إسلام ويب

شرح الحموية لابن تيمية [3]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتقد أهل السنة والجماعة أنه يجب الإيمان بصفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، وسبب ضلال بعض الفرق في باب الصفات هو قياسهم ما يكون للخلق على ما يكون للخالق، فأهل التأويل والتعطيل نفوا عن الله صفة الضحك أو اليد أو الوجه مثلاً؛ لاعتقادهم أنهم إن أثبتوا ذلك له فقد شبهوه بالمخلوق، والحق أن هذه الصفات ثابتة لله كما يليق بجلاله وكماله لا كما هي في المخلوقين.

    1.   

    القاعدة الصحيحة في باب الأسماء والصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث ].

    الشيخ: هذه هي القاعدة الأصل في باب الأسماء والصفات، وهي أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، ونفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فكل ما لم يذكر في كتاب الله أو في سنة رسوله من الأسماء والصفات لا يجوز إثباتها لله.

    وقد سار السلف الصالح على هذا المنهج، وعلى هذه القاعدة في الأسماء والصفات، وهي أنه لا يثبت لله إلا ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله. وأما الأشياء والألفاظ التي لم ترد في في الكتاب أو السنة لا نفياً ولا إثباتاً فيتوقف عندها، كالجسم والحيز والعرض والجهة، وما أشبه ذلك، فإن هذه لا تثبت ولا تنفى، ومن أطلقها نفياً أو إثباتاً فيستفصل ويسأل فإذا أراد معنى حق قبل، ويرد اللفظ، فإذا أطلق أن الله جسم، نقول: ما هو المراد بالجسم؟ فإن قال: إن المراد به حسن الصفات، قلنا: هذا حق، لكن لا تقل: إنه جسم، فإنه لم يرد في الكتاب والسنة، وإذا قال: ليس بجسم، قلنا: ما مرادك؟ فإن قال: مرادي أنه منزه عن النقائص والعيوب، قلنا: هذا حق، لكن لا تقل ليس بجسم.

    وإذا قال: مرادي أنه ليس بجسم، وليس له صفات، قلنا: هذا باطل، اللفظ باطل والمعنى باطل وهكذا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الإمام أحمد رضي الله عنه: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يتجاوز القرآن والحديث. ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل ].

    الشيخ: أي: لا يحرفون اللفظ ولا المعنى، ولا يعطلون الصفات أو ينفونها، ولا يكيفون بأن يقولوا: إن الله تعالى على كيفية كذا، ولا يمثلونه بشيء من مخلوقاته، كما قال الله سبحانه عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ونعلم أنما وصف الله به من ذلك فهو حق، ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأنصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد ].

    الشيخ: وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو أفصح الناس، وأما المبتدعة الذين يقولون: إن الرسول أراد معنى آخر، فهؤلاء يؤولون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحملونه على غير وجهه، فيقولون: إن الرسول أراد معنى آخر، فأراد من الناس أن يفهموا قوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] بمعنى آخر، والجواب عليهم بأن الرسول هو أفصح الخلق، فلو أراد المعنى الآخر لبين أن معنى استوى: استولى، أما قولكم أن الرسول أراد من الناس أن يتفهموا ويتأملوا ويخترعوا معاني أخرى، وأنه وكلهم إلى عقولهم فهو من أبطل الباطل، وكذلك من قال: أنا لا أعرف المعنى وإنما أفوض المعنى إلى الله، فقوله باطل أيضاً؛ لأن الله قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء:82]، ولم يقل: إلا آيات الصفات لا تتدبروها، فالمعاني معروفة، والألفاظ معروفة، وإنما الكيفية هي التي تفوض إلى الله تعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما يتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة: فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقة العدم؛ ولافتقار المحدث إلى محدث، ولوجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى.

    ومذهب السلف بين التعطيل وبين التمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فيعطلون أسماءه الحسنى وصفاته العلى ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويلحدون في أسماء الله وآياته.

    وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل، أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين والتمثيل والتعطيل، فمثلوا أولاً وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى.

    فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساوياً، وكل ذلك محال ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم.

    أما استواء يليق بجلال الله ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع، فإما أن يكون جوهراً أو عرضاً، وكلاهما محال؛ إذ لا يعقل موجود إلا هذان، أو قوله: إذا كان مستوياً على العرش وهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك؛ إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا فإن كليهما مثل وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل مسمى للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين.

    والقول الفاصل: هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي كعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.

    واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير، ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج ].

    الشيخ: قوله: في أمر مريج، أي: في أمر مختلط، أما طريقة السلف فهي واضحة بينة لا إشكال فيها ولا غموض وهي: إثبات الأسماء والصفات لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأهل البدع في ذلك في أمر مريج مختلط فهم متناقضون، غير متفقين على شيء.

    1.   

    الاعتماد على العقل سبب من أسباب الضلال في باب صفات الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن من ينكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أن لله علماً وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل ].

    الشيخ: أي: أن كل طائفة تدعي أن عقلها اضطرها إلى التأويل، فالذي ينكر رؤية الله يوم القيامة يقول: العقل يحيل أن يرى الله يوم القيامة؛ لأن الرؤية لا تكون إلا لجسم متحيز، والله ليس جسماً ولا متحيزاً، فإذا كان كذلك فيستحيل أن يرى، فنفوا الرؤية.

    والذين يقولون: ليس لله علم ولا قدرة ولا سمع ولا بصر، قالوا: يستحيل أن نصف الله بهذه الصفات؛ لأن هذا فيه تشبيه بالمخلوقات، فكل طائفة تدعي أن عقلها أحال ذلك، وهم في أمر مختلط، لا يضبطهم ضابط؛ لأنهم رجعوا إلى العقول والعقول متباينة متضادة متضاربة.

    على أن الله سبحانه وتعالى لم يحلهم إلى العقول، وإنما أنزل كتابه، ثم أنزل على نبيه الوحي الثاني وهي السنة؛ ليرجع الناس إلى الكتاب والسنة ويعملوا بهما؛ لئلا يرجعوا إلى عقولهم، وزبالة أذهانهم، وحاسة أفكارهم الغير منضبطة فينحرفوا عن الجادة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل ].

    الشيخ: حتى الكفرة ممن ينكر البعث وحشر الأجساد، يقولون: العقل يحيل هذا، ومن هؤلاء الكفرة ابن سينا وغيره، فقد أنكر أن الأجساد تعاد، بل قال: كيف تعاد الأجساد بعد أن بليت وصارت تراباً، وزعم أن ذلك مستحيل، وقال: إنما الذي يعاد الروح، ومثل هذا الباب إذا فتح ضاع الدين.

    وكذلك الذين ينفون الفوقية والعلو يقولون: يستحيل أن يكون الله فوق العرش؛ لأنه إذا صار فوق العرش، صار متحيزاً ومحدوداً وجسماً، وهذا تنقص، والله أعلى من أن يكون جسماً، وأن يكون محدوداً، فإذاً يستحيل أن يكون فوق العرش. ولو سئلوا: أين يكون؟ أجابوا فقال: بعضهم: يكون في كل مكان. وقال آخرون: ننفي النقيضين فنقول: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. وليت شعري ما يكون بزعمكم وإن لم يكن العدم، وهذا أعظم من سابقيه، وهؤلاء قوم قد استحوذ عليهم الشيطان، وأوصلهم إلى هذه الحالة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويكفيك دليلاً على فساد قول هؤلاء: أن ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل, بل منهم من يزعم أن العقل جوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله ].

    الشيخ: يريد أصحاب العقول المتضاربة، فهذا يدعي أن العقل يجيز هذا، والآخر يدعي أن العقل يمنع هذا، وهو شيء واحد، بعضهم يدعي أن العقل أجازه وبعضهم يدعي أن العقل منعه، فالآراء متضاربة، هم يقولون: إن الله أحالنا إلى العقول، فأي عقل نرجع إليه؟! إن رجعنا إلى عقول المشبهة قالوا: إن الله له صفات مثل صفات المخلوقين، وإن رجعنا إلى عقول المعطلة، قالوا: إن الله ليس له صفات، فإلى أي عقل نرجع؟

    كفاهم وصفاً فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ مضطرب متضارب، فبعضهم يزعم أن العقل يوجب إثبات الصفات مثل صفات المخلوقين، وبعضهم يقول: إن العقل يحيل أن تثبت صفات الله.

    الرد على من احتج بالعقل في نفي الصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء، وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر، وهو من وجوه: أحدها:

    بيان أن العقل لا يحيل ذلك.

    الثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.

    قوله: أجدل يعني: أشد جدلاً، وأكثر جدلاً، والمعنى: كل ما جاءنا رجل جدلي نترك الكتاب والسنة لجدله، ويأتي واحد آخر أجدل منه أشد جدل وهكذا ].

    الشيخ: أما دعوى أن العقل يحيل ذلك فنحن نبين أن العقل لا يحيل ذلك، إذ أي إحالة في كون الله فوق العرش؟ بل العقل يوجب هذا، فالله تعالى فوق مخلوقاته سبحانه وتعالى، فإنه بعد أن تنتهي المخلوقات التي سقفها عرش الرحمن، فالله فوق العرش، مطلع على عباده محيط بهم، تنفذ فيهم قدرته ومشيئته، يعلم أحوالهم ويراهم، وهو مع كل إنسان بعلمه وإحاطته واطلاعه، وهو مع المؤمنين بنصره وعونه وتأييده، وهو فوق العرش سبحانه وتعالى.

    فأي إحالة في هذا؟!

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها بالاضطرار، كما علم أنه جاء بالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، فالتأويل الذي يحيلها عن هذا، بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصوم، وسائر ما جاءت به النبوات ].

    الشيخ: أي: لو فتح باب التأويل، فإن القرامطة والباطنية سيتسلطون على الجهمية والمعتزلة، فالجهمية والمعتزلة قالوا: ننفي صفات الله: العلم والسمع والبصر، ولا نقول: إنه يسمى بهذه الأسماء، فإذا قيل لهم: لماذا تنفوها؟ قالوا: لأن هذا يحيله العقل، فإذا سئلوا ما المراد؟ قالوا: المراد المعاني المجازية، فمعنى استوى: استولى، فإذا قالوا ذلك تسلط عليهم القرامطة والباطنية، فقالوا: ليس هناك صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج ولا بعث، وقالوا: الصلاة معناه أسماء خمسة: علي وفاطمة وحسن وحسين ومحمد، فهذه الصلوات الخمس.

    والصوم: كتمان سر المشايخ، والحج: السفر إلى الشيوخ، ويزعمون أن لا بعث للأجساد، وإنما بعث للأرواح، فقال لهم الجهمية والمعتزلة: لماذا تنكرون ذلك، فإن هذا كفر: لأنكم بدلتم الدين، وأولتم نصوصاً صريحة لا يمكن أن تؤول، فاحتجوا عليهم وقالوا: أنتم أولتم الاستواء والعلم والرحمة.. فما الفرق بين هذا وهذا؟ وإذا كان هذا التأويل يجوز لكم فمن الذي يمنع التأويل هنا؟ وبذلك تسلطوا عليهم، وفتحوا باب الشر لهم، أي: أن المعتزلة والجهمية فتحوا باباً للقرامطة والباطنية، فأولوا الصلاة والزكاة والصوم والحج والبعث والجنة النار، وقالوا: كل هذه ليست على ظاهرها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص؛ وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيلة وإنما عقله مجملاً إلى غير ذلك من الوجوه ].

    الشيخ: وذلك؛ لأن العقل الصحيح يوافق النقل الصريح، والشريعة ما جاءت بشيء ينافي العقول الصحيحة، وإن جاءت بما تتحير فيه العقول، ولا تدركه على استقلاله، فالشريعة لم تأت بشيء تحيله العقول، وإنما جاءت بشيء تتحير فيه العقول.

    وهذا هو معنى قول العلماء: الشريعة جاءت بمحارات العقول لا بمحالاتها، فالعقل الصريح يوافق النقل الصريح، ولهذا ألف شيخ الإسلام رحمه الله كتاباً سماه: موافقة النقل الصحيح للعقل الصريح، وهو كتاب عظيم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ على أن الأساطين من هؤلاء والفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية ].

    الشيخ: إذ الأساطين والفحول والعقلاء من الفلاسفة القدامى وغيرهم معترفون بأن العقل لا يمكن أن يدرك تفاصيل ما جاءت به الشريعة، وكلهم يعظم الشرائع والإلهيات، ويقولون: إن الرسل جاءت بالآلاهيات، ونحن اختصاصنا بالرياضيات والطبيعيات، فلا نتدخل في ما هو من شأنهم، وهم في الجملة يسلمون للرسل الإلهيات، حتى جاء الفلاسفة المشائيون، ورئيسهم أرسطو ثم الفارابي ثم أبو علي بن سيناء فابتدعوا القول بقدم العالم، وقالوا: إن العالم قديم، وهذا معناه إنكاراً لوجود الله نعوذ بالله.

    وقطعاً العقل لا يصل إلى اليقين، وإنما هذا من خواص الوحي، ومما جاء به الوحي.

    بيان كمال علم النبي صلى الله عليه وسلم وفصاحته ونصحه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه، ومن المعلوم للمؤمنين أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر.

    والإيمان بالله واليوم الآخر: يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8] ].

    الشيخ: إن الله تعالى بعث رسوله بالهدى ودين الحق، والهدى ودين الحق أصله الإيمان بالمبدأ والمعاد، والخالق والرازق والمدبر والمحيي والمميت والمستحق للعبادة، وأن الله يبعث من في القبور، ويجازيهم ويحاسبهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [لقمان:28]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم:27]، وقد بين الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده.

    ومعلوم للمؤمنين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك من غيره، وأنصح للأمة من غيره وأفصح من غيره عبارة وبياناً، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم، وقد اجتمع في حقه صلى الله عليه وسلم كمال العلم والقدرة والإرادة ].

    الشيخ: قوله: كمال العلم، أي: فهو عالم ليس بجاهل عليه الصلاة والسلام، وكمال القدرة، أي: القدرة على الإفصاح، وعنده إرادة ورغبة فهو يريد أن يبلغ رسالة ربه، حتى إن الله تعالى قال لنبيه: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، أي: كاد يهلك نفسه في إبلاغهم وهدايتهم أسفاً عليهم إذا لم يؤمنوا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه، وإما من عجزه عن بيان علمه، وإما لعدم إرادته البيان ].

    وهذا في حق الرسول محال فهو أعلم الخلق وأنصح الخلق وأفصحهم، وعنده قدرة على البيان، فقد علمه الله تعالى وسدده، وعنده إرادة ورغبة وقوة في تبليغ رسالة ربه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والرسول صلى الله عليه وسلم هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين، والغاية في القدرة على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد؛ فعلم قطعاً أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان هو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم.

    فكل من ظن أن غير الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم بهذه منه، أو أكمل بياناً منه، أو أحرص على هدي الخلق منه فهو من الملحدين لا من المؤمنين ].

    الشيخ: من ذلك ما يقوله بعض الفلاسفة، حيث يقولون: إن الرسول ما علم، وبعض المجهلة يقولون: الرسول لا يعلم معاني الصفات، ولكن الفلاسفة يعلمونها، وكذلك الأولياء، وبعضهم يقول: علمها ولكن ما بينها، وإنما كتمها؛ لأن مصلحة الناس في أن يكتمها؛ لأنه يخاطبهم من باب الخطاب الجمهوري، فهو يخاطبهم بما يصلح الجمهور وإن كان كذباً، وبعضهم يقول: إن الرسول ما بين الحقائق، وهو يعلمها؛ لأن مصلحة الناس في هذا، فهو وإن كان كاذباً، لكنه كذب لهم ولم يكذب عليهم، فهو كذب لمصحلة. وهذا كلام باطل، فالرسول عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق وأعلم الخلق وأنصح الخلق وأقدرهم على البيان، وأتمهم إرادة عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على سبيل الاستقامة ].

    الشيخ: أي: أنهم في باب الأسماء والصفات، وباب المعاد والجزاء والحساب على سبيل الاستقامة، يعملون بالنصوص، فيثبتون لله ما أثبته لنفسه، أو أثبته رسوله من الأسماء والصفات، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويثبتون البعث والمعاد والجزاء والنشور، وأما أعداؤهم، أعداء الرسل فهم على طبقات ثلاث: أهل التخييل؛ وأهل التأويل؛ وأهل التجهيل.

    بيان المنحرفين عن طريقة السلف وطوائفهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما المنحرفون عن طريقهم. فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل، فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف، فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق ولا أوضح الحقائق ].

    الشيخ: يريدون أن ما أخبر به النبي من الغيب من باب التخييل، فالنبي يخيل لهم أنها حقائق حتى تستقيم أمورهم وتصلح أحوالهم، ولا يعتدي بعضهم على بعض، فإنهم إن اعتقدوا أن هناك جنة ونار وبعث ونشور يخافون، ولا يعتدي بعضهم على بعض، وإلا في الحقيقة ليس هناك لا جنة ولا نار ولا بعث، وأهل التخييل كفرة ملاحدة نعوذ بالله من ذلك.

    ويقولون عن النبي: إنه رجل عبقري، فليست النبوة عندهم هبة من الله، بل النبي رجل عبقري يسوس الناس.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم هم على قسمين: منهم من يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم الحقائق على ما هي عليه، ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها، وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة أو الأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين.

    وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية.

    ومنهم من يقول: بل الرسول صلى الله عليه وسلم علمها لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق ].

    الشيخ: فتبين أن أهل التخييل طائفتان، طائفة تقول: الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الحقائق التي جاء بها، ولكن الذي يعلمها بزعمهم هم الذين يسمون بالفلاسفة أو الأولياء.

    والطائفة الثانية تقول: بل الرسول علم معناها لكنه لم يبنيها فقد كتمها وإن كانت هي الحق؛ لأن مصلحة الناس إنما هي في الكتمان، فمصلحة الناس أن يخبرهم بغير الحقائق وبغير الواقع. فهم على طائفتين وكلهم ملاحدة.

    فالطائفة الأولى يقولون: إن الرسول يقرأ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ويقرأ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10]، وهو لا يعرف معنى يصعد، ولا يعرف معنى استوى.

    وإنما يعلم هذا بزعمهم الفلاسفة والأولياء فهم عندهم يعرفون المعاني، فيجعلونهم أعلم بالله من الأنبياء والمرسلين.

    وقد أراد من قال إن الرسول عبقري أن يمدح الرسول عليه الصلاة والسلام ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام أكمل الناس في الصفات وفي الشجاعة والفهم والعلم، لكن كلمة عبقري فيها ما فيها.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقول هؤلاء: يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل؛ لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريق التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد ].

    الشيخ: فهم لزيغهم وجهلهم يقولون: الرسول كذب لكن كذب لهم لا عليهم، وفرق بين من يكذب لك ويكذب عليك، فقد كذب عليهم فقال: هناك معاد، لكنه كذب لهم، أي: لمصلحتهم، والمصلحة تقتضي هذا، فهو يخبر أن هناك معاد وجنة ونار و... وكل ذلك ليس حقيقة، وهو يثبت الصفات لله حتى يعتقد الناس أن لله صفات، ومع ذلك فلا صفات على الحقيقة، وإذا سئلوا لماذا يعمل هذا؟ قالوا: لأن هذا من باب السياسة، فهذا هو الذي يصلح الناس، وهو كذب لهم لا عليهم، وما دام الكذب لمصلحة فلا بأس، وهذا من أبطل الباطل، واعتقاد هذا من أعظم الكفر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر، وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض ويؤمر بها العامة دون الخاصة فهذه طريقة الباطنية والملاحدة والإسماعيلية ونحوهم ].

    الشيخ: فالأعمال كالصلاة والصيام والزكاة يأمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي ليست بواجبة، ومنهم من يقول: الصلاة والزكاة إنما يأمر بها العامة من الناس دون الخاصة والأولياء.

    أهل التأويل وقولهم في الصفات

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما أهل التأويل فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها؛ ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك ].

    الشيخ: فهذا قول أهل الكلام، ويسمون أهل التأويل، وهم أهل التحريف من الجهمية والمعتزلة وغيرهم، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين معاني النصوص، فقال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، ولم يبين ذلك، بل وكلها إلى أهل العقول ممن يأتي بعده، الذين يتأملون وينظرون ويؤولون الكلام حتى يعرفون معناها الباطن، فقوله: (استوى)، مقصودها الاستيلاء، وأن العلماء بعد ذلك أتعبوا أذهانهم حتى استخرجوا المعاني الباطنية، فعرفوا أن معنى استوى: استولى، ومعنى اليد: القدرة.. وهكذا يتأولون.

    وهذه تأويلات باطلة لنصوص الصفات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهوراً بخلاف هؤلاء، فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم -في الحقيقة- لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا ].

    الشيخ: أي: الذين قصدنا الرد عليهم هم الجهمية والمعتزلة الذين يحرفون نصوص الصفات، ويقولون: معنى (استوى): استولى، أما أهل التخييل فالمعروف أنهم كفرة وملاحدة، والناس يعرفون عنهم ذلك، وإنما المصيبة في الجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين يحرفون نصوص الصفات وينطلي تحريفهم على كثير من الناس، ويظنون أنهم أهل الحق.

    فالجهمية والمعتزلة تظاهروا بنصر السنة، ويقول الشيخ رحمه الله: وهم في الحقيقة: لا نصروا الإسلام ولا كسروا أهل الشرك، من الفلاسفة الملاحدة، فما كسروهم ولا ناظروهم ولا أبطلوا حججهم، ولا يعرف عن الجهمية والمعتزلة أن منهم عباد، وأنهم أهل الخشية وأهل التقى، ولا أيضاً استفيد منهم في ردهم على الفلاسفة، بل إنهم أخذوا عن الفلاسفة، فلا فائدة منهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات ].

    الشيخ: لما حرف الجهمية والمعتزلة فقالوا: استوى، معناها: استولى، وقوله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، معنى اليد: النعمة والقدرة، فدخل من هذا الباب الفلاسفة، وقالوا: إن البعث المراد به بعث الأرواح لا الأبدان، والصلاة ليست ما تفعلونه من ركوع وسجود وقيام، وإنما الصلوات الخمس خمسة أسماء: علي وفاطمة وحسن وحسين ومحمد، والصيام: كتمان سر المشايخ، والحج: السفر إلى الشيوخ والجنة: خيال لا حقيقة، عندما احتج عليهم الجهمية والمعتزلة أن ما يفعلونه حرام لا يجوز في التعامل مع نصوص الشرع، أجابوهم: كيف يجوز لكم أن تؤولوا النصوص ونحن لا يجوز لنا أن نؤول نصوص المعاد، إن كان التأويل حراماً علينا فهو حرام عليكم أيضاً، وإن كان جائزاً لكم فهو جائز لنا أيضاً، وبذلك تسلطوا عليهم وكانوا سبباً في فتح باب الكفر لهؤلاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا الشبه المانعة منه، وأهل السنة يقولون لهؤلاء: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات، ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد ].

    الشيخ: لما أول الفلاسفة نصوص البعث والمعاد والجنة والنار، رد عليهم الجهمية والمعتزلة، فقالوا: نحن نعلم بالاضطرار بدون الرسول أن المعاد ثابت، وأن الجنة والنار ثابتتان، فهذا أمر ضروري، لا جدال فيه.

    فقال لهم أهل السنة: ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بإثبات الأسماء والصفات وأن هذه الأسماء ثابتة في جميع الكتب وأن الشبهة التي تدل على تأويلها باطلة. فاحتجوا عليهم بمثل ما احتجوا هم به على الفلاسفة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقولون لهم -أهل السنة-: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول صلى الله عليه وسلم وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئاً منها أحد من العرب ].

    الشيخ: أي: نثبت الصفات فنقول: أولاً: إنها -أي نصوص إثبات الأسماء والصفات- أكثر من نصوص المعاد.

    ثانياً: إن المشركين كانوا يقرون بها، وإنما كانوا ينكرون المعاد ولم ينكروها، فكيف يسوغ لكم أن تؤولوا الصفات، وهي في الكتب المنزلة أكثر من نصوص البعث والمعاد، ولم ينكرها أحد حتى من المشركين.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فعلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به ].

    الشيخ: وهذا فيه رد على الجهمية والمعتزلة، فإذا كانت نصوص الصفات أكثر من نصوص البعث والوعيد فإن إقرار العقول بها سيكون أكثر من إقرارها بالوعد والمعاد، فكيف يسوغ لكم أن تؤولوا الصفات مع أن إقرار العقول بها أكثر، وأنتم تعترفون بأن نصوص البعث والمعاد لا يمكن أن تؤول، مع أن نصوص الصفات أكثر وإقرار العقول بها أكثر، فإذا كان لا يسوغ ولا يجوز تأويل نصوص المعاد، فلا يجوز من باب أولى تأويل نصوص الصفات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأيضاً فقد علم أنه صلى الله عليه وسلم قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى ].

    الشيخ: أي: أن أهل الكتاب حرفوا التوراة والإنجيل وأنكر الله عليهم التحريف، ولم يذكر أنهم حرفوا الصفات، فلو حرفوا الصفات لأنكر الله عليهم، فإذا كان المشركون يقرون بالصفات، وأهل الكتاب يقرون بالصفات، فما الذي يدعوكم أيها المؤولون إلى تأويل الصفات، مع أن إقرار العقول بها أكثر، وقد أقر بها المشركون وأهل الكتاب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلو كان هذا مما حرف وبدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً ].

    الشيخ: كما في قصة الحبر الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا محمد! إننا نجد في التوراة أن الله يضع السموات على ذه - وأشار إلى أصبع - والأرضين على ذه والماء والثرى على ذه، والجبال على ذه، والشجر على ذه، خمسة أصابع، ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر).

    فأهل الكتاب مقرون بالصفات، وبذلك يكونون أحسن حالاً من الجهمية والمعتزلة في الإيمان بالصفات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجباً منهم وتصديقاً، ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة لأهل الإثبات].

    الشيخ: فما عاب النبي صلى الله عليه وسلم على اليهود في إثباتهم للصفات، كما تعيب نفاة الصفات أهل السنة في إثباتهم للصفات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ مثل لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك ].

    الشيخ: فما عابهم بإثبات الصفات، ولا سماهم مجسمة ولا مشبهة، وإنما عابهم بالكفريات التي كانوا يقولونها والتنقص الذي نسبوه إلى الرب سبحانه كقولهم: (إن الله فقير) أو (يد الله مغلولوة).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بل عابهم بقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64]، وقولهم: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، وقولهم: استراح لما خلق السموات والأرض، فقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38]، والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني: مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه باطل فالأول أولى بالبطلان ].

    الشيخ: أي: إذا كانت الصفات هي المتفق عليها في التوراة والإنجيل، وانفرد القرآن بالبيان للمعاد، وأقررتم أنه لا يجوز تأويل المعاد، وهو مما انفرد به القرآن فمن باب أولى ألا يجوز تأويل الصفات.