إسلام ويب

شرح كتاب السنة للبربهاري [12]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • استمر الدين صحيحاً لم تدخله البدع والمحدثات منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقتل عثمان رضي الله عنه، ثم افترق الناس وانتشرت الأهواء، ولذا ينبغي أن يحذر المسلم من أهل البدع ولا يجالسهم وأن يتبع أهل السنن والآثار.

    1.   

    الدين الصحيح ما كان من وفاة الرسول إلى قتل عثمان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن الدين العتيق ما كان من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه الله, وكان قتله أول الفرقة وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة وتفرقت واتبعت الطمع والأهواء، والميل إلى الدنيا, فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه مما لم يكن عليه أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يكون رجل يدعو إلى شيء أحدثه من قبله من أهل البدع فهو كمن أحدثه، فمن زعم ذلك أو قال به فقد رد السنة، وخالف الحق والجماعة، وأباح البدع، وهو أضر على هذه الأمة من إبليس ].

    قوله: (واعلم أن الدين العتيق), يعني: الثابت, وأصل معنى العتيق: القديم، الذي لم يحصل فيه بدع ولا اختلاف.

    (ما كان من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه)؛ لأن الصحابة اجتمعوا على هذا الدين ولم تدخل الفتن والاختلافات، ولم يتمكن أهل البدع من التسلل إليهم وإحداث الفرقة بينهم منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتل عثمان ، ثم لما قتل عثمان فتح باب الفتن حتى إن الثوار أحاطوا ببيت أمير المؤمنين عثمان وقتلوه، بعد أن أشاع عبد الله بن سبأ أن أهل البيت مظلومين، وبعد أن أشاعوا عيوباً لـعثمان رضي الله عنه, فتجمع عدد من السفهاء في الشام وفي مصر وفي الكوفة، ثم جاءوا وأحاطوا ببيت أمير المؤمنين وقتلوه رضي الله عنه، فحصلت الفتن، وخرجت الخوارج، ووجدت الشيعة، فكان قتله أول الفرقة وأول الاختلاف، فتحاربت الأمة، وبعد ذلك بايع أكثر أهل الحل والعقد أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه، وامتنع أهل الشام مع معاوية عن البيعة وحصل الخلاف والفرقة, ثم ظهرت الخوارج.

    (وتحاربت الأمة وتفرقت، واتبعت الطمع والأهواء، والميل إلى الدنيا)، والمراد غير الصحابة, فقد اتبع الناس الطمع والأهواء والميل إلى الدنيا ممن دخلوا في الإسلام حديثاً، ومن الشباب الذين نشئوا، أما الصحابة فلهم فضلهم ولهم سابقتهم وجهادهم واجتهادهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

    (فليس لأحد رخصة في شيء أحدثه مما لم يكن عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا يرخص للإنسان في البدع التي أحدثوها في شيء لم يكن عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    (أو يكون رجل يدعو إلى شيء أحدثه من قبله من أهل البدع) كذلك أن يدعو الإنسان إلى بدعة أحدثها سابق له.

    (فإذا دعا إلى البدعة التي أحدثها غيره فهو كمن أحدثها)؛ لأن الراضي كالفاعل، ولأن الداعي إلى الشيء راضٍ به, فمن أحدث بدعة فهو مبتدع، ومن دعا إلى بدعة سابقة فهو كمن أحدثها.

    (فمن زعم ذلك أو قال به) يعني: من دعا إلى البدع التي أحدثها غيره (فقد رد السنة وخالف الحق والجماعة), والجماعة هي ما كان عليه رسول الله وأصحابه، (وأباح البدع) حيث إنه دعا إليها أو أحدثها.

    (وهو أضر على هذه الأمة من إبليس) وهذا الكلام فيه نظر، فكون الذي يدعو إلى البدعة أخطر على الأمة من إبليس فيه نظر؛ لأن البدعة لا تكفر صاحبها فلا يكون أضر من إبليس؛ لأن إبليس يدعو إلى الكفر، فكل كفر وكل زندقة وكل إلحاد وكل شر وفساد يدعو إليه إبليس، فلا يقال: إن من دعا إلى البدعة أضر على هذه الأمة من إبليس, لأن إبليس يدعو كل أحد، ولأنه يدعو إلى الكفر وإلى الإلحاد، وهو فوق البدعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن عرف ما ترك أصحاب البدع من السنة وما فارقوا فيه فتمسك به فهو صاحب سنة وصاحب جماعة، وحقيق أن يتبع، وأن يعان، وأن يحفظ، وهو ممن أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ].

    أي: أن من عرف السنة التي تركها أصحاب البدع، وفارقوا فيها الجماعة، فتمسك بها، فهو صاحب سنة وصاحب جماعة، فالشخص الذي ينظر إلى السنة التي تركها أصحاب البدع ثم يتمسك بها، وينظر إلى السنة التي فارقها أهل البدع فيتمسك بها، هو صاحب سنة وصاحب جماعة.

    (وحقيق أن يتبع وأن يعان) أي: جدير وينبغي أن يتبع، وأن يعان ويحفظ؛ لكونه لزم السنة.

    (وهو ممن أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم)؛ فقد أوصى بلزوم الجماعة، وأوصى باتباع الحق، وأوصى بقبول الحق ممن جاء به.

    1.   

    أصول البدع والأهواء أربعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلموا رحمكم الله أن أصول البدع أربعة أبواب: انشعب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى، ثم يصير كل واحد من البدع يتشعب، حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة قالة، وكلها ضلالة، وكلها في النار إلا واحدة، وهو من آمن بما في هذا الكتاب، واعتقده من غير ريبة في قلبه ولا شكوك، فهو صاحب سنة، وهو الناجي إن شاء الله ].

    وهنا لم يذكر الأربعة أبواب، لكن ذكرها سيأتي فيما بعد.

    وقال عبد الله بن المبارك : أصل اثنين وسبعين هوى أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة أهواء تشعب اثنان وسبعون هوى، وهذه الأربعة هي: القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج.

    وهذه هي أصول البدع، فالقدرية هم الذين أنكروا القدر ونفوا قدر الله، والمرجئة هم الذين نفوا أن الأعمال مطلوبة.

    وذكر غيره أن أصول البدعة خمسة وزاد الجهمية، ثم تتشعب بقية الفرق، وتكون ثلاثة وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنة.

    قوله: (انشعب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى)، أي: تفرع من الفرق الأربع اثنان وسبعون فرقة، وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة).

    ثم يصير كل واحد من البدع يتشعب، حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة قالة)، وهذا التحديد فيه نظر، فالمقالات ليس لها حد، والأقوال لا تنحصر، ومعنى الكلام: أن الفرقة تتشعب إلى أقوال متعددة، فقد تكون فرقة واحدة لها عدة أقوال، وكلها ضلالة وكلها في النار إلا واحدة، وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

    فلا يصح تحديد الأقوال، أما الفرق فالرسول حددها وأنها ثلاث وسبعون فرقة.

    (وكلها ضلالة، وكلها في النار إلا واحدة، وهو من آمن بما في هذا الكتاب)، والضمير يعود إلى الواحدة التي سلمت من النار.

    وقوله: (من آمن بما في هذا الكتاب)، أي: كتاب المؤلف، فمن اعتقده من غير ريبة في قلبه ولا شكوك، فهو صاحب سنة وهو الناجي إن شاء الله.

    وكان الأفضل بالمؤلف أن يقول: إن شاء الله أن من آمن بما في هذا الكتاب واعتقده من غير ريبة ولا شكوك فهو صاحب سنة، وهو الناجي إن شاء الله، ليجعل بذلك الخيار لله.

    وكان أولى بالمؤلف قبل ذلك أن يقول: وهو من آمن بالكتاب والسنة، وعمل بالكتاب والسنة، واستقام على الدين. وهذا أولى من قوله: (وهو من آمن بما في هذا الكتاب)؛ لأن هذا الكتاب من وضعه، ووضع البشر معرض للخطأ، وفيه أقوال ضعيفة كما سمعتم، وأقوال مرجوحة.

    ولكنه استثنى وقال في آخر كلامه: (إن شاء الله).

    1.   

    أسباب نشوء البدع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم رحمك الله لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يتجاوزوها بشيء، ولم يولدوا كلاماً مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه لم تكن بدعة ].

    والمؤلف في قوله السابق يقول إنه سيبين سبب البدع، ويقول إن سبب البدع: أن أهل البدع ولدوا وشققوا الكلام، وتكلموا في شيء ليس فيه أثر عن رسول الله ولا عن أصحابه.

    (لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يتجاوزوها)، أي: وقفوا عند السنة، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعند النصوص، ولم يتجاوزوها إلى محدثات الأمور لم تحصل البدع، لكن مقصود المؤلف رحمه الله أنهم وقفوا عند محدثات الأمور، أي: قبل أن تحدث البدع، ولم يتجاوزوا النصوص من الكتاب والسنة إلى محدثات الأمور. (ولم يولدوا الكلام، مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله ولا عن الصحابة لم تكن بدع)، فهذه أسباب البدعة.

    1.   

    ذكر بعض نواقض الإسلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم رحمك الله أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمناً حتى يصير كافراً، إلا أن يجحد شيئاً مما أنزل الله، أو يزيد في كلام الله، أو ينقص، أو ينكر شيئاً مما قاله الله عز وجل، أو شيئاً مما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    أي: ليس بين العبد وبين الكفر إلا إذا فعل هذه الأمور.

    والمعنى: أن المؤمن يحكم عليه بالإيمان إلا أن يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام، أو أن يفعل كفراً أو ردة.

    ومثل للأشياء التي يرتد بها الإنسان، فقال: (إلا أن يجحد شيئاً مما أنزل الله)، أي: يجحد آية من آيات الله، كأن يجحد آية الاستواء، أو يجحد فرضاً من فرائض الإسلام، أو يجحد خبراً أخبر الله به، أو يجحد الجنة أو النار وينكر وجودها، أو يزيد في كلام الله متعمداً، فمن زاد في كلام الله حرفاً ونسبه إلى كلام الله كفر، قال تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] أو ينقص شيئاً من كلام الله فيحذف شيئاً من كلام الله متعمداً، أو ينكر شيئاً مما قال الله عز وجل، أو ينكر شيئاً من كلام الرسول بعد ثبوته، فيكون كافراً؛ لأن الأصل أن المؤمن يبقى على إيمانه، إلا إذا فعل ناقضاً من نواقض الإسلام أو مكفراً من المكفرات السابقة.

    1.   

    وصية المؤلف بالأخذ بما في هذا الكتاب وتبليغه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فاتق الله رحمك الله وانظر لنفسك، وإياك والغلو في الدين، فإنه ليس من طريق الحق في شيء.

    وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله تعالى، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه، وعن التابعين، وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع.

    فاتق الله يا عبد الله! وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضا بما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحداً من أهل القبلة، فعسى الله أن يرد به حيراناً عن حيرته، أو صاحب بدعة عن بدعته، أو ضالاً عن ضلالته؛ فينجو به.

    فاتق الله، وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب، فرحم الله عبداً ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به ودعا إليه واحتج به، فإنه دين الله ودين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب؛ فإنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، كما لو أن عبداً آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى وهو كافر، كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها، إلا بصدق النية وإخلاص اليقين، كذلك لا يقبل الله شيئاً من السنة في ترك بعض، ومن ترك من السنة شيئاً فقد ترك السنة كلها، فعليك بالقبول، ودع عنك المحك واللجاجة؛ فإنه ليس من دين الله في شيء، وزمانك خاصة زمان سوء فاتق الله ].

    هذه نصيحة من المؤلف، يقول: (اتق الله رحمك الله)، أي: اجعل بينك وبين غضب الله وسخطه وناره وقاية تقيك، وهذا لا يكون إلا بتوحيد الله وإخلاص العبادة له والعمل بالسنة وترك البدعة، وطريق التقوى أن تعبد الله مخلصاً له الدين، وأن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله، وحينئذ تكون قد اتقيت الله.

    (وانظر لنفسك) أي: انظر لنفسك الشيء الذي يخلصك من عذاب الله وسخطه، وهو لزوم الكتاب والسنة، والبعد عن البدع.

    (وإياك والغلو في الدين)، لا تغل بأن تتجاوز الحد في الأقوال والأفعال، قال الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [النساء:171].

    (فإنه ليس من طريق الحق في شيء)، أي: أن الغلو ليس من طريق الحق.

    (وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب فهو عن الله، وعن رسول الله، وعن أصحابه، وعن التابعين، وعن القرن الثالث، وعن القرن الرابع)، وهذا الكلام فيه مبالغة من المؤلف رحمه الله؛ لأن هناك بعض المسائل ضعيفة كما مر معنا، وليس لها دليل في الكتاب، أو ليس لها دليل في السنة، فالمراد أغلب ما وصفت لك، فأغلب ما في هذا الكتاب له دليل من الكتاب، أو من السنة، أو من الصحابة، أو من التابعين.

    (فاتق الله يا عبد الله!) فكرر الأمر بالتقوى لأهميتها، والتقوى هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131]، وكلامه عام، فكل مؤمن هو عبد الله.

    (وعليك بالتصديق والتسليم وعدم الاعتراض) أي: التصديق لكلام الله وكلام رسوله، والتسليم لأمر الله وأمر رسوله.

    (والتفويض)، أن يفوض الإنسان علم ما لا يعلم إلى الله، كتفويض كيفية الصفات وكيفية أمور الآخرة إلى الله.

    (والرضا بما في هذا الكتاب، ولا تكتم هذا الكتاب أحداً من أهل القبلة فعسى يرد الله به حيراناً عن حيرته، أو صاحب بدعة عن بدعته، أو ضالاً عن ضلالته فينجو)، المؤلف يأمر ببث هذا الكتاب.

    (فاتق الله وعليك بالأمر الأول العتيق، وهو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب)، وهذا أيضاً مبالغة من المؤلف؛ لأن هذا الكتاب فيه بعض الأمور التي ليس لها دليل، والمراد أغلب ما في هذا الكتاب.

    ثم قال: (فرحم الله عبداً ورحم والديه قرأ هذا الكتاب، وبثه) أي: نشره.

    (وعمل به ودعا إليه واحتج به فإنه دين الله ودين رسوله)، وهذا غلط من المؤلف، فهذا الكتاب ليس دين الله ودين رسوله، فدين الله ورسوله ما جاء في القرآن العزيز، وسنة رسوله، أما هذا فكلام المؤلف رحمه الله، وفهمه من نصوص الكتاب والسنة، وهو من وضع البشر، والبشر يخطئون ويصيبون.

    ثم قال المؤلف: (فإنه من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين لله بدين)، وهذا فيه مبالغة من المؤلف، فقد مرت معنا أشياء ضعيفة تخالف الصواب، وليس معنى ذلك أن الإنسان لو خالف في مسألة أو مسألتين أو بعض المسائل أنه يخرج من الدين، ولا يدين لله بدين، فلا يكون ذلك إلا إذا أشرك وفعل ناقضاً من نواقض الإسلام.

    ومن الخطأ أن يجزم المؤلف فيقول: (من استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين لله بدين)، فقد ذكر في الكتاب مثلاً مسألة تحريم زواج امرأة بغير ولي، والحنفية يرون جواز ذلك، فلا يعني هذا كفرهم.

    (وقد رده كله) فمن استحل شيئاً خلاف ما في هذا الكتاب ألزمه المؤلف بأنه ليس يدين لله بدين، وقد رده كله، وهذا ليس بصحيح، بل قد يخالف الإنسان شيئاً من هذا الكتاب مما ليس عليه دليل، أو مستنداً إلى حديث ضعيف، فيخالفه، ولا يلزمه أنه رده كله، فإذا رد الأشياء الضعيفة لا يلزم من هذا أنه رده كله.

    ثم شبه ذلك فقال: (كما لو أن عبداً آمن بجميع ما قال الله تبارك وتعالى، إلا أنه شك في حرف فقد رد جميع ما قال الله تعالى وهو كافر) وهذا صحيح، فمن آمن بجميع ما قال الله ثم شك في حرف متعمداً وليس له شبهة، أو شك في حرف من كلام الله فقد رد القرآن كاملاً.

    قال (كما أن شهادة أن لا إله إلا الله لا تقبل من صاحبها إلا بالنية، وإخلاص اليقين)، لا بد أن يقولها الإنسان عن صدق وإخلاص، كما جاء في الحديث: (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه)، وفي لفظ: (مخلصاً)، وفي لفظ: (غير شاك، دخل الجنة).

    (كذلك لا يقبل الله شيئاً في ترك بعض)، وهذا ليس بصحيح، بل إذا ترك بعض المسائل الفرعية لا يلزم من ذلك أن يكون قد ترك الدين.

    (ومن ترك شيئاً من السنة فقد ترك السنة كلها)، هذا أيضاً ليس بصحيح، بل قد يترك الإنسان بعض السنة، فيترك من السنة مثلاً إعفاء اللحية، فلا يلزم أنه إذا حلق اللحية قد ترك الدين كله، وترك السنة كلها، بل إنه عاصٍ.

    (فعليك بالقبول، ودع عنك المحك واللجاجة)، أي: اترك اللجاجة والخصومة والجدال، (فإنه ليس من دين الله في شيء)، يعني: الجدال والخصومة، (وزمانك خاصة زمان سوء)، وهذا في زمان المؤلف، في القرن الرابع الهجري، فكيف لو رأى القرن الخامس عشر؟!

    (فاتق الله)، أي: بالاستقامة على دين الله، وإخلاص العبادة لله، وحتى تسلم من غضب الله.

    1.   

    التحذير من الخوض في الفتن الواقعة بين المسلمين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا وقعت الفتنة، فالزم جوف بيتك، وفر من جوار الفتنة، وإياك والعصبية، وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة، فاتق الله وحده لا شريك له، ولا تخرج فيها، ولا تقاتل فيها، ولا تهو ولا تشايع ولا تمايل، ولا تحب شيئاً من أمورهم، فإنه يقال: من أحب فعال قوم -خيراً كان أو شراً- كان كمن عمله، وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجنبنا وإياكم معصيته ].

    (إذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك، وفر من جوار الفتنة) أي: كالقتال بين المسلمين، فالزم بيتك ولا تخرج مع الفتنة، وهذا مأخوذ من حديث: (إياك والقتال في الفتنة).

    وجاء في الحديث الحسن: (كسروا جفون سيوفكم في وقت الفتنة).

    وفي الحديث الآخر: (فتنة القائم فيها خير من الماشي، والقاعد خير من القائم)، وفي الحديث الآخر: (إذا وقعت الفتنة كن كخير ابني آدم، كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل).

    (ولا تكن مع الناس في القتال) أي: لا تشترك معهم في الفتنة كما جاء في الحديث: (إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام).

    (وفر من جوار الفتنة)، فلا تكن بجوارها، سواء كانت هذه الفتنة: فتنة الحروب، أو فتنة الشبهات، أو فتنة الشهوات.

    (وإياك والعصبية) أي: لا تتعصب لقبيلتك، ولا لأقاربك.

    (وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة)، ولو كان قتال العصبية فهذا من الفتن، وهو من الأعمال الكفرية، قال عليه الصلاة والسلام: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

    (فاتق الله وحده لا شريك له، ولا تخرج فيها)، أي: في الفتنة، ولا تقاتل فيها، (ولا تهو بأن تحب القتال، ولا تشايع)، وهو الميل، ومنه قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات:83].

    (ولا توافق أهل الباطل)، من شايع أهل الفتن وافقهم، فلا تهو الفتنة ولا تشايع ولا تمايل ولا تحب شيئاً من أمورهم، ولا من أمور أهل العصبية وأهل الجاهلية وأهل البدع.

    (فإنه يقال: من أحب فعال قوم -خيراً كان أو شراً- كان كمن عمله).

    ثم دعا المؤلف رحمه الله قال: (وفقنا الله وإياك لمرضاته)، وهو ما يرضي الله وهو التوحيد، وإخلاص الدين له، ولزوم السنة وترك البدعة، (وجنبنا وإياكم معصيته) من البدع والمنكرات.

    1.   

    التحذير من كثرة النظر إلى النجوم ومجالسة أهل الكلام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأقل من النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة، واله عما سوى ذلك فإنه يدعو إلى الزندقة.

    وإياك والنظر في الكلام والجلوس إلى أصحاب الكلام، وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس ].

    (أقل من النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة)، أي: لا تنظر في النجوم.

    والنظر في النجوم له أحوال ثلاثة:

    الحالة الأولى: النظر في النجوم معتقداً أنها مؤثرة في الحوادث الأرضية، من الحروب، والأمراض، والأمطار، وغلاء الأسعار، وقيام الدول وزوالها، وهذا شرك أكبر في الربوبية، وهو شرك قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذين بعث فيهم وهم الصابئة، فقد كان يعتقد الواحد منهم أن النجوم هي المؤثرة في الحوادث الأرضية.

    الحالة الثانية: أن ينظر في النجوم ويدعي بها علم الغيب، ولا يعتقد أنها مؤثره، بل يعتقد أن المؤثر هو الله، لكن يستدل بها على دعوى الغيب، فإذا اجتمعت النجوم أو افترقت، أو غابت أو طلعت، استدل بذلك على علم الغيب، وقال: إذا طلع النجم الثاني نزل المطر، أو غاب النجم الثاني ارتفعت الأسعار، أو إذا طلع النجم الثاني ولد عظيم أو مات عظيم، وهذه أيضاً دعوى بعلم الغيب، وهي كفر.

    الحالة الثالثة: أن ينظر في النجوم ليستدل به على معرفة القبلة، وينظر في النجوم حتى يعرف وقت زوال الشمس فيصلي الظهر، ينظر في النجوم ليعرف الطرق في البر أو في البحر، فهذا لا بأس به في أصح أقوال العلماء، ومع ذلك فإن بعض العلماء منع ذلك.

    والنوع الأخير يقال له: علم التسيير، فتنظر في النجوم لمعرفة فصول السنة، ومعرفة أوقات البذر للفلاحين والمزارعين، ومعرفة أوقات الصلوات، ومعرفة الطرق التي يهتدى بها في البر أو في البحر، فهذا لا بأس به.

    أما النوع الأول والثاني فيقال له: علم التأثير، وهذا هو معنى قول المؤلف: (أقل من النظر في النجوم إلا ما تستعين به على مواقيت الصلاة).

    (واله عما سوى ذلك)، أي: تشاغل واترك ما سوى ذلك؛ فإنه يدعو إلى الزندقة، والزندقة هي النفاق.

    (وإياك والنظر في الكلام) أي: الخوض في الكلام مثل ما خاض الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فقد تكلموا في الصفات وفي الأسماء.

    (والجلوس إلى أصحاب الكلام) فلا تجلس معهم؛ لئلا يضروك ويعدوك.

    (وعليك بالآثار وأهل الآثار) أي: النصوص والأحاديث، (وإياهم فاسأل)، أي: اسأل أهل الحديث، فإذا أشكل عليك شيء فاسأل أهل الحديث؛ لأن كل مسألة تحتاج إلى دليل من الحديث، (ومعهم فاجلس، ومنهم فاقتبس).

    وقد ذكر المحقق قول الإمام الشافعي قال: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام.

    وقال الإمام أحمد رحمه الله: لا يفلح صاحب الكلام أبداً.

    وقال الإمام أحمد أيضاً: لا تجالسوا أصحاب الكلام، وإن ذبوا عن السنة. وكل هذا فيه تحذير من أهل الكلام.

    1.   

    بيان أن الخوف أفضل طريقة لعبادة الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم أنه ما عُبِدَ الله بمثل الخوف من الله، وطريق الخوف والحزن والشفقة والحياء من الله تبارك وتعالى ].

    فالإنسان يعبد الله بالخوف، ويعبده أيضاً بالرجاء والحب، وهذه أركان العبادة، فالإنسان يخاف من ذنوبه ومعاصيه، إلا أن هذا الخوف يرافقه الرجاء؛ حتى لا يكون سوء ظن بالله؛ لأنه لو لم يكن معه رجاء لصار الخوف يؤدي به إلى القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وسوء الظن بالله، لكن الرجاء يمنعه.

    وكذلك على الإنسان أن يرجو الله، إلا أن هذا الرجاء يرافقه خوف؛ ولو لم يكن كذلك لاستخف الإنسان إتيان المعاصي.

    ولهذا يقول العلماء: إنه لا بد من هذه الأركان الثلاثة: حب، وخوف، ورجاء، ومن عبد الله بواحد منها فإنه لم يعبد الله، فمن عبد الله بالحب وحده كان زنديقاً، فهذه طريقة الزنادقة الصوفية، كما يذكر في كتب الوعظ عن رابعة العدوية أنها قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فأكون كأسير السوء، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه.

    وهذا غلط، فالله تعالى قال: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90]، وقال عن المتقين: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، وقال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] فلا بد من الرجاء والخوف.

    وطريق الخوف والحزن والشفقة والحياء من الله تبارك وتعالى)،

    كما سبق أنه لا بد أن يكون مع الخوف رجاء وحب؛ لأن الخوف وحده يوصل إلى التشاؤم، وسوء الظن بالله والقنوط، ولا بد أن يكون مع الرجاء خوف حتى لا يسترسل الإنسان في المعاصي.

    1.   

    التحذير من الجلوس مع من يعبدون الله بالحب فقط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة، ومن يخلو مع النساء وطريق المذهب، فإن هؤلاء كلهم على الضلالة ].

    قوله: (احذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة)، وهم الصوفية، فهم يدعون إلى المحبة فقط، بدون خوف وبدون رجاء، كما يروى عن رابعة العدوية أنها قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فأكون كأسير السوء، ولكن عبدته حباً لذاته وشوقاً إليه.

    وبعضهم يذكر العشق والعياذ بالله، ولم يأت في وصف المحبة العشق، إنما جاءت المحبة والود والخلة، فالصوفية يزعمون أن عندهم الشوق إلى الله وعشق الله، قبحهم الله.

    فالمؤلف يقول: احذر أن تجلس مع من يدعو إلى هذا؛ لأنهم على الباطل، ومن يخلو مع النساء أيضاً؛ لأنها وسيلة للفاحشة، قال عليه الصلاة والسلام: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

    قوله: (وطريق المذهب) لعله يقصد مذهب الصوفية، فمن يدعو إلى الشوق وحده، ومن يخلو بالنساء فهو على ضلالة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم رحمك الله أن الله تعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته، ومنَّ من بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلاً منه ].

    (واعلم) أي: تيقن، وهو حفظ الذهن الجازم، (رحمك الله) دعاء بالرحمة، أي: أسأل الله أن يرحمك، (أن الله تبارك وتعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته)، وهذا لا شك فيه، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ [لقمان:33]، فالله تعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته، فكلهم مأمورون بتقوى الله وعبادته.

    فمنهم من منَّ الله عليه بالإسلام -تفضلاً منه- فأسلم. ومنهم من كفر.