة، اليدان مثنى فكيف تؤول اليدان بالقدرتين؟!

    (ولا على النعمتين) نعم الله عز وجل لا تحصى كما يقول المؤلف فإذا أولت اليدين بالنعمتين فيكون معنى الآية: (لما خلقت بنعمتي)، فصار فيه حصر للنعم بأنها اثنتان، ومعلوم أن نعم الله لا تعد ولا تحصى، ثم إن النعم مخلوقة، وصفات الله ليست مخلوقة، كما قال الله عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34].

    1.   

    وجوب الإيمان بكل ما ثبت في الكتاب وصح في السنة من الصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكل ما قال الله عز وجل في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل: المحبة، والمشيئة، والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين ].

    قوله: (وكل ما قال الله عز وجل في كتابه، وصح عن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل) فإنا نؤمن بها، يعني: كل هذه الصفات نثبتها لله عز وجل ونقبلها، كل ما قال الله عز وجل في كتابه من الصفات، وكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الثابتة بنقل الراوي العدل عن العدل ويكون السند متصلاً، ولا يكون الحديث شاذاً ولا معلولاً.

    وتعريف الحديث الصحيح هو: أن يرويه عدل عن عدل، والعدل: هو ما اجتمع فيه أمران: العدالة في الدين, وفي الضبط، فإذا كان ضابطاً في النقل ولم يكن مجروحاً في دينه، فهذا هو العدل، والضابط: يجب أن يكون سليماً في دينه، فإذا كان الرواة كلهم عدول من أول السند إلى آخره، وكان السند متصلاً، ولم يكن شاذاً، ولا معللاً، فإن الحديث يكون صحيحاً، فالمؤلف يقول: إذا كان الحديث صحيحاً، بأن رواه العدل عن العدل، واتصل السند، مع كمال الضبط، ولم يكن شاذاً، ولا معللاً، فإنا نقبله، ونثبت الصفات التي وردت في هذا الحديث.

    1.   

    أمثلة لبعض الصفات الثابتة في الوحيين

    مثل المؤلف لهذه الصفات الواردة في الوحيين فقال: مثل المحبة، والمشيئة، والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا فهذه أمثلة للصفات، وهذه الصفات بعضها ثابت بالكتاب والسنة، وبعضها ثابت بالسنة فقط.

    إثبات صفة المحبة لله من الكتاب والسنة

    المحبة ثابتة بالكتاب والسنة، ومن أدلة إثباتها في الكتاب: قول الله عز وجل: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4]، ومن أدلة إثباتها في السنة حديث: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) رواه البخاري في صحيحه في مواضع، وفي كتاب بدء الخلق، وفي كتاب الأدب، وفي كتاب التوحيد، ورواه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة.

    فنثبت المحبة لله عز وجل -لأنها ثابتة في الكتاب والسنة- خلافاً لأهل البدع -على ما يليق بجلاله وعظمته، فهو لا يماثل المخلوقين في محبتهم، وأما أهل البدع من الأشاعرة فإنهم أولوها بالإرادة، قالوا: أحب، يعني: أراد، وهي من الصفات السبع التي يثبتونها وهي: الحياة، والكلام، والبصر، والسمع، والعلم، والقدرة، والإرادة، وما عدا هذه الصفات السبع فإنهم يسلكون فيها أحد مسلكين:

    إما أن يردوها إلى الصفات السبع، وإما أن يتأولوها بأثر الصفة في بعض المخلوقات، من النعم والعقوبات.

    فمثلاً: الرضا، يؤولونه بالثواب، والثواب أثر عن الرضا، والغضب، يؤولونه بالانتقام، والانتقام أثر عن الغضب.

    والثواب مخلوق، والانتقام مخلوق، فهم أولوها ببعض المخلوقات، أو بردها إلى الصفات السبع، وهنا يقولون: المحبة، معناها: أراد أن يحب، فتأولوها بالإرادة.

    إثبات صفتي المشيئة والإرادة لله من الكتاب والسنة

    المشيئة ثابتة بالكتاب العزيز، وبالسنة المطهرة، ومن أدلتها من الكتاب قول الله تعالى: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [الكهف:39]، وقال سبحانه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا [البقرة:253]، وقال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253].

    وكذلك الإرادة ثابتة بقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253]، وقال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].

    قال سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، والإرادة نوعان بخلاف المشيئة:

    النوع الأول: إرادة كونية خلقية ترادف المشيئة، أي: أن المشيئة والإرادة الكونية واحدة وهي تتعلق بكل ما يشاء الله فعله وإحداثه، فهو سبحانه إذا أراد شيئاً وشاءه كان هذا الشيء عقب إرادته هذه، كما قال سبحانه: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وهذه الأوامر الكونية الخلقية ترادف المشيئة.

    النوع الثاني: إرادة دينية شرعية تتعلق بما يأمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه، وهذه هي المذكورة في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، وفي قوله عز وجل: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، هذه إرادة دينية شرعية، وقد جمع الله بين الإرادتين في قوله عز وجل: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، والإرادتان تجتمعان في حق المؤمن المطيع وتنفرد الإرادة الكونية في حق العاصي والكافر، ففي حق العاصي تكون الإرادة الكونية، وفي حق المؤمن تجتمع الإرادتان، وفي الإرادة الكونية لا يتخلف ما قضاه الله وأراده، بخلاف الإرادة الدينية الشرعية، فقد تحصل وقد لا تحصل، فالله تعالى أراد الإيمان من أبي بكر كوناً وقدراً، وأراده من أبي بكر ديناً وشرعاً فوقع، وأراد الإيمان من أبي لهب ديناً وشرعاً، ولم يرده كوناً قدراً، فوقعت الإرادة الكونية، ولم تقع الإرادة الدينية، فالله تعالى أراد من العباد أن يعبدوه، ويوحدوه، ويخلصوا له العبادة، وأراد منهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، لكن أراده ديناً وشرعاً، أما كوناً وقدراً فله الحكمة البالغة فمن الناس من أراد منهم أن يعبدوه لحكمة بالغة، ومنهم من أراد ألا يعبدوه، فوقعت الإرادة الكونية والإرادة الدينية في حق المؤمن والمطيع، وتخلفت الإرادة الدينية في حق العاصي والكافر، ولهذا فإن قوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] إرادة دينية شرعية، ولو كانت إرادة كونية لأسلم كل أهل البيت لكن نجد أن: أبا لهب لم يسلم، إذاً: قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، هو إرادة كونية شرعية، وبهذا يتبين الفرق بين الإرادتين.

    وأهل السنة والجماعة قسموا الإرادة إلى قسمين:

    إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية، عملاً بالنصوص، فسلموا من التناقض، وأما أهل البدع فإنهم لم يعملوا إلا ببعض النصوص، فالجبرية من الأشاعرة والجهمية ما أثبتوا إلا الإرادة الكونية، وأنكروا الإرادة الدينية الشرعية فضلوا، والمعتزلة أثبتوا الإرادة الدينية الشرعية، وأنكروا الإرادة الكونية فضلوا.

    والجبرية كالأشاعرة والجهمية استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الكونية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية.

    والمعتزلة استدلوا بالنصوص التي فيها إثبات الإرادة الدينية الشرعية فقط، وأغمضوا أعينهم عن النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية.

    وأهل السنة أخذوا النصوص التي تثبت الإرادة الكونية القدرية وصفعوا بها وجوه المعتزلة، وأبطلوا مذهبهم.

    وأخذوا نصوص الإرادة الدينية الشرعية وصفعوا بها وجوه الجبرية من الأشاعرة والجهمية، فأبطلوا معتقدهم، واستدلوا بأدلة هؤلاء وهؤلاء وأثبتوا الإرادتين، فسلموا من التناقض، فهداهم الله للحق وللصراط المستقيم الذي هو هدى بين ضلالتين.

    إثبات صفة الضحك لله من السنة النبوية

    يقول المؤلف: ومن الصفات التي نثبتها ودلت عليها النصوص: الضحك.

    الضحك من الصفات التي ثبتت في السنة المطهرة، ولم تأت في الكتاب العزيز، ومن أدلتها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة) رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد، ومسلم في كتاب الإمارة، ومعنى هذا: أن رجلين يقتتلان في الجهاد مسلم وكافر، فيقتل الكافر المسلم فيكون شهيداً، ثم يمن الله على الكافر بالإسلام بعد ذلك فيسلم ويموت على الإسلام فيدخل الجنة؛ فكلاهما يدخل الجنة.

    ومن أدلتها أيضاً: حديث أبي هريرة عند البخاري في قصة الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً منها، وهو آخر أهل الجنة دخولاً فيها، والحديث طويل رواه البخاري في الصحيح في كتاب التوحيد، وفيه: أن هذا الرجل إذا خرج من النار يكون وجهه مصروفاً إلى النار، يقول: (يا رب اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها) فيأخذ الله عليه العهود والمواثيق ألا يسأل غيرها، فيفعل فيعطيه الله ذلك، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم بعد ذلك ترفع له شجرة فيها كذا وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: يا رب! قربني من هذه الشجرة، فيقول الله: (ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! وربه يعذره؛ لأنه يرى شيئاً لا صبر له عليه، فيدنيه من الشجرة، فيسكت ما شاء الله، ثم ترفع له شجرة) وهكذا حتى يصل إلى باب الجنة، فيقول في النهاية: (يا رب! قربني من باب الجنة، يقول: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: لا أكون أشقى خلقك)، فإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعم..وكذا، فيسكت ما شاء الله، ثم يقول: (يا رب! أدخلني الجنة، فيضحك الله عز وجل، فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال: ادخل الجنة) فهذا الحديث فيه إثبات الضحك لله عز وجل.

    إثبات صفة الفرح لله من السنة النبوية

    الفرح من الصفات التي جاءت في السنة المطهرة في حديث أنس بن مالك المتفق على صحته، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره قد أضله بأرض فلاة) رواه البخاري في الصحيح في كتاب الدعوات، ورواه الإمام مسلم في كتاب التوبة.

    وفي بعضها وصف لهذا الرجل : أنه كان في أرض فلاة مهلكة، وفقد بعيره، وبحث عنه فلم يجده، وعليه طعامه وشرابه، وهو في صحراء ما يهتدي لنفسه، فأيس من بعيره فلما أيس نام تحت الشجرة ليموت، فلما استيقظ وجد الراحلة قائمة عند رأسه وعليها طعامه وشرابه، فأخذ بخطامها من شدة الفرح وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، وهذه كلمة كفرية، لكنه إذا تكلم بكلمة الكفر ذاهلاً غير متعمد فلا يأثم، لكن لو قالها عمداً لصار كفراً، وهذا يدل على أن حاكي الكفر لا يكفر، ومن تكلم بكلمة الكفر عن غير عمد لا يكفر، فهذا (قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك) أخطأ من شدة الفرح، وذهل، فقال في الحديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من هذا الرجل بفرحه براحلته) والحديث فيه إثبات صفة الفرح لله كما يليق بجلالته وعظمته، ولا يشبه فرح المخلوق.

    إثبات صفتي العجب والبغض لله من السنة النبوية

    العجب صفة ثابتة بالسنة المطهرة، كما في حديث أبي هريرة : (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل) رواه البخاري في كتاب الجهاد، ورواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود .

    وثبت أيضاً في صحيح البخاري في قصة الأنصاري الفقير الذي استضاف ضيف النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أتى النبي الضيف، فبعث يسأل أزواجه عليه الصلاة وسلم عن طعام له في بيوته فما وجد فيها شيئاً، .. (... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يضيف هذا وله الجنة؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أضيفه يا رسول الله! فذهب به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله، قالت: والله ما عندنا إلا طعام الصبيان، فقال: نوميهم. فنومتهم، ثم أطفأت السراج، وأوهموه أنهم يأكلون معه، وجعل الضيف يأكل حتى شبع، وأصبح الرجل وامرأته طاويين، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد عجب الله -أو ضحك الله- من صنيعكما بضيفكما البارحة).

    وأيضاً جاء في القرآن في بعض القراءات في سورة الصافات في قوله تعالى: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12]، بضم التاء من عجبت، وهي دليلٌ على صفة العجب لله عز وجل.

    وكذلك أيضاً جاءت صفة البغض وهي تقابل المحبة وهي ثابتة في الحديث قال: (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل: إني أحب فلان فأحبه) وفيه: (وإذا أبغض عبداً دعا جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) رواه الإمام مسلم في صحيحه.

    إثبات صفة السخط لله عز وجل من الكتاب والسنة

    وكذلك من الصفات الثابتة في الكتاب العزيز (السخط) قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد:28] وقال سبحانه: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة:80]، وجاء أيضاً في السنة المطهرة في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله عز وجل لأهل الجنة: (هل تريدون أن أزيدكم، قالوا: يا ربنا! ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تنجنا من النار؟ فيقول عز وجل: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً)، رواه الإمام البخاري ، ومسلم في صحيحه في باب السخط، وهذه الصفة ثابتة في القرآن والسنة.

    إثبات صفة الكره لله عز وجل من الكتاب والسنة

    الكره كذلك صفة ثابتة في القرآن العظيم، قال الله تعالى في حق المنافقين: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ [التوبة:46]، ومن السنة المطهرة ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).

    إثبات صفة الرضا لله عز وجل من الكتاب والسنة

    الرضا أيضاً من الصفات الثابتة في القرآن والسنة، قال الله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة:22]، وقال سبحانه: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7]، ومن السنة المطهرة ما رواه البخاري في قصة الأقرع والأبرص والأعمى، وهي قصة طويلة والشاهد فيها، قول الملك للأعمى: (لقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك)، وفيه إثبات الرضا والسخط لله عز وجل.

    كذلك ثبت في صحيح مسلم في الدعاء المشهور: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، فاستعاذ بصفة الرضا من صفة السخط، وهذه كلها ثابتة لله عز وجل.

    وقوله: (وسائر ما صح عن الله ورسوله من الصفات نثبتها لله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين) نبت أي: تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين؛ لأنها لا توافقهم، ولا توافق أهواءهم، فبعض الجاهلين من المبتدعة وغيرهم تنبوا أسماعهم عن بعض الصفات؛ فلا يثبتونها كالجهمية والمعتزلة وغيرهم.

    (وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين)، فالمؤلف يقول: نحن نثبتها ما دام أن الله أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله، وإن تجافت عنها أسماع بعض الجاهلين، وإن استوحشت منها نفوس المعطلين فلا يضرنا هذا.