إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية [1]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتاب الإيمان الأوسط أو الصغير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أحسن كتبه، وهو في شرح حديث جبريل المشهور، وقد ميز فيه بين أقوال الناس في الإسلام والإيمان، وأدلة كل قول، وما هو الحق في ذلك.

    1.   

    فضل العلم وآدابه

    فضيلة طلب العلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسول نبينا وإمامنا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليكم، وأثني عليه الخير كله، وأسأله المزيد من فضله، وأسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وصواباً على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسأله سبحانه أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا منا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً.

    أيها الإخوان! إن طلب العلم، والاستزادة منه، والحرص عليه، عن إخلاص ومحبة ورغبة ورهبة من أفضل القربات وأجل الطاعات، فإن العلم الذي بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أشرف العلوم، والله سبحانه وتعالى رفع شأن العلماء وميزهم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة على أجل مشهود به، وهو الشهادة له سبحانه وتعالى بالوحدانية.

    وقال سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9]، وقال سبحانه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].

    وأمر الله نبيه أن يقول: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114].

    والعلم الشرعي هو ميراث الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن اتصف بالعلم كان له مزية على غيره.

    ولهذا فإن في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الذي فيه بيان أقسام الناس الذين يقرءون القرآن جعل لمن يقرأ القرآن ميزة وإن كان من المنافقين، فقال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر).

    فجعل المنافق الذي يقرأ القرآن له مزية، وإن كان لا ينفعه، لكن العلم يجعل للإنسان مزية تميزه على غيره، حتى الحيوانات المعلمة تتميز عن غيرها من غير المعلمة، فالكلب المعلم له ميزة على غيره من الكلاب، والكلب المعلم يجوز أكل ما صاد، والكلب غير المعلم لا يؤكل صيده، بالشروط.

    فالمسلم الذي من الله عليه بالعلم وسلوك طريق العلم عليه أن يغتبط بهذه النعمة، ويعلم أن الله أراد به خيراً، وإن من علامات إرادة الله الخير للعبد أن يفقهه في دينه، وأن يتبصر، وأن يحرص على طلب العلم، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، قال العلماء: هذا الحديث له منطوق وله مفهوم، منطوقه: أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً، ومفهومه: أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ذاك إلا أن الفقه في الدين وسيلة إلى العمل، وإلى تنفيذ الأحكام والتصديق بالأخبار، ولهذا فإن العلماء ورثة الأنبياء.

    أهمية الإخلاص في طلب العلم

    فأنتم اتجهتم إلى طريق العلم، ونحسبكم والله حسيبكم أنكم قصدتم بذلك وجه الله والدار الآخرة، لا تريدون مالاً ولا جاهاً ولا شهادة ولا وظيفة، وإنما تطلبون العلم للتبصر والتفقه.

    فأوصيكم ونفسي بالإخلاص والصدق مع الله، فأخلصوا طلبكم للعلم لله، واقصدوا بذلك وجه الله والدار الآخرة؛ لأن طلب العلم من أجل القربات وأفضل الطاعات، وهو أفضل من نوافل العبادة، قال العلماء: إن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: كونك تتفرغ لطلب العلم أفضل من كونك تتفرغ لتصلي الليل، أو لتصلي صلاة الضحى، أو لتصوم الإثنين والخميس، أو لتصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وإذا كان طلب العلم يمنعك من صلاة الليل أو صلاة الضحى، فأنت بين أمرين: إما أن تصلي الضحى أو تحضر درس العلم.

    نقول: حضور درس العلم مقدم على صلاة الليل، وإذا كان صيام الإثنين والخميس أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر يمنعك من طلب العلم فطلب العلم مقدم؛ لأن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة، يعني: ما زاد عن الفرائض؛ وما ذاك إلا لأن طلب العلم يتبصر به الإنسان في دين الله ويتفقه ويعلم الحلال والحرام، ويمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، فيعبد الله على بصيرة، بخلاف الجاهل فإنه لا علم عنده.

    فأوصيكم ونفسي بالإخلاص، أن يخلص الإنسان في طلبه للعلم، ويعلم أنه في عبادة عظيمة من أجل القربات وأطيب الطاعات.

    وعليه أن يحسن القصد ويخلص النية، ويتذكر دائماً أنه يعبد الله بطلب العلم، ويتذكر دائماً أن الله من عليه بهذه النعمة العظيمة، ووجهه هذه الوجهة، وشرح قلبه وصدره لطلب العلم، فيرتبط بهذه النعمة ويفرح بها، قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    آداب طالب العلم مع شيوخه

    وعليه مع ذلك أن يحترم أهل العلم والمدرسين، ويعرف لهم قدرهم وحرمتهم، ويتأدب معهم في خطابه وفي أسلوبه وفي أسئلته، وعليه مع ذلك أن يحذر من التعنت الذي يصاب به بعض الناس في أسئلته، فلا يتعنت، لا يسأل أسئلة تعنت، ولا يسأل أسئلة يريد بها الرياء والسمعة، أو يريد أن يعنت المسئول ويوقعه في الحرج، أو لأجل أن يظهر نفسه، بل يسأل أسئلة يريد بها الفائدة، ولا يسأل أسئلة غير واقعية، أو أسئلة مستحيلة، أو لا تكون، لكن يسأل أسئلة يمكن أن تقع أو واقعة، ويكون قصده بذلك الفائدة.

    وعليه مع ذلك الحرص على حضور دروس الحلقات العلمية، وبذل الوسع والاجتهاد، وإحضار الكتاب بين يديه، وعليه أن يحضر ذهنه، ويجاهد نفسه؛ حتى لا ترد عليه الخواطر والوساوس، فلابد أن يكون حاضر الذهن، فيفهم عن المدرس ما يقول، وعليه أن يعلق الفوائد العلمية؛ لأن الفوائد العلمية قد تفوته، ولهذا يقول السلف:

    العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة

    وعليه مع ذلك أن يستفسر عما أشكل عليه، ويرجع إلى زملائه يسألهم عما خفي عليه، ويرجع إلى الشريط أيضاً، وعليه مع ذلك أن يستفيد من أهل العلم، بأن يتصل بهم هاتفياً أو شخصياً، لكن مع التأدب، ومع القصد الحسن، وقد يحرم الإنسان العلم بسبب عدم تأدبه بآداب طالب العلم، فلابد للإنسان أن يخلص عمله لله وأن يتأدب بآداب طالب العلم.

    وعليه مع ذلك أن يستفيد من الكتب ومن أهل العلم، وأن يسلك الطرق والوسائل التي يستفيد منها، والوسائل في هذا العصر كثيرة: منها حضور الحلقات والدورات العلمية، ومنها حضور الدروس في المساجد، ومنها سؤال أهل العلم هاتفياً أو شخصياً، ومنها سماع الأشرطة المفيدة، ومنها القراءة في كتب أهل العلم والبصيرة، ومنها الدراسة في المعاهد والكليات والمدارس العلمية، كل هذه وسائل لطلب العلم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، ونسأله سبحانه أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في العمل والثقة في القول، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيذنا وإياكم من الرياء والسمعة ومن المقاصد السيئة.

    ونحن إن شاء الله في هذه الدورة سوف نتكلم بما يفتح الله به على كتاب الإيمان الأوسط للإمام المجتهد المطلق العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني رحمة الله عليه، المولود سنة إحدى وستين وستمائة من الهجرة، والمتوفى سنة ثمانية وعشرين وسبعمائة رحمه الله رحمة واسعة.

    و شيخ الإسلام معروف لدى الجميع، وهو ممن نصر الله به الحق، وأظهر الله به معتقد أهل السنة والجماعة، وقد انتشرت كتبه ومؤلفاته، ونفع الله بها في مشارق الأرض ومغاربها، ودعوة الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله امتداد لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا زال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وتلاميذه كلهم يستفيدون من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم وغيرهم من أهل العلم.

    وهذا الإمام شيخ الإسلام رحمه الله هو ممن نصر الله به الحق وأظهر به عقيدة أهل السنة والجماعة، وما قرره من معتقد أهل السنة والجماعة، كله عليه أدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان من أهل العلم، ويندر أن يكون له قول ضعيف في مسائل الاعتقاد، أما المسائل الفرعية فأمرها سهل، كمسائل الفروع في الفقه وفي غيرها، لكن مسائل الاعتقاد يندر أن يكون له قول ضعيف أو مرجوح رحمه الله.

    وهذا كتاب الإيمان الأوسط ويقال له: كتاب الإيمان الصغير، وله كتاب آخر هو كتاب الإيمان الكبير أو شرح حديث جبريل، وكأن هذا الكتاب مختصر من كتاب الإيمان الكبير، وكتاب الإيمان الكبير أوسع، وهذه المباحث الموجودة في كتاب الإيمان الأوسط أو كتاب الإيمان الصغير موجودة في كتاب الإيمان الكبير، والإيمان الكبير يزيد عليه.

    1.   

    شرح خطبة الكتاب

    معنى الحمدلة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ بسم الله الرحمن الرحيم.

    وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [هود:88].

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستعيذه ونستهديه ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:46]، ففتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، تبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وأنقذ به من الضلالة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد ].

    هذه خطبة تسمى خطبة الحاجة، وكثيراً ما يفتتح بها الإمام رحمه الله رسائله وكتبه، وتقرأ هذه الخطبة عند خطبة النكاح وغيرها، فيفتتح بها مثل الكتاب أو الرسالة أو الجمعة، وإن لم تفتتح بها خطبة الجمعة فلا حرج.

    يقول: (الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه).

    الحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة الاختيارية، وهو أعلى من المدح، فالمدح: هو الإخبار عن صفات الممدوح، وقد تكون هذه الصفات ليست اختيارية، كما إذا مدحت الأسد بأنه قوي العضلات، هذه صفات له لكنه لم يفعلها باختياره، بخلاف الحمد؛ لأنه الثناء على المحمود بصفات اختيارية، مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فالحمد أبلغ من المدح، فالحمد: هو الثناء على المحمود بصفاته الاختيارية مع حبه وإجلاله وتعظيمه.

    ولهذا جاء الحمد في الثناء على الرب سبحانه وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] افتتح الله به كتابه العظيم، وقال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1] وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا [الكهف:1].

    وجميع أنواع المحامد كلها ملك لله، هو مستحق لها سبحانه وتعالى، فإنه سبحانه وتعالى هو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وهو مولي النعم ومسديها، وما بالخلق من نعمة فهي من الله، قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53].

    فلهذا كان سبحانه وتعالى مستحقاً لجميع أنواع المحامد، وهو المالك لها سبحانه وتعالى.

    قوله: (ونستعينه) يعني: نستعين بالله سبحانه وتعالى، أي: نطلب منه العون، والسين والتاء تدل على الطلب، (ونستغفره)، يعني: نطلب منه المغفرة لجميع الذنوب؛ لأن الإنسان محل الخطأ، فهو بحاجة إلى الاستغفار، أي: طلب المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنب ومحوه والعفو عنه والسلامة من شروره في الدنيا والآخرة.

    فالمؤلف يقول: نثني على الله سبحانه وتعالى بجميع أنواع المحامد، ونسأله العون، ونطلب منه أن يغفر ذنوبنا وأن يسترها، وأن يسلمنا من شرها في الدنيا والآخرة.

    قوله: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا)، يعني: الشرور تأتي من النفس، وتأتي من غير النفس، وكذلك الأعمال تنسب إلى العبد، وهو المباشر لها والكاسب لها، فالأعمال تكون حسنة وتكون سيئة، ولهذا قال: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

    معنى الهداية ومعنى الشهادة لله بالوحدانية

    وقال: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له).

    هذا فيه بيان أن الرب سبحانه وتعالى هو الهادي وهو المضل، هو الذي يقذف الهداية في قلب العبد، ويجعله يختار الحق ويرضى به، وهو سبحانه وتعالى مقدر الضلالة على العبد لما له من حكمة بالغة، فهو سبحانه وتعالى يهدي من يشاء فضلاً منه وإحساناً، ويضل من يشاء عدلاً منه وحكمة.

    من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ومن هداه الله فلا يستطيع أحد أن يضله، ولو اجتمع الخلق كلهم ما استطاعوا أن يضلوه، ومن أضله الله فلا يستطيع أحد أن يهديه، وإن اجتمع أهل الأرض كلهم أن يضلوه ما استطاعوا.

    وفي هذا رد على المعتزلة الذين يقولون: إن العبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، يقولون: إن تسميته مهتدياً يعني: أن وصفه بأنه مهتد معناه أنه سمي مهتدياً أي: فهو من باب التسمية.

    من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، هذا مأخوذ من قوله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [الكهف:17].

    ثم شهد المؤلف رحمه الله بالوحدانية لله تعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فقال: (وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)،يعني: أقر وأعترف بأنه لا معبود بحق إلا الله.

    لا إله إلا الله هي كلمة التوحيد، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، فالمعبود بالحق هو الله، وما عبد سواه فهو معبود بالباطل، والمعبودات كثيرة: عبدت الشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، والبشر، والحجر، والأصنام، والأوثان، والجن، والإنس، والشياطين.. كلهم عبدوا لكن بالباطل، والعبادة بالحق هي عبادة الله وحده، كما قال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62].

    هذه كلمة التوحيد وهي أعظم كلمة، فأعظم كلمة وأفضل الكلام بعد كلام الله عز وجل كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهذه الكلمة العظيمة لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وانقسم الناس إلى شقي وسعيد، ولأجلها خلقت الجنة والنار، وقامت القيامة، وحقت الحاقة، ووقعت الواقعة، وهي حق الله على عباده، من وحد الله وأخلص له العبادة فإنه لا يخلد في النار وهو من أهل الجنة قطعاً، ومن مات على التوحيد فهو من أهل الجنة قطعاً، لكن إن مات على توحيد خالص خال من الشرك والبدع والكبائر دخل الجنة من أول وهلة، فضلاً من الله تعالى وإحساناً، وإن مات على توحيد ملطخ بالمعاصي والكبائر والبدع دون الشرك فهو على خطر من العذاب أن يصيبه في القبر، قد يعذب في قبره، وقد تصيبه أهوال وشدائد في موقف القيامة، وقد يعذب في النار، فهو تحت مشيئة الله، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    وإذا دخل النار فإنه يعذب فيها على قدر جرائمه ومعاصيه، وفي النهاية يخرج منها ولا يخلد، بل يخرج منها إلى الجنة بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين، ولا يبقى في النار إلا الكفرة، وإذا تكامل خروج العصاة الموحدين من النار ولم يبق منهم أحد أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم: اليهود والنصارى والوثنيين والملاحدة والشيوعيين والمنافقين، والمنافق في الدرك الأسفل منها، فلا يخرج منها أبد الآباد، كما قال سبحانه: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ [الهمزة:8] يعني: مطبقة مغلقة، فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [الهمزة:9].

    وقال سبحانه: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:37]، وقال سبحانه: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، وقال سبحانه: لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا [النبأ:23] يعني: مدداً متطاولة، كلما انقضى حقب أعقبه حقب إلى ما لا نهاية.

    معنى شهادة أن محمداً رسول الله

    والشهادة لله تعالى بالوحدانية لا تصح إلا بالشهادة لنبيه بالرسالة عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال المؤلف: (وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، وأشهد أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العربي المكي ثم المدني هو عبد الله ورسوله، وأنه خاتم النبيين، وأنه رسول الله حقاً، وأنه رسول الله إلى العرب والعجم من الجن والإنس إلى الثقلين، وأنه لا نبي بعده، فمن اعتقد أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة للعرب أو اعتقد أن بعده نبياً فهو كافر بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وقال سبحانه: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:79]، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، وقال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)، وقال عليه الصلاة والسلام: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة).

    فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة للثقلين الجن والإنس، العرب والعجم، وهو خاتم النبيين فلا نبي بعده، قال سبحانه: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40].

    فلا تصح إحدى الشهادتين إلا بالأخرى، فمن شهد لله تعالى بالوحدانية ولم يشهد لنبيه بالرسالة لم تقبل، ومن شهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ولم يشهد لله بالوحدانية لم تقبل، فلا بد من الشهادتين، وإذا أطلقت إحداهما دخلت فيها الأخرى.

    معنى الصلاة على النبي وأصحابه وآله

    ثم قال المؤلف رحمه الله: (صلى الله عليه)، هذا سؤال ودعاء الرب سبحانه وتعالى بأن يصلي على نبيه، وصلاة الله على العبد أصح ما قيل فيها: ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية التابعي الجليل أنه قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56] يعني: يثنون عليه، والصلاة من الآدمي ومن الملائكة دعاء.

    (وعلى آله وأصحابه)، الأصحاب: جمع صاحب، والصحابي أصح ما قيل في تعريفه: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ولو لحظة ومات على الإيمان، ولا يشترط أن يراه، فيدخل في ذلك العميان مثل عبد الله بن أم مكتوم الأعمى فإنه صحابي ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لقيه، ويدخل في ذلك الأعراب الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم، فمن لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ومات على الإيمان فهو صحابي، أما الأعراب الذين ارتدوا والعياذ بالله على أعقابهم وماتوا على الكفر فليسوا من الصحابة.

    وآل النبي صلى الله عليه وسلم قيل المراد بآله: ذريته وأقاربه، ويدخل في ذلك زوجاته، ويدخل في ذلك علي وفاطمة والحسن والحسين والعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وحمزة ، وأزواجه كذلك.

    وقيل: المراد بالآل: أتباعه على دينه إلى يوم القيامة.

    وعطف الآل على الأصحاب من عطف العام على الخاص، وعطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام، فقوله: (على آله وأصحابه)، أصحابه داخلون في الآل؛ لأنهم من أتباع دينه، وإذا قيل: وعلى أصحابه وآله، يكون الأصحاب قد ذكروا مرتين: مرة بالخصوص ومرة بالعموم.

    وقال: (أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً).

    هذا وصفه عليه الصلاة والسلام: أرسله الله بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة يعني أنه نبي الساعة، وسمي نبي الساعة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو آخر الأنبياء، والساعة تقوم في آخر أمته؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين، وقرن بين أصبعه السبابة والوسطى)، وهو بشير لمن أطاعه بالجنة والكرامة، ونذير لمن عصاه بالنار وغضب الله وعقوبته.

    قال: [ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [الأحزاب:46] ].

    وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ [الأحزاب:46] حيث أمره الله بذلك، بإذنه وكونه القدري وإذنه الديني الشرعي، وأتباعه عليه الصلاة والسلام كذلك يدعون إلى الله بإذنه.

    ووصف بالسراج المنير لأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله، وهو المبين لطريق الجنة وطريق النار، فهو السراج يضيء لمن أراد الله هدايته، فمن أراد الله هدايته فإنه يعرف طريق الجنة وطريق النار، فيوحد الله ويخلص له العبادة، ويعمل الأعمال التي ترضي الله؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام سراج منير أنار الطريق، حيث دعا إلى الله وإلى توحيده، وبين الواجبات والمحرمات في كتاب الله الذي أنزله عليه وفي سنته المطهرة، فهو السراج المنير.

    قال: (ففتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً).

    وفتح الله به أعيناً عمياً وهي أعين الكفار الذين عموا عن الحق، ومن أراد الله هدايته فتح عينه للحق، وفتح به آذاناً صماً وهي آذان الكفار الذين صموا عن سماع الحق، لكن من أراد الله هدايته فتح الله أذنه وسمع الحق.

    وفتح به قلوباً غلفاً عليها غلاف وهي قلوب الكفرة، كما قال الله سبحانه أنهم قالوا: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ [البقرة:88] يعني: عليها غلاف، لكن من أراد الله هدايته فتح الله له وأزال الله هذا الغلاف، فنفذ إليه الحق فآمن وأسلم واستقام.

    قال: (تبصر به من العمى وأرشد به من الغي).

    والعمى: هو الكفر والمعاصي، والغي: الضلال والانحراف، أي: أرشد بدعوته عليه الصلاة والسلام، وبالكتاب الذي أنزله الله عليه وهو القرآن العظيم والسنة، فهو إرشاد يبين للإنسان الطريق المستقيم حتى لا يسلك طريق الغي.

    قال: (وأنقذ به من الضلالة).

    أنقذ الله به من الضلالة ومن الكفر، والضلالة: هي الكفر والمعاصي والبدع.

    قال: (صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً).

    كما سبق، وصلى الله عليه وعلى آله، ولم يذكر أصحابه، وإذا عطف الصحابة على الآل صار من عطف الخاص على العام.

    (وسلم تسليماً كثيراً)، هذا: دعاء للنبي بالسلامة، مثل: اللهم سلمه.

    قوله: (أما بعد).

    هذه كلمة يؤتى بها للانتقال من شيء إلى شيء، واختلف في أول من قالها، قيل: أول من قالها داود النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: هي فصل الخطاب، وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة الإيادي ، وقيل غير ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: (أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)، وهي أولى من قوله: (وبعد).

    فمن الناس من يقول: وبعد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أما بعد في خطبته، وكذلك العلماء وغيرهم يقولون: أما بعد، وهو انتقال من الخطبة إلى الدخول في الموضوع والصلب.

    1.   

    سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فقال الشيخ العالم العامل الورع الناسك شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي رحمه الله تعالى ].

    فهو عالم وإمام ومجتهد وورع وزاهد، وكنيته أبو العباس ولقبه: شيخ الإسلام .

    ويقال له: ابن تيمية الحراني؛ لأنه ولد في بلد حران، ويقال: الشامي؛ لأنه نشأ في بلاد الشام، وكان في الشام في ذلك الوقت، وكذلك العراق كانت هي محط رحال العلماء، وكان العلماء متوافرين في ذلك الزمان والعلم منتشراً هناك.

    قال: [ فصل: يتضمن الحديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

    وقوله في آخر الحديث: (هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم)، فجعل هذا كله من الدين.

    وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير: مختلفين تارة ومتفقين أخرى، ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك، وهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها، ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها ].

    تخريج حديث جبريل

    المؤلف رحمه الله بدأ بالفصل هنا، فقال: (فصل تضمن حديث سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك).

    وقوله: (فجعل هذا كله من الدين)، يعني: حديث جبريل وهو الحديث المشهور الطويل الذي رواه الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة ومن حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويسمى بحديث جبرائيل، ويسمى بحديث عمر رضي الله عنه.

    وقد أخرجه الإمام مسلم رحمه الله مطولاً في كتاب الإيمان، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، والترمذي في كتاب الإيمان، والنسائي في كتاب الإيمان والشرائع، وابن ماجة في المقدمة، وأخرجه الإمام أحمد، والبغوي في شرح السنة، وابن حبان وغيرهم.

    وأخرجه الإمام أحمد مختصراً ومطولاً، وابن أبي شيبة عن ابن عمر ، وروي الحديث من طريق أبي هريرة.

    وأخرجه البخاري مختصراً في كتاب الإيمان، ومسلم أيضاً في الإيمان والشرائع، فهذا الحديث وهو حديث جبرائيل رواه الإمام مسلم مطولاً من حديث عمر رضي الله عنه، ورواه البخاري مختصراً، ورواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مختصراً.

    رؤساء الملائكة

    وهذا الحديث حديث عظيم، وفيه أن جبرائيل جاء للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل أعرابي ورآه الصحابة، فدل على أن الملك ملك الوحي، وهو أشرف الملائكة وأصل الملائكة، وأفضل الملائكة ورؤساء الملائكة ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وهؤلاء الثلاثة هم رؤساء الملائكة، وذلك أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة موكل بما فيه الحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر والمطر والماء الذي فيه حياة الحيوانات والنباتات، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي فيه استعادة الأرواح إلى أجسادها بعد الموت، فكل واحد من هؤلاء الثلاثة موكل بما فيه الحياة، فهم رؤساء الملائكة وأصل الملائكة؛ ولهذا توسل النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح المذكور في صلاة الليل بربوبية الله لهؤلاء الأملاك الثلاثة، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل للصلاة استفتح بهذا الاستفتاح: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).

    هذا دعاء استفتاح كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح به في صلاة الليل، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم توسل إلى الله بربوبيته لهؤلاء الأملاك الثلاثة الذين وكلوا بما فيه الحياة، ويقال: جبرائيل وجبريل، وميكائيل وميكال.

    فجبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن الإحسان، وجاء أن سبب مجيء جبرائيل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سلوني سلوني، فهابوا، فأرسل الله جبرائيل وجاء فسأل النبي صلى الله عليه وسلم.

    فدل هذا على أن الملك يتشكل ويتصور، وأعطاه الله القدرة على ذلك، فجاء جبريل على صورة أعرابي هنا، ورآه الصحابة، وكثيراً ما يأتي في صورة دحية الكلبي وكان رجلاً جميلاً، وأما صورته التي خلقه الله عليها فله ستمائة جناح، كل جناح يملأ ما بين السماء والأرض، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصورة مرتين: مرة في الأرض عند البعثة عند غار حراء، فقد رأى ملكاً قاعداً بين السماء والأرض قد سد الأفق، فرعب منه رعباً شديداً، فغطه وقال له: اقرأ يا محمد، قال: ما أنا بقارئ، يعني: لست قارئاً، قال: اقرأ، ثلاث مرات، ويذكر في كل مرة أنه يغطه حتى يبلغ منه الجهد، وهذه تهيئة لتحمل الرسالة وأعبائها، فذهب إلى زوجه خديجة وقال: خفت أن يختلج عقلي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق.

    ورآه مرة ثانية على هذه الصورة ليلة المعراج، حينما جاوز السبع الطباق، ورآه مرات كثيرة بطرق متعددة، وهذه المرة جاء في صورة أعرابي.

    سؤال جبريل عن الإسلام

    قال: (وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟) هذا السؤال الأول، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث، وكتاب الإيمان الكبير وكتاب الإيمان الصغير يدور على شرح هذا الحديث من أوله إلى آخره.

    (جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان)، أو (أن تقيم الصلاة وأن تؤتي الزكاة وأن تصوم رمضان وأن تحج البيت).

    ففسر الإسلام بالأركان الخمسة، الركن الأول: الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه صلى الله عليه وسلم بالرسالة، والثاني: إقام الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان، والخامس: حج بيت الله الحرام.

    سؤال جبريل عن الإيمان والإحسان

    قال: (قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) هذا سؤال العارف، والعادة أن الذي يسأل لا يعلم، وهذا يسأل ويصدق، فالسؤال سؤال العارف فتعجب الصحابة، (قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه) وهو إنما سأل ليعلم الناس دينهم، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث. (فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره).

    فسر الإيمان بالأصول الباطنة، أي: بالأركان الباطنة الستة، فالإسلام فسر بأعمال ظاهرة: نطق بالشهادتين، الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والإيمان فسر بالأركان الباطنة قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، جعل الإحسان له مرتبتان:

    المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه، أي: تعبد الله على المشاهدة.

    المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

    فإن ضعفت عن المرتبة الأولى فإنك تنتقل إلى المرتبة التي بعدها، فالمرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه، أي: كأنك تشاهده، والثانية: إن لم تكن تراه فإنه يراك.

    والإحسان مرتبة عالية يعني أنك حينما تعبد الله بالصلاة والزكاة والصوم والحج وبر الوالدين وصلة الرحم تعبد الله على المشاهد، وتعبد الله على المراقبة، فأنت تراقب الله والله يراقبك، وتستشعر هذا الإحساس، (قال: صدقت).

    سؤال جبريل عن الساعة

    ثم وجه إليه السؤال الرابع (قال: أخبرني عن الساعة؟) والسؤال الرابع ليس عند الرسول له جواب، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يعني: علمي وعلمك سواء، فالساعة لا يعلمها إلا الله، قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ * قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187-188].

    وبالمناسبة للفائدة: عندي كتاب كتبه شخص وحدد قيام وقت الساعة، وهذا من التخريف، واسم المؤلف يمكن أن يكون مستعاراً (كتبه فهد السالم )، ذكر أن نزول المسيح عيسى بن مريم سنة ألف وتسعمائة وتسعة عشر ميلادي، وأن قيام الساعة عام ألفين وعشرة ميلادي، وهذا مما يدل على سخافته، وأنه يؤرخ بالتاريخ النصراني، ولا يؤرخ بتاريخ الإسلام، فهذا من المخرفين، إذ حدد خروج المسيح الدجال وحدد وقت الساعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، يعني: علمي وعلمك سواء، وهذا حددها.

    ثم توجه إلى السؤال الخامس: (قال: أخبرني عن أمارتها؟) أي: إذا كنت لا تعلم وقت الساعة فأخبرني عن العلامات، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم عن العلامات: (قال: أن تلد الأمة ربتها) أي: الأمة تلد سيدتها، والمعنى: أمة تباع وتشترى تلد مولودة فتكون سيدة على أمها.

    قال العلماء: معنى ذلك أنه تكثر السراري ويتسرى الملوك الإماء ثم تلد الأمة بنتاً للملك فتكون بنت الملك سيدة على أمها.

    وفي لفظ: (أن تلد الأمة ربها) وهنا: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان) الحفاة: الذين لا نعال لهم، العراة: الذين لا ثياب عليهم، العالة: الفقراء، يتطاولون في البنيان. والحديث له ألفاظ أخرى.

    (ثم لبث ملياً)، وفي لفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ردوا السائل، فذهبوا فلم يجدوا أحداً) أي: خرج الرجل من عندهم فلما ذهبوا لإحضاره لم يجدوا أحداً؛ لأنه ملك من الملائكة وقد جاء في حالة غريبة: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، والعادة في ذلك الوقت أن الأسفار متعبة، والذي يأتي من السفر تكون ثيابه رثة متسخة وشعره كذلك متسخ، لكن هذا ثيابه بيضاء جميلة، كأنه خرج من بيته مثلنا الآن، وشعره كذلك أسود ليس فيه غبار، فتعجب كيف يكون مسافراً ويأتي بهذه الصورة؟!

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ردوا السائل)، وفي لفظ قال: (فلبث ملياً ثم قال: يا عمر ! أتدري من السائل؟ فقال عمر : الله ورسوله أعلم)، هذا يقال للنبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته، يقال: الله ورسوله أعلم، أما بعد وفاته يقال: الله أعلم؛ لأن الرسول لا يعلم الغيب، ولا يعلم أحوال أمته.

    (فقال عليه الصلاة والسلام: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) وهذه اللفظة التي ذكرها المؤلف الآن، وفي لفظ: (أمر دينكم).

    فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن مسمى الإسلام ومسمى الإيمان ومسمى الإحسان هو الدين، إذاً: الإسلام والإيمان والإحسان داخل في مسمى الدين، والدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان، وله ثلاث مراتب: مرتبة الإسلام، ثم المرتبة الثانية مرتبة الإيمان وهي أعلى منه، ثم المرتبة الثالثة مرتبة الإحسان.

    إذاً: الدين يشمل الإسلام والإيمان والإحسان وهي مراتب، أعلاها الإحسان، ثم الإيمان، ثم الإسلام.

    التفريق بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل

    في هذا الحديث فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والإيمان، ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة، وجاء في القرآن أيضاً ما يدل على التفرقة بينهما، كقوله سبحانه: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35]، فرق بينهما.

    وكذلك قول الله عز وجل في سورة الحجرات: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، وفي حديث سعد بن أبي وقاص : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى بعض الناس عطايا يتألفهم على الإسلام وترك رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلماً) يعني: ما وصل إلى درجة الإيمان، (قال: فسكت ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان! فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً، فسكت ثم غلبني أجد فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فو الله إني لأراده مؤمناً فقال: أو مسلماً، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار) يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء حتى يتألفهم على الإسلام، فمن كان قوي الإيمان لا يعطيه، بل يتركه لإيمانه، ومن كان ضعيف الإيمان يعطيه؛ حتى لا يرتد عن دينه، وحتى يتقوى إيمانه، وهذا فيه فرق بين الإيمان والإسلام.

    واختلف العلماء في الإيمان والإسلام هل هما شيء واحد أو شيئان؟

    فذهب بعض أهل السنة إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وأن الإسلام هو الإيمان والإيمان هو الإسلام، وعلى رأسهم الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي فقالوا: الإيمان والإسلام شيء واحد، وشاركهم فيها بعض البدع كالخوارج والمعتزلة وقالوا: إن الإيمان هو الإسلام.

    وأجابوا عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله..)، قالوا: هذا على تقدير محذوف، والتقدير: شعائر الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله.

    وقالوا: إن آية الحجرات: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]، في المنافقين؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان وأثبت لهم الإسلام في الظاهر؛ لأن المنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.

    وذهب جمهور العلماء والمحققون من أهل العلم: إلى أن الإسلام والإيمان شيئان، وأنهما إذا اجتمعا كان لكل واحد منهما معنى، أما إذا أفرد أحدهما وتجرد عن الآخر فإنه يدخل فيه الآخر، فإذا أفرد الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا أفرد الإيمان دخل فيه الإسلام، وإذا اجتمعا فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبرائيل.

    وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء وعليه المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم.