إسلام ويب

شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [10]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقيدة أهل السنة والجماعة: السكوت عما شجر بين الصحابة من الفتن، وعدم الخوض فيها، مع اعتقادهم أن كلا الفريقين لا يخرجون عن مسمى الإيمان، وهو نعت القرآن، الذي هو كلام الواحد الديَّان، واعتقادهم أن الصحابة مجتهدون في ذلك لا يعدمون أجر الصواب، وأجر الخطأ، ومن عقيدة جمهور أهل السنة: عدم لعن يزيد بن معاوية وعدم محبته، وأمره إلى الله، وهو أحكم الحاكمين.

    1.   

    الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة رضي الله عنهم، فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من السابقين والتابعين لهم بإحسان، وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وذكرهم في آيات من كتابه، مثل قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29]، وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عليه مْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18].

    وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ].

    يقول المؤلف رحمه الله: (وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة) يعني بالصحابة: صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، والقرابة: قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابي كما سبق: هو كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على الإسلام، ولو تخللته ردة في الأصح، والقرابة: هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من جهة النسب، فيجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله بالإنصاف والعدل، لا بالهوى والتعصب، ولا يجوز الغلو في جانب الصحابة كأن يعتقد الإنسان أنهم معصومون، أو أنهم يستحقون شيئاً من الألوهية، كما لا يجوز الجفاء مثل: سب الصحابة وإيذائهم، فكل ذلك من المنكرات العظيمة، فالواجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة، واعتقاد فضلهم وسابقتهم وخيريتهم، وأنهم خير الناس بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم.

    وكذلك يجب الاقتصاد والاعتدال في أمر قرابة النبي صلى الله عليه وسلم بدون غلو كما تفعل الرافضة، فإنهم يعبدونهم من دون الله، ومن دون جفاء كما تجفو النواصب من الخوارج وغيرهم، فإنهم جفوا آل البيت وكفروا علياً ومن شايعه، فالواجب الاقتصاد والاعتدال في أمر الصحابة والقرابة، ويكون ذلك بالترضي عنهم، والترحم عليهم، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم من السابقين والتابعين لهم بإحسان وأخبر أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وذكرهم في آيات من كتابه مثل قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ وهم الصحابة رضوان الله عليهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ وهذا وصفهم تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ يعني: قواه فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وقد استنبط الإمام مالك رحمه الله من قوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ : أن من أغاظ الصحابة فهو كافر؛ لأن الله أخبر: أنه يغيظ بالصحابة الكفار، قال: فمن أغاظ الصحابة فإنه يكون مرتداً -نعوذ بالله- لأن الله قال: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ فمن سب أو أغاظ الصحابة فإنه يكون كافراً لهذه الآية كما قاله الإمام مالك رحمه الله.

    قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29]، وهذا ثناء على الصحابة، ووعد كريم، فكيف يسب الصحابة من يؤمن بالله واليوم الآخر؟!

    وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عليهمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18]، وهذا: في أهل بيعة الرضوان وكانوا ألفاً وأربعمائة.

    وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام مسلم عن حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)، فهذا وعد كريم، وقد كانوا ألفاً وأربعمائة، وقال سبحانه وتعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد:10]، كلهم وعدهم الله بالحسنى وهي: الجنة، وهو وعد كريم، وفي الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم لـخالد بن الوليد ، لما حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف سوء تفاهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً خالداً بن الوليد : (لا تسبوا أصحابي)، يعني: المتقدمين في الصحبة، وإلا فـخالد صحابي، لكن إسلامه تأخر فلم يسلم إلا بعد صلح الحديبية، وعبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين، وبينهم تفاوت في الصحبة، والصحابة طبقات، وهناك طبقة بعدهم: وهم الذين أسلموا يوم الفتح، ويقال لهم: مسلمة الفتح.

    والسابقون الأولون: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية وهذا هو الصواب، وقيل: المراد بالسابقين الأولين: من صلى إلى القبلتين بيت المقدس والكعبة، لكن هذا قول ضعيف، والصواب: أن السابقين الأولين: هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وجاهدوا، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، فقد سماه الله فتحاً في سورة الفتح فقال: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، ولما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على عمر قال: أفتح هو؟ قال: نعم.

    فقال سبحانه: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10]، فلما حصل بعض الكلام بسبب سوء التفاهم بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف ، فكأن خالداً سب عبد الرحمن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً خالداً وكان ممن تأخر إسلامه وتأخرت صحبته: (لا تسبوا أصحابي)، يعني: المتقدمين في الصحبة كـعبد الرحمن بن عوف ، فلا تسبوا -أيها المتأخرون في الصحبة- أصحابي المتقدمين في الصحبة فإن بينكم تفاوتاً عظيماً: (فوالذي نفسي بيده!) وهذا قسم، وهو الصادق عليه الصلاة والسلام وإن لم يقسم، لكن لتأكيد الأمر، وفيه: إثبات اليد لله عز وجل، قوله: (فوالذي نفسي) أي: نفس النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، يعني: لو أن أحدكم -أيها المتأخرون في الصحبة كـخالد بن الوليد ومن أسلم بعد الحديبية -أنفق مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فلو أن خالداً أنفق مثل أحد ذهباً، وأنفق عبد الرحمن مداً، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، أو نصف مد لسبق عبد الرحمن لتقدمه في الإسلام على خالد ، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة أنفسهم، فكيف بالتفاوت بينهم وبين التابعين؟ وخالد رضي الله عنه أسلم بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، وهناك طبقة بعدهم: وهم الذين أسلموا بعد فتح مكة ويقال لهم: الطلقاء، ومنهم: معاوية بن أبي سفيان، وأخوه يزيد، وأبوه أبو سفيان ، ويقال لهم أيضاً: مسلمة الفتح، فهم طبقات، فإذا كان هذا التفاوت بين الصحابة أنفسهم، فكيف بالتفاوت بين الصحابة ومن بعدهم، فهو أعظم وأعظم.

    فضل بعض الصحابة على بعض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما، واتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهما، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً)، وقال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها ]

    يقول المؤلف رحمه الله: (اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما) يعني: أنهم اتفقوا على تقديم الشيخين في الأفضيلة وفي الخلافة، فاتفق أهل السنة والجماعة: على أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ، واتفقوا أيضاً: على أن الخليفة بعده هو أبو بكر ثم عمر ، وكذلك اتفق الصحابة رضي الله عنهم: على بيعة عثمان بعد عمر ، وأن الخليفة الثالث: هو عثمان ، وهذا مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة، واتفقوا على أن الخليفة الرابع: هو علي بن أبي طالب ، فترتيب الصحابة والخلفاء الأربعة في الخلافة متفق عليه بين أهل السنة والجماعة، وأن الخليفة الأول: أبو بكر، والخليفة الثاني: عمر ، والخليفة الثالث: عثمان ، والخليفة الرابع: علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.

    واتفقوا أيضاً: على أن ترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة سواءً بسواء، وأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلا أنه وقع خلاف بين بعض أهل السنة في الفضيلة بين عثمان وعلي ، فروي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله: أن علياً أفضل من عثمان ، وقال به بعض العلماء، وقال بعض أهل العلم بالتوقف، والجمهور على أن عثمان أفضل، ثم انقرض هذا الخلاف واتفق على تقديم عثمان على علي في الفضيلة، وهذا في الفضيلة فقط، أما ترتيبهم في الخلافة ففيه إجماع، فمن قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد ضل، بخلاف من قدم علياً على عثمان في الفضيلة فهذا لا يضل، وهذه مسألة سهلة خفيفة.

    ولهذا يقول العلماء: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله.

    وقال بعض التابعين: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. يعني: احتقرهم؛ وقد أجمع المهاجرون والأنصار على تقديم عثمان ومبايعته بالخلافة بعد عمر ، فالخلافة مجمع عليها، لكن الخلاف في الفضيلة بين علي وعثمان ، فالجماهير على أن عثمان أفضل، وبعض العلماء توقف، وبعض العلماء قدم علياً على عثمان ، ولكن هذا الخلاف انقرض، واتفق العلماء على تقديم عثمان على علي في الفضيلة كتقديمه عليه في الخلافة، والتقديم في الفضيلة أمره سهل مع أنه انقرض، وإنما الأمر المنكر هو تقديم علي على عثمان في الخلافة، فمن قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، وقد احتقر الصحابة من المهاجرين والأنصار المجمعين على تقديم عثمان على علي في الخلافة.

    ولهذا قال المؤلف في كتابه: (واتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة عثمان بعد عمر رضي الله عنهما.

    وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً) يعني: اتفق العلماء على أن الخلفاء الراشدين هم الأربعة، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ، ودل على ذلك الحديث الشريف، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً)، فإذا حسبت مدة خلافة الخلفاء الراشدين وجدتها ثلاثين سنة، فـأبو بكر سنتان وثلاثة أشهر، وعمر عشر سنين ونصف، وعثمان اثني عشرة سنة، وعلي أربع سنين وستة أشهر، والحسن بن علي ستة أشهر، فقد بويع له بالخلافة بعد قتل أبيه رضي الله عنهما، وبقي في الخلافة ستة أشهر، ثم تنازل عن الخلافة لـمعاوية بن أبي سفيان حقناً لدماء المسلمين، فإذا جمعت هذه المدة وجدتها ثلاثين سنة.

    (ثم تصير ملكاً)، وأول ملوك المسلمين: هو معاوية بن أبي سفيان فقد بويع له بالخلافة عام أربعين، وتمت له البيعة، وسمي ذلك العام: عام الجماعة.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، يعني: الزموها، والشيء الذي يلزمه الإنسان ويهتم به يعض عليه بالنواجذ، والنواجذ: هي الأسنان التي تلي الثنايا، قال: (وإياكم ومحدثات الأمور)، يعني: الأمور المحدثة في الدين (فإن كل بدعة ضلالة)، (وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه آخر الخلفاء الراشدين المهديين، وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا -يعني: في الفضيلة- أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ) واتفقوا على أن يقولوا في الخلافة: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ودلائل ذلك وفضائل الصحابة كثيرة ليس هذا موضعها).

    الإمساك عما شجر بين الصحابة من عقيدة أهل السنة والجماعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين فلهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم وما كان من السيئات، وقد سبق لهم من الله الحسنى، فإن الله يغفر لهم إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم)، وهذه خير أمة أخرجت للناس ].

    يقول المؤلف رحمه الله مبيناً معتقد أهل السنة والجماعة: (وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم) يعني: أن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإمساك -ومعنى الإمساك: هو السكوت- عما شجر بين الصحابة، يعني: عما حصل بينهم من الخلاف، كالنزاع والقتال، فيجب الإمساك عنه، ولا يجوز إفشاؤه.

    قال المؤلف رحمه الله: (ونعلم أن المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين) أي: في الشيء الذي ثبت عنهم، وبين المؤلف رحمه الله هذا المعنى بشكل أوضح في رسالة العقيدة الواسطية فقال: والمنقول عن الصحابة أنواع: منها: ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها: ما يوجد له أصل، ولكن زيد فيه أو نقص منه أو غير عليه، ومنها: ما هو ثابت في الصحيح، والثابت في الصحيح بين أمرين: فإما مجتهد مصيب له أجران، أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، وإما مجتهد مخطئ فله أجر الاجتهاد، وخطؤه مغفور.

    ثم نعتقد أن كل واحد من الصحابة ليس معصوماً من كبائر الذنوب ولا من صغائرها، فهم ليسوا أنبياء، والعصمة للأنبياء فقط، فالنبي معصوم عن الشرك وعن الكبائر ومعصوم فيما يبلغ عن الله، أما الواحد من الصحابة فليس معصوماً وقد تقع منه الذنوب، لكن إذا وقع منه الذنب فهناك أسباب المغفرة، فإن ما يحصل من الصحابة اجتهاد فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وإن وقع في ذنب محقق فأسباب المغفرة كثيرة: فقد يتوب إلى الله، فإما أن يغفرها الله له بتوبته فيتوب عليه ، أو يغفرها له بإقامة الحد عليه في الدنيا مثلاً، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم، وهم أولى الناس بشفاعته، فإنهم خير قرون هذه الأمة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وهم كانوا مجتهدين) أي: فيما شجر بينهم، إما مصيبين فلهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح، ومغفور لهم ما كان عليهم من السيئات.

    وقد سبق لهم من الله الحسنى، ووعدهم الله بالجنة، فإن الله يغفر لهم الذنوب المحققة: إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو غير ذلك مثل: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم خير قرون هذه الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم)، وبهذا يتبين أن معتقد أهل السنة والجماعة: الإمساك والسكوت عن الخلافات التي حصلت بين الصحابة فلا تتحدث عنها ولا تنشرها.

    وبهذا ينبغي ألا تستمع للأشرطة التي سجلها بعض الناس في الصحابة والخلاف الذي بينهم، لأن هذه طريقة أهل البدع، فبعض الناس يسجل أشرطة ينقل فيها النزاع والخلاف والحروب التي حصلت بين الصحابة وينشرها، ويتكلم بالكلام السيئ، مثل أشرطة طارق السويدان، فـطارق السويدان له أشرطة سيئة عن الصحابة، فلا ينبغي لطالب العلم استماعها، بل ينبغي له البعد عنها والتحذير منها؛ لأنها مخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة، ومعتقد أهل السنة والجماعة هو: السكوت عما شجر بين الصحابة من الخلافات وغيرها، واعتقاد أنهم أفضل وأخير الناس بعد الأنبياء، وأن ما حصل بينهم من اختلاف لا يخرج عن كونه إما مجتهد مصيب له أجران أو مجتهد مخطئ له أجر، وأن ما يروى عنهم من الأخبار لا يخرج عن كون بعضها كذباً لا أساس له من الصحة، وبعضها له أصل لكن زيد فيه بعض الكذب، أو نقصوا فيه، أو غيروه عن وجهه.

    وبعض الذنوب المحققة صحيح ثابت، لكن هذا الثابت إما أن يمحى عنه بالتوبة أو بالحسنات أو بالمصائب أو بسابقتهم وفضلهم وجهادهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبهذا يتبين أن من ينشر ويثير الخلافات بين الصحابة فهو مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة، ويجب هجره وعدم الاستماع لكلامه، ومن ذلك: أشرطة طارق السويدان ، فينبغي هجرها وتركها وعدم سماعها والتحذير منها، لما فيها من مخالفة لمعتقد أهل السنة والجماعة بنشر ما شجر بين الصحابة من الخلافات.

    الإمساك عما شجر بين علي ومعاوية مع اعتقاد أن كون الحق والصواب مع علي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونعلم مع ذلك أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه، لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)، وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حق، وأن علياً رضي الله عنه أقرب إلى الحق ]

    يقول المؤلف رحمه الله: بأن الخلاف والنزاع الذي حصل بين أهل العراق وهم علي رضي الله عنه ومن معه، وبين أهل الشام وهم معاوية ومن معه، بأن الحروب التي حصلت بينهم كانت عن اجتهاد منهم فيها، فهم مجتهدون فمنهم المصيب له أجران ومنهم المخطئ له أجر، ونعلم أن علياً رضي الله عنه أفضل من معاوية وأقرب إلى الحق منه وممن قاتله معه، والدليل على أنه أقرب إلى الحق: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد : (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين)، فقوله: تمرق بمعنى: تخرج عن الدين، وهم الخوارج، قال: (تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)، وكان علي هو من قتلهم فصار أقرب إلى الحق من معاوية .

    يقول المؤلف: (وفي هذا الحديث دليل على أن مع كل طائفة حق وأن علياً رضي الله عنه أقرب إلى الحق). والحديث فيه دليل على أن معاوية معه حق وكذلك علي رضي الله عنهما، لكن الأقرب إلى الحق هو علي رضي الله عنه، ومما يدل على ذلك أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعمار : (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، فقتله جيش معاوية ، فدل على أن معاوية ومن معه بغاة، لكن لا يعلمون أنهم بغاة، وذلك أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه بويع بالخلافة من قبل أهل الحل والعقد، فامتنع معاوية وأهل الشام من البيعة، فتكلم بعضهم مع معاوية وقال بأنه يجب عليكم أن تبايعوا، وقد ثبتت البيعة لـعلي فلماذا لا تبايعون؟ فامتنع معاوية وأهل الشام، وقالوا: لا نبايع أحداً مع أننا نعتقد أنك أولى بالخلافة منا، لكن يجب عليك تسليم قتلة عثمان الذين قتلوه حتى نقتلهم، لأن معاوية أقرب الناس إليه، ونخشى أن يزيد طغيانهم وشرهم، فقال علي رضي الله عنه: أنا أوافقكم على ذلك، لكني لا أستطيع أن أسلمكم قتلته الآن، فلا أعرف من الذي قتل عثمان؛ لأنه مندس لا يعرف، وحتى لو عُرف فإن قبيلته تنتصر له فالأمر شديد جداً، فإذا استتب الأمر فإننا نأخذ قتلة عثمان ونقتلهم، فقال أهل الشام: بل أعطونا قتلة عثمان الآن، ومن هنا حصل الخلاف، وهذه أسبابه.

    فلما رأى علي رضي الله عنه أنهم لم يبايعوه أراد أن يخضعهم بالقوة ولابد من قتالهم، فانضم إلى علي أكثر الصحابة معتقدين أنه على الحق وأن أهل الشام بغاة يجب إخضاعهم؛ عملاً بقول الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9]، فانضم جماهير الصحابة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذه الآية، وقالوا: بأن أهل الشام بغاة، والله أمرنا أن نقاتل البغاة إذا لم يفيئوا إلى أمر الله، فلما لم يبايعوا قاتلهم علي رضي الله عنه، فدافعوا عن أنفسهم وهذا سبب الخلاف.

    ولم ير علي رضي الله عنه أن معاوية وأهل الشام من المؤلفة قلوبهم، فلم يستقر الإسلام في قلوبهم بعد -والمؤلفة قلوبهم: هم الذين دخلوا الإسلام من قريب- وكان معاوية بن أبي سفيان ممن دخل في الإسلام من قديم، فليسوا من المؤلفة قلوبهم، فلم يبق إلا القتال فقاتلوهم، وهذا هو الصواب.

    فكان الصواب مع علي رضي الله عنه، وكان أهل الشام ومعاوية متأولين، فقالوا: نحن لا نمانع ولا نطالب بالخلافة، وإنما نطالب بدم عثمان لأننا أولياؤه، فأعطونا القتلة ثم نبايع بعد ذلك.

    ويرى علي رضي الله عنه أنه الخليفة الراشد الذي تمت له البيعة فيجب إخضاعهم له، وأما مطالبتهم بالدم فيكون بعد ذلك، فهذا هو بداية منشأ النزاع.

    وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: (ونعلم أن علياً كان أفضل وأقرب إلى الحق).

    حكم معتزلي هذه الفتنة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة كـسعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما رضي الله عنهم فاتبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة، وعلى ذلك أكثر أهل الحديث ]

    يعني: أن طائفة من الصحابة اعتزلوا الفريقين، فلم يقاتلوا مع علي ولم يقاتلوا مع معاوية؛ لأن الأمر اشتبه عليهم فقالوا: لا ندري هل الحق مع علي أم مع معاوية؟ وقالوا: بأن النصوص الكثيرة قد جاءت بالأمر بالاعتزال في الفتنة وعدم الدخول فيها، وهذه فتنة، ومنها: (اعتزل الفتنة)، ومنها: (اكسر سيفك في الفتنة)، وكذلك منها: (إذا كنت قائماً فاقعد، وإن كنت قاعداً فاضطجع).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نجلس في الفتنة وألا نشارك فيها وأن نكسر سيوفنا، فاشتبه الأمر عليهم.

    وكان سعد بن أبي وقاص ممن اعتزل الفريقين، فلم يقاتل مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وكذلك ابن عمر ، وأبو بكرة ، وأسامة بن زيد، فقد اتعظ لما قتل رجلاً وعنفه النبي صلى الله عليه وسلم وشدد عليه فلم يدخل مع الفريقين، واعتزل سلمة بن الأكوع الفريقين وذهب إلى البادية وتزوج، وقال: إن الرسول أذن لي في البدو، فكان هؤلاء الصحابة ممن اشتبه الأمر عليهم فلم يتبين لهم مع من الحق، ويسميهم بعض الناس: مرجئة الصحابة؛ لأنهم أرجئوا أمر هؤلاء وهؤلاء إلى الله ولم يعلموا أن الحق مع هؤلاء أو مع هؤلاء، وكان الصواب مع علي ومن قاتل معه، وهذا هو الذي عليه جماهير الصحابة، فوجب القتال معه؛ لأنه الخليفة الراشد عملاً بالآية الكريمة: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا [الحجرات:9]، فقال: (قاتلوا) ولم يقل: اجلسوا، قال: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [الحجرات:9]، فأكثر الصحابة قاتلوا معاوية عملاً بهذه الآية، ولأنهم بغاة لم يبايعوا، فيجب إخضاعهم حتى لا تكون فتنة، وكل له عذر، فـعلي مصيب وعذره معروف، ومعاوية وأصحابه مجتهدون ولهم عذر، ومن اعتزل الفريقين أيضاً له عذر، فكل له عذر.

    1.   

    فضل آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هم؟

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم حقاً في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لنا: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، وآل محمد: هم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما من العلماء رحمهم الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)، وقد قال الله تعالى في كتابه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]، وحرّم الله عليهم الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، وقد قال بعض السلف: حب أبو بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق. وفي المسانيد والسنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس لما شكا إليه جفوة قوم له: (والذي نفسي بيده! لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي). ]

    يقول المؤلف رحمه الله: (وكذلك آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم من الحقوق ما يجب رعايتها) ويطلق آل البيت على قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من جهة النسب، وهم: عمه العباس، وعلي بن أبي طالب، وفاطمة، والحسن والحسين ، وزوجاته من أهله أيضاً، فكل هؤلاء يطلق عليهم اسم الآل، ويطلق آل النبي على أتباعه في الدين، وهذا هو الصواب، فيشمل القرابة وغيرهم، ولكن قد يطلق آله على قرابته انفراداً إذا قيل: إن الصدقة تحرم على آل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في الصلاة حين تقول: اللهم صل على محمد وآله، فالمراد به: أتباعه على دينه.

    ويقول المؤلف رحمه الله: (آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم) يعني: قرابته، (لهم من الحقوق ما يجب رعايتها) فإن الله جعل لهم حقاً في الخمس والفيء، والفيء: ما يغنمه المسلمون من أموال الكفار بلا قتال.

    أما ما أخذ من أموالهم بعد القتال فيسمى: غنيمة، والفرق بين الغنيمة والفيء: أن الغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار بعد القتال، والفيء: ما أخذ من أموال الكفار بدون قتال.

    فإذا قاتل المسلمون الكفار ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وغنموا أموالهم فإن الأموال تجمع ثم تقسم أربعة أخماس على الغانمين، وينزع الخمس الخامس ثم يقسم خمسة أقسام، فخُمس لله وللرسول، وخمس لقرابة الرسول -وهم بنو هاشم وبنو المطلب- وخمس لليتامى، وخمس للمساكين، وخمس لابن السبيل، وهذا معنى قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41].

    أنواع الصلوات الواردة على النبي وآله وأفضلها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكذلك آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لهم من الحقوق ما يجب رعايتها، فإن الله جعل لهم الحق في الخمس والفيء، وأمر بالصلاة عليهم مع الصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال لنا: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد..)، ويشملهم قرابته المسلمون وأتباعه إلى يوم القيامة، أما غير المسلم فلا يدخل في هذا المعنى، وهذا هو الصواب.

    قال: (كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذا نوع من أنواع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) فجمع بين محمد وآل محمد في الصلاة، وفي الصلاة على إبراهيم قال: (كما صليت على آل إبراهيم) وهذا نوع من الصلاة، (إنك حميد مجيد) وفي التبريك جمع بين محمد وآل محمد فقال: (وبارك على محمد وعلى آل محمد) وقال في إبراهيم: (كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).

    والنوع الثاني: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم) والفرق بينهما أن في الأولى قوله: (آل إبراهيم) وهذه إبراهيم.

    وهناك نوع ثالث: وهو قوله: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، وبارك على محمد وأزواجه وذريته).

    وأكمل ما ورد في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأنبياء: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قولوا اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد). فجمع بين محمد وآل محمد وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة وفي التبريك، وفي بعضها: (اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم.. في العالمين إنك حميد مجيد)، وكلها حق، لكن أكملها هو الجمع بين محمد وآل محمد وإبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة وفي التبريك، وقد خفي هذا على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -مع علمه وحفظه العظيم للصحاح والسنن والمسانيد- فقال: لم يرد الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة، وقد تبعه على ذلك العلامة ابن القيم فقال: لم يرد الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم.

    والصواب: أنه ورد في البخاري في كتاب الأنبياء قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)، في الصلاة والتبريك.

    والخلاصة: أنه إذا قيل آل محمد في الصدقة والزكاة: فهم الذين حرمت عليهم الصدقة، هكذا قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من العلماء رحمهم الله، والذين حرمت عليهم الصدقة: هم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب.

    فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)، قال العلماء: لأنها أوساخ الناس.

    فلا تحل الزكاة للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لآله تكريماً لهم؛ لأنها أوساخ الناس، فعندما يخرج الإنسان زكاة ماله فإنه يطهر من وسخه، فدل على أن الزكاة هي أوساخ الناس، لكن الله عوضهم بالخمس من الغنيمة والفيء، وقال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33]؛ لأنها أوساخ الناس، وقد قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق، وهذا صحيح.

    وفي المسانيد والسنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس لما شكا إليه جفوة قوم له: (والذي نفسي بيده! لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي) والمراد بهم: أهل البيت.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم.) ].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الخلاصة، فالله تعالى اصطفى بني إسماعيل، واصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى نبينا صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، وفي اللفظ الآخر: (فأنا خيار من خيار من خيار).

    1.   

    زمن وقوع الفتنة وأسبابها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده، صار قوم ممن يحب عثمان ويغلو فيه ينحرف عن علي رضي الله عنه مثل كثير من أهل الشام ممن كان إذ ذاك يسب علياً رضي الله عنه ويبغضه، وقوم ممن يحب علياً رضي الله عنه ويغلو فيه ينحرف عن عثمان رضي الله عنه مثل كثير من أهل العراق ممن كان يبغض عثمان ويسبه رضي الله عنه، ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك حتى سبوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وزاد البلاء بهم حينئذ، والسنة محبة عثمان وعلي جميعاً، وتقديم أبي بكر وعمر عليهما رضي الله عنهم، لما خصهما الله به من الفضائل التي سبقا بها عثمان وعلياً ، وقد نهى الله في كتابه عن التفرق والتشتت وأمر بالاعتصام بحبله ].

    يقول المؤلف رحمه الله: (وقد كانت الفتنة لما وقعت بقتل عثمان وافتراق الأمة بعده) يعني: أن الفتنة حصلت بقتل عثمان ؛ لأنه قتل شهيداً مظلوماً وهو خليفة المسلمين، وذلك: أن بعض السفهاء جاءوا وتجمعوا من أقطار الدولة الإسلامية كالبصرة والكوفة ومصر وجعلوا يشيعون عيوب عثمان وينشرونها بين الناس، فعابوا عليه وقالوا: إن عثمان خالف الشيخين أبا بكر وعمر ، فخفض صوته بالتكبير، وأخذ الزكاة على الفيء، وولى أقاربه، وأتم الصلاة في السفر، وجعلوا ينشرونها بين الناس حتى تجمع هؤلاء السفهاء وأحاطوا ببيته وقتلوه، فلما قتلوه انفتح باب الفتنة، ثم بويع علي رضي الله عنه، ثم امتنع أهل الشام عن البيعة فحصل القتال.

    ولهذا يقول المؤلف رحمه الله: (وَقَدْ كَانَتْ الْفِتْنَةُ لَمَّا وَقَعَتْ بِقَتْلِ عثمان وَافْتِرَاقِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ، صَارَ قَوْمٌ مِمَّنْ يُحِبُّ عثمان وَيَغْلُو فِيهِ يَنْحَرِفُ عَنْ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؛ مِمَّنْ كَانَ إذْ ذَاكَ يَسُبُّ علياً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُبْغِضُهُ، وَقَوْمٌ مِمَّنْ يُحِبُّ علياً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَغْلُو فِيهِ ينحرف عن عثمان ) يعني: انقسم الناس قسمين: قسماً أحبوا عثمان وزادوا في حبه وكرهوا علياً، بل سبوه، وقسماً أحبوا علياً وغلوا فيه، وانحرفوا عن عثمان رضي الله عنه.

    ثم قال رحمه الله: (ثم تغلظت بدعتهم بعد ذلك حتى سبوا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وزاد البلاء بهم حينئذ) وهذا مذهب الرافضة: سب الشيخين أبي بكر وعمر ، وهذا من الردة.

    قال المؤلف رحمه الله: (وَالسُّنَّةُ مَحَبَّةُ عثمان وعلي جَمِيعًا)، والترضي عنهما، قوله: (وَتَقْدِيمُ أبي بكر وعمر عليهما رضي الله عنهم) أي: في الفضيلة وفي الخلافة؛ لأن أبا بكر وعمر مقدمان في الخلافة وفي الفضيلة.

    ثم قال: (لِمَا خَصَّهُمَا اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ الَّتِي سَبَقَا بِهَا عثمان وعلياً جَمِيعًا.

    وَقَدْ نَهَى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ التَّفَرُّقِ وَالتَّشَتُّتِ؛ وَأَمَرَ بِالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ) يعني: لا يجوز للأمة أن تتفرق، بل يجب عليها أن تجتمع وأن تعتصم بحبل الله ودينه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهِ وَيَعْتَصِمَ بِحَبْلِ اللَّهِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ مَبْنَاهَا عَلَى الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالِاتِّبَاعِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ.

    فَالرَّافِضَةُ لَمَّا كَانَتْ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ، صَارَ الْعُلَمَاءُ يَأْمُرُونَ بِعُقُوبَةِ مَنْ يَسُبُّ الصَّحَابَةَ، ثُمَّ كَفَّرَتْ الصَّحَابَةَ وَقَالَتْ عَنْهُمْ أَشْيَاءَ قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُمْ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. ]

    يقول المؤلف رحمه الله: (هذا موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله، فإن السنة مبناها على العلم والاتباع لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم) يعني: مسألة ترتيب الصحابة في الخلافة، وترتيبهم في الفضيلة، والنزاع الذي جرى بين الصحابة، فهو موضع يجب على المؤمن أن يتثبت فيه ويعتصم بحبل الله، وإذا نظرنا إلى النصوص في كتاب الله وسنة رسوله لوجدنا أنها تترضى عن الصحابة وتبين فضلهم وسابقتهم.

    فقوله: (فَالرَّافِضَةُ لَمَّا كَانَتْ تَسُبُّ الصَّحَابَةَ، صَارَ الْعُلَمَاءُ يَأْمُرُونَ بِعُقُوبَةِ مَنْ يَسُبُّ الصَّحَابَةَ) يعني: لما كان الروافض يسبون الصحابة كان العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة، (ثُمَّ كَفَّرَتْ الصَّحَابَةَ وَقَالَتْ عَنْهُمْ أَشْيَاءَ) يعني: الرافضة كفروا الصحابة، بل كفروا أبا بكر وعمر، قال: (قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُمْ فِيهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ)، فقد بيّن رحمه الله في الصارم المسلول على شاتم الرسول، أن من فسّق الصحابة وكفرهم فإنه يكون مرتداً؛ لأنه مكذب لله؛ ولأن الله تعالى زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، قال عز وجل: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:95] وقال سبحانه: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح:18] وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29]، هذه كلها تزكية، فالله زكاهم وعدّلهم، فمن كفرهم وفسقهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر.

    1.   

    أقسام الناس في الحكم على يزيد بن معاوية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إذْ ذَاكَ يَتَكَلَّمُ فِي يزيد بن معاوية ، وَلَا كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ الدِّينِ، ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ فَصَارَ قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لَعْنَةَ يزيد بن معاوية، وَرُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُمْ بِذَلِكَ التَّطَرُّقَ إلَى لَعْنَةِ غَيْرِهِ، فَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِمَّنْ كَانَ يَتَسَنَّنُ؛ فَاعْتَقَدَ أَنَّ يزيد كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى.

    وَصَارَ الْغُلَاةُ فِيهِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضِ، هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيقٌ، وَإِنَّهُ قَتَلَ ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَقَتَلَ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَهُمْ بِالْحَرَّةِ، لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ قُتِلُوا كُفَّارًا، مِثْلُ جَدِّهِ لِأُمِّهِ عتبة بن ربيعة وَخَالِهِ الوليد وَغَيْرِهِمَا، وَيَذْكُرُونَ عَنْهُ مِنْ الِاشْتِهَارِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَإِظْهَارِ الْفَوَاحِشِ وأَشْيَاءَ.

    وَأَقْوَامٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا عَادِلًا هَادِيًا مَهْدِيًّا، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرُبَّمَا اعْتَقَدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُونَ: مَنْ وَقَفَ فِي يزيد وَقَّفَهُ اللَّهُ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَرْوُونَ عَنْ الشَّيْخِ حسن بن عدي أَنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلِيًّا، ومن وقفوا فيه وَقَفُوا عَلَى النَّارِ لِقَوْلِهِمْ فِي يزيد، وَفِي زَمَنِ الشَّيْخِ حسن زَادُوا أَشْيَاءَ بَاطِلَةً نَظْمًا وَنَثْرًا.

    وَغَلَوْا فِي الشَّيْخِ عدي وَفِي يزيد بِأَشْيَاءَ مُخَالِفَةٍ لِمَا كَانَ عليه الشَّيْخُ عدي الْكَبِيرُ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، فَإِنَّ طَرِيقَتَهُ كَانَتْ سَلِيمَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ وَابْتُلُوا بِرَوَافِضَ عَادُوهُمْ وَقَتَلُوا الشَّيْخَ حسناً وَجَرَتْ فِتَنٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ].

    يقول المؤلف رحمه الله: (ولم يَكُنْ أَحَدٌ إذْ ذَاكَ يَتَكَلَّمُ فِي يزيد بن معاوية ) يعني: في عهد يزيد ما كان أحد يتكلم في يزيد بن معاوية أو يسبه، (وَلَا كَانَ الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ الدِّينِ) لأن يزيد بن معاوية إنما بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه معاوية .

    (ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ فَصَارَ قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لَعْنَةَ يزيد بن معاوية .) يعني: كانوا يلعنونه؛ لأنه قتل الحسين حسب زعمهم، (وَرُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُمْ بِذَلِكَ التَّطَرُّقَ إلَى لَعْنَةِ غَيْرِهِ) يعني: بعض الناس يلعن يزيد حتى يلعن غيره، (فَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ) يعني: أهل السنة يكرهون أن يلعن أحد بعينه، فلا تقل: فلان عليه لعنة الله، وإنما تلعن على العموم، فتقول: لعن الله شارب الخمر، لعن الله آكل الربا، لعن الله السارق، أما فلان بن فلان ملعون فلا، وهذا هو الصواب، لا نلعن المعين؛ لأنه قد يتوب الله عليه، وقد تمحى سيئته، فلا يلعن بعينه.

    ثم قال: (فَسَمِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ مِمَّنْ كَانَ يَتَسَنَّنُ؛ فَاعْتَقَدَ أَنَّ يزيد كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى) يعني: جاء قوم بعدهم ممن كان ينتسب إلى السنة، فاعتقد أن يزيد كان من كبار الصالحين وأئمة الهدى، (وَصَارَ الْغُلَاةُ فِيهِ عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضِ، هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ كَافِرٌ زِنْدِيقٌ وَأَقْوَامٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا عَادِلًا هَادِيًا مَهْدِيًّا) فالناس في يزيد بن معاوية طرفان: طرف يقول: إن يزيد بن معاوية كافر زنديق لأنه قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطرف آخر يقولون: إن يزيد كان إماماً عادلاً هادياً مهدياً، وأنه كان من الصحابة أو أكابر الصحابة وأنه من أولياء الله تعالى، وربما اعتقد بعضهم أنه نبي، وكل هذا باطل، والصواب الوسط، وهو أن يزيد بن معاوية ليس من الصحابة، وليس نبياً ولا إماماً عادلاً، ولكنه من ملوك المسلمين الذين لهم حسنات وسيئات، كغيره من الملوك، لا نقول: إنه نبي أو إنه هاد مهدي أو مصلح، ولا نسبه ولا نشتمه، بل نتوقف، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وصار الغلاة فيه على طرفي نقيض هؤلاء يقولون: إنه كافر زنديق) وهم طائفة (وإنه قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل الأنصار وأبناءهم بالحرة) وهي: وقعة الحرة المعروفة، هذه الوقعة حصلت بسبب: أن أهل المدينة بقيادة عبد الله بن مطيع خلعوا يزيد، وكان خليفة والخلافة في الشام، فخلعوا في المدينة يزيد ، فنهاهم ابن عمر ونصحهم، وقال: لا يجوز الخروج على ولاة الأمور وهذا يسبب الفتن، فلم يسمعوا له ويطيعوه، فأرسل يزيد بن معاوية من الشام جيشاً لقتال أهل المدينة وإخضاعهم؛ لأنهم خرجوا على خلافته، فقاتلهم هذا الجيش وأخضعهم، ويقال: إنه استباح المدينة ثلاثة أيام عقوبة لهم، يعني: كل يفعل ما يشاء ثلاثة أيام، لا يحد من الزنا أو السرقة أو غيرها نعوذ بالله.

    فإذاً: بعض الناس غلا في يزيد فقال: إنه كافر زنديق؛ لأنه قتل ابن بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وقتل أصحابه، وفي وقعة الحرة قتل فيها خلقاً كثيراً من الصحابة وأبناء الأنصار، وفعل فيها ثلاثة أيام كذا وكذا.

    وأقوام يقولون: إن يزيد إمام عادل هاد مهدي، بل قال بعضهم: إنه من الصحابة، بل قال بعضهم: إنه من كبار الصحابة، بل قال بعضهم: إنه من أولياء الله، بل اعتقد بعضهم أنه من الأنبياء، ويقول هؤلاء الذين يغلون في يزيد: (من وقف في يزيد وقفه الله على نار جهنم). يعني: من توقف في يزيد ولم يمدحه ويثني عليه فهذا يعذب في نار جهنم، هكذا يقولون.

    يقول رحمه الله: [ وَهَذَا الْغُلُوُّ فِي يزيد مِنْ الطَّرَفَيْنِ خِلَافٌ لِمَا أَجْمَعَ عليه أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ.

    فَإِنَّ يزيد بن معاوية وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَلَا كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَا كَانَ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَكَانَ مِنْ شُبَّانِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَا كَانَ كَافِرًا زِنْدِيقًا؛ وَتَوَلَّى بَعْدَ أَبِيهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَرِضًا مِنْ بَعْضِهِمْ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَكَرَمٌ، وَلَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِلْفَوَاحِشِ كَمَا يَحْكِي عَنْهُ خُصُومُهُ.

    يقول المؤلف: (هذا الغلو في يزيد خلاف لما أجمع عليه أهل العلم والإيمان) قلنا: إن بعضهم غلا وقال: إنه كافر زنديق، وبعضهم غلا في مدحه وقال: إنه إمام صالح هاد مهدي، أو إنه نبي.

    ذكر الأمور العظيمة التي جرت في خلافة يزيد بن معاوية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَجَرَتْ فِي إمَارَتِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ : أَحَدُهَا مَقْتَلُ الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الحسين، وَلَا أَظْهَرَ الْفَرَحَ بِقَتْلِهِ؛ وَلَا نَكَّتَ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا حَمَلَ رَأْسَ الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إلَى الشَّامِ، لَكِنْ أَمَرَ بِمَنْعِ الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِدَفْعِهِ عَنْ الْأَمْرِ وَلَوْ كَانَ بِقِتَالِهِ، فَزَادَ النُّوَّابُ عَلَى أَمْرِهِ، وحض الشمر بن ذي الجوشن الجيوش عَلَى قَتْلِهِ لعبيد الله بن زياد؛ فَاعْتَدَى عليه عبيد الله بن زياد، فَطَلَبَ مِنْهُمْ الحسين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَجِيءَ إلَى يزيد، أَوْ يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ مُرَابِطًا أَوْ يَعُودَ إلَى مَكَّةَ فَمَنَعُوهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، وَأَمَرَ عمر بن سعد بِقِتَالِهِ فَقَتَلُوهُ مَظْلُومًا لَهُ وَلِطَائِفَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

    وَكَانَ قَتْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ، فَإِنَّ قَتْلَ الحسين ، وَقَتْلَ عثمان قَبْلَهُ كَانَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَتَلَتُهُمَا مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ. ]

    يقول المؤلف رحمه الله: وجرت في إمارة يزيد بن معاوية أمور عظيمة، أحدها: مقتل الحسين، فقد قتل رضي الله عنه في إمارة يزيد بن معاوية ، ويزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين ، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت بالقضيب على ثناياه، ولا حمل رأس الحسين إلى الشام، كما يقول بعض الجهال، وبعضهم يقول: إنه حمل إلى مصر، وجعلوا له مشهداً في مصر يسمونه: رأس الحسين .

    وهناك مسجد يسمونه: مسجد الحسين يطاف به، مع أن الحسين ما جاء إلى مصر، ولا نقل رأسه إلى مصر، ولا شيء من ذلك، بل هو مدفون في العراق، فما الذي أتى به إلى مصر حتى يُجعل له مشهد ومزار؟! فـيزيد ما أمر بقتل الحسين، ولا أظهر الفرح بقتله، ولا نكت بالقضيب على ثناياه، ولا حمل رأس الحسين إلى الشام، لكنه أمر بمنع الحسين عنه وبدفعه عن الأمر ولو كان بقتاله، لا لأنه جاء إلى العراق؛ لأن أهل العراق وعدوه بأنهم سيبايعونه على الخلافة، فلما علم يزيد بذلك أمر بمنعه ودفعه عن الأمر ولو كان بالقتال، فحض الشمر عبيد الله بن زياد على قتله، فاعتدى عليه عبيد الله بن زياد وأمر عمر بن سعد بقتاله، فقتلوه مظلوماً له ولطائفة من أهل بيته رضي الله عنهم، وكان قتل الحسين من أعظم المصائب، كذلك قتل عثمان كان من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة.

    قال رحمه الله تعالى: [ وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى يزيد بن معاوية أَكْرَمَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَعَنَ ابن زياد عَلَى قَتْلِهِ، وَقَالَ: كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِدُونِ قَتْلِ الحسين ، لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إنْكَارُ قَتْلِهِ، وَالِانْتِصَارُ لَهُ، وَالْأَخْذُ بِثَأْرِهِ، وكَانَ هُوَ الْوَاجِبَ عليه، فَصَارَ أَهْلُ الْحَقِّ يَلُومُونَهُ عَلَى تَرْكِهِ لِلْوَاجِبِ مُضَافًا إلَى أُمُورٍ أُخْرَى، وَأَمَّا خُصُومُهُ فَيزيدونَ عليه مِنْ الْفِرْيَةِ أَشْيَاءَ ].

    يقول المؤلف: (لما قدم أهلهم) أي: أهل الحسين ومن معه بعد قتل الحسين وقتل من معه، فقد قدم أهل الحسين ومن معه على يزيد بن معاوية فأكرمهم وسيرهم إلى المدينة، وروي عنه أنه لعن عبيد الله بن زياد على قتله؛ لأنه كان والياً على العراق، فـيزيد بن معاوية لما بلغه ذلك لعن ابن زياد على قتله، وقال: كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين ، يعني: أنا أريد أن يخضعوا للخلافة، (لكن مع هذا لم يظهر منه إنكار قتله، والانتصار له، والأخذ بثأره) يعني: كما أن يزيد لم يرض بقتل الحسين، إلا أنه لم ينكر هذا، ولا أظهره، فهو ما رضي ولا أحب ولا كره، ما أحب قتل الحسين، ولا كره قتله، (فصار أهل الحق يلومون يزيد على ترك الواجب مضافاً إلى أمور أخرى، وأما خصوم يزيد فيكذبون عليه، ويزيدون عليه أشياء.

    [ وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ نَقَضُوا بَيْعَتَهُ، وَأَخْرَجُوا نُوَّابَهُ وَأَهْلَهُ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَيْشًا؛ وَأَمَرَهُ إذَا لَمْ يُطِيعُوهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَنْ يَدْخُلَهَا بِالسَّيْفِ وَيُبِيحَهَا ثَلَاثًا، فَصَارَ عَسْكَرُهُ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ وَيَفْتَضُّونَ الْفُرُوجَ الْمُحَرَّمَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَ جَيْشًا إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، فَحَاصَرُوا مَكَّةَ وَتُوُفِّيَ يزيد وَهُمْ مُحَاصِرُونَ مَكَّةَ، وَهَذَا مِنْ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ الَّذِي فُعِلَ بِأَمْرِهِ ].

    الأمر الأول: قتل الحسين ، والأمر الثاني: نقض أهل المدينة لبيعة يزيد ، فقد نقضوا بيعته، وأخرجوا نوابه وأهله، فبعث إليهم يزيد جيشاً لإخضاعهم، وأمر القائد إذا لم يطيعوا ولم يرجعوا إلى الطاعة خلال ثلاثة أيام أن يدخلها بالسيف، وأن يبيحها مدة ثلاثة أيام، فمن زنى أو سرق أو قتل فلا يقام عليه الحد، هذا معنى الإباحة، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثاً يقتلون من شاءوا، وينهبون ما شاءوا، ويفتضون الفروج المحرمة، ثم أرسل يزيد جيشاً إلى مكة المشرفة فحاصروا مكة؛ لأن فيها عبد الله بن الزبير، فتوفي يزيد وهم يحاصرون مكة.

    عقيدة أهل السنة والجماعة في يزيد بن معاوية

    [ ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمة الأمة أنه لا يسب ولا يحب ] يعني: الذي عليه أهل السنة أن يزيد لا يحب ولا يسب، أي: لا نحبه ولا نسبه.

    ثم قال رحمه الله: [ قال صالح بن أحمد بن حنبل : قلت لأبي -يعني: الإمام أحمد بن حنبل-: إن قوماً يقولون: إنهم يحبون يزيد. قال: يا بني! وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت! فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني! ومتى رأيت أباك يلعن أحداً؟

    وروي عنه: أنه قيل له: أتكتب الحديث عن يزيد بن معاوية ؟ قال: لا، ولا كرامة، أوليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟

    [ فـيزيد عِنْدَ عُلَمَاءِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ، لَا يُحِبُّونَهُ مَحَبَّةَ الصَّالِحِينَ وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ؛ وَلَا يَسُبُّونَهُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُحِبُّونَ لَعْنَةَ الْمُسْلِمِ الْمُعِينِ؛ لِمَا رَوَى البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدْعَى حماراً ، وَكَانَ يُكْثِرُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَكَانَ كُلَّمَا أُتِيَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ ضَرَبَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

    وَمَعَ هَذَا فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُجِيزُونَ لعنه لِأنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ فَعَلَ مِنْ الظُّلْمِ مَا يجوِّز لعن فَاعِلِهِ.

    وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَرَى مَحَبَّتَهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَوَلَّى عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ؛ وَبَايَعَهُ الصَّحَابَةُ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ، وَكَانَتْ لَهُ مَحَاسِنُ أَوْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِيمَا فَعَلَهُ.

    وَالصَّوَابُ: هُوَ مَا عليه الْأَئِمَّةُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُخَصُّ بِمَحَبَّةِ وَلَا يُلْعَنُ، وَمَعَ هَذَا فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لِلْفَاسِقِ وَالظَّالِمِ لَا سِيَّمَا إذَا أَتَى بِحَسَنَاتِ عَظِيمَةٍ.

    وَقَدْ رَوَى البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَالَ : (أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو قُسْطَنْطِينِية مَغْفُورٌ لَهُ)، وَأَوَّلُ جَيْشٍ غَزَاهَا كَانَ أَمِيرُهُمْ يزيد بن معاوية ، وَكَانَ مَعَهُ أبو أيوب الأنصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.]

    يقول المؤلف رحمه الله: ( يزيد بن معاوية عند أئمة المسلمين ملك من الملوك.. لا يحبونه ولا يسبونه) هذا هو العدل والإنصاف، فيزيد بن معاوية ملك من ملوك المسلمين لا يحب ولا يسب، لا يحبونه محبة الصالحين وأولياء الله ولا يسبونه؛ لأنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين، واستدل بحديث البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أن رجلاً كان يدعى حماراً ، وكان يكثر شرب الخمر، وكان كلما أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ضربه، فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) إذاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لعن شارب الخمر، لكن لعنه على العموم جائز، وهناك طائفة من أهل السنة يجيزون لعن يزيد ، وطائفة يقولون: لا يلعن، والذين قالوا: لا يلعن هم الجمهور، وهذا هو الصواب.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) وَمَعَ هَذَا فَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُجِيزُونَ لعنه؛ لِإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ فَعَلَ مِنْ الظُّلْمِ مَا يجوِّز لعن فَاعِلِهِ، فيقولون: له منكرات ومعاص توجب لعنه، والذين لا يلعنونه يقولون: الأصل في المؤمن أنه لا يلعن.

    وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تَرَى محبة يزيد ؛ لأنه مسلم وتولى على عهد الصحابة، ويزيد بن معاوية مسلم بايعه الصحابة.

    فبين المؤلف رحمه الله الصواب، فقال: الصواب في هذه المسألة: هو ما عليه الأئمة من أنه لا يخص بمحبة ولا بلعن، فلا نحبه ولا نلعنه، ومع هذا فإن كان فاسقاً أو ظالماً كما تقولون فالله يغفر للفاسق والظالم، لا سيما إذا أتى الفاسق بحسنة عظيمة تمحو سيئاته، وقد ثبت في صحيح البخاري أن يزيد فعل حسنة وهي الجهاد في سبيل الله، فقَدْ رَوَى البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَالَ : (أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو قُسْطَنْطِينِية مَغْفُورٌ لَهُ)، وَأَوَّلُ جَيْشٍ غَزَاهَا كَانَ أَمِيرُهُمْ يزيد بن معاوية وَكَانَ مَعَهُ أبو أيوب الأنصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]، فدل ذلك على أنه لا ينبغي لعنه وسبه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَقَدْ يُشْتَبَهُ يزيد بن معاوية بِعَمِّهِ يزيد بن أبي سفيان، فَإِنَّ يزيد بن أبي سفيان كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ خَيْرُ آلِ حَرْبٍ، وَكَانَ أَحَدَ أُمَرَاءِ الشَّامِ، الَّذِينَ بَعَثَهُمْ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فُتُوحِ الشَّامِ، وَمَشَى أبو بكر فِي رِكَابِهِ يُوصِيهِ مُشَيِّعًا لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ: إمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ، فَقَالَ: لَسْتُ بِرَاكِبِ وَلَسْتَ بِنَازِلِ، إنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ بَعْدَ فُتُوحِ الشَّامِ فِي خِلَافَةِ عمر وَلَّى عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَكَانَهُ أَخَاهُ معاوية ، وَوُلِدَ لَهُ يزيد فِي خِلَافَةِ عثمان بن عفان رضي الله عنه، وَأَقَامَ معاوية بِالشَّامِ إلَى أَنْ وَقَعَ مَا وَقَعَ.

    فَالْوَاجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ يزيد بن معاوية وَامْتِحَانِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ يزيد بن معاوية مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَكَابِرِ الصَّالِحِينَ وَأَئِمَّةِ الْعَدْلِ، وَهُوَ خَطَأٌ بَيِّنٌ. ]

    يقول المؤلف رحمه الله: إن يزيد بن معاوية يشتبه بعمه يزيد بن أبي سفيان وهناك فرق بينهما، فإن يزيد بن أبي سفيان كان من الصحابة، وهو أخو معاوية ، وأبوه أبو سفيان بن حرب وأبو سفيان أسلم يوم فتح مكة، وأسلم معه ابنه معاوية، وابنه يزيد ، فهم من الصحابة معاوية ويزيد، معاوية الذي تولى الخلافة حين تنازل عنها الحسن بن علي ، وولِد له يزيد، فتولى الخلافة بعد موت أبيه، فصار يزيد بن معاوية غير يزيد بن أبي سفيان ، فـيزيد بن أبي سفيان هو عم يزيد بن معاوية، ولذا قال المؤلف: (يشتبه هذا بهذا، فإن يزيد بن أبي سفيان كان من الصحابة، وكان من خيار الصحابة، وهو خير آل حرب، وكان أحد أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر رضي الله عنه في فتوح الشام) يعني: يزيد بن أبي سفيان صحابي جليل، وهو خير آل حرب.

    وكان أحد أمراء الشام الذين بعثهم أبو بكر رضي الله عنه في خلافته في فتوح الشام، ومشى أبو بكر مع يزيد بن أبي سفيان لما بعثه في فتوح الشام، مشى معه يوصيه ويشيعه، فقال يزيد بن أبي سفيان لـأبي بكر: يا خليفة رسول الله! إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال الصديق : لست براكب ولست بنازل إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله.

    انظر إلى التواضع العظيم، فخليفة المسلمين أبو بكر الصديق الذي هو أفضل الأمة بعد نبيها مشى على قدميه ليشيع يزيد بن أبي سفيان ويوصيه، فـيزيد بن أبي سفيان كان يقول: أنت تمشي على الأرض، وأنت خليفة المسلمين، وأنا أركب، هذا لا يمكن، إما أن تركب معي، وإما أن أنزل أنا إلى الأرض ونمشي سوياً، فرفض الصديق وقال: لا أركب ولا تنزل؛ إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، أي: أريد الأجر.

    فتوفي يزيد بن أبي سفيان بعد فتوح الشام في خلافة عمر، فولى عمر رضي الله عنه مكانه أخاه معاوية ، ولاه الشام، وولد له يزيد في خلافة عثمان بن عفان ، وأقام معاوية في الشام إلى أن حصل ما حصل من الخلاف بينه وبين علي رضي الله عنه لما بويع له بالخلافة، وامتنع أهل الشام عن بيعته حتى حصل القتال.

    يقول المؤلف رحمه الله: (فَالْوَاجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ يزيد بن معاوية) يعني: أن الواجب الاقتصاد في يزيد ، وسلوك مسلك الاقتصاد والعدل، فلا يسب يزيد ولا يمدح، لا يلعن ولا يسب ولا يثنى عليه، بل يكون الاقتصاد وهو الوسط، فلا نسبه ولا نمدحه ونثني عليه، فهو من ملوك المسلمين الذين لهم حسنات وسيئات، ولهذا قال المؤلف: (فَالْوَاجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ يزيد بن معاوية وَامْتِحَانِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ) فبعض الناس يمتحن غيره ويقول: ما حكم يزيد بن معاوية، هل تحبه أو تبغضه؟ فإن أحبه وكان موالياً له قرّبه، وإن أبغضه مثلاً أدبه، يقول المؤلف: لا تمتحن الناس، واترك الناس على ما هم عليه، فـيزيد من ملوك المسلمين له حسنات وله وسيئات، لا يمدح ولا يذم، ولا يمتحن الناس، ولا يقال لهم: ماذا تعتقدون في يزيد؟ فامتحان الناس وسؤالهم عن يزيد من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة، (فإنه بسبب ذلك اعتقد قوم من الجهال أن يزيد بن معاوية من الصحابة، وأنه من أكابر الصالحين وأئمة العدل، وهو خطأ بين) يعني: بسبب أن الناس كانوا يسبون يزيد بن معاوية ويشتمونه، جاء قوم وقابلوهم وقالوا: لا، بل يزيد من الصحابة، وغلا بعضهم فقال: هو من أكابر الصحابة، وبعضهم قال: إنه من أئمة العدل، فهؤلاء قالوا هذا مقابلة للذين سبوه وشتموه، فجاءوا وأثنوا عليه ومدحوه ورفعوه وقالوا: هو صحابي، حتى قال بعضهم: بل من أكابر الصحابة، بل من أئمة العدل، وهذا خطأ، فليس صحابياً ولا من أكابر الصحابة، وليس من أهل العدل، بل هو ملك من ملوك المسلمين له حسنات وعليه سيئات، وقد قدم على الله، والله تعالى هو الذي يتولى حسابه، ونحن الآن لا نسبه ولا نمدحه.