إسلام ويب

شرح الوصية الكبرى لابن تيمية [7]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ابتدع أهل الباطل أصولاً لم ينزل الله بها من سلطان، ومن تلكم الأصول أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام، وهي كذب وبهتان، بل هي كفر شنيع، فنشروها بين الناس فأحدثت شراً كبيراً، وفساداً عريضاً.

    1.   

    أصول الباطل التي ابتدعها الضلال الظالمون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنا أذكر جوامع من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف ممن ينتسب إلى السنة وقد مرق منها وصار من أكابر الظالمين، وهي فصول، الفصل الأول:

    أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين الإسلام مما نعلم باليقين القاطع أنها كذب وبهتان بل كفر شنيع ].

    الأصل الأول من أصول الباطل التي ابتدعها طوائف فمرقوا بها من الإسلام: الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهناك أحاديث رووها في الصفات زائدة على الأحاديث التي في دواوين السنة، ونحن نعلم يقيناً أنها كذب وبهتان، بل كفر شنيع، ومثلها ما سبق عن القبوريين: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور)، وكذلك: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه)، فهذه من أسباب الكفر.

    والمؤلف هنا قال: أحاديث في الصفات رووها زائدة عن الأحاديث يعلم باليقين القاطع أنها كذب بل هي كفر.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد يقولون من أنواع الكفر ما لا يروون فيه حديثاً؛ مثل حديث يروونه: (أن الله ينزل عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان، ويعانق المشاة)، وهذا من أعظم الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقائله من أعظم القائلين على الله غير الحق ].

    هذا من الأحاديث المكذوبة التي هي سبب في الوقوع في الكفر، فيروون أن الله ينزل عشية عرفة في الحج على جمل أورق يصافح الركبان، ويعانق المشاة، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    فهؤلاء ما قدروا الله حق قدره كما قال: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67].

    وفي الحديث: (إن الله تعالى يضع السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع، والجبال على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن بيده ويقول: أنا الملك).

    وفي الحديث الآخر: (ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم)، فهذه المخلوقات العظيمة لا تساوي شيئاً بالنسبة لعظمة الله، فالسموات يطويها بيمينه ويضعها على أصبع، والأرضين كلها على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع، ثم بعد ذلك يأتي هذا الخبيث ويضع هذا الحديث المكذوب تعالى الله عما يقولون، ويجعل الرب يقترن بالمخلوقات، ويكون فوقه طبقة وهي السماء، وتحته طبقة وهي الأرض، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فهذا من الأحاديث الكفرية.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولم يرو هذا الحديث أحد من علماء المسلمين أصلاً، بل أجمع علماء المسلمين وأهل المعرفة بالحديث على أنه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    هذا من الأحاديث المكذوبة بإجماع المسلمين، ولا يجوز لأحد روايته إلا على وجه بيان أنه كذب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال أهل العلم كـابن قتيبة وغيره: هذا وأمثاله إنما وضعه الزنادقة الكفار؛ ليشينوا به على أهل الحديث، ويقولون: إنهم يروون مثل هذا ].

    أي: مقصودهم من بث مثل هذا الحديث أن يكره الناس أهل الحديث ويقولون: انظروا إلى هؤلاء يروون مثل هذا.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك حديث آخر فيه: (أنه رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام الحجيج وعليه جبة صوف) ].

    أي: أن هؤلاء لضلال يروون أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه حين أفاض من مزدلفة يمشي أمام الحجاج وعليه جبة صوف، فجعلوا على الله جبة صوف، تعالى الله عما يقولون، وهذا كفر شنيع.

    فقد جعلوا الخالق حقيراً ضعيفاً فوقه بعض مخلوقاته وتحته بعض مخلوقاته، وأنه يحتاج إلى أن يلبس جبة صوف ويحتاج إلى بعض من مخلوقاته، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أو ما يشبه هذا البهتان والافتراء على الله الذي لا يقوله من عرف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهكذا حديث فيه: (أن الله يمشي على الأرض)، فإذا كان موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه، ويقرءون قوله تعالى: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:50] ].

    وهذا حديث ثالث من الأحاديث المكذوبة، فيقولون فيه: (إن الله يمشي على الأرض)، فإذا وجدت موضع خضرة قالوا: هذا موضع قدميه، وهو من أقوال الصوفية، فإنهم كلما رأوا خضرة في الأرض قالوا: قد يكون الله في هذا المكان، تعالى الله عما يقولون، ويقرءون هذه الآية: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم:50].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ هذا أيضاً كذب باتفاق العلماء، ولم يقل الله: (فانظر إلى آثار خطى الله) وإنما قال: آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ [الروم:50] ورحمته هنا النبات ].

    أي: أن من آثار رحمة الله النبات الذي أنبته المطر.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وهكذا أحاديث في بعضها: (أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه في الطواف) ].

    وهذا حديث رابع مكذوب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وفي بعضها: (أنه رآه وهو خارج من مكة)، وفي بعضها: (أنه رآه في بعض سكك المدينة)، إلى أنواع أخر ].

    كل هذه الأحاديث مكذوبة، سواء: (أن النبي رأى ربه في الطواف)، أو: (رآه وهو خارج من مكة) أو (رآه في وسط المدينة).

    1.   

    اختلاف العلماء في رؤية النبي ربه ليلة المعراج

    والصواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه حتى في ليلة المعراج، فالله تعالى لا يراه أحد في الدنيا ولا يستطيع أحد أن يتحمل رؤية الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم لما سأله أبو ذر : هل رأيت ربك -يعني: ليلة المعراج-؟ قال: (نور أنى أراه)، وفي رواية: (رأيت نوراً)، وفي حديث أبي موسى : (حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرق سبحات وجه ما امتد إليه بصره من خلقه).

    فلا يستطيع أحد أن يطيق رؤية الله في الدنيا، لكن رؤيته نعيم لأهل الجنة، وأما في الدنيا فالصواب: أنه لم يره أحد، وهذا باتفاق العلماء إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، فاختلف العلماء هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ فمنهم من قال: رأى ربه، ومنهم من قال: لم يره، والصواب أنه لم يره.

    ومن قال من العلماء أنه رآه فالمراد: رآه بعين قلبه، ومن قال: لم يره، أي: لم يره بعين رأسه، وهذا هو الصواب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكل حديث فيه أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب باتفاق المسلمين وعلمائهم، هذا شيء لم يقله أحد من علماء المسلمين ولا رواه أحد منهم ].

    أي: أن كل حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الأرض فهو كذب، وإنما الخلاف في رؤيته له في السماء ليلة المعراج، وأصح القولين أنه لم يره بعيني رأسه، وإنما رآه بعين قلبه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإنما كان النزاع بين الصحابة في أن محمداً صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه ليلة المعراج؟ فكان ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر علماء السنة يقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج، وكانت عائشة رضي الله عنها وطائفة معها تنكر ذلك، ولم ترو عائشة رضي الله عنها في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ولا سألته عن ذلك، ولا نقل في ذلك عن الصديق رضي الله عنه كما يروونه ناس من الجهال أن أباها سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نعم، وقال لـعائشة : لا، فهذا الحديث كذب باتفاق العلماء ].

    يقول المؤلف رحمه الله: كل حديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في الأرض فهذا كذب بالاتفاق، وإنما الخلاف في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، فبعض الصحابة قالوا: رآه، وبعض الصحابة كـعائشة قالوا: لم يره، فقد قالت لـمسروق لما سألها: هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري لما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمد رأى ربه فقد كذب.

    وروي عن ابن عباس أنه رأى ربه، وروي عن بعض الصحابة، وروي عن الإمام أحمد قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60] قال: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، وفي لفظ: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه بعينه ليلة المعراج.

    والجمع بين هذه النصوص: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه، وما روي عن بعض الصحابة وعن الإمام أحمد : أنه رأى ربه فالمراد به أنه رآه بقلبه، وما في بعضها أنه رآه فالمراد أنه رآه بعيني قلبه، وما ورد من النصوص عن الصحابة أنه لم يره فالمراد به أنه لم يره بعيني رأسه، وبهذا تجتمع النصوص ولا تختلف وهذا هو الصواب، وهو الذي عليه الجماهير.

    وبعض العلماء يرون أنه رآه بعيني رأسه، ومن هؤلاء النووي في (شرح مسلم )، والقاضي عياض والهروي ، والصواب الذي عليه الجمهور: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعيني رأسه؛ لأن رؤياه نعيم اتخذه الله لأهل الجنة، ولأن البشر لا يستطيعون أن يروا الله، ولأن الحديث فيه: (أن الله لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما امتد إليه بصره من خلقه).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولهذا ذكر القاضي أبو يعلى وغيره أنه اختلفت الراوية عن الإمام أحمد رحمه الله هل يقال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعيني رأسه أو يقال: بعين قلبه، أو يقال: رآه ولا يقال بعين رأسه ولا بعين قلبه؟ على ثلاث روايات ].

    نقل القاضي أبو يعلى من الحنابلة الخلاف عن الإمام أحمد في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه على ثلاث روايات، الرواية الأولى: أنه رآه بعيني رأسه، والرواية الثانية: أنه رآه بعيني قلبه، والرواية الثالثة: التوقف، فلا يقال رآه بعيني رأسه ولا رآه بعيني قلبه، وأصح الروايات الرواية الثانية، وهي: أنه رآه بعيني قلبه، وهو الذي عليه الجمهور وتدل عليه النصوص.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك الحديث الذي رواه أهل العلم أنه قال: (رأيت ربي في صورة كذا وكذا)، يروى من طريق ابن عباس ومن طريق أم الطفيل وغيرهما، وفيه: (أنه وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري)، هذا الحديث لم يكن ليلة المعراج، فإن هذا الحديث كان بالمدينة، وفي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نام عن صلاة الصبح ثم خرج إليهم وقال: رأيت كذا وكذا)، وهو من رواية من لم يصل خلفه إلا بالمدينة كـأم الطفيل وغيرها، والمعراج إنما كان من مكة باتفاق أهل العلم وبنص القرآن والسنة المتواترة، كما قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1] ].

    الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) يسمى حديث اختصام الملأ الأعلى، ففيه: (يا محمد! بما يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب! فوضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله على صدري، وعلمت كل شيء، فقال الله: بم يختصم الملأ الأعلى فقلت: يا رب! في الدرجات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة).

    يقول المؤلف رحمه الله: هذا الحديث ليس هو الحديث الذي فيه أن النبي رأى ربه في اليقظة؛ لأن هذا الحديث رؤيا في النوم، والحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في اليقظة، فبينهما فرق، وهذا الحديث في المدينة وحديث المعراج في مكة، فلا يشتبه هذا الحديث بذلك الحديث.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فعلم أن هذا الحديث كان رؤيا منام بالمدينة كما جاء مفسراً في كثير من طرقه أنه كان رؤيا منام، مع أن رؤيا الأنبياء وحي، لم يكن رؤيا يقظة كما في ليلة المعراج ].

    هذه الرؤيا رؤيا منام، ورؤيا الأنبياء وحي؛ ولهذا لما رأى إبراهيم الخليل في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل نفذها في اليقظة، فقال الله له: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:105]؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينيه في الأرض، وأن الله لم ينزل له إلى الأرض، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم قط حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض، بل الأحاديث الصحيحة: (أن الله يدنو عشية عرفة)، وفي رواية: (إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) ].

    اتفق المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه بعينه في الأرض، واتفقوا على أنه لم ير أحد ربه غير النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق، حتى موسى الكليم، فقد أخبر الله في القرآن الكريم أنه قال: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] أي: لن تراني في الدنيا؛ لأنك لا تستطيع ببشريتك الضعيفة أن تتحمل ذلك، وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، فلما تجلى الله للجبل تدكدك ولم يصمد لرؤية الله، وهو صخر عظيم، فإذا كان الجبل مع صلابته لم ثبت لرؤية الله وتدكدك وانهار فكيف بالمخلوق الضعيف؟! إذاً اتفق العلماء على أنه لم ير أحد ربه غير النبي صلى الله عليه وسلم، واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في الأرض وإنما الخلاف في رؤيته في السماء ليلة المعراج على قولين، فمنهم من قال: رآه، ومنهم من قال: لم يره، والصواب أنه لم يره، وهو الذي عليه الجماهير، وكل حديث فيه أن الله نزل له إلى الأرض فهو من الأحاديث المكذوبة، فالأحاديث الصحيحة إنما هي في: (أن الله يدنو عشية عرفة)، وفي رواية: (إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر..)، وهذا الدنو يليق بجلاله وعظمته سبحانه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وثبت في الصحيح: (أن الله يدنو عشية عرفة)، وفي رواية: (إلى سماء الدنيا فيباهي الملائكة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً، ما أراد هؤلاء؟) ].

    وهذا أمر ثابت: أن الله يدنو منهم ويباهي بهم، وهذا الدنو دنو يليق بجلاله وعظمته، وهو فوق العرش سبحانه، ولا نعلم كيفية هذا الدنو.

    1.   

    ما ورد في نزول الرب في ليلة النصف من شعبان، وحكم قيامها وصيام يومها

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد روي أن الله ينزل ليلة النصف من شعبان -إن صح الحديث- فإن هذا مما تكلم فيه أهل العلم ].

    الصحيح أنه لم ينزل، وهذا الحديث ضعيف غير صحيح، وفيه: (أن الله ينزل في ليلة النصف من شعبان فيغفر لعدد شعر غنم كذا)، لكنه حديث ضعيف.

    وليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي لا تخص بطول صلاة ولا يومها بصيام، فبعض الناس يتعبد ويصلي ليلة النصف من شعبان، ويرى بعضهم أنها ليلة القدر، وهذا باطل، فليلة القدر في رمضان، وبضعهم يصوم في يوم الخامس عشر من شعبان فقط، وهذا لا يشرع، لكن يصوم هذا اليوم مع بقية الأيام البيض فلا بأس بذلك.

    1.   

    عدم ثبوت ما روي أن النبي رأى ربه عندما نزل من حراء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك ما روى بعضهم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل من حراء تبدى له ربه على كرسي بين السماء والأرض) ].

    وهذا من الأحاديث المكذوبة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ غلط باتفاق أهل العلم، بل الذي في الصحاح: (أن الذي تبدى له الملك الذي جاءه بحراء في أول مرة، وقال له: اقرأ فقلت: لست بقارئ) ].

    أي: لم يأت في الأحاديث أن الله تبدى لنبيه، ولكن الحديث الصحيح: (أن الذي رآه في غار حراء هو جبريل، فقد رآه على صورته التي خلقه الله عليها جالساً على كرسي بين السماء والأرض وله ستمائة جناح، وكل جناح يملأ ما بين السماء والأرض، فقال له: اقرأ، فقال: لست بقارئ) أي: لا أعرف القراءة والكتابة، وهذا ليس تحدياً ولا امتناعاً، (فأخذه وضمه حتى بلغ منه الجهد) أي: حتى يتحمل القيام بأعباء الرسالة، فقال له: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، وهذا ليس امتناعاً منه، ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يتعلم القراءة والكتابة، فضمه الثالثة حتى بلغ منه الجهد، فعل ذلك ثلاث مرات لكي يتهيأ للقيام بأعباء الرسالة، وهو أيضاً عليه الصلاة والسلام قد رعى الغنم، وكل نبي رعى الغنم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من نبي إلا رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟! قال: نعم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)، قال العلماء: الحكمة هنا حتى يتمرن وينتقل من سياسة الغنم ورعايتها إلى سياسة الأمم والدول والشعوب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]، فهذا أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ].

    أول ما نزل عليه من الوحي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق:1]، والشاهد أن الذي تبدى للنبي صلى الله عليه وسلم ورآه في غار حراء هو الملك وليس الله؛ لأن الله لا يستطيع أحد أن يراه في الدنيا لا النبي ولا غيره.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي قال: (فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض) ].

    وهذا بعد ما فتر الوحي، فقد أوحي إليه عليه الصلاة والسلام ثم فتر الوحي ثلاث سنين، ثم رجع إليه مرة أخرى، فرأى الملك فقال: (هذا الذي رأيته في غار حراء) أي: في أول البعثة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ رواه جابر رضي الله عنه في الصحيحين، فأخبر أن الملك الذي جاءه بحراء رآه بين السماء والأرض ].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ الأربعين حبب إليه الخلاء والانفراد عن الناس، وكان يأخذ من الطعام والشراب ما يكفيه، ثم يخرج من بيته ويذهب إلى غار حراء، وهو غار في الجبل، فيتعبد اليومين والثلاثة، فإذا انتهى الزاد رجع إلى زوجته خديجة وأخذ الطعام وعاد إلى الغار يتعبد، فجاءه جبريل في هذا المكان بالوحي والرسالة، ثم فتر الوحي ثلاث سنوات ثم رجع إليه مرة أخرى فرأى جبريل فقال: (هذا الذي رأيته في غار حراء).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وذكر أنه رعب منه، فوقعفي بعض الروايات: الملك ].

    أي: أخبر أنه الملك الذي جاءه بحراء، وأنه ما بين السماء والأرض، وقال: إنه رعب منه، أي: خاف منه؛ لأنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها وله ستمائة جناح، فخاف من صورته العظيمة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فوقع في بعض الروايات: الملك، فظن القارئ أنه الملك، وأنه الله، وهذا غلط وباطل ].

    أي: جاء في بعض الروايات أنه قال: الملك، فظن الراوي أنه الملك، أي: بالكسر، وهو الله تعالى، وهذا غلط وتحريف وهو من الأوهام في الشريعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وبالجملة: فكل حديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينيه في الأرض، وفيه: أنه نزل له إلى الأرض، وفيه: أن رياض الجنة من خطوات الحق، وفيه أنه وطئ على صخرة بيت المقدس، كل هذا كذب باطل باتفاق علماء المسلمين من أهل الحديث وغيرهم ].

    هذه قاعدة ذكرها بها المؤلف هنا فقال: كل حديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الأرض فهو باطل مكذوب، فلا يمكن لأحد أن يرى الله في الأرض.

    أو فيه: (أن الله نزل له إلى الأرض) فهو كذب، أو فيه: (أن رياض الجنة من خطوات الحق) فهو كذب، أو فيه: (أنه وطئ على صخرة ببيت المقدس)، فكل هذا كذب وغلط.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك كل من ادعى أنه رأى ربه بعينيه قبل الموت فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة؛ لأنهم اتفقوا جميعهم على أن أحداً من المؤمنين لا يرى ربه بعيني رأسه حتى يموت، وثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر الدجال قال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت) ].

    أي: أن كل من ادعى أنه رأى ربه بعينه قبل الموت فهو كاذب ودعواه باطلة؛ لأن العلماء اتفقوا على أنه لا يراه أحد من المؤمنين بعيني رأسه حتى يموت، وثبت في حديث مسلم : (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وكذلك روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر يحذر أمته فتنة الدجال، وبين لهم أن أحداً منهم لن يرى ربه حتى يموت].

    1.   

    بيان كون الدجال أعور

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يظنن أحد أن هذا الدجال الذي رآه هو ربه ].

    يقول المؤلف: إنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر تحذيره لأمته من فتنة الدجال ، وبين فيها أنه لا يرى الله أحد في الدنيا حتى يموت، فلا يغتر بعض الناس إذا جاءه الدجال في آخر الزمان، والدجال رجل من بني آدم يخرج في آخر الزمان، وهو أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية، فيدعي الصلاح أولاً، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية، فينبغي للإنسان ألا يغتر بـالدجال ويتبعه كالكفار.

    1.   

    أحوال المحسنين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولكن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب ومشاهدتها وتجلياتها هو على مراتب كثيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ].

    يقول المؤلف: إن الذي يقع لأهل حقائق الإيمان من المعرفة بالله ويقين القلوب على مراتب، من ذلك الإحسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

    وهذا من اليقين والمعرفة بالله، فإذا كان الإنسان قوي الإيمان فإنه يعبد ربه كأنه يراه، فإن لم يره فإنه يعلم أن الله يراه، فهذا يقع لأهل الحقائق بالمعرفة بالله.

    1.   

    رؤية الله في الدنيا

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة بالحقائق ].

    يعني: أن الإنسان قد يرى ربه في المنام، والرؤيا في المنام غير الرؤيا في اليقظة، ففي اليقظة لا يمكن لأحد أن يرى الله، فالصواب: أنه لا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا أبداً، حتى نبينا صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلق، والصواب أنه في ليلة المعراج لم يره بعين رأسه.

    وأما رؤيا المنام فيمكن أن يرى الإنسان فيها ربه، وهذا باتفاق الطوائف، ولا ينكر هذا إلا الجهمية، وذلك من شدة إنكارهم لرؤية الله.

    يقول المؤلف رحمه الله: إن جميع الطوائف أثبتوا أن الله يُرى في المنام إلا الجهمية من شدة إنكارهم، لكن يبقى إشكال وهو: هل يلزم من رؤية الإنسان ربه في المنام أن يكون على تلك الصورة التي رآها؟

    يقول المؤلف: لا يمكن؛ لأن الإنسان يرى ربه على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه ويقينه رأى ربه في صورة حسنة، وإذا كان إيمانه ضعيفاً رأى ربه رؤية تشبه إيمانه؛ لأن رؤيا المنام لها حكم آخر يختلف عن حكم رؤيا اليقظة، ولها تعبير وتأويل.

    إذاً: فالإنسان قد يرى ربه في النوم على قدر إيمانه ويقينه، ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أقوى الناس إيماناً وأصلحهم يقيناً قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد يحصل لبعض الناس في اليقظة أيضاً من الرؤيا نظير ما يحصل للنائم في المنام، فيرى بقلبه مثلما يرى النائم، وقد يتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه، فهذا كله يقع في الدنيا ].

    يقول المؤلف: إنه قد يقع لبعض الناس في اليقظة نظير ما يحصل للنائم، فيرى بقلبه مثلما يراه النائم، ويتجلى له من الحقائق ما يشهده بقلبه، فيقال: إن المراد هنا بالقلب اليقين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وربما غلب أحدهم ما يشهده قلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعيني رأسه حتى يستيقظ، ويعلم أنه منام، وربما علم في المنام أنه منام ].

    يعني: أنه قد يغلب على بعض الناس ما يشهده بقلبه وتجمعه حواسه فيظن أنه رأى ذلك بعين رأسه من قوة الشهود وتجمع الحواس، حتى يستيقظ فيعلم أنه منام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهكذا من العباد من يحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تفنيه عن الشعور بحواسه، فيظنها رؤية بعينه وهو غالط في ذلك، وكل من قال من العباد المتقدمين أو المتأخرين: إنه رأى ربه بعيني رأسه فهو غالط في ذلك بإجماع أهل العلم والإيمان ].

    يقول المؤلف: من الناس من تحصل له مشاهدة قلبية تغلب عليه حتى تثنيه عن الشعور بحواسه، يعني: أنه تحصل له مشاهدة في القلب ويقين حتى يُثنى عن الشعور بحواسه وينسى ما هو عليه، فيظنها رؤية بعينه وهي رؤية بقلبه؛ وذلك من شدة الشعور وجمع الحواس حينما يعلم ربه بقلبه، فقد تغلب عليه قوة وشهود الحواس فيظن أنه رأى ربه بعين رأسه، ويكون غالطاً في هذا.

    ثم قال المؤلف: كل من قال من العلماء المتقدمين والمتأخرين: إنه رأى ربه بعين رأسه فهو غالط؛ لأنه لا يمكن رؤية الله في الدنيا.

    1.   

    رؤية الله بالأبصار في الآخرة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ نعم، رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهي أيضاً للناس في عرصات القيامة، كما تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب، وكما ترون القمر ليلة البدر صحواً ليس دونه سحاب) ].

    يعني: أن رؤية الله بالأبصار هي للمؤمنين في الجنة، وهذا بالاتفاق، فالمؤمنون يرون ربهم في الجنة بأبصارهم وهي من النعيم، بل هي أعظم نعيم أعطاه الله لأهل الجنة، حتى إنهم ينسون ما هم فيه من نعيم الجنة، وكذلك أيضاً يراه المؤمنون في عرصات القيامة.

    وعرصات القيامة هي: ساحات ومواقف، ومشاهد القيامة متعددة.

    رؤية الله في عرصات يوم القيامة

    اختلف العلماء هل الكفار يرون الله عز وجل في موقف القيامة أو لا يرونه؟ على ثلاثة أقوال:

    قيل: لا يراه إلا المؤمنون فقط؛ استدلالاً بقوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، وقيل: يراه أهل الموقف كلهم مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار، وقيل: لا يراه إلا المؤمنون والمنافقون فقط؛ لأن المنافقين كانوا معهم في الدنيا، ولأحاديث وردت بأنهم يكونون معهم حتى يروا الله ثم يسجدون لله، فيأتي المنافق فيسجد فيكون ظهره طبقاً ولا يستطيع السجود، وذلك قول الله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال صلى الله عليه وسلم: (جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ].

    هذا حديث ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ، وفيه: وأن الفردوس أربع جنان: جنتان من ذهب وجنتان من فضة، ثم قال: (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) يعني: أنه سبحانه في يوم القيامة يكشف الحجاب فيرونه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة) ].

    هذا حديث صريح بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وأن الله يكشف الحجاب فينظرون إليه، وأن رؤيتهم له سبحانه وتعالى أعظم نعيم يعطونه في الجنة، وهي الزيادة التي في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26] فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله، فالمؤمنون لهم الجنة ولهم الزيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم.

    1.   

    تواتر أحاديث رؤية الله عز وجل يوم القيامة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذه الأحاديث وغيرها في الصحاح، وقد تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، وإنما يكذب بها أو يحرفها الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والرافضة ونحوهم، الذين يكذبون بصفات الله تعالى وبرؤيته وغير ذلك، وهم المعطلة شرار الخلق والخليقة ].

    يعني: أن هذه الأحاديث التي فيها أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة أحاديث متواترة تلقاها السلف والأئمة بالقبول، واتفق عليها أهل السنة والجماعة، حتى قال بعض الأئمة: من أنكر رؤية الله في الآخرة كفر، روي هذا عن جماعة من الأئمة.

    يقول المؤلف: إن هذا متفق عليه بين أهل السنة، وإنما يكذب بها ويحرفها أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة الذين يكذبون بصفات الله وبرؤيته، وهم المعطلة، وهم شرار الخلق والخليقة.

    1.   

    منهج أهل السنة في الرؤية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ودين الله وسط بين تكذيب هؤلاء بما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في الآخرة وبين تصديق الغالية بأنه يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل ].

    دين الله وسط بين تكذيب هؤلاء الذين يكذبون بالنصوص التي فيها أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، وبين تصديق الغلاة الذين يقولون: إن الله يرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل، فدين الله وسط بين الغالي والجافي.

    فالصوفية قالوا: إن الله يراه كل أحد، وأنه ينزل في عشية عرفة ويسامر ويصافح، وأن كل خضرة في الدنيا قد يكون الله فيها، وأنه يرى في بعض سكك المدينة ويرى في الأمكنة.

    والمعطلة يقولون: إن الله لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقالوا: من قال: إن الله يرى في الآخرة كفر، فالمؤلف يقول: دين الله وسط بين الغالي والجافي، وهو الحق، فنقول: إن الله يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا.

    1.   

    منهج أهل الحلول في الرؤية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه يراه بعيني رأسه في الدنيا هم ضلال كما تقدم، فإن ضموا إلى ذلك أنهم يرونه في بعض الأشخاص: إما بعض الصالحين، أو بعض المردان، أو بعض الملوك أو غيرهم عظم ضلالهم وكفرهم، وكانوا حينئذٍ أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوه في صورة عيسى ابن مريم ].

    يعني: أن هؤلاء الذين يزعم أحدهم أنه رآه بعين رأسه هم ضُلاّل من الصوفية وغيرهم، فإن قالوا مع ذلك: إنه يرى في بعض الأشخاص أو في بعض الصالحين أو بعض المردان أو بعض الملوك عظم ضلالهم؛ لأن بعضهم يرون أن الله حل في المخلوقات، ويقولون: إن الله حل في بعض الصالحين، فإذا رأيت الصالح فقد رأيت الله؛ لأن الله حل فيه، نعوذ بالله.

    وبعضهم يقول: إن الله حل في بعض المردان، والأمرد هو: الذي لا لحية له، أو يقول: إنه حل في بعض الملوك، وكل هؤلاء ظلال وكفار، وهم أضل من النصارى الذين يزعمون أنهم رأوا الله في صورة عيسى، فالنصارى يقولون: إنهم رأوا الله في صورة عيسى، وهؤلاء الضلال يقولون: إنهم رأوه في كل مكان وفي بعض الملوك أو بعض الصالحين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بل هم أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس: أنا ربكم، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها ].

    يعني: أن هؤلاء الضلال الذين يقولون: إن الله يرى في الدنيا أشد ضلالاً من أتباع الدجال ، والدجال هو من بني آدم يدعي الصلاح، ثم النبوة، ثم الربوبية، وهو كافر مكتوب بين عينيه (ك ف ر)، فهؤلاء الذين يقولون: إن الله يرى في الدنيا أضل من أتباع الدجال الذي يكون في آخر الزمان ويقول للناس: أنا ربكم، ويأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، ويقول للخربة: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أصناف الحلولية والاتحادية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهؤلاء قد يسمون الحلولية والاتحادية، وهم صنفان: قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، كما يقوله النصارى في المسيح عليه السلام، والغالية في علي رضي الله عنه ونحوه.

    وقوم في أنواع من المشايخ، وقوم في بعض الملوك، وقوم في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى.

    وصنف يعممون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية كأصحاب ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني والبلياني وغيرهم ].

    ذكر المؤلف رحمه الله فيما سبق: أن من الناس من يضل فيُجوِّز أن يرى ربه في الدنيا في صورة البشر، كهؤلاء الضلال الذين يعتقدون ذلك، وذكر أن هؤلاء يسمون بالحلولية والاتحادية، ثم بين رحمه الله أن الحلولية والاتحادية صنفان:

    الصنف الأول: قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، والصنف الثاني: يعممون القول بالحلول والاتحاد، ومعنى الحلول: هو قولهم: إن الله حل في بعض الناس والعياذ بالله! وهذا كفر وضلال.

    والاتحادية يقولون: اتحد الله مع بعض الناس وصار معهم شيئاً واحداً، فالاتحادية يقولون: الوجود واحد، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، فقد اتحدا، يعني: صارا شيئاً واحداً، فلا فرق بين العبد والرب، فالعبد هو الرب والرب هو العبد، وممن يقول بهذا ابن عربي .

    فالصنف الأول: قوم يخصونه بالحلول والاتحاد في بعض الأشياء لا في جميع المخلوقات، وقوم يعممون في جميع المخلوقات، فيقولون: الله حل في كل المخلوقات، والعياذ بالله!

    إذاً: فالذين يعممون يقولون: ليس في الوجود إلا الله، فالله هو العبد والعبد هو الله، والرب هو العبد والعبد هو الرب، ولا يوجد وجودان، وإنما هو وجود واحد، فهذا الوجود الذي تراه هو الخالق وهو المخلوق، فأنت الرب وأنت العبد!

    فهؤلاء يعممون الوجود، وهناك طائفة أخرى يخصصون، فيقولون: الله حل في بعض الأشياء لا في جميعها، كما يقول النصارى في المسيح عليه السلام، فالنصارى يقولون: إن الله حل في المسيح عليه الصلاة والسلام فقط ولم يحل في غيره، ويقولون: إن المسيح هو الله -والعياذ بالله-، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.

    وكذلك الغالية من الرافضة الذين يقولون: إن الله حل في علي ، ويقولون: علي هو الإله، والله حل فيه ولم يحل في غيره.

    وكذلك هناك قوم يخصون الحلول في أنواع من المشايخ، يعني: مشايخ الصوفية، فبعضهم يقول: إن الله حل في بعض شيوخ الصوفية.

    وهناك قوم يخصون ويقولون: إن الله حل في بعض الملوك، وقوم يقولون: إن الله حل في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى، ولا شك أن هذه الأقوال شر من مقالة النصارى؛ لأن النصارى خصصوا الله بالمسيح، وهؤلاء جعلوه في أنواع من مشايخ الصوفية.

    والصنف الثاني يعممون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات، ويقولون: الله حل في جميع الموجودات واتحد مع جميع الموجودات، بحيث إن كل مخلوق هو الله؛ لأنه اتحد به، يقول المؤلف: حتى الكلاب والخنازير والنجاسات، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    ويقولون: إن الله حل في أجواف الطيور وبطون السباع، كما يقول ذلك قوم من الجهمية ومن تبعهم من الاتحادية، كأصحاب ابن عربي ، وابن عربي هذا هو محمد محيي الدين بن عربي وهو رئيس الاتحادية -والعياذ بالله-، وكذلك ابن سبعين وابن الفارض وكلهم من الاتحادية، وهكذا التلمساني والبلياني وغيرهم، وهؤلاء من أكفر خلق الله.

    فإن قيل: أيهما أشد كفراً الحولية أم الاتحادية؟ وهل الحلولية والاتحادية شيء واحد أو شيئان؟

    فالجواب: أن بعضهم يرى أن المعنى واحد، وأن القول بالحلول والاتحاد واحد، ويرى آخرون أن الحلولية والاتحادية صنفان، فالحلولية هم الذين يقولون: إن الله حل في بعض المخلوقات، فيقولون: بوحدة الاثنين؛ أحدهما حل في الآخر، والاتحادية أعظم كفراً فيقولون: اتحد الخالق بالمخلوق، فليس هناك تعدد فالوجود واحد.

    1.   

    عقيدة ابن عربي

    وهؤلاء رئيسهم ابن عربي ، فـابن عربي يقول:

    الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف

    إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف

    فاشتبه عليه الأمر والعياذ بالله!

    ومن أقوال ابن عربي : رب مالك، وعبد هالك، وأنت ذلك، العبد فقط والكثرة وهم، فما تراه من الأشخاص توهم وإلا فالوجود واحد، وكل ما تراه مظاهر لتجلي الله ولتجلي الحق، نعوذ بالله!

    ويقول ابن عربي : إن من أسماء الله الحسنى العلي، ثم يقول: علي على ماذا؟ ليس في الوجود إلا هو! نسأل الله السلامة والعافية، وهؤلاء من أكفر خلق الله.

    وابن عربي لا ريب في قوله بوحدة الوجود، وهو يدعي أنه من كبار العارفين، وهناك من يقدس ابن عربي ويعظمه ويحترمه، وهناك من ينتصر له ويقول: إنه من كبار العارفين، وتطبع مؤلفات الاتحادية بورق ثقيل وهناك من يعتذر عن ابن عربي ، وابن عربي له مؤلفات منها:

    الفتوحات المكية، وكتاب فصوص الحكم، وكتابه فصوص الحكم يعارض فيه القرآن، ويفسر القرآن بتفسيرات كفرية إلحادية، فيقول مثلاً: فصل نوح، ويأتي بقصة نوح، فصل هود وعاد، ويقول: إن الوجود واحد، وكل من عبد شيئاً فهو على صواب!

    فمن عبد الأصنام فهو على صواب! ومن عبد النار فهو على صواب! ومن عبد البشر فهو على صواب! ومن عبد الحجر فهو على صواب! ويكفر بالتخصيص، فيقول: الذي يمنع ويخصص ولا يعبد من البشر أحداً فهذا كافر! ويقول: سر حيث شئت فالله ثمَّ، وقل ما شئت فالواسع الله، وكل شيء تراه هو الله!

    ومن فروع هذا المذهب أن كل من عبد شيئاً فهو على صواب، ويقول: إن فرعون مصيب حينما قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]؛ لأن الله يتجلى في صورة معبود كما تجلى في صورة فرعون، ويتجلى في صور هادٍ كما يتجلى في صورة رجل، فكل من عمل شيئاً فهو على صواب! والذي يمنع من عبادة شيء فهو كافر! والذي يخصص ويقول: لا يعبد إلا شيء واحد فهو كافر، والعياذ بالله!

    وفسر قصة موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وقصة إغراق الله فرعون فقال: إن فرعون أغرق ليزول الحسبان والتوهم؛ فإن فرعون قال: (أنا ربكم الأعلى) فخص نفسه فقط، وكل الناس أرباب، وليس خاصاً به، فلما توهم هذا التوهم أغرق تطهيراً له؛ ليزول الوهم والحسبان، حتى لا يتوهم أنه هو الرب وحده.

    ويقول: إن موسى عليه السلام لما ذهب لميقات ربه ورجع إلى بني إسرائيل وجدهم يعبدون العجل ومعهم هارون، وهارون نصحهم وعجز عنهم وكادوا يقتلونه، ولما جاء موسى أخذ برأس أخيه يجره إليه من شدة الغضب وذلك عندما أخبره الله أن بني إسرائيل عبدوا العجل، لكن لما رآهم يعبدون العجل اشتد غضبه وألقى الألواح حتى تكسرت من شدة الغضب، وعفا الله عنه؛ لأنه غلطان! فقد ألقاها وفيها كلام الله، ثم أخذ بلحية أخيه هارون - وهو نبي مثله - يجره من شدة الغضب: كيف تتركهم يعبدون العجل؟ فقال له هارون: قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [طه:94] فهو أخوه من أمه وأبيه، لكن قال: (يَبْنَؤُمَّ ) من باب الاستعطاف لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94].

    يقول ابن عربي : إنما أخذ موسى بلحية هارون إنكاراً عليه حيث أنكر على القوم عبادة العجل، وقال: لِمَ لم تتركهم يعبدون العجل؟! والعياذ بالله!

    فالمقصود: أن ابن عربي هذا من أكفر خلق الله لرؤيته وحدة الوجود، ومثله ابن الفارض وابن سبعين والتلمساني ، فكل هؤلاء من رءوس الكفر والعياذ بالله! فهم صوفية اتحادية ملاحدة.

    وهم أشد كفراً من الحلولية؛ لأن الحلولية يثبتون وجودين، ولكن أحدهما حل في الآخر، والاتحادية يقولون: ليس هناك تعدد الوجود، بل هو واحد لا اثنين ولا تعدد، ولهذا يقولون: من قال عن الاتحادية: إنهم حلولية يقولون: أنت محجوب عن معرفة سر المذهب، ولا تعرف المذهب!

    1.   

    طبقات الناس عند ابن عربي

    وابن عربي يقسم الناس إلى أقسام: عامة، وخاصة، وخاصة الخاصة، فالعامة عليهم التكاليف، من صلاة وقيام وزكاة وحج وذكر. ومن العامة جميع الأنبياء والمرسلين.

    ثم الخاصة، وهؤلاء عندهم طاعات وليس عندهم معاصٍ، والعامة عندهم طاعات ومعاصٍ، وأما الخاصة فإنهم وصلوا إلى درجة ارتفعت عنهم التكاليف وليس عندهم معاصٍ، فكل ما يفعلونه طاعات، حتى ولو فعلوا الكفر والزنا والسرقة فهي طاعات؛ لأنهم تجاوزوا التكاليف.

    وهناك خاصة الخاصة وهم الذين وصلوا إلى القول بوحدة الوجود والعياذ بالله! ويقول: إن العامة لهم أذكار، وأذكارهم: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر.

    وأما الخاصة فيكفيهم في الذكر لفظ الجلالة، فلا يحتاج أحدهم أن يقول: لا إله إلا الله، بل يقول: الله، الله، الله، الله، الله، الله، الله، الله فهذه أذكار الخاصة.

    ومن كان من خاصة الخاصة فلا يحتاج إلى لفظ الجلالة كاملة، بل يكتفي بالهاء من لفظ الجلالة، فتصير: هو، هو، هو، هو، هو، هو وهكذا، فهذه أذكار خاصة الخاصة، وهؤلاء موجودون الآن في كل مكان.

    فتجد الصوفية في كل مكان، ولهم في كل بلد مئات الطرق، ولكل طريقة شيخ يقودهم إلى النار.

    فبعض الطرق كفر، وبعضها بدع وهكذا، ولفظ (هو) أو (الله) ليست ذكراً وليس جملة مفيدة، فلفظ الجلالة وحده ليس فيه ذكر، ولا يفيد القلوب إيماناً ولا تقوى؛ إذ لابد للذكر أن يكون جملة مفيدة كالله أكبر، أو سبحان الله، أو الحمد لله، أما الله، الله، الله، الله فهذا ليس ذكراً.

    وأما خاصة الخاصة فيأخذون الهاء فقط ويقولون: هو.. هو.. هو، يقول بعض الناس: ذهبت إلى أفريقيا فوجدت جماعة صوفية يجلسون من بعد العصر إلى غروب الشمس وهم يقولون: الله.. الله.. الله.. الله.. الله.. الله.. الله.. الله، وبعضهم يدور حتى يسقط ويغمى عليه، نسأل الله السلامة والعافية.

    ويقول ابن عربي : عندي دليل على أن ذكر خاصة الخاصة (هو)، حتى إنه ألف كتاباً سماه كتاب (الهو) وقال: عندي دليل من القرآن على أن ذكر الخاصة (الله)، فاستدل بقوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ [الأنعام:91]، فهذا دليل على أن هذا ذكر الخاصة (الله).

    ويقول: الدليل على أن ذكر خاصة الخاصة (هو) قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ [آل عمران:7] فهذا دليل على أن (هو) ذكر خاصة الخاصة.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فقلت لبعض الصوفية: لو كان كما تقول: لكتبت الهاء منفصلة عن الكلمة التي قبلها وكتبت: (وما يعلم تأويل هو) لكن الآية فيها أن الهاء مرتبطة بما قبله: (وما يعلم تأويله)، والاتحادية والحلولية لا يؤمنون بالقرآن، لكن هذا من باب التغطية والنفاق وذر الرماد في العيون؛ حتى يدلسوا ويموهوا على الناس أنهم يعملون بالقرآن، وإلا فإن بعض الصوفية لما قيل له: إن القرآن يخالف ما تنكرون، قال: القرآن كله شرك من أوله إلى آخره والحق ما نقول، نعوذ بالله!

    وكثير من الصوفية الملاحدة إذا أذن المؤذن شتمه وقال: لأنه يذكر الله وهو يريد أن ينسى كل شيء! وإذا نبح الكلب أو نهق الحمار أثنى عليه؛ لأن الحمار والكلب ينسيه، والمؤذن يذكره بالله! وهذا المؤذن يثبت اثنين: أحدهما خالق والآخر مخلوق، والحمار والكلب ينسيه فلا يذكر إلا شيئاً واحداً أنه هو الرب وهو العبد.

    والخاصة عندما يريدون أن يتوصلوا إلى مرتبة خاصة الخاصة يقولون له: انس كل شيء حتى نفسك، ولا تشاهد إلا الله حتى يغلب الشهود عليك، فيظن أنه هو الله، وأن الله اتحد به، فالمؤذن حينما يذكر الله يثبت اثنين؛ فلذلك يشتمه الصوفية الملاحدة قبحهم الله وأخزاهم.

    فالمقصود: أن الاتحادية الآن من أكفر خلق الله، والحلولية أخف كفراً؛ لأنهم يقولون بوجود اثنين أحدهما حل في الآخر، والاتحادية يقولون: الوجود واحد، فقد اتحد الخالق بالمخلوق، بل ليس هناك خالق ولا مخلوق بل الوجود واحد، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    1.   

    مخالفة الاتحادية والحلولية للشرع والعقل والحس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتاب أن الله سبحانه خالق العالمين، ورب السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم فقراء إليه ].

    هذا مذهب جميع المرسلين الذين أرسلهم الله ومن تبعهم من المؤمنين وأهل الكتب: أن الله سبحانه خالق العالمين، ورب السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم الفقراء إليه.

    وهذا فيه إبطال لمذهب الحلولية والاتحادية الكفرة، الذين يقولون: الوجود واحد، وخالفوا جميع الأنبياء والمرسلين، وخالفوا جميع العقلاء، فإذا قلت للاتحادية: كلامكم هذا غير معقول مخالف للعقل، وينكره العقل والحس والسمع، قالوا: لن تفهم مذهبنا حتى تخرق الحس والعقل وتلغي عقلك فتكون مجنوناً! فحين تبطل كل هذه الأشياء تفهم المذهب.

    فيصير بذلك كافراً والعياذ بالله! لأنه يترك الشرع ويلغي عقله ويكون مجنوناً حتى يفهم مذهب هؤلاء الملاحدة، وقالوا: لن تفهم الآن مذهبنا وأنت في إحساسك وشعورك ودينك، بل ألغ دينك وعقلك وشعورك وستفهم المذهب، فأنت الآن محجوب عن معرفة سر المذهب، نسأل الله السلامة والعافية، نعوذ بالله من زيغ القلوب.

    والحلولية خالفوا جميع الأنبياء والمرسلين، وخالفوا ما عليه العقلاء، وخالفوا ما عليه الحس، ومذهب جميع المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين أن الله سبحانه خالق العالمين ورب السموات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم، والخلق جميعهم عباده وهم فقراء إليه، وكل من في السموات والأرض سيأتي ربه يوم القيامة معبداً مجبوراً تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، قال الله عز وجل: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:93-95].

    1.   

    معية الله عز وجل وعلوه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا، كما قال سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4] ].

    هذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه أهل الحق: أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ومنفصل، فلم يدخل فيه شيء من خلقه، ومع هذا فهو معهم أينما كانوا بعلمه وإحاطته واطلاعه، وهو فوق العرش، وهو مع المؤمنين بلطفه وتأييده وتوفيقه وتسديده، فالمعية معية عامة ومعية خاصة.

    فالمعية العامة: عامة للمؤمن والكافر، فالله مع كل أحد بعلمه، فالمعية العامة معية علم واطلاع وإحاطة ونفوذ القدرة والمشيئة، وهو سبحانه مع الخلق كلهم بعلمه، فيعلم أحوالهم ويطلع عليهم ويحيط بهم، وهم في قبضته وتحت تصرفه، وتنفذ فيهم قدرته ومشيئته، ولا يمتنعون منه.

    والمعية الخاصة للمؤمنين، فهو مع المؤمنين خاصة بلطفه وتأييده وتوفيقه وتسديده كما قال تعالى لنبيه: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، فهذه معية خاصة، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، هذه معية خاصة، وأما قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4] فهذه معية عامة.

    1.   

    بيان ضلال غلاة الصوفية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهؤلاء الضلال الكفار الذين يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه أو ضاجعه! وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً أو صبياً أو غير ذلك، ويزعم أنه كلمهم، يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفاراً؛ إذ هم أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17]، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إنه هو الله وإنه اتحد به أو حل فيه قد كفرهم وعظم كفرهم بل الذين قالوا: إنه اتخذ ولداً حتى قال: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:88-93] فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ هذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً رضي الله عنه أو غيره من أهل البيت هو الله.

    وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي رضي الله عنه بالنار، وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وقذفهم فيها بعد أن أجلهم ثلاثاً ليتوبوا، فلما لم يتوبوا أحرقهم بالنار، واتفقت الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم، لكن ابن عباس رضي الله عنهما كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء ].

    يبين المؤلف رحمه الله أن هؤلاء الاتحادية والملاحدة والصوفية ضلال كفار؛ لأن هؤلاء الضلال الكفار يزعم أحدهم أنه يرى ربه بعينيه، وربما زعم أنه جالسه وحادثه وراجعه، ويقول: إن الله ينزل عشية عرفة على جمل، وإنه يحاضر ويسامر ويصافح ويعانق!!

    وبعضهم يقول كاليهود: إنه يندم ويحزن ويبكي! تعالى الله عما يقولون، فبعض الصوفية يزعم أنه يرى ربه بعينيه، وبعضهم يزعم أن الله يكون في الخضرة! فكل شيء أخضر يكون الله فيه، وهذا معروف عن الصوفية أنهم يقدسون الشيء الأخضر، فتجد عندهم اللمبة التي على الجدران خضراء، والمسبحة خضراء، والسجادة خضراء، وهكذا يقدسون الأخضر مثل النباتات، وكل شيء أخضر يقولون: لعل ربنا موجود فيها.

    كذلك بعضهم يزعم أنه يحضر في المولد، فعندما يقيم المولد يزعم أن الله يحضر المولد ويسمونها الحضرة، فيقول: إن الله حضر هنا! تعالى الله عما يقولون.

    وربما يعين أحدهم آدمياً إما شخصاً أو صبياً ويقول: إن الله حل في هذا! والعياذ بالله! وبعضهم يزعم أن الله كلمه! وكل هؤلاء يقول عنهم المؤلف رحمه الله: يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم وكانوا كفاراً.

    فمن زعم أنه يرى ربه بعينيه في الدنيا أو زعم أنه يجالس الله أو يحادثه أو يراجعه أو عين آدمياً أو صبياً فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً، وكفْر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن النصارى قالوا: إن الله حلَّ في عيسى فقط، وأما هؤلاء فقالوا: حل في كل شيء في أشخاص وآدميين كثيرين؛ ولأن هؤلاء ملاحدة زنادقة، واليهود والنصارى أهل كتاب، وكفر أهل الكتاب أخف من كفر الملاحدة والمشركين والوثنيين.

    فيقول المؤلف: إن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، فإن المسيح رسول كريم وجيه عند الله في الدنيا والآخرة، كما أخبر الله عنه أنه وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين، فإذا كان الذين قالوا: إن الله حل في المسيح أو الذين قالوا: إن الله هو المسيح قد كفرهم الله وعظم كفرهم، فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17] وقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73]، بل إن الله كفر الذين قالوا: إن الله اتخذ ولداً فقال سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا [مريم:88-89] يعني: أمراً عظيماً، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا [مريم:90]؛ من عظم هذا القول وهو القول بأن لله ولداً.

    فهو أمر عظيم تكاد السماوات تتفطر وتتشقق: وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:90-93]، فكل من في السموات والأرض يأتي عبداً لله، فكيف يقال: إن لله ولداً؟! تعالى الله.

    1.   

    منهج السبئية

    فإذا كان الذي يقول: إن الله حل في المسيح والمسيح وجيه نبي كريم يكون كافراً، والله كفره وعظم كفره، فكيف بالذي يقول: إن الله حل في شخص من الأشخاص غير المسيح؟! لا شك أنه يكون كفره أعظم وأعظم.

    ولهذا قال المؤلف: فكيف بمن يزعم في شخص من الأشخاص أنه هو؟ يعني: أنه الله، فهذا أكفر من الغالية الذين يزعمون أن علياً رضي الله عنه أو غيره من أهل البيت هو الله، وغلاة الشيعة والرافضة يقولون: إن الله حل في علي وإن علياً هو الإله، فهؤلاء كفرة ملاحدة، وهؤلاء هم الزنادقة الذين حرقهم علي رضي الله عنه بالنار، وهم أتباع عبد الله بن سبأ الذين غلو في علي، وقالوا: إن علياً هو الله.

    فلما رأى ذلك علي رضي الله عنه أنكر عليهم وأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، وجعل فيها الحطب وأضرمها ناراً، ثم قذفهم فيها، ولم يقتلهم بالسيف بل حرقهم بالنار؛ لشدة غضبه عليهم وغيظه منهم، وقال لمولاه:

    لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبراً

    فلما عذبهم بالنار زادوا في عبادته وسجدوا له، وقالوا: هذا هو الله الذي يعذب بالنار! نعوذ بالله، والصحابة جميعاً اتفقوا على أنهم يستحقون القتل، إلا أن ابن عباس خالف علياً في كيفية القتل، فكان مذهب ابن عباس أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم معروفة عند العلماء؛ وابن عباس استدل بحديث: (لا يعذب بالنار إلا رب النار)، وهذا هو الصواب، لكن علياً رضي الله عنه لم يقتلهم بالسيف من شدة غضبه عليهم، أو لأنه خفي عليه النص الذي فيه: (أنه لا يحرق بالنار إلا رب النار).

    وكذلك أبو بكر رضي الله عنه وخالد بن الوليد في قتاله لأهل الردة حرق بعضهم بالنار، فلعله خفي عليهم النص، وإلا فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإحراق رجلين بالنار، ثم دعاهما فقال: (اقتلوهما بالسيف ولا تعذبوهما بالنار؛ فلا يعذب بالنار إلا رب النار)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.