إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [3]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم بدع المرجئة مخالفتهم في الإيمان، فإنه يؤدي إلى مفاسد دينية اعتقادية مخالفة للكتاب والسنة، ولذلك فطوائف المرجئة كلها تعد مخالفة لأهل السنة والجماعة.

    1.   

    تعريف الإيمان

    أصل الإيمان في اللغة: التصديق والإقرار والمعرفة، وهو تصديق القلب وإقراره واعترافه.

    وشرعاً: تصديق القلب، وإقرار اللسان، وعمل القلب والجوارح. فيشمل أربعة أشياء: تصديق القلب ويسمى قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.

    فقول القلب: هو التصديق والإقرار والمعرفة.

    وقول اللسان: هو النطق، كالنطق بالشهادتين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والذكر، وتلاوة القرآن.

    وعمل القلب: كالنية والإخلاص والصدق والمحبة والتوكل والرغبة والرهبة.

    وعمل الجوارح: كالصلاة والصيام والزكاة والحج.

    ولهذا يقول العلماء: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان -وهو القلب- وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

    ومن عبارات السلف في هذا: الإيمان عمل ونية، أي: عمل القلب وعمل الجوارح، والنية التصديق والإقرار، ويدخل في العمل أيضاً قول اللسان. وبهذا ينفصل أهل السنة عن المرجئة بجميع طوائفهم وعن أهل البدع جميعاً.

    والعلماء والسلف والأئمة من الصحابة والتابعين وأهل السنة قاطبة ومنهم الأئمة الأربعة يقررون أن الإيمان تصديق القلب، وإقرار اللسان ونطقه، وعمل القلب وعمل الجوارح، وقرروا أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وبهذا انفصلوا عن جميع الطوائف، فانفصلوا عن الخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والكرامية، والجهمية وغيرهم، فالمرجئة الذين يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، من أعظم من خالف أهل السنة في مسمى الإيمان.

    1.   

    أقسام المرجئة

    المرجئة أربع طوائف:

    الطائفة الأولى: الجهمية، ومذهبهم في الإيمان أن الإيمان معرفة الرب بالقلب, والكفر: جهل الرب بالقلب.

    والجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان السمرقندي الراسبي الذي نشر مذهب الجهمية، وتعريفهم هذا أفسد ما قيل في تعريف الإيمان وأبطلها وأشدها كفراً وضلالاً وبعداً عن الحق.

    وألزمهم العلماء على هذا التعريف أن إبليس مؤمن؛ لأنه عرف ربه بقلبه، قال الله عنه: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الحجر:36] وألزموهم بأن فرعون أكفر أهل الأرض مؤمن؛ لأن فرعون يعرف ربه بقلبه، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، وقال الله عن موسى أنه قال لفرعون: لَقَدْ عَلِمْتَ [الإسراء:102] والعلم هو يقين القلب، لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ [الإسراء:102] فعلى هذا يكون فرعون مؤمناً على مذهب الجهم .

    واليهود مؤمنون أيضاً على مذهب الجهم ؛ لأن اليهود يعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:146] .

    و أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي مات على الشرك، وأبى أن يقول لا إله إلا الله يكون مؤمناً على مذهب الجهم ؛ لأنه قال في قصيدته المعروفة:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً

    بل إن العلماء ألزموا الجهم على قوله بأنه كافر بتعريفه هو؛ لأنه قال: الكفر هو الجهل بالرب، ولا أحد أجهل من الجهم بربه، فيكون كافراً بتعريفه هو.

    و الجهم اشتهر بأربع عقائد خبيثة فاسدة:

    الأولى: عقيدة الإرجاء، وهو أن الإيمان معرفة الرب بالقلب، والكفر جهل الرب بالقلب.

    والثانية: عقيدة الجبر، وهو القول بأن العبد مجبور على أفعاله، وأن الأفعال هي أفعال الله، والإنسان وعاء للأفعال، فهو آلة يحركها الله، فالأفعال أفعال الله، فالله هو المصلي والصائم على مذهب الجهم , والعباد وعاء للأفعال كالكوز الذي يصب فيه الماء، فيقول: العباد كالكوز، والله كصباب الماء فيه، هذا مذهب مذهب الجهم في الجبر.

    والعقيدة الثالثة: عقيدة نفي الأسماء والصفات عن الله عز وجل، حيث قال: ليس لله سمع ولا بصر ولا قدرة، وليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا مباين له ولا محايث له، ولا متصل به ولا منفصل عنه. وهو بهذا يصف ربه بالعدم، بل أشد من العدم.

    العقيدة الرابعة: القول بفناء الجنة والنار.

    الطائفة الثانية: الكرامية، ومذهبهم أن الإيمان هو النطق باللسان والإقرار به.

    فإذا أقر الإنسان فشهد أن لا إله الله بلسانه فإنه يكون مؤمناً ولو كان مكذباً بقلبه.

    وهذا يلي مذهب الجهم في الفساد, فيقولون: إن الإنسان إذا نطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان، وإن كان مكذباً بقلبه فهو مخلد في النار، فيجمعون بين الأمرين المتناقضين, فيقولون: إذا نطق المنافق بالشهادتين فهو مؤمن كامل الإيمان ومع ذلك يخلد في النار.

    وعللوا ذلك فقالوا: مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه نطق بلسانه، ويخلد في النار؛ لأنه كذب بقلبه.

    الطائفة الثالثة: الماتريدية والأشاعرة, ويقولون: إن الإيمان تصديق القلب فقط, وأما نطق اللسان وعمل الجوارح فهما وإن كانا مطلوبين وجوباً إلا أنهما ليسا من الإيمان.

    فهذا هو مذهب الماتريدية والأشعرية، ورواية عن الإمام أبي حنيفة اختارها بعض أصحابه.

    الطائفة الرابعة من المرجئة: وهم مرجئة الفقهاء، وهم طائفة من أهل السنة، يقولون: إن الإيمان شيئان: تصديق القلب, وإقرار اللسان, أما أعمال الجوارح فليست من الإيمان، وهذه هي الرواية الثانية عن الإمام أبي حنيفة وعليها جمهور أصحابه، وهذه هي التي قررها الطحاوي في الطحاوية، حيث قال: والإيمان إقرار باللسان، وتصديق بالجنان فقط.

    1.   

    حقيقة الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة

    القول بأن الخلاف مع مرجئة الفقهاء لفظي

    وأول من قال بالإرجاء: حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة في الكوفة، قال: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان.

    وهؤلاء طائفة من أهل السنة، يقولون: إن الأعمال مطلوبة، ولكن لا نسميها إيماناً، بل الإيمان شيئان فقط: الإقرار باللسان، والتصديق بالقلب، أما الأعمال: كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها فواجبة، لكن ليست إيماناً.

    فالإنسان عليه واجبان: واجب الإيمان وواجب العمل، وهؤلاء طائفة من أهل السنة، ويقولون: إن خلافنا مع الجمهور خلاف لفظي لا يترتب عليه أي فساد في العقيدة؛ لأننا متفقون على أن الأعمال مطلوبة وواجبة، لكن الخلاف بيننا: هل هي إيمان أو ليست إيماناً؟

    فنحن نقول: ليست من الإيمان، وأنتم تقولون: من الإيمان، ونحن متفقون على أنها واجبة ومطلوبة، وأن من أدى الواجبات أثابه الله، ومن ترك الواجبات فهو آثم متعرض للعقوبة، ويقام عليه الحد.

    ويقولون: إن الأعمال التي سميت إيماناً إنما هي تسمية مجازية لا حقيقية، كما في قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيماناً تسمية مجازية.

    وكذلك الكفر عندهم هو الجحود فقط، أما الأعمال فإذا سميت كفراً فإنما هي تسمية مجازية، وهكذا.

    قال بعض العلماء وبعض الذين شرحوا الطحاوية: إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة خلاف لفظي لا يترتب عليه فساد في العقيدة.

    فالأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد يرون أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح.

    والإمام أبو حنيفة يرى أن الإيمان شيئان: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، أما عمل الجوارح فهو واجب آخر، ونحن متفقون على أن الأعمال مطلوبة، والخلاف بيننا وبينهم التسمية فقط.

    يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للفساق والعصاة

    في الواقع أن الخلاف ليس لفظياً من جميع الوجوه, فالخلاف بين جمهور أهل السنة ومرجئة الفقهاء وإن كان لا يترتب عليه فساد في العقيدة إلا أن له ثمرات وآثاراً تترتب عليه، ولهذا قال بعض العلماء: إن بدعتهم -وإن كانت في اللفظ بدعة المرجئة- أشد من فتنة الأزارقة، وهم الخوارج.

    فمن الآثار التي ترتبت على خلاف مرجئة الفقهاء وإن كانوا طائفة من أهل السنة أنهم فتحوا باباً للفساق والعصاة، فمرجئة الفقهاء يقولون: إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد, وإيمان الفاسق والعاصي واحد هو التصديق، فكل منهم مصدق، ولكن التفاوت بينهم في الأعمال والتقوى.

    فلما قالوا هذا القول فتحوا باباً للفساق والعصاة, فيأتي السكير, ويقول: أنا مؤمن كامل الإيمان، وإيماني كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر وعمر , فإذا قيل له: كيف ذلك؟

    قال: أنا مصدق، وأبو بكر مصدق وعمر مصدق.

    فإذا قيل له: أبو بكر وعمر لهم أعمال عظيمة.

    قال: الأعمال غير الإيمان، ونحن متفقون في الإيمان, فإيماني كإيمان أبي بكر وعمر .

    وهذا باطل, فإن إيمان أبي بكر وعمر لو وزن بإيمان أهل الأرض لرجح, فكيف تقول أيها السكير: إن إيماني كإيمان أبي بكر وعمر , والذي فتح الباب لمثل هؤلاء هم مرجئة الفقهاء عندما قالوا: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان.

    يترتب على قول مرجئة الفقهاء فتح الباب للمرجئة المحضة

    الأمر الثاني من الآثار التي تترتب على خلاف مرجئة الفقهاء مع جمهور أهل السنة فتح الباب للمرجئة المحضة وهم الجهمية، فلما قال مرجئة الفقهاء: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان وهي مطلوبة، دخل المرجئة المحضة وقالوا: الأعمال ليست من الإيمان، وليست مطلوبة, فالمرجئة المحضة يقولون: إذا عرف الإنسان ربه بقلبه وصدق فلا يضره أي كبيرة يعملها، فلا ينفع مع الكفر طاعة كما لا يضر مع الإيمان معصية، ولهذا يقولون: إذا صدق أحد فهو مؤمن كامل الإيمان ويدخل الجنة من أول وهلة، حتى ولو فعل بعض المكفرات عندهم فلا يؤثر عليه مادام يعرف ربه بقلبه، فلو سب الله والرسول وهو يعرف ربه بقلبه ما تأثر إيمانه، ولو قتل النبي وداس المصحف بقدميه فلا يكون كافراً.

    فهذه من الآثار التي ترتبت على الخلاف بين مرجئة الفقهاء وجمهور أهل السنة.

    منع مرجئة الفقهاء الاستثناء في الإيمان

    المسألة الثالثة: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله، ومرجئة الفقهاء يمنعون الاستثناء في الإيمان، ويقولون: الاستثناء شك في الإيمان، ولا يجوز شك الشخص في إيمانه، بل لا بد أن يعلم أنه مصدق كما يعلم أنه قرأ الفاتحة، وكما يعلم أنه يحب الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه يبغض اليهود، ولهذا من قال: أنا مؤمن إن شاء الله، قالوا: هذا شاك في إيمانه، ويسمونه من أهل السنة الشكاكة.

    أما جمهور أهل السنة فإنهم أجازوا الاستثناء باعتبار ومنعوه باعتبار، فقالوا: إن قصد الشك في أصل الإيمان والتصديق فهذا ممنوع، وإن أراد بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله أن شرائع الإيمان والواجبات كثيرة ولا يجزم الإنسان أنه أدى ما عليه ولا يزكي نفسه، جاز له أن يستثني فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

    وكذلك إذا أراد عدم علمه بالعاقبة فله أن يستثني ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فله أن يستثني.

    ولقد انتشر في هذه الآونة مذهب الإرجاء وصار فيه كلام كثير، وأخذ ورد في الشبكة المعلوماتية، والكتابات والصحف والرسائل، واختلط الحابل بالنابل على كثير من الناس، فلا يفرقون بين الحق والباطل إلا من عصم الله، فكل من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان فهو من المرجئة, سواء قال إنه شرط كمال أو شرط صحة أو غير ذلك، فإن الشرط خارج عن المشروط، وعليه لا يقال شرط ولا غيره، وإنما الأعمال جزء من الإيمان ركن فيه.

    1.   

    زيادة الإيمان ونقصانه

    الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في زيادة الإيمان ونقصانه

    أقر أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، كما دلت النصوص الكثيرة على هذا، قال الله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، وقال: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:31]، وقال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4].:

    والكفر أيضاً يزيد وينقص، قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125].

    إذاً: الكفر يزيد وينقص، والنفاق يزيد وينقص، والإيمان يزيد وينقص.

    أما المرجئة بجميع طوائفهم فيقولون: الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهذا خلاف ما دلت عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين، إذ كان يقول أحدهم لصاحبه: هلم نزدد إيماناً، ويذكرون الله، ويقرءون القرآن، فإذا أمر الإنسان بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعى إلى الله، وقرأ القرآن زاد إيمانه، وإذا غفل أو عصى نقص إيمانه.

    أما أهل البدع فإنهم خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا، فالخوارج والمعتزلة يرون أن مسمى الإيمان كما يقول أهل السنة: قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، لكنهم يقولون: إذا ترك الإنسان واجباً من الواجبات ذهب عنه الإيمان كله.

    وجمهور أهل السنة يقولون: الإيمان يزيد وينقص، وهم يقولون: لا ينقص، بل يذهب جملة أو يبقى جملة، وقالوا: الإيمان حقيقة مركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، فإذا عصى الإنسان ربه كأن سرق أو زنا أو تعامل بالربا أو عق والديه فقد خرج من الإيمان وصار كافراً.

    أما أهل السنة فيقولون: بل هو ضعيف الإيمان غير كافر، إذ لو كان الزاني كافراً لقتل، ولو كان السارق كافراً لما قطعت يده، بل لو كان كافراً لقتل، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) ، ولما ورث من أقاربه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) فالخوارج والمعتزلة وإن وافقوا أهل السنة في مسمى الإيمان إلا أنهم يخالفونهم في زوال الإيمان.

    فالخوارج يقولون: إذا عصى الإنسان أو فسق أو ارتكب كبيرة ذهب الإيمان منه ودخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: ذهب منه الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل يكون في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا كافر، وهذا من أبطل الباطل.

    الرد على المعتزلة والخوارج في زيادة الإيمان ونقصانه

    المرجئة يقولون: الإيمان شيء واحد، وحقيقة مركبة يزول بزوال بعض أجزائه، فإذا زال التصديق زال الإيمان، وإذا وجد التصديق وجد الإيمان.

    وهذه الشبهة هي عند جميع الطوائف ما عدا جمهور أهل السنة، وهذه الشبهة من أبطل الباطل، فإن الإيمان متعدد ومتبعض، ولهذا قال جمهور أهل السنة ومنهم الصحابة، والتابعون، والعلماء ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ، وسفيان الثوري وابن عيينة والبخاري ومسلم وغيرهم من أهل العلم وأهل لحديث: إن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فإذا فعل الإنسان معصية نقص إيمانه وضعف ولو كثرت المعاصي، بل لا يذهب الإيمان إلا الكفر الصراح.

    ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) فدل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة، ومع هذا لا يزول ولا ينتهي الإيمان إلا إذا جاء الكفر الأكبر، أو النفاق الأكبر، أو الفسق الأكبر، أو الشرك الأكبر؛ لامتناع أن يجتمع إيمان وكفر.

    فإذا فعل شخص كفراً كأن سب الله، أو سب الرسول، أو استهزأ بالله أو برسوله أو بكتابه، أو كذب الله أو كذب رسوله، أو أنكر المعلوم من الدين بالضرورة وجوبه وتحريمه، كإنكار تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو أنكر وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب الحج، فمثل هذا قد ذهب إيمانه بالكلية.

    ولهذا فإن أهل السنة بدعوا المعتزلة وصاحوا بهم: أنتم أنكرتم النصوص التي تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، وهم مؤمنون موحدون مصلون ولا تأكل النار وجوههم؛ لأن الله حرم على النار أن تأكل وجوههم وهم مصلون، بل تأكلهم النار من نواحى أخرى، فمثل هذا مات وهو مؤمن مصل، لكنه مات عاقاً لوالديه من غير توبة، وهذا مات على الزنا من غير توبة، وهذا مات على التعامل بالربا من غير توبة، وهذا مات على الغيبة من غير توبة، وهذا مات على النميمة من غير توبة، وهذا مات على القتل بغير حق ولم يستحله، وهكذا تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر، فلو كان الإيمان ينتهي بالمعاصي ما أخرجو من النار.

    بل تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشفع للعصاة الموحدين، قال عليه الصلاة والسلام: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وفي كل مرة يحد الله له حداً يعرفهم بالعلامة يخرجك من النار، فقد جاء في بعض الأحاديث أن الله تعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (أخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه نصف دينار) وفي بعضها: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) والبعض الآخر: (أخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان).

    بل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يشفع أربع شفاعات للعصاة، وكذلك يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، وكل عبد صالح، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم رب العالمين برحمته، ويقول: (شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المرسلون، ولم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين، فيخرج قوماً من النار لم يعملون خيراً قط) يعني: زيادة على التوحيد والإيمان أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    وثبت في الحديث الصحيح: أنهم يخرجون من النار كأنهم الضغابيس قد امتحشوا وصاروا فحماً، فيصب عليهم من نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فإذا هذبوا ونقوا قيل لهم: ادخول الجنة. والأخبار في هذا متواترة.

    وثبت حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجاً، وآخر أهل الجنة دخولاً، فإذا سلمه الله من النار التفت إليها وقال: الحمد لله الذي نجاني منك، وفي أول الأمر يكون وجهه إلى النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها وأحرقني حرها، فيأخذ عليه العهد والميثاق ألا يسأل غير ذلك، فيعطيه، فيصرف الله وجهه عن النار، ثم ترفع له شجرة فيسكت ما شاء الله، ثم يدعو ربه ويقول: يا رب! أدنني من هذه الشجرة أستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك لن تسألني غيره، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له، فيعطي ربه العهد والميثاق فيدنيه، ثم يسكت ما شاء الله، وتظهر له شجرة أخرى، وهكذا حتى يصل إلى الجنة.

    فإذا وصل إلى باب الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة مما لا صبر له عليه، يقول: يا ربي! أدخلني الجنة، فيقول الله: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! ألم تقل إنك: لا تسألني غيرها، فيقول: يا ربي! لا أكون أشقى خلقك، فيضحك الله سبحانه وتعالى له، فإذا ضحك أدخله الجنة، فإذا دخل الجنة قال الله: تمنَّ! أما ترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟! فيقول: رضيت يا رب، فيقول الله له: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، خمس مرات.

    وجاء في الحديث الآخر: لك ذلك وعشرة أمثاله. يعني: لك مثل مُلْكِ مَلِكٍ من ملوك الدنيا خمسين مرة.

    فهذا آخر أهل النار خروجاً وآخر أهل الجنة دخولاً، وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري ، فكيف يقول الخوارج والمعتزلة: إن من دخل النار لا يخرج منها! ويجعلون العصاة كالكفار سواء بسواء، وأنكروا النصوص مع تواترها، والله تعالى يقول في كتابه الكريم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    1.   

    مذاهب الناس في مسمى الإيمان والكفر

    مسمى الإيمان ومسمى الكفر فيه هذا الاختلاف الشديد، ومذهب أهل السنة هو المذهب الحق، وهو أن الإيمان يكون تصديقاً بالقلب، وإقراراً باللسان، وعملاً بالقلب، وعملاً بالجوارح، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأقوال اللسان داخلة في مسمى الإيمان، وأعمال القلب داخلة في مسمى الإيمان، وتصديق القلب دخل في مسمى الإيمان، فالإيمان يكون قولاً، ويكون عملاً، ويكون تصديقاً، ويكون إقراراً، كما أن الكفر يكون بالجحود، ويكون بالعمل، ويكون بالقول.

    والمرجئة يقولون: الإيمان لا يكون إلا تصديقاً بالقلب، وعليه فالكفر لا يكون إلا بجحود القلب فقط, فأقوال اللسان ليست من الإيمان، وأعمال الجوارح ليست من الإيمان، فكذلك أقوال اللسان ليست من الكفر، والأعمال ليست من الكفر، فإذا سب الله أو سب الرسول قالوا: هذا ليس بكفر، وإنما هو دليل على الكفر، وإذا سجد لصنم قالوا: ليس السجود بذاته كفراً، لكن هو دليل على الكفر الذي في قلبه.

    وهذا من أبطل الباطل، فإن نفس السجود لصنم كفر، ونفس السب كفر، فإن الكفر يكون بالجحود وبالاعتقاد كمن اعتقد أن لله صاحبة، أو ولداً، أو شريكاً في الملك, أو جحد ملكاً من الملائكة، أو نبياً من الأنبياء، أو جحد البعث أو القيامة، فهذا يكفر بهذا الاعتقاد.

    ويكون الكفر أيضاً بالشك، كمن شك في الله، أو ربوبيته، أو أسمائه، أو صفاته، أو شك في الملائكة، أو في البعث، أو الساعة، أو القيامة، أو الجنة، أو النار، فهذا كافر بهذا الشك.

    ويكون الكفر بالعمل كالسجود لصنم قاصداً للسجود، فإنه كافر ولو لم يشأ بهذا العمل الكفر، ومثله من داس المصحف بقدميه، أو لطخ المصحف بالنجاسة، فقد كفر بهذا العمل.

    ويكون الكفر بالقول كمن سب الله، أو الرسول، أو استهزأ بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله.

    ويكون الكفر أيضاً بالرفض والترك، كمن أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3]، وقال: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22]. فالكفر يكون في القلب والاعتقاد بالجحود، ويكون في القول باللسان، ويكون في العمل بالجوارح، ويكون بالشك، ويكون بالرفض والترك، فهذه خمسة أنواع.

    والمرجئة يقولون: لا يكون الإيمان إلا بالقلب فقط، ولا يكون الكفر إلا بالقلب.

    فهذه مقدمة أردت أن ينفع الله بها، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، اللهم ثبتنا على دينك القويم حتى الممات، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    الأسئلة

    توجيه قول الطحاوي: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)

    السؤال: يذكر من قول أهل السنة والجماعة: (ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) أهي صحيحة أم أنها قيلت للرد على الخوارج، مع أن ترك الصلاة بدون استحلال كفر، أفتونا مأجورين؟

    الجواب: هذا قول الطحاوي رحمه الله، وأجاب عنه الشارح وقال: (ما لم يستحله) أي: ما لم يعتقده، ثم اعترض أيضاً على هذا الجواب بأن معنى (يعتقده) معنى يستحله.

    والذنب إذا أطلق شمل الكفر وغيره, والمعصية تشمل الكفر وغيره، قال تعالى: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81] فهذه هي خطيئة الشرك، فالذنب يطلق على الشرك وعلى ما دونه.

    والعلماء اصطلحوا على أن الذنب يطلق على ما دون الشرك، وما دون الشرك لا يكفر مرتكبه إلا إذا استحله وكان أمراً معلوماً من الدين بالضرورة وليس له شبهة، وذلك مثل الزنا.. السرقة.. الخمر.. عقوق الوالدين.. وقطيعة الرحم, فهذه كلها كبائر، من استحلها واعتقد أنها حلال كفر، أما إذا فعلها طاعة للهوى والشيطان فلا يكفر، بل يكون عاصياً، فالزاني عاص إلا إذا اعتقد أنه حلال؛ لأنه كذب الله، ومن تعامل بالربا وهو يعلم أن الربا حرام، لكن غلبه حب المال والجشع وأطاع الشيطان فهذا عاص ضعيف الإيمان مرتكب لكبيرة، فإذا استحله كفر.

    وكذلك من عق والديه، ويرى أن عقوق الوالدين حلال، فهذا يكفر، لكن إن عق وهو يعلم أن عقوق الوالدين حرام، ويؤمن بقول الله تعالى : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، لكن غلبه الهوى والشيطان، فهذا ضعيف الإيمان، وهكذا.

    فالذنب إذا كان من الكبائر وكان من الأمور المعلومة في الدين بالضرورة واستحله كفر, أما إذا لم يستحله فإنه يكون عاصياً ضعيف الإيمان، ولا يكفر إلا بالشرك.

    توجيه حديث: (لم يعملوا خيراً قط)

    السؤال: كيف نحمل الحديث الذي رواه الإمام البخاري : (ويخرج الله أقواماً من النار لم يعملوا خيراً قط فيدخلهم الجنة) هل معناه أنهم دخلوا الجنة بمجرد وجود أصل الإيمان في قلوبهم، كما في الحديث الآخر الذي رواه البخاري : (من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان فأخرجه من النار)، وجزيتم خيراً؟

    الجواب: معنى: (ما عمل خيراً) قط يعني: زيادة على التوحيد والإيمان، ولهذا جاء في اللفظ الآخر: (إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله) إلا أنهم موحدون، فأخرجهم الله بالتوحيد والإيمان، وليس عندهم زيادة عن التوحيد والإيمان.

    ولا يمكن أن يفهم معنى ذلك أن الله أخرجهم وهم على الشرك؛ لأن الجنة حرام على المشرك بنص القرآن، قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72]، فالنصوص تضم بعضها إلى بعض، ويصدق بعضها بعضاً، ولا يجوز أن يصدم بعضها ببعض.

    حكم الاحتيال في الربا

    السؤال: رجل أراد الاستقراض من أحد البنوك مائة ألف ريال، ويردها لهم مائة وخمسين ألفاً، فأخبرهم بأن ذلك من الربا الصريح المحرم، فقالوا له: هناك طريقة مباحة ومجازة من الهيئة الشرعية، وهي أن نشتري لك حديداً خاماً بقيمة مائة ألف ريال، ونبيعه لك، وتسدد مائة وخمسين ألفاً بأقساط شهرية لمدة ست سنوات, فما رأيكم حفظكم الله بهذا، وهل هو من الحيل المحرمة، وضحوا لنا الأمر واللبس، حفظكم الله وغفر لكم؟

    الجواب: ظاهره حيلة محرمة، فالحيل لا تبيح محرماً، بل تزيده إثماً، فكونه الآن يقترض كما ذكر حرام، وهو رباً صريح، وهو ربا الجاهلية، وكونه يقول: اشتر منا سلعة ونبيعها لك حتى تشتري منا سلعة بثمن أكثر حتى تقابل الزيادة مائة وخمسين حيلة على الربا لا تبيحه.

    ومثله قلب الدين على المعسر، وذلك حينما يكون على شخص دين قدره عشرة آلاف، ثم حل عليه الدين وهو معسر فقير, فقال الدائن: أبيع لك السيارة التي قيمتها عشرة آلاف بعشرين ألفاً، فباعها له بعشرين ألفاً، ثم قال له: بعها وأوفني فباعها على شخص آخر بعشرة آلاف فأوفاه، وبقي عليه في ذمته عشرة آلاف، فهذا هو قلب الدين على المعسر، وهو من الربا الذي لا يجوز.

    فالواجب على الدائن أن ينظر المعسر، لقول الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280].

    أما قوله: إن اللجنة أحلت هذا، فهذا فيه نظر، وعلى السائل أن يرجع إلى اللجنة الشرعية، ولا أظنها تبيح مثل هذا.

    حكم الاستثناء في الإيمان

    السؤال: سأل رجل: هل أنت مؤمن؟ فأجاب: أسأل الله أن أكون كذلك. فهل يصح قوله هذا؟

    الجواب: بعض السلف يقال له: أنت مؤمن؟ فيقول: أنا مؤمن بالله ورسوله وملائكته وكتبه. فهذا لا بأس، وإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقصد أن الاستثناء راجع إلى الأعمال فلا بأس.

    مراجع عقيدة الإرجاء

    السؤال: ما المراجع في معرفة عقيدة الإرجاء قديماً وحديثاً أثابكم الله؟

    الجواب: عقيدة الإرجاء ذكرها العلماء وردوا عليها في كتب السنة، ومنها كتابا الإيمان الكبير والصغير، ففيهما عقيدة الإرجاء والإفاضة فيها، وكذلك كتب العقائد أفاضوا فيها وبينوها، وكذلك أيضاً المرجئة في كتبهم ومؤلفاتهم الخاصة.

    حكم القول بأن مصطلح العقيدة مصطلح بدعي

    السؤال: ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الدعوات الغربية، ومنها: أن مصطلح العقيدة مصطلح بدعي حادث لا يجوز استخدامه في قضايا التوحيد، ويستدلون بأن هذا اللفظ لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن السلف الأوائل، فما رأيكم؟

    الجواب: لا أدري ما مقصودهم بمصطلح (بدعي)، وكيف يكون مصطلحاً بدعياً والرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن الإيمان فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) فهذه العقيدة بينها النبي، وهي عقيدة المؤمنين، فيكف تكون مصطلحاً بدعياً؛ لكن هؤلاء يريدون بكلامهم هذا أن يصرفوا الناس عن العقيدة السليمة، ويجعلوهم ضائعين لا يعتقدون شيئاً.

    نظرة في الآثار الواردة عن بعض الصحابة في فناء النار

    السؤال: هل تصح الآثار عن عمر رضي الله عنه، وأبي هريرة رضي الله عنه، وأبي سعيد رضي الله عنه, بالقول بفناء النار؟ وهل القول بفنائها قول شاذ؟

    الجواب: هذه الأقوال المذكورة عن بعض السلف تحتاج إلى ثبوتها بسند، فالذين يذكرونها يذكرونها ولا يذكرون لها سنداً، ولو صح فيكون هذا اجتهاداً منهم مخالفاً للنصوص، والنصوص مقدمة على الاجتهاد.

    فالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دلت على أن النار باقية دائمة لا تفنى، قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37] .

    وقال: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، وقال: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ:23] والحقب :هي المدد المتطاولة، كلما انتهى حقب عقبه حقب إلى ما لا نهاية، قال تعالى: كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97] فكيف نأخذ بالآثار ونترك النصوص الواضحة؟

    وهذه الآثار في الغالب ليس لها أسانيد، ولو صحت الأسانيد لكان هذا اجتهاداً، والاجتهاد يخطئ ويصيب، والحجة في كلام الله وكلام رسوله، لا اجتهاد المجتهد.

    صحة اشتراط الاستحلال في الكفر

    السؤال: ما رأيكم فيمن يقول: إن مجرد السجود للصنم ليس كفراً؟

    الجواب: هذا قول المرجئة، يقولون: السجود للصنم ليس بكفر، لكنه دليل على الكفر، والصواب أن السجود للصنم كفر إذا كان قاصداً السجود له، وقولي: (قاصداً)؛ يخرج النائم، أو الناعس، أو شخصاً وضع جبهته على الأرض يريد أن يستريح بلا قصد ولا علم بالصنم، وغير ذلك، لكن قصد السجود للصنم كفر وشرك ولو اعتقد بقلبه خلاف ذلك، ومثله سب الله وسب الرسول، ولو قال: أنا لا أريد الكفر.

    ومثله من استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله، وقد اجتمع جماعة في غزوة تبوك وتكلموا في حق النبي صلى الله عليه وسلم والقراء من أصحابه، وقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء، فأنزل الله في حقهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان بهذا القول، ولم يقل: هل تعتقدون أو لا تعتقدون؟

    أما المرجئة فيقولون: السجود ذاته ليس بكفر، لكنه دليل على الكفر، ودليل على ما في قلبه. ويقولون: مجرد السب ليس كفراً، لكنه دليل على الكفر. وهذا من أبطل الباطل، بل نقول: نفس السب كفر، ونفس السجود للصنم كفر، ووطء المصحف بالقدم امتهاناً له كفر، وقتل النبي أو سبه كفر.

    والمرجئة بنوا معتقدهم على أن الإيمان التصديق بالقلب، والكفر الجحود بالقلب، فالكفر لا يتجاوز القلب، والإيمان لا يتجاوز القلب، والسجود للصنم فعل، فعلى معتقدهم لا يكون كفراً؛ لكونه ليس في القلب، ومثله عندهم أن يلطخ المصحف بالنجاسة، وهكذا.

    ضوابط تكفير المعين

    السؤال: من عمل عملاً كفرياً، أو قال قولاً كفرياً, فهل يكفر بمجرد القول أو الفعل أم لابد من استحلال؟

    الجواب: يكفر بمجرد القول والعمل، إلا إذا لم تثبت له الحجة، أو كان جاهلاً، أو لا يعلم هذا الشيء، فلابد حينئذٍ من إقامة الحجة عليه، أما إذا تكلم بكلام الكفر قاصداً له في الكلام، أو عمل عملاً كفرياً قاصداً ذلك فإنه يكفر ما لم يكن مثله يجهل هذا الشيء، أو يحتاج إلى إزالة الشبهة؛ لأن من تكلم بالكلام الكفري أو عمل الكفر فلا بد من قيام الحجة عليه، ولا بد أيضاً من وجود الشروط وانتفاء الموانع، أما إذا كان مثله يجهل هذا الشيء أو كانت له شبهة فإنه لا يكفر.

    أسباب حصول حلاوة الإيمان

    السؤال: [ما أسباب زيادة الإيمان، وكيف أجد حلاوته؟

    الجواب: أسباب زيادة الإيمان: طاعة الله ورسوله، من أطاع الله وأطاع رسوله زاد إيمانه، ومن عصى الله أو عصى رسوله نقص إيمانه، وحلاوة الإيمان تعني: لذته، ويجدها الإنسان في ثلاثة أشياء:

    إذا كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وإذا كان يحب الإنسان يحبه لله، وإذا كان يكره الرجوع في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، كما في حديث أنس : (ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) هذا يجد لذة الإيمان وحلاوته.