إسلام ويب

شرح الحموية لابن تيمية [4]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بما وصف الله به نفسه، وقد أخطأ من قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله، والسلف من الصحابة والتابعين كانوا يمرون الصفات كما جاءت، فلا يتكلفون في تأويلها ولا يقحمون عقولهم في حقائقها، بل يؤمنون بها كما يليق بجلال الله وعظمته من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. وما جاء عن الله ورسوله في بيان الصفات آمنوا به ولم يزيدوا عليه ولم ينقصوا.

    1.   

    أهل التجهيل والتأويل والرد عليهم

    بيان مذهب أهل التجهيل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني تلك الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك ].

    وهذا سبق بيانه عند الحديث عن أهل التأويل وأهل التخييل الذين يقولون: إن الرسول يخيل للناس، وأهل التأويل الذين تأولوا النصوص وحرفوها وهم: المعتزلة والجهمية، وأهل التخييل والفلاسفة وغيرهم الذين يقولون: إن الأنبياء يخيلون على الناس.

    وسموا أهل التجهيل؛ لأنهم يجهلون الرسول عليه الصلاة والسلام ويجهلون جبريل، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندهم لا يعرف معاني الصفات، وكذا جبريل لا يعرف معانيها ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ولا يدري معنى استوى، ولا جبريل يعرف معنى استوى، فزعموا جهل النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل لمعاني الصفات والنصوص.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قولهم في أحاديث الصفات. إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا ابتداء، فعلى قولهم: تكلم بكلام لا يعرف معناه، وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7]، فإنه وقف أكثر السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7] ].

    أي: أنهم ظنوا أنهم لما فوضوا إلى الله وجهلوا النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم قد عملوا بهذه الآية: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7]، فجهلوا الرسول وجهلوا جبريل، وزعموا أن الرسول لا يعرف معاني الآيات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات ولا معاني الصفات؛ لأنها لا يعلمها بزعمهم: إلا الله.

    بيان معنى التأويل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقف كثير من السلف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:7]، وهو وقف صحيح لكن لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك.

    فإن التأويل يراد به ثلاث معان:

    فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك ].

    وهذا تأويل حادث باطل، فيقولون في تعريف التأويل: أنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، فمثلاً يقولون عند تفسيرهم الاستواء: الاستواء معناه: الاستقرار، فنصرفه عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح وهو استولى؛ لدليل يقترن به وهو العقل، فالعقل دل على أن الاستواء لا يليق بالله بزعمهم، وهذا باطل، وإنما التأويل عند السلف له معنيان: المعنى الأول: التفسير، ومنه قول ابن جرير القول في تأويل قول الله تعالى أي: في تفسيرها.

    والثاني: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، يعني: حقيقتها التي يؤول إليها، حقائق الصفات، وحقائق الجنة وما أخبر الله به في الجنة، كل هذا لا يعلمه إلا الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلاً على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلاً مخالف لمدلولها لا يعلمه إلا الله أو يعلمه المتأولون، والأقرب ولا يعلمه المتأولون؛ لأن هذا ظاهر الآية.

    ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجرى على ظاهرها، فظاهرها مراد مع قولهم: إن لها تأويلاً بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله، وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ].

    ووجه التناقض في قولهم: تجرى على ظاهرها ثم يقولون، لها تأويل لا يعلمه إلا الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام -سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه- وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم ].

    قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ [آل عمران:7]، أي: تفسيره إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، فالتأويل على هذا المعنى يكون معناه التفسير.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:7]، كما نقل ذلك عن ابن عباس ، ومجاهد ، ومحمد بن جعفر بن الزبير ، ومحمد بن إسحاق ، وابن قتيبة ، وغيرهم، وكلا القولين حق باعتبار، كما قد بسطناه في موضع آخر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا، وكلاهما حق.

    والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره، فتأويل ما أخبر به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان ويعبر عنه باللسان ].

    فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب هو نفس الأكل والشرب، فإذا دخل المؤمنون الجنة وباشروا الأكل والشرب كانت هذه هي الحقيقة، وما أخبر الله به من قيام الساعة، فتأويله قيام الساعة نفسها.

    ومنه قول عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت عليه سورة الفتح يكثر أن يقول: (سبحانك الله ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن)، فقولها: (يتأول) أي: يعمل به، ومنه قول يوسف عليه الصلاة والسلام لما سجد له أبواه وإخوته: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، فكما هو معلوم أنه رأى رؤيا وهو صغير فأخبر بها أباه قال تعالى عنه: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يوسف:4]، ثم ذهب به إخوته وألقوه في الجب، وباعوه، وذهب به إلى امرأة العزيز، فراودته ثم سجن، ثم صار على خزائن الملك، ثم جاء إليه أبواه وإخوته وسجدوا له، فحدث تأويل الرؤيا، وذلك قوله تعالى: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف:100]، أي: حقيقتها وما آلت إليه فوقوعها هو تأويلها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام أنه قال: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا [يوسف:100]، وقال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:53]، وقال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].

    وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله. وتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله بعلمها وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف -كـمالك وغيره-: الاستواء معلوم والكيف مجهول، فالاستواء معلوم يعلم معناه وتفسيره ويترجم بلغة أخرى، وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

    وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما ذكره عبد الرزاق وغيره، في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:

    تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل، من ادعى علمه فهو كاذب.

    وهذا كما قال تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة:17] ].

    قوله: تفسير لا يعلمه إلا الله، يريد الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، فلا يعلم حقائق الصفات إلا الله عز وجل، ولا يعلم حقائق ما يكون في الآخرة إلا الله عز وجل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ].

    وهذا حديث قدسي من كلام الله، رواه البخاري ومسلم .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك علم الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به، ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى ].

    قوله: ما قصد إفهامنا إياه، أي أن الإنسان يفهم ما أريد به، لكن الحقيقة والكنه، لا يعلمها إلا الله؛ لأننا نفهم إذا أخبرنا الله أن في الجنة ماء ولبن وخمر وعسل، إذ لا بد من قدر مشترك، يفهم به الإنسان الخطاب.

    لكن كيفية هذا الماء وكيفية هذا اللبن، وكيفية هذا الخمر، وكيفية هذا العسل، والحقيقة التي هو عليها لا يعلمها إلا الله.

    الصحابة والسلف أعلم الناس بعد رسول الله بمعاني الصفات والمعاد وسائر معاني القرآن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقال تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون:68]، فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.

    وقال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً.

    وقال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية أسأله عنها.

    وقال الشعبي : ما ابتدع أحد بدعة إلا وفى كتاب الله بيانها، وقال مسروق : ما قال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه، وهذا باب واسع قد بسط في موضعه ].

    فالإنسان يفهم القرآن ويفهم ما خوطب به، وهذا لا بد منه، أما الحقائق والكنه لما أخبر الله به في الآخرة وللصفات فلا يعلمه إلا الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والمقصود هنا: التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلال في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن من جعل الرسول صلى الله عليه وسلم غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، لم يجعل القرآن هدى ولا بياناً للناس ].

    إذ أن هذا لازم قولهم، فإنه إذا قال عن الرسول: إنه لا يعلم المعنى، وقال عن جبريل: إنه لا يعلم المعنى، فكيف يكون القرآن هدى وبياناً للناس! وهذا من أبطل الباطل، فهؤلاء الملاحدة الذين يقولون: إن جبريل لا يعلم معاني القرآن ولا محمد، يريدون أن يجعلوا القرآن في معزل عن الهداية والبيان.

    عبارات السلف في إثبات الصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية، فلا يجعلون عند الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته في باب معرفة الله عز وجل لا علوماً عقلية ولا سمعية، وهم قد شاركوا في هذا الملاحدة من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة.

    ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما يعلم به مذهبهم.

    روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون المتوافرون نقول: إن الله -تعالى ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.

    فقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابعي التابعين، الذين هم مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية.

    وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت. وروى أيضاً عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثورى والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقال: أمروها كما جاءت، وفى رواية فقالوا: أمرها كما جاءت بلا كيف ].

    أي: أمروها كما جاءت بلا تأويل للكيفية، فأفهموا معناها وأمروها ولا تكيفوا الصفات، إذ المعنى لا بد منه، فإمرارها فهم لمعناها، فالمراد إمرار اللفظ مع فهم المعنى، وتفويض الكيفية إلى الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقولهم رضي الله عنهم: أمروها كما جاءت، رد على المعطلة، وقولهم: بلا كيف رد على الممثلة ].

    وإنما قالوا: إمرارها كما جاءت؛ لأنها جاءت ليفهم الناس المعنى، وهذا رد على المعطلة الذين يعطلون الصفات، وقوله: بلا كيف، رد على الممثلة الذين يشبهون ويمثلون.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين ].

    وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف كان خلاف ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما.

    روى أبو القاسم الأزدي بإسناده عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ].

    روى هذا الأثر الآجري ، وابن بطة ، واللالكائي ، والخطيب البغدادي ، وأبو يعلى ، وأبو نعيم ، ورواه الخلال في السنة، وهكذا الذهبي ، والسيوطي ، وذكره القاضي عياض في ترتيب المدائن.

    وروى البخاري شيئاً منه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبى عبد الرحمن عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] كيف استوى؟

    قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق ].

    وروي عن الإمام مالك أنه قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وروي عنه أنه قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وروي هذا أيضاً عن أم سلمة ، لكن لا يصح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها ما رواه أبو الشيخ الاصبهاني ، وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله !: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء - العرق من شدة إنكاره لهذا السؤال- ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ].

    قوله: الاستواء غير مجهول، أي: معلوم، ففي اللغة العربية استوى بمعنى: استقر وعلا وصعد وارتفع، وكيفية استواء الرب غير معقول، أي: لا نعقله ولا نكيفه، وقوله: والإيمان به واجب، أي: الإيمان بهذه الصفة واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، وهذا يقال في جميع الصفات فيقال في العلم: العلم معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ويقال في يد الله: اليد معلومه، والكيف مجهول، والإيمان بها واجب والسؤال عنها بدعة، وهكذا في جميع الصفات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً، فأمر به أن يخرج.

    فقول ربيعة ومالك : الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، موافق لقول الباقين أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة ].

    والمفوضة يفوضون معنى الصفة، فيقولون عن الاستواء لا نعرف ما معنى الاستواء، فلا يثبتون إلا اللفظ فقط، أما المعنى فيقولون: لا ندري، كأنه كلمات أعجمية، فالكلمة العربية والأعجمية عندهم سواء، وهذا غلط، قال بعض العلماء: المفوضة شر من المعطلة، إذ التفويض للمعنى شر من التعطيل، حتى قال بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفهم معنى الاستواء، ولا جبريل ولا غيره.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف؛ فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً بل مجهولاً بمنزلة حروف المعجم.

    وأيضاً: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات ].

    يعني: إذا أثبت المعنى نفيت علم الكيفية، أما إذا كان المعنى ليس بمعلوم فلا يحتاج أن يقال بلا كيف، إذ الكيف غير معقول، واللفظ أيضاً غير مفهوم المعنى، إذ لو كان المعنى غير مفهوم، لما احتاج إلى نفي الكيفية، فلما نفى الكيفية دل على أن المعنى معلوم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأيضاً فإن من ينفي الصفات الخبرية -أو الصفات مطلقاً- لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف ].

    الصفات الخبرية هي: التي جاءت في الخبر، جاءت في النصوص، الخبرية، أما الصفات العقيلة: فهي التي دل عليها العقل عندهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فمن قال إن الله سبحانه ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.

    وأيضاً فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغو من القول ].

    فكيف ينفى الكيف والمعنى منفي! فإنه إذا كان المعنى غير مفهوم، فلا داعي لنفي الكيفية، ولكنه لما نفي الكيف دل على أن المعنى معلوم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى الأثرم في السنة، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، وأبو عمر الطلمنكى ، وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون -وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة، الذين هم مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبى ذئب - وقد سئل فيما جحدت به الجهمية؟

    أما بعد:

    فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت -أي: استمرت عليه وتتابعت- الجهمية ومن خالفها -وفي نسخة ومن خلفها- في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحصرت العقول دون معرفة قدره، وردت عظمته العقول، فلم تجد مساغاً فرجعت خاسئة وهى حسيرة.

    وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال: كيف لمن لم يكن مرة ثم كان ].

    أي: أن الذي أمر بالتفكير فيه إنما هي المخلوقات التي قدرها معلوم وهي التي كانت معدومة ثم أوجدها الله، أما الله فإنه واجب الوجود لذاته سبحانه، لا يحيط الخلق بعظمته ولا بعلمه، قال سبحانه: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإنما يقال: كيف لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فانه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يمت ولا يبلى ].

    قوله: من لم يبدأ، أي: ليس له بداية، فهو الأول الذي ليس قبله شيء سبحانه، قوله: ولم يمت، أي: ليس له نهاية، فهو الآخر ليس بعده شيء سبحانه وتعالى، قال عن نفسه: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3]، أما المخلوق فله أول وبداية، وله كذلك نهاية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى، يعرفه عارف أو يحد قدره واصف، على أنه الحق المبين لا حق أحق ].

    على أنه، أي: الرب سبحانه وتعالى، الحق المبين، قال تعالى: وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:25].

    1.   

    عجز العقول عن إدراك صفات الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغراً يجول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر ].

    وذلك مثل الذرة والبعوضة، وغيرها أصغر من المخلوقات، لا تستطيع أن تصفها أو تعرف كنهها، فهي تزول وتحول وتمشي ولها مخ ولها أعصاب ولها أعضاء وأمعاء:

    يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل

    ويرى نياط عروقها في نحرها من بين هاتيك العظام النحل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين ].

    قوله: من عقله، أي: مما أعطاه الله من العقل ما يحتال.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وخالقهم وسيد السادة وربهم لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف، فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته ].

    فالناس لا تستطيع أن تحيط بعلمه، ومن ذلك أن الله وصف نفسه بالقدرة، فهل تستطيع أن تحيط بقدرته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقاً وتكلفاً فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين بالخفي، وجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم منها ].

    أي: عمي عن البين بالخفي؛ لأن الله تعالى وصف نفسه بالعلم والقدرة والسمع، وهذا بين واضح، فكيف يعمى عن هذا الشيء الواضح بشيء يقدره من نفسه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الرب عز وجل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونظرته إياهم في مقعد صدق عن مليك مقتدر].

    إذ أن أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة، رؤيتهم لربهم عز وجل، حين يكشف الحجاب عنه فيرى وجهه الكريم سبحانه وتعالى، حتى إن أهل الجنة ينسوا ما هم فيه من النعيم، ومع ذلك جحدها هؤلاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينظرون، إلى أن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف إذا تجلى لهم يوم القيامة، رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحداً ].

    يعني: هو جحد رؤية الله في الدنيا؛ لذلك جحد رؤية الله يوم القيامة لتقوم عليه الحجة الضالة في إنكار رؤية الله، لما أنكرها في الدنيا أنكر رؤية الله في الآخرة ما أنكر ذلك في الدنيا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال المسلمون يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كذلك) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه) .

    وهذه النصوص واضحة بأن المراد: رؤية بالبصر خلاف المعتزلة الذين قالوا المراد بالرؤية العلم، لكن هذه النصوص واضحة أنهم يرون ربهم كما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر.

    والأسماء والصفات توقيفية لا يجوز إثباتها إلا بدليل، ما ورد في النصوص نثبته، وما لم يرد لا نثبته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدماه فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض) ].

    وهذا فيه صفة القدم لله عز وجل والرد على من أنكره والله أعلم بهذا، والله تعالى لا يظلم أحداً من خلقه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال لـثابت بن قيس رضي الله عنه: (لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة) ].

    وهذا فيه صفة الضحك لله كما يليق بجلاله وعظمته، وأهل البدع لا يستطيعون أن يثبتوا هذه الصفة، والرد عليهم في الحديث: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة) يعني: إثبات الضحك لله كما يليق بجلاله وعظمته لا يماثل أحداً من خلقه، لا يشبه ضحك المخلوقين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال فيما بلغنا: (إن الله ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم، فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم. قال: لا نعدم من ربٍّ يضحك خيراً) .

    قال: أزلكم، والأزل: الضيق والشدة، يقال: هم في أزل العيش، وآزلت السنة أي: اشتدت وأصبح القوم أزلين، أي: في شدة.

    يضحك من أزلكم يعني: من شدتكم وقنوطكم ويأسكم، يعلم أن فرجكم قريب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ في أشباه لهذا مما لم نحصه، وقال الله تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] ] .

    وهذه الآية فيها إثبات السمع والبصر لله سبحانه فهو سميع وبصير، فالسميع والبصير من أسماء الله المشتقة، وكل اسم مشتمل على صفة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48].

    يعني: على مرأىً منا وكلأ وحفظ.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39] ] .

    أي: على مرأىً مني.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] ].

    وهذه الآية فيها إثبات اليدين لله سبحانه، لأن اليدين أضافهما إلى ضمير نفسه سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:67] ].

    قوله: (قبضته) يعني: بيده سبحانه وتعالى.

    فقوله: (بأعيننا) يعني: بالمرأى منا، أما إثبات العين فهذا مأخوذ من حديث الدجال : (إن ربكم ليس بأعور) ففيه إثبات العينين لله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال: وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67] ].

    فيه إثبات اليمين له، وكلتا يديه يمين في الشرف والفضل والبركة سبحانه وتعالى وتنزه عن النقص.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فوالله ما دلهم على عظم ما يوصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقى في روعهم) ] .

    والروع: هو القلب، ومعناها كذلك: الوجل والخوف، قال تعالى عن إبراهيم: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود:74] .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكفي رزقها وأجلها) والروع هنا: القلب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ إن ذلك الذي أُلقي في روعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه - لا هذا ولا هذا - ولا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف ].

    هذا هو الواجب، ألا يتكلف الإنسان معرفة ما وصف الله به نفسه، ولا يجحد صفاته، بل يثبت صفات الله عز وجل ولا يتكلف فيثبت صفات لم تثبت لله، فالأسماء والصفات توقيفية.

    الأسماء والصفات توقيفية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ اعلم -رحمك الله- أن في العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك، ولا تجاوز ما حَدَّ لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف، وإنكار المنكر، فما بُسطت عليه المعرفة، وسكنت إليه الأفئدة، وذكر أصله في الكتاب والسنة، وتوارثت علمه الأمة، فلا تَخافنَّ في ذكره وصفته من ربك ما وصفه من نفسه عيباً، ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدراً.

    وما أنكرته نفسك، ولم تجد ذكره في كتاب ربك، ولا في الحديث عن نبيك صلى الله عليه وسلم - من ذكر ربك - فلا تكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه كإنكارك ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحد الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها ].

    هذا هو العدل كما أنه لا يجوز له أن ينفي شيئاً من أسماء الله وصفاته فليس له أن يخترع لله أسماء وصفات من عند نفسه لأن الأسماء والصفات توقيفية، ما يثبت لله إلا ما ثبت في الكتاب والسنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقد والله عز المسلمون الذين يعرفون المعروف وبمعرفتهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما بلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم، ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن ].

    يعني: لا يمرض من التسمية والذكر قلب مسلم ما دام أنه ذكر وتسمية من الكتاب والسنة.

    فالأسماء والصفات التي وردت في الكتاب والسنة يسميها الإنسان ولا يمرض من ذكرها ولكن المصيبة أن يسمي الله بأسماء وصفات لم ترد في الكتاب ولا في السنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سماه من صفة ربه، فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب من نفسه ].

    ما سماه الرسول أو وصفه فهو مثل ما سماه الله أو وصفه في نفسه؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم وحي.

    (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) الراسخون حيث انتهى علمهم، الواصفون لربهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها - لا ينكرون صفة ما سُمِّيَ منها جحداً، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقاً؛ لأن الحق ترك ما ترك، وتسمية ما سمى، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115] وهبَ الله لنا ولكم حكماً، وألحقنا بالصالحين.

    وهذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فتدبره وانظر كيف أثبت الصفات، ونفى علم الكيفية - موافقةً لغيره من الأئمة - وكيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها كذا وكذا كما تقوله الجهمية، أنه يلزم أن يكون جسماً أو عرضاً فيكون محدثاً].