إسلام ويب

شرح كتاب السنة للبربهاري [11]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل السنة والجماعة يرون تحريم زواج المتعة خلافاً للرافضة، وأهل السنة يحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ويخالفون الجهمية القائلين بخلق القرآن المخالفين للسنن والآثار.

    1.   

    تحريم زواج المتعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن المتعة -متعة النساء- والاستحلال حرام إلى يوم القيامة ].

    أراد المؤلف رحمه الله الرد على الرافضة الذين يرون شرعية المتعة.

    والمتعة: أن يتمتع الرجل بالمرأة مدة معينة، فيتفق معها ويتزوجها مدة معينة, شهراً أو شهرين, أو يوماً أو يومين, ويشترط عليها شرطاً كأن يقول: أتزوجك يوماً أو يومين أو خمسة أيام أو عشرة أيام ثم أطلقك.

    وكانت المتعة في أول الإسلام مباحة، وذلك لما اشتدت العزوبة على الصحابة في بعض الغزوات فأبيحت المتعة، ثم حرم النبي صلى الله عليه وسلم المتعة إلى يوم القيامة فالمتعة حرام.

    والمتعة تعتبر من الزنى والعياذ بالله, والشيعة يستحلون المتعة ويرون أنها حلال, وسبق الحديث: (لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها, فإن الزانية هي التي تزوج نفسها), فالمتعة: يتفق الرجل مع المرأة على أن يتمتع بها أياماً، يعني: ينكحها أياماً، ثم يتركها, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل).

    وشروط النكاح أربعة: ولي، وزوج، وشاهدا عدل، ولابد من مهر, وبسبب استحلال الشيعة للمتعة كثر عددهم، فهم يتمتعون بالنساء فيأتيهم من ذلك أولاد كثيرون, نسأل الله السلامة والعافية, وفي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم المتعة يوم خيبر إلى يوم القيامة).

    1.   

    وجوب حب المسلم لكل من له قرابة بالرسول الكريم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعرف لبني هاشم فضلهم؛ لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرف فضل قريش والعرب وجميع الأفخاذ, فاعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام، ومولى القوم منهم, وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام, واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم, وآل الرسول فلا تنساهم، واعرف فضلهم وكراماتهم وجيرانه من أهل المدينة فاعرف فضلهم ].

    (واعرف لبني هاشم فضلهم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم , وهو الهاشمي القرشي, ولهذا لا تكون الزكاة لبني هاشم ولا لبني عبد المطلب؛ لأنهم آل النبي صلى الله عليه وسلم, فلابد أن يعرف المسلم لبني هاشم فضلهم, قال الله تعالى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ [الشورى:23] أي: المحبة، فِي الْقُرْبَى [الشورى:23]، ولابد من مودة بني هاشم وهي واجبة لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، ومحبتهم من محبة النبي صلى الله عليه وسلم, فلابد أن يعرف الإنسان لهم فضلهم، فهم أشرف الناس نسباً، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث في أشرف الناس نسباً, وكذلك الأنبياء تبعث في أحساب قومها, فقد جاء في حديث ما معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي).

    والمراد ببني هاشم : قرابة النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين, وكذلك بنو عبد المطلب .

    (وتعرف فضل قريش)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من قريش, فقريش أفضل العرب نسباً, وكذلك العرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في العرب، فجنس العرب أفضل من جنس العجم, ولكن الجنس لا يفيد إلا مع تقوى, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)، وقد يوجد شخص من العجم خير من ألوف من العرب, وإنما المراد الجنس, فجنس العرب أفضل من جنس العجم.

    (وجميع الأفخاذ) وهي: جمع فخذ، وهو أقل من الشعب، فيقال أقارب الإنسان ثم قبيلته ثم شعبه.

    (ومولى القوم منهم) أي: عتيقهم، فإذا أعتقوا أحداً صار منهم. ولهذا نجد من يقول: إنه من قريش وهو مولى، وذلك لأنه أصبح عتيقاً، ولكنه لا يكون من نسبهم.

    اكتملنا من الصفحة التاسعة ودخلنا في الصفحة العاشرة

    (وتعرف لسائر الناس حقهم في الإسلام), فكل مؤمن له حق في الإسلام, قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10], وقال عليه الصلاة والسلام: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه)، وقال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم, مثل الجسد والواحد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

    (واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم) فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار, وقال: (من ولي شيئاً ينفع ويضر فليوال الأنصار أو فليعط الأنصار حقهم) أو كما قال عليه الصلاة والسلام, وقال للأنصار: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض), يعني: ستجدون بعض الولاة وبعض الأمراء يؤثرون غيركم عليكم، ويمنعونكم حقكم، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، فالأنصار هم كثير في الإسلام, وهم الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين, فلما عتبوا عليه عليه الصلاة والسلام في بعض الشيء جمعهم وقال لهم: (أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله في رحالكم؟ الأنصار شعار، والناس دثار، اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار)، فلابد أن تعرف فضل الأنصار.

    (وآل الرسول، فلا تنساهم) وآل الرسول هم أتباعه على دينه، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً قرابته من جهة النسب, كـعلي وفاطمة والحسن والحسين والعباس , وزوجاته عليه الصلاة والسلام، وبناته وأعمامه وأقاربه المؤمنين، فلا بد للإنسان أن يعرف حقهم.

    (وجيرانهم من أهل المدينة فاعرف فضلهم) وهم الأنصار, أو جيرانه في المدينة، ومن كانوا حول المدينة من القبائل والقرى والبوادي، فكل هؤلاء لهم حق على المسلم لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم ولجوارهم له.

    1.   

    عدم قبول قول الجهمية والمعتزلة في القول بأن القرآن مخلوق

    قال المؤلف رحمه الله: [ واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية، حتى كان في خلافة بني فلان تكلم الرويبضة في أمر العامة, وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا بالقياس والرأي، وكفروا من خالفهم، فدخل في قولهم الجاهل والمغفل، والذي لا علم له، حتى كفروا من حيث لا يعلمون, فهلكت الأمة من وجوه, وكفرت من وجوه, وتزندقت من وجوه, وضلت من وجوه, وتفرقت وابتدعت من وجوه, إلا من ثبت على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم، ولم يجاوز أمرهم, ووسعه ما وسعهم، ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم، وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح، فقلدهم دينه واستراح، وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد، والتقليد لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ].

    (واعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية) وذلك لكفرهم وضلالهم، والجهمية هم الذين أنكروا أسماء الله وصفاته، وقالوا: إن الله ليس له سمع ولا بصر ولا علم ولا قدرة، فهم ينفون جميع الصفات والأسماء, وهم بهذا يصفون العدم، فالشيء الذي ليس له اسم ولا صفة يكون عدماً, ولهذا كفر العلماء الجهمية وأخرجوهم من الاثنتين والسبعين الفرقة وقالوا: هم كفار؛ لأنهم ما أثبتوا وجوداً لله، ونفوا الأسماء والصفات فأنكروا بقولهم وجود الله.

    ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (اعلم رحمك الله أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني فلان) يعني: بني العباس، وبالتحديد خلافة المأمون ، فلما كانت خلافة المأمون ترجمت كتب اليونان والرومان، ودخل على المسلمين شر كثير، واعتنق المأمون مذهب المعتزلة وأثروا عليه، وقرب المعتزلة فصاروا أقرباءه، حتى صار رئيس القضاة في زمن المأمون أحمد بن أبي دؤاد وهو من المعتزلة، وهو الذي امتحن الإمام أحمد إمام أهل السنة، وأراده على القول بخلق القرآن فامتنع، فضُرب الإمام أحمد وسجن وسحب حتى أغمي عليه، ورفض رفضاً قاطعاً أن يقول: إن القرآن مخلوق، مع أنه مجبر ومكره له عذر.

    فبعض العلماء ترخص تحت وطأة الإكراه والإلزام والجبر، فهو معذور، والله تعالى عذر المكره إذا تكلم بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106]، فتأول بعض العلماء فسلموا من العذاب، حتى قال بعضهم للإمام أحمد : لك رخصة يا إمام! لو تأولت، فامتنع الإمام وثبت, وصبر على الأذى والسجن والضرب والسحب والإيذاء, وخشي أن يتأول فيضل الناس بسببه، وقد قال له أحدهم: لو تأولت يا إمام! فقال: انظر إلى هؤلاء الكتاب، وكان هناك مساحة كبيرة من دار الخليفة كلها مملوءة من الكتاب، وكل واحد معه قلم يريد أن يكتب مقالة الإمام أحمد ، أي: أنه ينتظر كلمة يتكلم بها فيكتبها, فقال: أتريد أن أضل هؤلاء؟ كلا، بل أموت ولا أضلهم.

    فثبت رضي الله عنه وأرضاه في المحنة، حتى قيل: إن الخليفة الراشد أبا بكر ثبت يوم الردة، حتى أن عمر رضي الله عنه، وهو من هو أشكل عليه وقال: يا خليفة رسول الله! كيف تقاتلهم وقد صلوا، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, ما استمسك السيف بيدي, والله لو لعبت الكلاب بخلاخل أمهات المؤمنين لقاتلتهم حتى يؤدوا إلي ما أدوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فشرح الله صدر عمر لرأي أبي بكر ، وثبت ثبوت الجبال الراسيات رضي الله عنه وأرضاه، فأجمع الصحابة على قوله وأخذوا برأيه وأنه على الحق، فشرحت صدورهم لذلك، حتى قال بعض المسلمين: لولا أن الله ثبت أبا بكر لما عبد الله في الأرض، ولأطبقت العرب على الردة إلا من ثبته الله.

    فثبت الله الجزيرة بـأبي بكر رضي الله عنه يوم الردة, والإمام أحمد يوم المحنة، وقد اختبر المأمون -بناء على رأي المعتزلة الذين أثروا عليه- الإمام أحمد ، وألزموا أهل السنة أن يقولوا: إن القرآن مخلوق، وأمر الخليفة بأن يؤتى بالعلماء من أنحاء الخلافة مقيدين بالسلاسل, فمن لم يقل بأن القرآن مخلوق أوذي وسحب وضرب وألقي في السجون، فمنهم من تأول، ومنهم من مات في السجن، ومنهم من مات في الطريق، ومنهم الإمام أحمد الذي رفض وامتنع على الرغم من شدة ما لقي من العذاب.

    (حتى كان في خلافة بني فلان -أي: بني العباس- تكلم الرويبضة في أمر العامة) والرويبضة: الجاهل الذي ليس عنده علم فيتكلم في أمر العامة بسبب فساد أمر الناس، وإلا فإن الرويبضة لا يتكلم في وقت قوة الإسلام وظهوره.

    (وطعنوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: الحديث، وأخذوا بالقياس والرأي، وهو يقصد المعتزلة الذين يأخذون بآرائهم وأهوائهم وشهواتهم ويتركون النصوص.

    (وكفروا من خالفهم) فكل من لم يقل: القرآن مخلوق كافر عند المعتزلة.

    (فدخل في قولهم الجاهل والمغفل) فالجاهل لجهله تبع المعتزلة والمغفل كذلك, أما صاحب البصيرة والفطنة فلا يقبل قولهم.

    إذاً: دخل في قولهم ثلاثة أصناف من الناس: الصنف الأول: الجاهل, والثاني: المغفل, والثالث: الذي لا علم له.

    (حتى كفروا من حيث لا يعلمون) أي: بهذه المقالة.

    (فهلكت الأمة من وجوه) أي: هلكت الأمة من هذا الوجه حيث إنهم صدقوهم وأخذوا بقولهم.

    (وكفرت من وجوه) يعني: من تبعهم في القول بخلق القرآن.

    (وتزندقت من وجوه) الزندقة هي النفاق، أي: أن من الناس من كفر، ومن الناس من تزندق وصار منافقاً، ومن الناس من ضل وصار مبتدعاً, والنتيجة أن هلكت الأمة من هذه الوجوه.

    (إلا من ثبت على قول رسول صلى الله عليه وسلم وأمره وأمر أصحابه، ولم يخطئ أحداً منهم، ووسعه ما وسعهم, ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم) أي: لم يرغب عنها بل رغب فيها.

    (وعلم أنهم كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح) أي: تيقن أن الصحابة كانوا على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح.

    (فقلدهم دينهم واستراح) يعني اتبعهم، وليس معناه التقليد بغير بصيرة.

    (وعلم أن الدين إنما هو بالتقليد, والتقليد دين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم) والمراد بالتقليد الاتباع، وإلا فالتقليد مذموم إذا كان بغير بصيرة.

    1.   

    بدعية من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وتجهم من سكت عن القول في القرآن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل: مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي، هكذا قال أحمد بن حنبل .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فإياكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) ].

    (واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي, هكذا قال أحمد بن حنبل رحمه الله) والإمام أحمد له عبارة مشهورة قريبة من هذه، وهي قوله: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي -أي: وافق الجهمية-، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع, ولأن مذهب السنة والجماعة أن كلام الله منزل غير مخلوق.

    والمقصود بكلام الله لفظه ومعناه، فقوله: لفظي بالقرآن قول الجهمية، فلفظك وأفعالك وأقوالك مخلوقة، فعندما تخصص وتقول: لفظي بالقرآن هذا بدعة، ومن قال ذلك فهو جهمي؛ لأنه وافق قول الجهمية، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع؛ لأنه ابتدع قولاً لم يقله أحد من السلف, والقرآن كلام الله أنزله على رسوله، وأفعالك وأقوالك مخلوقة، لكن لا يصح أن تخصص اللفظ بالقرآن أنه مخلوق.

    (واعلم أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع)؛ لأنه قول لم يقله أحد من السلف, فقد سكتوا وما قالوا: اللفظ مخلوق ولا غير مخلوق, فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فقد ابتدع؛ لمخالفته طريقة السلف، ومن سكت وتوقف فقال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق فهو جهمي، فلا يوجد داعي أن تشك، بل اجزم بأن القرآن كلام الله أنزله على رسوله، فالشاك مبتدع مثل الجهمية، ولا فرق بين الجهمي وبين الشاك، فالذي يتكلم بالبدعة والذي يسكت ولا ينفي البدعة كلاهما مبتدع.

    (هكذا قال أحمد بن حنبل ) والواجب أن تقول: إنه كلام الله منزل غير مخلوق لفظاً ومعنى.

    (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فعضوا عليها بالنواجذ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وله ألفاظ, فقد روي بلفظ: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة).

    وفي هذا الحديث التحذير من البدع ومحدثات الأمور وأنها من الضلال, والحث على لزوم السنة، وسنة الخلفاء الراشدين إذا خفيت السنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، أما مع وجود السنة فلا، فإذا لم توجد سنة، ووجد قول للخلفاء الراشدين فهو السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن سنة الخلفاء الراشدين سنة بقوله: (تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ), والنواجذ هي الأسنان التي تلي الأضراس، وفي كل فك أربة نواجذ، اثنان من اليمين، واثنان من الشمال في كل فك, والمعنى: تمسكوا به، فالشيء الذي يريد الإنسان أن يمسكه يعض عليه بالنواجذ حتى لا ينفلت.

    1.   

    بيان سبب هلاك الجهمية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية: أنهم فكروا في الرب عز وجل، فأدخلوا: لم؟ وكيف؟ وتركوا الأثر، ووضعوا القياس، وقاسوا الدين على رأيهم، فجاءوا بالكفر عِياناً، لا يخفى أنه كفر، وكفروا الخلق، واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل ].

    (واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية أنهم فكروا بالرب) أي: فكروا في ذاته وأسمائه وصفاته، ثم قاسوا الخالق على المخلوق.

    (فأدخلوا: لم؟ وكيف؟) أي قالوا: لم؟ واستفهموا في الأفعال: لم فعل كذا, واستفهموا في الصفات، حيث قالوا: كيف استوى؟ وكيف نزل؟ وهذا من جهلهم وضلالهم، وهذه أسئلة فاسدة، ولا يوجه هذا السؤال لأفعاله جل في علاه، فلا يقال: لم جعل هذا غنياً؟ لم جعل هذا فقيراً؟ لم جعل هذا طويلاً؟ لم جعل هذا قصيراً؟ لأن الله حكيم وله الحكمة البالغة.

    فهلك الجهمية بذلك، أما الصحابة والتابعون ومن بعدهم فهم في عافية من هذا, فلم يأتوا بمثل هذه الأسئلة.

    (وتركوا الأثر) يعني: النصوص، (ووضعوا القياس) أي: قاسوا الخالق على المخلوق، وقاسوا أمور الآخرة على أمور الدنيا, وقاسوا الدين على آرائهم وشهواتهم.

    (فجاءوا بالكفر عياناً) العيان: المعاينة، فارتكبوا كفراً واضحاً بيناً، يعاينه كل أحد ولا يخفى على أحد أنه كفر.

    (وكفروا الخلق) أي: الجهمية، فقد كفروا من لم يوافقهم.

    (واضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل) أي: وصل بهم الحال حتى عطلوا الرب من أسمائه وصفاته، وقالوا: ليس له علم ولا سمع ولا بصر ولا إرادة ولا قدرة، وليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا مبايناً للعالم ولا محايداً للعالم، ولا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عن العالم، وهذا تعطيل كامل، وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: (فاضطرهم الأمر حتى قالوا بالتعطيل).

    1.   

    كفر الجهمي لضلال معتقداته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث، ولا يورث؛ لأنه قال: لا جمعة ولا جماعة ولا عيدين ولا صدقة، وقالوا: من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر، واستحلوا السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وخالفوا من كان قبلهم، وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع، وأوهنوا الإسلام، وعطلوا الجهاد، وعملوا في الفرقة، وخالفوا الآثار وتكلموا بالمنسوخ، واحتجوا بالمتشابه، فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وقالوا: ليس عذاب قبر ولا حوض يورد ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وأنكروا كثيراً مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه؛ لأنه من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم، فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطان معونة على ذلك، ووضعوا السيف والسوط دون ذلك، فدرس علم السنة والجماعة وأوهنوهما وصارتا مكتومين؛ لإظهار البدع والكلام فيها، ولكثرتهم، واتخذوا المجالس وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب، وأطمعوا الناس، وطلبوا لهم الرئاسة، فكانت فتنة عظيمة، لم ينج منها إلا من عصم الله، فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه أو يتابعهم أو يرى رأيهم أو يزعم أنهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكاً فهلك الخلق، حتى كان أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل ، فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق، وأظهر به أهل السنة، وطالت ألسنتهم مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا.

    والرسم وأعلام الضلالة قد بقي منهم قوم يعملون بها، ويدعون إليها، لا مانع يمنعهم، ولا أحد يحجزهم عما يقولون ويعملون ].

    (وقال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل رحمه الله: الجهمي كافر، ليس من أهل القبلة، حلال الدم، لا يرث ولا يورث) وهذا مشهور عن كثير من العلماء أنهم كفروا الجهمية، وقد كفرهم خمسمائة عالم, حتى قال ابن القيم في الكافية الشافية:

    ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان

    و اللالكائي الإمام قد حكاه وحكاه عنه قبله الطبراني

    وقوله: خمسين في عشرة، أي: خمسمائة، ومن العلماء من كفر الغلاة والدعاة وعلماءهم، وفسق عامتهم، ومن العلماء من كفرهم جميعاً ومنهم من بدعهم جميعاً؛ وذلك لخبث معتقدهم وفساد قولهم؛ ولأنهم قالوا: إن الرب ليس له صفات ولا أسماء، حتى إنهم نفوا النقيضين عنه جل وعلا، فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايد له، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولهذا كفرهم العلماء.

    ومن كفرهم ما يعتقدته الجهم حيث يقول: الإيمان معرفة الرب بالقلب، فإذا عرفت ربك بقلبك فأنت مؤمن, كما يقول بعض الناس: الإيمان في القلب، فنقول: والكفر والنفاق في القلب أيضاً, وإذا وقر الإيمان في القلب عملت الجوارح, وإذا وقر الكفر في القلب لم تعمل الجوارح.

    (لأنه قال -أي: الجهمي-: لا جمعة ولا جماعة، ولا عيدين ولا صدقة, وقالوا -أي: الجهمية-: من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر) إذاً: الجهمية يكفرون من قال: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق.

    (واستحلوا السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم)؛ لأنهم يرون أنهم كفار، فاستحلوا دماء المسلمين، وخالفوا من كان قبلهم.

    (وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه) فالمعتزلة امتحنوا الناس في زمن المأمون ، وكانوا يأتون إلى كل عالم يسألونه ماذا يقول في خلق القرآن؛ فمن لم يقل: إن القرآن مخلوق فإنه يزج به في السجون ويؤذى، ومن قال منهم: القرآن مخلوق سكتوا عنه، فيكفرون من قال: إن كلام الله منزل غير مخلوق, ومن قال: إنه مخلوق فهذا هو المؤمن عند المعتزلة.

    (وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع)؛ لأنهم يزعمون أن الإيمان في القلب، فلا حاجة إلى الصلاة ولا حاجة إلى المساجد، فأرادوا تعطيل المساجد والجوامع.

    (وأوهنوا الإسلام) أي: أضعفوا الإسلام.

    (وعطلوا الجهاد وعملوا في الفرقة) يعني: حاولوا التفريق بين المسلمين.

    (وخالفوا الآثار) أي: النصوص.

    (وتكلموا في المنسوخ، واحتجوا بالمتشابه) أي: المتشابه من كلام الله وكلام رسوله.

    (فشككوا الناس في آرائهم وأديانهم, واختصموا في ربهم) ومثال ذلك خوضهم في آيات الصفات.

    (وقالوا -وهذا من تشكيكهم-: ليس عذاب قبر ولا حوض يورد، ولا شفاعة، والجنة والنار لم تخلقا، وقول المعتزلة: إن الجنة والنار ليستا مخلوقتين، بحجة أن خلقهما الآن عبث، ولا أحد يستفيد منهما, وإنما تخلقان يوم القيامة.

    وما أعملوا عقولهم أن النصوص دلت على أن الجنة والنار مخلوقتان، قال تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، وقال تعالى في حق النار: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24] هذا الأول.

    ثانياً: أن الجنة والنار ليستا معطلتين، فالجنة فيها الحور والولدان، ويفتح للمؤمن باب من الجنة في قبره، فيأتيه من روحها وطيبها، والنار تعذب فيها أرواح الكفرة، ويفتح للكافر باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، وبهذا يتبين أنهما ليستا معطلتين.

    وأنكروا عذاب القبر، مع أن النصوص كثيرة في إثباته.

    وحديث الحوض من الأحاديث المتواترة.

    وأنكروا الشفاعة وهي متواترة كذلك.

    (وأنكروا كثيراً مما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه) أي: من أجل أنهم كفروا وشككوا الناس في آرائهم وأديانهم، واختصموا في ربهم، وأنكروا عذاب القبر والحوض والشفاعة وهي أمور متواترة, وردوا النصوص.

    (لأن من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد أثراً عن رسول صلى الله عليه وسلم فقد رد الأثر كله) وهذا كفر وضلال، فمن رد آية أو حديثاً فهو كافر.

    (فدامت لهم المدة، ووجدوا من السلطة معونة على ذلك) أي: أن الجهمية دامت لهم المدة ووجدوا من السلطة في زمن المأمون ، معونة على ذلك.

    (ووضعوا السيف والسوط دون ذلك) أي: وضعوا السيف على رقاب المسلمين حتى يوافقوا على آرائهم الباطلة، وكذلك ألهبوا ظهور العلماء بالضرب بالسوط؛ لأنهم لم يوافقوهم.

    (فدرس علم السنة والجماعة) أي: خفي علم السنة والجماعة بسبب ظهور هؤلاء المبتدعة المعتزلة، وإيذائهم المسلمين وتعذيبهم لهم.

    (وأوهنوهما وصارتا مكتومتين) أي: القرآن والسنة.

    (لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم) فصار علم الكتاب والسنة مكتومين بسبب إظهار البدع والكلام فيها ولكثرتها.

    (واتخذوا المجالس، وأظهروا رأيهم، ووضعوا فيه الكتب) أي: أن المعتزلة صنفوا الكتب، فلهم كتب يقررون فيها آراءهم.

    (وأطمعوا الناس، وطلبوا الرئاسة) أطمعوا الناس في أن من تبعهم يولونه ويعطونه من رفدهم.

    (فكانت فتنة عظيمة لم ينج منها إلا من عصم الله) فأدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم أن يشك في دينه، أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، هذا هو أدنى ما يصيب الإنسان من مجالستهم، فإما أن يشك في دينه، وإما أن يتابع أهل البدع على بدعتهم، وإما أن يرى أن ما هم عليه هو الحق، فيرى أن آراءهم الفاسدة على الحق، ولا يدري أنه على الحق أو على الباطل، فصار شاكاً.

    (فهلك الخلق حتى كان أيام جعفر الذي يقال له: المتوكل فأطفأ الله به البدع، وأظهر به الحق، وأظهر به أهل السنة) المتوكل رحمه الله أوقف البدعة التي انتشرت في زمن المأمون وألزم الناس بقول الحق في القرآن، وأخرج الإمام أحمد رحمه الله، وأذن له بالدرس، فعادت المياه إلى مجاريها فرحمه الله.

    (وطالت ألسنتهم) أي: أهل السنة، فصار لهم ظهر يحميهم وهو الخليفة، (مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا).

    (والرسم وأعلام الضلالة قد بقي منهم) أي: وإن كان المتوكل قد نصر أهل السنة إلا أنه بقي شيء لأهل البدع وهو الرسم والعلم فقط.

    (منهم قوم يعملون بها، ويدعون إليها، لا مانع يمنعهم ولا أحد يحجزهم عما يقولون ويعملون) أي: بقي من المبتدعة في زمن جعفر المتوكل الذي أظهر السنة، وقد بقي لأهل البدع وأعلام الضلالة فيعملون بها ويدعون إليها دون وجود مانع ولا حاجز.

    1.   

    علماء الطمع سبب ظهور البدع

    قال المؤلف رحمه الله: [ واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله تبارك وتعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [الجاثية:17]، وقال: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة:213]، وهم علماء السوء أصحاب البدع والطمع ].

    (واعلم أنه لم تجئ بدعة قط إلا من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق) كبدعة الخوارج, وفتنة الجهمية، وبدعة القدرية, وبدعة المعتزلة, فلم تنشأ هذه إلا من الهمج، أي: الجهال الذين لا علم عندهم، والذين يتبعون كل ناعق، فكلما سمعوا شيئاً تبعوه سواء كان على الحق أو على الباطل فليس عندهم بصيرة ولا تمييز، فهؤلاء هم سبب انتشار البدعة؛ لعدم بصيرتهم.

    (فمن كان هكذا فلا دين له، قال الله تبارك وتعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [الجاثية:17]) أي: أهل الكتاب ما اختلفوا إلا بعد العلم، والذي حملهم على اختلافهم البغي، وهذا ذم لأهل الكتاب، وهو تحذير لنا -في نفس الوقت- حتى لا نفعل مثل فعلهم فيصيبنا ما أصابهم، قال تعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [الجاثية:17] وسببه: بَغْيًا بَيْنَهُمْ [الجاثية:17].

    وسبب الاختلاف هم علماء السوء وأصحاب الطمع والبدع من أهل الكتاب، ومن هذه الأمة أيضاً.

    (وأصحاب الطمع والبدع) هم الذين يختارون الدنيا بالدين والذين يبيعون آخرتهم بدنياهم, فهؤلاء هم الذين تظهر بسببهم البدع، وفيه التحذير من البدع وتحذير أهل العلم من الزيغ والانحراف.

    1.   

    لا يزال الخير في أفراد هذه الأمة

    قال المؤلف رحمه الله: [ واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم، ويحيي بهم السنن، فهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة:213]، فاستثناهم فقال: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال عصبة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون) ].

    (اعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من الحق والسنة، يهديهم الله، ويهدي بهم غيرهم ويحيي بهم السنة) أي: أن الأمة لا يزال فيها الخير، لا يرفع من هذه الأمة، وهذه بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم).

    وهي بشارة في أن الخير لا ينقطع من هذه الأمة ولا يرفع منها، بل لابد أن تثبت طائفة على الحق إلى يوم القيامة، إلى أن تأتي الريح الطيبة فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات.

    1.   

    العالم من اتبع العلم والسنن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، وإنما العالم من اتبع العلم والسنن، وإن كان قليل العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة، فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب ].

    (واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب) أي: كون الإنسان يروي الأحاديث، ويكون له شيوخ كثيرون، وأتباع، وقد يكون الإنسان لديه مكتبة كبيرة الحجم مليئة بالكتب، ولكن قد لا يستفيد ولا يقرأ فيها ولا يعمل بما فيها، فالحمار يحمل الأسفار وهي الكتب ولا يستفيد منها, وقد مثل الله تعالى أهل الكتاب بذلك، قال: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة:5].

    قوله: (إنما العالم من اتبع العلم والسنن) فالعالم هو الذي يتبع العلم المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب، إذاً: المهم في العالم اتباع السنة، فمن اتبع السنة فهو العالم، ولو كانت روايته وكتبه قليلة, ومن خالف السنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير العلم والكتب.

    1.   

    تحريم الكلام في الدين دون الاستناد إلى حجة من الكتاب والسنة

    قال المؤلف رحمه الله: [ واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين ].

    (واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله) كأن يفسر كلام الله برأيه وقياسه وتأويله الفاسد، وقد ثبت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سئل عن آية في كتاب الله, فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إن أنا قلت في كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم.

    قوله: (من غير حجة) أي: من الكتاب ولا (من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم) والقول على الله بما لا يعلم مرتبة فوق الشرك، قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] فجعل القول على الله بلا علم فوق الشرك؛ لأنه يشمل الشرك ويشمل غيره، فالشرك قول على الله بلا علم.

    (ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين) وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص:86].

    1.   

    كل حق مأخوذ من الكتاب والسنة والجماعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والحق ما جاء من عند الله عز وجل، والسنة: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ].

    (والحق ما جاء من عند الله عز وجل) أي: في كتاب الله وسنة رسوله، فالقرآن وحي والسنة وحي, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، والله تعالى يقول عن نبيه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4] فالحق ما جاء من عند الله، مما أنزله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    والسنة: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فإن كل حق فهو مأخوذ من كلام الله وكلام رسوله، ومن الكتاب والسنة، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي: قوله وفعله وتقريره.

    1.   

    وجوب الاقتصار على ما جاء في الكتاب والسنة والنهي عن التنطع والتعمق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن اقتصر على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه والجماعة، فلج على أهل البدع كلها، واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستفترق أمتي)، وبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناجين منها فقال: (ما كنت أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهذا هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستنير، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق) ].

    (من اقتصر على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الجماعة من اقتصر على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه والجماعة فلج) أي: ظفر وفاز بالمطلوب، وفلج غيره، أي: غلب غيره بحجة.

    والجماعة: هم المؤمنون الذين اجتمعوا على الحق، فإذا اقتصر الإنسان على ما جاء في القرآن والسنة، وعلى ما كان عليه الصحابة فإنه يفلج أهل البدع، أي: يغلبهم بالحجة ويظفر ويفوز ببغيته.

    (واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله) وهكذا حال المؤمن الذي يلزم الكتاب والسنة والجماعة، فهو يظفر بالمطلوب ويفوز به، ويغلب أهل البدع كلهم، ويستريح بدنه ويسلم له دينه.

    (لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) وجاء في الحديث السابق. (كلها في النار إلا واحدة), وبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناجي من هذه الفرق بقوله: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهذا (هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستنير)، أي: هذا الذي بينته لك من أنه يجب الاقتصار على السنة والجماعة، والحذر من أهل البدعة هو الشفاء، وهذا هو البيان، وهذا هو الأمر الواضح، وهذا هو المنار المستنير.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والتعمق، وإياكم والتنطع، وعليكم بدينكم العتيق) هذا الأثر نسبه المؤلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال في الحاشية: إن هذا ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه من قول ابن مسعود .

    (إياكم والتعمق) أي: أن يتعمق الإنسان ويريد أن يصل إلى ما لم يصل إليه غيره, فيتعمق في السؤال عن الأشياء التي لا يحتاج إليها، وهو قريب من معنى التنطع، فكون الإنسان يتنطع بلسانه ويتعمق بفكره، فيسأل عن أشياء لا حاجة له بها.

    (وعليكم بدينكم العتيق) أي: القديم.

    1.   

    الأسئلة

    بيان الفرق بين زواج المتعة والزواج بنية الطلاق

    السؤال: هل الزواج بنية الطلاق نوع من المتعة، وما حكمه؟

    الجواب: الزواج بنية الطلاق ليس من المتعة, فهو زواج بولي وشاهدي عدل ورضا المرأة ومهر، لكن أن يضمر في نفسه الطلاق فقد ينفذ هذه النية وقد لا ينفذها، فلا يعلم عنه إلا الله.

    واختلف العلماء في حكمه: فمنهم من أباحه، ومنهم من منعه, وقد ذكر هذا الخلاف في كتاب المغني، وقد قال من منعه: إن الولي أو الزوجة لو علموا بهذه النية ما زوجوه.

    ومنهم من قال: إنه لا بأس به، لأن النية وحدها ليس عليها عمل في هذا الباب، وما دام أنه لم يتكلم، وقد يرغب ولا ينفذ هذه النية فلا يؤثر ذلك بخلاف زواج المتعة فهو اتفاق الرجل مع المرأة على أن يتزوجها مدة معينة وهذا زنى.

    بيان أن المراد بالخلفاء الراشدين الخلفاء الأربعة

    السؤال: ما مراد النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) إلى آخر الحديث, هل المراد الخلفاء الأربعة فقط، أم يشمل ذلك كل خليفة كان على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، ولو بعد زمن؟

    الجواب: المراد الخلفاء الراشدون الأربعة, فقد جاء في حديث عنه عليه الصلاة والسلام: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، ونهايتها كانت خلافة علي رضي الله عنه, ونرجع إلى سنة الخلفاء الراشدين الأربعة عند خفاء السنة، لكن لو وجد قول لأحد الخلفاء الراشدين يخالف السنة فيؤخذ بالسنة, وإذا لم يوجد في المسألة نص عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم وجد قول لأحد الخلفاء الراشدين فإنه يؤخذ بقول الخليفة الراشد.

    حكم إلحاق عمر بن عبد العزيز بالخلفاء الذين تتبع سنتهم

    السؤال: هل يعد عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الراشدين الذين تتبع سنتهم؟

    الجواب: لا، ليس منهم، لكن من العلماء من ضمه إليهم لعدله وورعه, وعمر بن عبد العزيز متأخر فخلافته كانت على رأس المائة هجرية.

    حكم تكفير الحاكم بالقوانين الوضعية

    السؤال: هل تحكيم القوانين من الكفر البواح الذي يوجب الخروج على الحاكم مع القدرة؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل: إن كان مستحلاً له ويراه حلالاً فهذا كفر بواح، أما إذا لم يستحله فهذا فيه تفصيل أيضاً: فإن كان في جميع شئون الدولة، وقلب الأحكام رأساً على عقب، قال بعض العلماء: إنه كفر؛ لأنه بدّل الدين، وقال آخرون: لابد من قيام الحجة عليه؛ لأنه قد يكون جاهلاً، وقد يكون له شبهة, أما إذا كان تحكيم القوانين في بعض القضايا فلا يكفر إلا إذا استحله.

    فائدة القول بأن الجنس العربي أفضل من غيره

    السؤال: ما فائدة قولنا: جنس العرب أفضل من جنس العجم، مع أنه لا فضل إلا بالتقوى؟

    الجواب: هذا من ذكر الشرف الدنيوي والحسب والنسب، وإلا فلا قيمة له، فالنبي صلى الله عليه وسلم زوج بنت عمه ضباعة بنت الزبير المقداد بن الأسود وهو من الموالي، وأبو حذيفة زوج بنت أخيه وهي حرة قرشية سالماً مولاه، فلا حرج، وإن كان بعض العلماء قال: إن القرشية لا تتزوج إلا قرشياً، والهاشمية لا تتزوج إلا هاشمياً، وقالوا: إذا كان يحصل بزواجها من غير الهاشمي أو القرشي فتنة فإنه يمنع درءاً للفتنة والمفسدة، وإلا فالأصل أنه لا حرج.

    وهذا مثل قولك: الذهب أحسن من الفضة، والفائدة من قولك أن تعرف أن هذا أفضل لبساً، وأفضل قيمة وكذلك جنس العرب فهم أفضل في الجملة من العجم من جهة الحسب الدنيوي، ولكن لا ينفع عند الله إلا العمل الصالح، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) والمعنى: أن من أخره العمل بأن كان سيئاً فإن النسب لا يرفعه حتى ولو كان من أولاد الأنبياء، فما نفعت أبا لهب عروبته وقرشيته وأنه من بني هاشم، ولا ضر بلالاً أنه حبشي، ولا صهيباً أنه رومي، فهؤلاء من أولياء الله ومن أهل الجنة, وأبو لهب وأبو جهل في النار وهما قرشيان ونسبهما أرقى نسباً.

    الأماكن الصالحة أفضل الأماكن

    السؤال: هل لأهل المدينة فضل في زماننا على غيرهم من أهل الأمصار؟

    الجواب: لا، يقول النبي: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) لكن سكن المدينة فيه فضل، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لها بالبركة، أما الأشخاص والذوات ففضلهم إنما يكون بالعمل الصالح سواء كانوا في المدينة أو في غير المدينة، ومشركو قريش سكنوا مكة وهم كفار وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى المدينة، ومكة أفضل ولكن سكن فيها الكفرة, والصحابة خرجوا من مكة ومن المدينة وذهبوا إلى الأمصار ونشروا دين الله.

    وهناك اختلاف بين أفضلية سكان المدينة أو مكة، قال بعض العلماء: سكنى مكة أفضل، وقال بعضهم: سكنى المدينة أفضل، وقال شيخ الإسلام : الأفضل المكان الذي تقيم فيه دينك، وما كان أصلح لقلبك فهو أفضل، ولو كان في أقصى الدنيا, والمكان الذي ترى فيه صلاحاً لدينك هو ما كان أهله من أهل السنة والجماعة، وأهل التوحيد والغيرة، أما المكان المليء بالمعاصي والبدع، والمكان الذي يضعف الدين، فالأفضل أن تسكن في غيره.

    فإن تساوى وصار صلاح دينك في مكة أو في المدينة أو في غيرها فمكة أفضل، ثم المدينة, وقد يكون في المكان الفاضل منكرات وبدع ولا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر فيضعف دين الإسلام في القلوب، فالأفضل هو المكان الذي ترى فيه صلاحاً لقلبك ولدينك.

    القول في تكفير المأمون

    السؤال: سمعت الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في شريط يكفر المأمون لقوله بخلق القرآن، فهل يصح هذا عن الشيخ؟

    الجواب: لم أسمعه، ولكن القاعدة أن المعين لا يكفر بعينه حتى تقوم عليه الحجة، والمأمون قد لبس عليه المعتزلة، وهو الذي أمر بترجمة كتب اليونان والرومان، فدخل على المسلمين منها شر كثير، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ما أظن أن الله يغفل عن المأمون هكذا، ولكنه لم يكفره، حتى إن الإمام أحمد ما كفره ودعا له، وأظنه صلى خلفه وحلله أيضاً؛ لأن له شبهة فقد لبس عليه المعتزلة، ولا أظن أن سماحة الشيخ ابن باز يكفره بعينه.

    حكم الخوارج والروافض

    السؤال: هل يصح عن الشيخ رحمه الله أنه يكفر الخوارج عامتهم وعلماءهم، وكذلك الخوارج والرافضة؟

    الجواب: الخوارج فيهم خلاف، وقال الجمهور إنهم مبتدعة, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : الصحابة عاملوهم معاملة العصاة المبتدعة، ولم يعاملوهم معاملة الكفار؛ لأنهم متأولون. ولما سئل علي عنهم: أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.

    ومن العلماء من كفرهم، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واستدلوا بالأحاديث: (أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وأظن أن سماحة الشيخ يختار القول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو القول بكفر الخوارج.

    والروافض إذا كانوا يكفرون الصحابة ويعبدون آل البيت فهذا كفر, فمن يكفر الصحابة ويفسقهم فهو كافر؛ لأنه مكذب لله؛ ولأن الله زكاهم وعدلهم ووعدهم بالجنة، فمن كفرهم فقد كذب الله، ومن كذب الله كفر, وكذلك من عبد آل البيت، وكذلك من قال: إن القرآن محفوظ ولم يبق إلا الثلث، وهذا تكذيب لله، وهو كفر وردة.