إسلام ويب

شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [3]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن معتقد أهل السنة والجماعة هو إثبات العلو لله عز وجل، فهو عز وجل فوق عرشه بائن من خلقه لا يخفى عليه شيء من حالهم، ولقد جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث النبوية الصحيحة بإثبات صفة العلو لله تعالى، فمن جحد شيئاً من هذه الأدلة راداً لها فهو كافر بدين الله مرتد عن الإسلام.

    1.   

    الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو

    دلالة حديث (إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها) على إثبات العلو

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده! ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى) ].

    هذا دليل من السنة على إثبات صفة العلو، فالمؤلف رحمه الله بدأ بصفة الاستواء وذكر بعدها صفة العلو مستقلة ولها أدلة خاصة؛ لأن الاستواء علو خاص، فلهذا ذكر سبعة أدلة من القرآن على إثبات صفة الاستواء، ثم بعد ذلك ذكر الأدلة التي تثبت العلو، وبدأ بحديث أبي هريرة ، وهو دليل على ثبوت صفة العلو لله عز وجل، والحديث صحيح رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده!) هذا قسم، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الصادق المصدق، لكن أقسم لتأكيد الكلام، قال: (والذي نفسي بيده!)، ونفوس العباد كلها بيد الله، وفيه إثبات صفة اليد لله عز وجل. (ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى)، والذي في السماء هم الملائكة، ولفظ السماء إذا أطلق فالمراد به جهة العلو، والله تعالى له أعلى العلو، وهو فوق العرش، فقوله: (الذي في السماء) يعني: الذي في العلو، فكل ما علا رأسك فهو سماء، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش، وإذا أريد بالسماء: الطباق المبنية فهي تفيد معنى علا، وقوله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] يعني: من في العلو.

    وقوله: (كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى) هذا يدل على أن امتناع المرأة من فراش زوجها من غير سبب من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أثبت أن الله يسخط عليها، ففيه إثبات صفة السخط لله عز وجل مع إثبات صفة العلو، وهذا فيه التحذير من امتناع المرأة من فراش زوجها بدون سبب، وأنها إذا فعلت ذلك فقد ارتكبت كبيرة، وفي الحديث الآخر: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته لعنتها الملائكة حتى تصبح).

    دلالة حديث (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء) على إثبات العلو

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً؟!) ].

    هذا هو الدليل السادس، وقد استدل به المؤلف لإثبات صفة العلو، وأن الله في العلو فوق المخلوقات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من في السماء صباحاً ومساءً). ووجه الدلالة من هذا الحديث في موضعين:

    الموضع الأول: قوله: (وأنا أمين في السماء).

    الموضع الثاني: قوله: (يأتيني خبر من في السماء).

    والمراد بالسماء العلو، والله تعالى له أعلى العلو وهو ما فوق العرش، فهذا دليل على إثبات صفة العلو، والحديث صحيح متفق على صحته رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما.

    دلالة حديث (أين الله؟) على إثبات العلو

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة). رواه مسلم بن الحجاج وأبو داود وأبو عبد الرحمن النسائي .

    ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: (أين الله؟)! ].

    هذا الدليل السابع وهو حديث معاوية بن الحكم السلمي ، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فـمعاوية بن الحكم السلمي كانت له جارية اشتراها لترعى له الغنم عند جبل أحد، فأبصرها من بعيد وقد جاء الذئب وأخذ شاة، فغضب معاوية من الجارية لأنها لم تطرد الذئب، فلطمها، ثم ندم وخاف وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأنه لطمها فشدد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إني سأعتقها، فقال له: ائتني بها، فأتاه بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فاستدل على إيمانها بأنها أثبتت أن الله في العلو، وأهل البدع كالجهمية والأشاعرة يؤولون هذا الحديث، فهذا الحديث غصة في حلوقهم؛ لأن كلمة (أين) يسأل بها عن المكان، فالمعنى أي: أين مكان الله؟ فقالوا: لا يمكن أن يسأل عن الله بأين، حتى أنهم خطئوا النبي صلى الله عليه وسلم وخطئوا الجارية، فقالوا: إن الجارية أعجمية لا تفهم، فالرسول عليه الصلاة والسلام سألها. أين الله؟ ولا يُسأل عن الله بأين؛ لأنك لو سألت عن الله بأين ففيه تحديد المكان، وإذا كان الله في جهة العلو صار محدوداً ومتحيزاً وجسماً، وهذا كفر عندهم، فأهل البدع يقولون: من قال: إن الله في السماء فقد كفر؛ لأنك بقولك هذا تنقص من قدر الله، وتجعل الله محدوداً متحيزاً في مكان، ولا يكون شيء على شيء إلا المحدود المتحيز، ولا يكون إلا جسم، وهذا يجعل لله شبيهاً ومثيلاً، وهذا كفر عندهم، وقد تأولوا هذا بقولهم: إن ظاهر النصوص كفر، أي: ظاهر القرآن والسنة كفر والعياذ بالله! فلابد أن تؤول، فلو أثبتنا العلو والمعية وأثبتنا العلم والقدرة لله ففي هذا مشابهة للمخلوقات، وتشبيه الله بخلقه كفر، فلا بد أن نتأولها فأشكل عليهم قوله صلى الله عليه وسلم (أين الله؟) وهذا صريح في جواز السؤال بأين الله؟ وعندما قالت: في السماء صدقها وأثبت لها الإيمان، وبعض أهل البدع قال: الرسول عليه السلام قال لها: (أين الله؟) وقصده أن يقول: من الله؟ لأن هذه جارية أعجمية لا تفهم، فخاطبها على قدر عقلها وفهمها، فلما أجابت أقرها على جواب فاسد!

    إذاً: فالسؤال عندهم فاسد والجواب فاسد! هكذا اتهموا الرسول والعياذ بالله، فأهل البدع وصفوا الرسول بأنه سأل سؤالاً فاسداً، وأقرها على جواب فاسد، قالوا: والله ليس له مكان، فلو كان له مكان لصار محدوداً ومتحيزاً، فقالوا: ليس له مكان، وإنما هو في كل مكان والعياذ بالله. ولهذا رد عليهم المؤلف فقال: ومن أجهل جهلاً، وأسخف عقلاً، وأضل سبيلاً ممن يقول: إنه لا يجوز أن يقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: (أين الله؟). وصاحب الشريعة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    دلالة حديث (كانت زينب تقول زوجني الله من فوق سبع سماوات) على إثبات العلو

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. رواه البخاري ].

    هذا هو الدليل الثامن، وقد استدل به المؤلف على أن الله في العلو، وأنه فوق المخلوقات فوق السماوات السبع، فكانت زينب بنت جحش تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.

    والشاهد قولها: (من فوق سبع سماوات)، ففيه إثبات أن الله فوق السبع السماوات وذلك أن زينب بنت جحش رضي الله عنها تزوجت زيد بن حارثة أولاً ثم طلقها زيد رضي الله عنه، ثم بعد ذلك خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل إليها من يخطبها له، فزوجه الله من فوق سبع سماوات، فدخل عليها بدون ولي وبدون مهر؛ لأن الله أنزل: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37] وهذا التزويج كان من فوق سبع سماوات، قال الله: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ [الأحزاب:37] وذلك أنه كان عندهم في الجاهلية وفي أول الإسلام جواز التبني، أي: أن الإنسان الذي ليس عنده أولاد يتبنى له ولداً، فيأتي بولد وينسبه إلى نفسه، ويكون ابناً له ولو لم يكن من صلبه، فنهى الله عن ذلك وقال: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5]، ومن المعلوم أن الإنسان لا يتزوج زوجة ابنه، وزيد بن حارثة تبناه النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، وكان يُدعى بـزيد بن محمد ، فالله تعالى هدم التبني وأبطله قولاً وفعلاً، بالقول وذلك عندما قال: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5]، وبالفعل وذلك عندما أمر نبيه أن يتزوج زوجة ابنه بالتبني؛ حتى يهدم التبني ويعلن بطلانه، وأن الابن المتبنى ليس كابن الصلب، فابن الصلب لا يتزوج أبوه زوجته، لكن الابن الدعي ليس ابناً من صلبك، فيجوز لك أن تتزوج زوجته؛ ولهذا أمر الله نبيه أن يتزوج زوجته بعد طلاقها هدماً للتبني وأنزل: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب:37] ، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم بدون مهر وبدون ولي وزوجه الله من فوق سبع سماوات، فكانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لإحداهن: أنتِ زوجكِ أبوكِ، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات، وهذا فخر، وأي فخر!

    دلالة حديث عروج روح المؤمن إلى السماء التي فيها الله على إثبات العلو

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر المؤمن عند موته وأنه يعرج بروحه حتى ينتهى إلى السماء التي فيها الله عز وجل) رواه الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما ].

    هذا الحديث سنده لا بأس به، وهذا هو الدليل التاسع على إثبات العلو، والشاهد قوله: (حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله)، وهي السماء السابعة، ومعنى قوله: (التي فيها الله) يعني: فوقها، ففيه إثبات أن الله في السماء، يعني: في العلو، وأنه فوق السماوات السبع، وفيه أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء وتفتح له أبواب السماء، وأما روح الفاجر والكافر فإنها تغلق أبواب السماء دونها، ثم تطرح طرحاً، نسأل الله السلامة والعافية.

    دلالة حديث ( من اشتكى منكم فليقل ربنا الله الذي في السماء ) على إثبات العلو

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى أبو الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من اشتكى منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ). رواه أبو القاسم الطبري في سننه ].

    هذا الحديث كما ذكر المؤلف رحمه الله رواه أبو القاسم الطبري في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، ورواه أبو داود في سننه، ورواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية، والبيهقي ، والذهبي في العلو، والحديث ضعيف، ولكن المؤلف أورده لأن له شواهد، وكذلك أورده غيره من أهل العلم في إثبات العلو كهؤلاء الأئمة الذين رووه، واحتج به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم، وهذا الحديث مشهور في رقية المريض، فيقال هكذا: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة وشفاء من شفائك على هذا الوجع؛ فيبرأ بإذن الله).

    والشاهد قوله: (ربنا الله الذي في السماء) أي: في العلو، فأثبت أن الله في السماء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي هذه المسألة أدلة من الكتاب والسنة يطول بذكرها الكتاب، ومنكِر أن يكون الله في جهة العلو -بعد هذه الآيات والأحاديث- مخالف لكتاب الله، منكِر لسنة رسول الله ].

    مسألة العلو ورد فيها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وأفراد الأدلة على العلو تزيد على ثلاثة آلاف دليل، ولا يمكن حصرها، وكلها تدل على أن الله فوق المخلوقات وفوق العرش، وكل نص فيه أن الله استوى على العرش فهو دليل على ذلك، وكل نص فيه أن الله في السماء فهو دليل على العلو، وكل نص فيه الفوقية فهو دليل على العلو، وكذلك كل نص فيه العلو، كقوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255]، وقوله: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، وكذلك كل نص فيه الصعود، كقوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ [فاطر:10]، والصعود يكون من أسفل إلى أعلى، وهذا يدل على العلو، وكل نص فيه الرفع إلى الله يدل على العلو، وكل نص فيه النزول كقوله: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر:1] يدل على العلو، وكل نص فيه السؤال عن الله بأين يدل على العلو، وهكذا، وكل نص فيه رفع الأصبع إلى السماء يدل على العلو، فهذه أنواع من الأدلة كثيرة لا حصر لها؛ ولذا قال المؤلف: (يطول بذكرها الكتاب)، يعني: هي كثيرة، لكن قد تحصر أنواع الأدلة مثلما ذكرت لكم، كنصوص الاستواء، ونصوص العلو، ونصوص الفوقية، ونصوص النزول، ونصوص الصعود وهكذا، وكل نوع تحته أدلة كثيرة، فمثلاً نجد تحت نصوص الاستواء سبعة أقوال من الأدلة، وأفرادها كما ذكر العلماء -كالعلامة ابن القيم وغيره- أنها تزيد على ثلاثة آلاف دليل.

    قال المؤلف: (ومنكر أن يكون الله في جهة العلو -بعد هذه الآيات والأحاديث- مخالف لكتاب الله ومنكِر لسنة رسول الله) أي: أن الذي ينكر أن الله في العلو يكون مخالفاً لكتاب الله وسنة نبيه، وإذا كان جاحداً لهذه النصوص فإنه يكفر ويكون مرتداً، والعياذ بالله، أما إذا كان متأولاً فهذا قد لا يحكم عليه بالكفر؛ لأن هناك فرقاً بين الجاحد وبين المتأول، فالجاحد الذي أنكر كلام الله وجحده يكفر، فالذي يجحد قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] فقد كذَّب الله، ومن كذَّب الله فقد كفر، أما الذي يتأول هذه الآية، فيقول: معنى استوى: استولى، لا يكفر، فهناك فرق بين الجاحد وبين المتأول.

    الآثار التي تدل على إثبات صفة العلو لله عز وجل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال مالك بن أنس : الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان ].

    المؤلف رحمه الله استدل أيضاً بالآثار عن السلف التي تدل على ثبوت العلو، فاستدل بقول مالك : (الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو عن علمه مكان). وهذا الأثر رواه الآجري في كتاب الشريعة وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة وابن قدامة في إثبات صفة العلو.

    قوله: (الله في السماء) يعني: في العلو، وعلمه في كل مكان أي أن: علمه لا يخلو عن أي مكان، وأما هو سبحانه فهو فوق العرش.

    قال: [ وقال الشافعي : خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم ].

    استدل المؤلف أيضاً بقول الشافعي رحمه الله، وهذا الأثر رواه ابن قدامة في صفة العلو، والشاهد قوله: (خلافة أبي بكر قضاها الله في سمائه) يعني: في علوه، فأثبت أن الله في السماء.

    قال: [ وقال عبد الله بن المبارك : نعرف ربنا فوق سبع سماوات بائناً من خلقه ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا! وأشار إلى الأرض ].

    عبد الله بن المبارك هو الإمام الورع الزاهد المشهور، وهذه المقالة التي قالها عبد الله بن المبارك رواها عبد الله بن أحمد في كتاب السنة والبخاري في خلق أفعال العباد والدارمي في الرد على الجهمية وفي الرد على بشر المريسي والبيهقي في الأسماء والصفات وابن قدامة في إثبات صفة العلو، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية.

    يقول عبد الله بن المبارك : (نعرف ربنا فوق سبع سماوات). هذا هو الشاهد من الأثر، فأثبت أن الله فوق سبع سماوات بائناً من خلقه، يعني: ليس مخالطاً للمخلوقات، فهو بائن منفصل عن مخلوقاته، فالمخلوقات نهايتها من جهة العلو العرش والله فوق العرش، وليس فوقه شيء من المخلوقات، يقول عبد الله بن المبارك : (ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه هاهنا وأشار إلى الأرض). فالجهمية يقولون: الله في كل مكان، في الأرض وفي السماء وفي كل مكان.

    1.   

    إثبات صفة الوجه لله عز وجل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار: الوجه، قال الله عز وجل: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] .

    قال عز وجل: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27] .

    وروى أبو موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ].

    من الصفات التي جاءت في القرآن العزيز وثبتت في السنة المطهرة: صفة الوجه لله عز وجل؛ ولهذا قال المؤلف: (ومن الصفات التي نطق بها القرآن) وهذا كقول الله تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ [الجاثية:29] فنطق به القرآن، يعني: أثبتها الله تعالى في كتابه، قال: (وصحت بها الأخبار) أي: الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، (الوجه) أي: صفة الوجه.

    الأدلة على إثبات صفة الوجه من الكتاب

    استدل المؤلف على ذلك بالأدلة من الكتاب العزيز ومن السنة المطهرة، قال الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، ففيها إثبات صفة الوجه.

    وقال عز وجل: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، وأهل البدع ينكرون صفة الوجه لله عز وجل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة أيضاً، وصفة الوجه من الصفات الذاتية الثابتة لله عز وجل، والأشاعرة يتأولونها، فمنهم من يؤولها بالذات كما في تفسير الجلالين، ففيه: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:27] أي: ذاته، وقصده من ذلك تأويل صفة الوجه، والآية فيها إثبات الوجه والذات، وكذلك بعض الأشاعرة كـالآمدي وغيره أولوا الوجه بالذات، وبعض الأشاعرة المحدثين -كـالبيهقي وغيره- فوضوا هذه الصفة، وكذلك ابن فورك والتفويض معناه: تفويض المعنى، فيقولون: لا نعلم معنى هذه الصفة فنفوضها إلى الله، وهذا باطل، قال بعض أهل العلم: إن التفويض شر من التعطيل، والمفوضة شر من المعطلة، فهم الذين لا يثبتون معاني الصفات فيقولون: لا ندري ما معنى الاستواء، وما معنى اليدين، وما معنى الوجه، فيتعاملون معها كأنها حروف أعجمية لم نفهم معناها! وهذا غلط؛ فإن الله سبحانه وتعالى أمر بتدبر القرآن كله، وليس آية دون أخرى، فقال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، وقال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17].

    وأهل الحق أثبتوا الصفات وأثبتوا معانيها وفوضوا الكيفية، فالكيفية لا يعلمها إلا الله كما قال الإمام مالك رحمه الله عندما سئل عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب. فنحن نعرف معنى العلم وأنه ضد الجهل، ونعرف معنى السمع وأنه ضد الصمم، ونعرف معنى البصر وأنه ضد العمى، فنثبت المعاني، وابن فورك يقول: ما نعرف معنى البصر، ولا ندري معنى السمع، ولا ندري معنى العلم، فيفوض معاني الصفات، وهذا باطل، فالمعاني معلومة، وإنما الذي لا يعلم هو الكيف، فكيفية صفة السمع، وكيفية صفة الاستواء، وكيفية صفة الوجه لا يعلمها إلا الله، أما المعنى فهو معلوم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (من الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار: الوجه) واستدل بآيتين من كتاب الله، الآية الأولى: قول الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] وفيه إثبات صفة الوجه.

    الأدلة على إثبات صفة الوجه من السنة النبوية

    واستدل من السنة بأدلة منها حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الذي رواه الشيخان وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)، فقوله: (إلا رداء الكبرياء على وجهه) فيه إثبات الوجه، وفيه إثبات أن الله تعالى يُرى يوم القيامة، وفيه إثبات الكبرياء لله عز وجل، قال الله تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:37]، فهذا الحديث فيه إثبات ثلاث صفات: صفة الوجه، وصفة الرؤية، وصفة الكبرياء. والرؤية سيتكلم عليها المؤلف رحمه الله بكلام خاص، فهي من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع.

    قوله: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) هذا خاص بالمؤمنين، فالمؤمنون يرون ربهم سبحانه وتعالى في الجنة، وفي موقف القيامة يرونه أيضاً، وأما غير المؤمنين فقد اختلف العلماء في رؤيتهم لله في موقف القيامة، فمن العلماء من قال: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفرة.

    ومن العلماء من قال: إنه لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا، وجرت عليهم أحكام الإسلام، ويكونون معهم في الآخرة، ثم بعد ذلك ينفصل المؤمنون عن الكفار ويضرب بينهم بسور له باب.

    وقال آخرون من أهل العلم: إنه لا يراه إلا المؤمنون وأما الكفار فإنهم يحجبون عن الله، قال الله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] .

    والذين قالوا: إن الكفار يرونه يوم القيامة، قالوا: هذه الرؤية لا تفيدهم بل يزدادون بها عذاباً إذا حجبوا، مثل المسيء حينما يرى السلطان ثم يعاقبه فإنه لا يستفيد من هذه الرؤية إلا عقوبة.

    وفيه إثبات الجنة وأن المؤمنين يتفاوتون في درجاتهم، فقوله: (جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما) هذا للمقربين السابقين، وقوله: (وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما) هذا لأصحاب اليمين كما قال الله تعالى في سورة الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ [الرحمن:48] . فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن:50] . هذه للمقربين، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن:62] هذه لأصحاب اليمين مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64] فهي أربع جنات، والمؤمنون يتفاوتون في درجاتهم في الجنة على حسب أعمالهم.

    وفيه الرد على من أنكر وجود الجنة والنار من الجهمية والمعتزلة، ويقولون: إنهما لا توجدان إلا يوم القيامة، وأما الآن فهما عدم، وهذا من أبطل الباطل، فالله تعالى أخبر أن الجنة موجودة، والنار أعدت للكافرين، ويفتح للمؤمن في قبره باب إلى الجنة يأتيه من روحها وطيبها، والكافر يفتح له باب من النار يأتيه من حرها وعذابها، وأرواح المؤمنين تنعم في الجنة، وأرواح الكفار تعذب في النار، وفي الجنة الولدان والحور، وقول المعتزلة من أبطل الباطل، وكذلك الجهمية يقولون: إن الجنة والنار تفنيان جميعاً، وهذا من أبطل الباطل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وروى أبو موسى قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ثم قرأ: أََنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا [النمل:8]). رواه مسلم ].

    هذا الحديث رواه الإمام مسلم كما قال المؤلف رحمه الله، ورواه أيضاً الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والبيهقي في الأسماء والصفات.

    وفي لفظ لـمسلم قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه)، ففيه أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام؛ لأن النوم ضعف يحتاج إليه المخلوق الضعيف حتى يستريح، والله تعالى لا يتعب ولا يلحقه تعب، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] سبحانه وتعالى.

    قوله: (يخفض القسط ويرفعه) القسط هو العدل.

    قوله: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النار)، وفي لفظ: (حجابه النور)، (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره)، وفي لفظ: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ثم قرأ: أََنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا [النمل:8]) .

    هذا الحديث استدل به المؤلف على إثبات صفة الوجه والشاهد من الحديث قوله: (لأحرقت سبحات وجهه) ففيه إثبات الوجه لله تعالى.

    وفيه أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا؛ لأنه احتجب عن خلقه سبحانه وتعالى بالنار أو بالنور، ولو كشف الحجاب لاحترق الخلق ولما استطاعوا أن يثبتوا لرؤية الله في الدنيا؛ ولهذا لما كلم الله موسى بدون واسطة من وراء حجاب طمع موسى عليه الصلاة والسلام في الرؤية فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] ، قال الله: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] أي: لا تستطيع ولا تتحمل الرؤية، ولكن انظر إلى الجبل، وهو جبل صخر عظيم، قال: فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] أي: إن ثبت الجبل فأنت تستطيع أن تراني، وإلا فلا، فلما تجلى الله للجبل دُكَّ الجبل وساح وخر موسى صعقاً، أي: أغمي عليه، فلما أفاق موسى قال: سبحانك! تبت إليك وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك بشر في الدنيا إلا مات، ولا جبل إلا دُك؛ ولهذا كان الصواب أن نبينا صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في المعراج، وإنما كلمه الله من وراء حجاب، وفرض عليه الصلوات من وراء حجاب، ولا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا لا من الأنبياء، ولا من الملائكة ولا من غيرهم، فقد احتجب الله من خلقه، بالنار أو النور، وجاء في آثار أنه احتجب من خلقه بنار ونور وظلمة وثلج، فلا يستطيع أحد أن يرى الله ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله في الدنيا، ولو كشف الحجاب لاحترقوا، ولكن يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون فيها رؤية الله، فينظر المؤمنون إلى ربهم يوم القيامة، فالمؤمنون ينشئون يوم القيامة نشأة قوية، فتتبدل الصفات والذات هي هي، الجسد هو الذي كان في الدنيا، يبلى كله في القبر إلا عجب الذنب، ثم يعيده الله إلى ما كان عليه، إلا أن الصفات تتبدل، فينشئ الله المؤمنين نشأة قوية يتحملون بها رؤية الله؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51]، ويدخل في هذا القول كل البشر، ومنهم النبي عليه الصلاة والسلام فإنه بشر كلمه الله من وراء حجاب، وهذا هو الصواب.

    وقال بعض أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج ببصره وهذا خطأ، والصواب: أنه رآه بقلبه ولم يره بعين بصره، وهذا ما عليه المحدثون والصحابة وغيرهم.

    فهذا الحديث فيه تنزيه الله عن النوم، وفيه أن الله احتجب من خلقه بالنار أو بالنور، وفيه أن الله لا يراه أحد في الدنيا لقوله: (لأحرقت سبحات وجهه كل شيء). ومحمد صلى الله عليه وسلم شيء، وفي اللفظ الآخر: (ما انتهى إليه بصره من خلقه) أي: جميع الخلق، ومحمد صلى الله عليه وسلم من الخلق، فلم ير ربه ليلة المعراج بعين رأسه وإنما رآه بعين قلبه، ولكنه سمع كلام الله من دون واسطة من وراء حجاب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات ].

    صفة الوجه صفة ثابتة بنص الكتاب كما قال الله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]، وبخبر الصادق الأمين؛ لذلك يجب التسليم والإقرار بها، ويجب على كل مسلم أن يقر بصفة وجه الله عز وجل كسائر الصفات الثابتة، خلافاً لمن أنكر الصفات كالجهمية والمعتزلة، فقد قالوا: ليس لله وجه ولا علم ولا سمع ولا بصر، وخلاف الأشاعرة الذين تأولوها بالذات، وبعضهم فوضها كـالبيهقي .

    1.   

    الأسئلة

    بيان صحة حديث العباس ومعنى الأوعال

    السؤال: ما حال حديث العباس ؟ وما معنى الأوعال؟

    الجواب: هذا الحديث فيه ضعف؛ لأنه من رواية سماك عن عبد الله بن عذيرة ، ولكن العلماء أوروده في كتبهم وحسنوه؛ لأن له شواهد، فقد احتج به الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب وأبو داود وغيرهم.

    ومعنى قوله: (وفوق ذلك أوعال)، أن الملائكة خلقهم الله على صفة الأوعال.

    توضيح المسالك التي سلكها من أنكر الاستواء والعلو

    السؤال: نرجو توضيح قولكم: الذين أنكروا الاستواء والعلو سلكوا مسلكين؟

    الجواب: الذين أنكروا العلو والذين يقولون: إن الله ليس فوق السماوات وليس فوق العلو سلكوا أحد مسلكين في الرب سبحانه وتعالى، فالجهمية طائفتان:

    الطائفة الأولى: أنكروا العلو وأن الله فوق المخلوقات وقالوا: إنه في كل مكان، وقالوا: إنه متحد بالمخلوقات في كل مكان، حتى في الحمامات وحتى في بطون السباع وأجواف الطيور، وفي كل مكان، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!

    الطائفة الثانية: أنكروا أن الله فوق المخلوقات فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مبايناً له ولا مخالطاً له، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه! قال العلماء: هذا وصف مستحيل، فالذين نفوا النقيضين أشد كفراً من الذين قالوا: إنه في كل مكان، وإن كان كل منهما كافر.

    نسف حجة الأشاعرة في تأويلهم قوله: (استوى)

    السؤال: يقول الأشاعرة: استوى بمعنى استولى ودليلهم قول الشاعر:

    قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق

    فبم يرد عليهم؟

    الجواب: هذا قول باطل، فالاستواء معروف معناه في اللغة العربية كما قرر الأئمة، وهذا البيت الشعري لا يعرف له قائل، ولو عرف قائله فلا بد من سند متصل حتى يعرف من قائله، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل حتى يصح السند ويعدل الرواة، ويكون السند متصلاً متسلسلاً بالثقات من الراوي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان السند منقطعاً أو كان الرواة غير عدول فلا يقبل، فكيف يقبل بيت لا يُعرف من قاله وليس له سند ولا خطام؟! وإن عرفنا قائله فقد خالف أهل اللغة في معنى الاستواء، فيكون شاذاً، فراوي الحديث إذا خالف من هو أوثق منه يكون الحديث ضعيفاً لشذوذه؛ لكونه خالف من هو أوثق منه، فلو فرضنا أن هذا القائل عربي فنقول: قوله شاذ، وهذا لو سلّمنا أن قائله معروف، فكيف وهو لا يعرف له قائل، وليس له خطام. ثم أيضاً قد روي هذا البيت بلفظ:

    قد استولى بشر على العراق

    من غير سيف أو دم مهراق

    وهذه الرواية مقدمة على الرواية الأولى.

    إثبات صفة الكتابة لله

    السؤال: الله تعالى يوصف بصفة الكتابة كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى كتب كتاباً)، وفي الحديث الآخر: (إنه أمر القلم أن يكتب) ، فهل هناك فرق بينهما؟

    الجواب: لا منافاة، أمر القلم عندما خلقه فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالله تعالى أمر القلم أن يكتب والله كتب كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه مسلم : (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، وهذا الحديث: (كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش)، وفي الأحاديث الأخرى أن الله خط التوراة بيده لموسى، فلا منافاة.

    الرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان هو التصديق

    السؤال: كيف نرد على من استدل بحديث الجارية على أن الإيمان مجرد التصديق؟

    الجواب: لقد طعنوا -كما سبق- في هذه الجارية، فقالوا: إن الجارية أعجمية لا تفهم، وطعنوا في النبي فقالوا: إن الرسول سأل سؤالاً فاحشاً! فالإيمان قول وعمل، وليس فيه أن الجارية لم تكن تعمل شيئاً، إنما اختبرها النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن التصديق يقتضي العمل، وليس في الحديث أن الجارية لم تكن تصلي ولا تصوم، وإنما سألها عما هو دليل على الإيمان ثم ذهبت.

    بيان جواز إطلاق قول (ونطق بها كتابة)

    السؤال: قول المؤلف: ونطق بها كتابه، هل هذا الأسلوب مقبول عند أهل السنة أن ينسب النطق للكتاب؟

    الجواب: نعم هذا مقبول، فقد نص القرآن على ذلك بقوله: هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية:29]، فينبغي للإنسان أن يتأمل النصوص قبل أن يحكم عليها.

    بيان جواز إطلاق ألفاظ (صعد) و(علا) و(ارتفع) على الله عز وجل

    السؤال: هل يوصف الله بصعد وعلا وارتفع؟

    الجواب: نعم، فالسلف لهم أربع عبارات في تفسير استوى هي: استقر وعلا وصعد وارتفع، وهذا هو معنى الاستواء، فالله تعالى استوى بهذه المعاني الأربعة على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته.

    إرشاد النساء إلى وجوب ستر أيديهن وأرجلهن

    السؤال: نرجو من فضيلتكم تذكير الأخوات بأهمية الالتزام بتغطية جميع الجسد وخاصة الكفين والقدمين حيث يتساهل بعضهن في ذلك علماً بأنهن أولى بالتستر من غيرهن من عامة النساء.

    الجواب: لا شك أن المرأة يجب عليها أن تستر جميع جسدها، فكلها عورة، فتستر يديها ورجليها وقدميها وشعرها ووجهها، فلا يجوز للمرأة أن تبدي يديها، فبعض النساء تبدي يديها للرجال عندما تخرج وتركب السيارة، فهذا حرام عليها؛ لأن اليدين عورة، فلا بد أن تخرج بالقفازين أو بالثوب الطويل، وكذلك الرجلان عورة فلا بد أن تسترهما إما بالجوارب أو بالثوب؛ ولهذا لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسبال (قيل: يا رسول الله! المرأة تحتاج أن تسبل الثوب حتى تغطي قدميها، فقال: أرخي شبراً، قيل: يا رسول الله! إذاً تنكشف أقدامهن! قال: أرخيه ذراعاً ولا تزيدي على ذلك)، فدل على أن المرأة لابد أن تستر قدميها إما بالجوارب أو بالثوب، وتستر اليدين إما بالقفازين أو بالثوب، ولا يجوز للمرأة أن تبدي يديها أو أصابعها أو الذهب الذي في يديها فهذا حرام عليها، وبعض النساء تتساهل فتجدها عند صاحب الذهب تخرج يديها وعليها الذهب، وتخرج الساعدين، وتجدها في السيارة وفي الأسواق تخرج اليدين، وترى رجليها، فهذا حرام عليها، والواجب عليها التستر، فكلها عورة إلا وجهها في الصلاة إذا لم يكن عندها رجال أجانب، فإن كان عندها رجال أجانب فلا تكشفه.

    بيان الفرق بين الكرسي والعرش

    السؤال: هل هناك فرق بين الكرسي والعرش ؟

    الجواب: الكرسي غير العرش كما في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من أرض، ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في فلاة من أرض)، فالعرش مخلوق عظيم، والكرسي مخلوق عظيم، وصح عن ابن عباس أنه قال: الكرسي موضع القدمين للرب عز وجل، والعرش لا يقدر قدره إلا الله، فالكرسي مخلوق عظيم أكبر من السماوات والأرض، ونسبة السماوات إليه كحلقة ألقيت في صحراء من الأرض، ونسبة الكرسي إلى العرش كذلك كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، فالكرسي غير العرش، هذا هو الصواب. وهناك قول أنهما شيء واحد وهذا قول ضعيف، وهناك من يقول: الكرسي هو العلم، وهذا قول باطل.

    بيان عدم وجود المنافاة بين صفتي العلو والمعية

    السؤال: هل نثبت صفتي العلو والمعية ؟

    الجواب: أهل السنة وأهل الحق كلهم يثبتون صفتي العلو والمعية، ولا منافاة ولا تناقض بينهما، خلافاً لأهل البدع الذين يبطلون صفة علو الله بالمعية، ويضربون النصوص بعضها ببعض، ويجعلون صفة المعية تنقض صفة العلو وتبطلها، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه ليس معنى المعية أن الله مشترك بالمخلوقات، وإنما المعية في لغة العرب هي مطلق المصاحبة، وهي تختلف باختلاف المتعلقات وما يتعلق بها، فتقول: فلان مع فلان، يعني: في الرأي، وإن كان هذا في المشرق وهذا في المغرب، وتقول: الأمير مع الجيش، والجيش في مكان والأمير في مكان، يعني: معه في الرأي والتسديد، ويقال: فلان معه زوجته وقد تكون في المشرق وهو في المغرب، يعني: عصمتها بيده؛ فالمعية لا تفيد الاختلاط وإنما معناها مطلق المصاحبة، وتفيد مع المصاحبة المقارنة في أمر من الأمور، وتقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، وهل أنت مختلط بالقمر؟ لا، لكن المعنى: ما زلنا نسير والقمر يسير، وتقول: المتاع معك وإن كان فوق رأسك.

    فلا منافاة بين العلو والمعية، لكن أهل البدع ليسوا من أهل المعرفة، بل هم من أهل الجهل حيث جهلوا معنى المعية في اللغة وضربوا النصوص بعضها ببعض، وأبطلوا نصوص العلو والفوقية بنصوص المعية، وأما أهل السنة فآمنوا بالنصوص من الجانبين، وجمعوا بينهما جمعاً صحيحاً.

    الفرق بين من يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان وبين الذي يقول إن الله في كل مكان

    السؤال: هل الذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان، مثل الذي يقول: إن الله في كل مكان؟

    الشيخ: لا، فالذي يقول: إن الله في كل مكان كافر، والذي يستشعر أن الله يراقبه في كل مكان محسن، ففي الحديث: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذه هي المراقبة، وهي أن يراقب الله ويعبد على المشاهدة، فالله يراه، فيعبد الله على أنه يراه.

    تعدي الاستواء بإلى وعلى وبالواو

    السؤال: هي يتعدى الاستواء بالواو؟

    الجواب: الاستواء يأتي متعدياً بإلى أو يأتي متعدياً بالمعية، وكل واحد منهما صحيح، فإذا جاء بالواو فتفيد المساواة كقولك: استوى الماء والخشبة، أي: أنه استوى الماء مع الخشبة، وهذا له معنى وذاك له معنى، أما إذا جاء متعدياً بعلى فهذا يكون في العلو والارتفاع كقوله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف:13] .