إسلام ويب

شرح كتاب الإيمان لأبي عبيد [10]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مخالطة أهل البدع مضرة للدين، ولذا كان السلف يحذرون من مخالطتهم ومجالستهم، ومن أهل البدع الضالة من ينفون الإيمان عن مرتكب الكبيرة، والحق أنه مؤمن ناقص الإيمان فاسق بمعصيته.

    1.   

    تحذير السلف من مجالسة أهل الإرجاء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ باب: ذكر ما عابت به العلماء من جعل الإيمان قولاً بلا عمل، وما نهوا عنه من مجالسهم.

    قال أبو عبيد : حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو السيباني قال: قال حذيفة : (إني لأعرف أهل دينين، أهل ذينك الدينين في النار: قوم يقولون: الإيمان قول وإن زنى وإن سرق، وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان، قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء وصلاة الفجر) قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حميد المقرائي عن حذيفة قارن حديث حذيفة هذا قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة ].

    عقد المؤلف رحمه الله هذا الباب لبيان الآثار الواردة عن السلف والصحابة والتابعين فمن بعدهم في عيب المرجئة وذمهم والنهي عن مجالستهم، وهم الذين يقولون: إن الإيمان قول بلا عمل، أي: قول القلب وتصديقه وإقراره بلا عمل، وأن أعمال الجوارح وأعمال القلوب لا تدخل في مسمى الإيمان، ثم ذكر أثر حذيفة رضي الله عنه قال: [إني لأعرف أهل دينين أهل ذينك الدينين في النار: قوم يقولون: الإيمان قول وإن زنى وإن سرق]، يعني: المرجئة يقولون: إيمان العاصي كامل مثل إيمان المطيع، سواء بسواء.

    قوله: [وقوم يقولون: ما بال الصلوات الخمس؟ وإنما هما صلاتان. قال: فذكر صلاة المغرب أو العشاء وصلاة الفجر، قال: وقال ضمرة بن ربيعة يحدثه عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن حميد المقرائي عن حذيفة، قارن حديث حذيفة هذا قد قرن الإرجاء بحجة الصلاة] هذا الأثر فيه بعض السقط، لكن كأنه يقول: إن حذيفة رضي الله عنه عقد مقارنة بين المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بالقلب وتصديق بالقلب ولا ينقص الإيمان ولو زنى ولو سرق، وبين من يقول: الصلاة الواجبة صلاتان في اليوم والليلة لا خمس صلوات؛ وإنما هما صلاة المغرب وصلاة الفجر، أو صلاة العشاء وصلاة الفجر فقط، فهذا دليل على ذم المرجئة وعيبهم، وأن مذهبهم مذهب مذموم.

    فمن أنكر وجوب الصلوات الخمس فإنه يكفر والعياذ بالله، ومن قال: لا يجب في اليوم والليلة إلا صلاتان فقد كفر، ومن قال: إن الإيمان قول والأعمال مطلوبة لا يكفر، لكنه قرن بهؤلاء في الذم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وبذلك وصفهم ابن عمر أيضاً.

    قال أبو عبيد : حدثنا علي بن ثابت الجزري عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر قال: (صنفان ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية) ].

    هذا -أيضاً- فيه ذم المرجئة، والحديث موقوف على ابن عمر لكنه ضعيف؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو ضعيف من جهة حفظه، لكن المرجئة لا شك أن مذهبهم مذموم من جهة أنه خالف النصوص، وكذلك القدرية الذين يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة لهم، ولم يقدرها الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمع الضحاك وميسرة وأبو البختري فأجمعوا على أن الشهادة بدعة، والإرجاء بدعة، والبراءة بدعة ].

    هذا فيه ذم الشهادة والإرجاء والبراءة، وهذا الأثر يقول المحشي فيه: إسناده إلى سلمة بن كهيل صحيح، وهو من صفوة التابعين.

    فـأبو البختري والضحاك وميسرة أجمعوا على بدعية هذه الأمور الثلاث: الشهادة والإرجاء والبراء، أي: الشهادة على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر بدون العلم بما ختم الله له، ويحتمل أن المراد الشهادة لمؤمن معين بالجنة، إلا لمن شهدت له النصوص، فكون الإنسان يشهد على شخص معين بأنه من أهل النار بدون دليل وبدون علم بما ختم الله به بدعة، أما من علم أن الله ختم له بالنار -كـأبي جهل وأبي لهب- فإنه يشهد عليه بالنار، ويحتمل أن المراد الشهادة لمؤمن معين بالجنة، وإنما يشهد للمؤمنين بالعموم، فيقال: كل المؤمنين في الجنة، أما فلان بن فلان فلا يشهد له بالجنة، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، إلا من شهدت له النصوص، كالعشرة المبشرين بالجنة، والحسن والحسين ، وكذلك بلال وابن عمر ، وعكاشة بن محصن.

    فالقول بأن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان بدعة وإرجاء، لكن المرجئة طائفتان: الأولى: المرجئة المحضة، يقولون: الأعمال ليست من الإيمان وليست مطلوبة.

    والثانية: مرجئة الفقهاء، يقولون: الأعمال مطلوبة ولكنها ليست من الإيمان.

    قوله: [والبراءة بدعة] لعل المراد بالبراءة البراءة من أبي بكر وعمر كما تقول الروافض، يقولون: لا ولاء إلا بالبراء. أي: لا يتولى أهل البيت إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، فعندهم لا يتولى المرء علياً إلا إذا تبرأ من أبي بكر وعمر ، وهذا باطل، بل أهل السنة يتولون الجميع، يتولون أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأهل البيت جميعاً، وينزلونهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها بالإنصاف والعدل لا بالهوى والتعصب، فقول الروافض: لا ولاء إلا بالبراء، ولا يتولى أحد أهل البيت ولا يتولى أحد علياً إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر بدعة وباطل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو عبيد : حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري قال: ما ابتدعت في الإسلام بدعة أعز على أهلها من هذا الإرجاء ].

    هذا فيه ذم الإرجاء؛ لأنه سمي بدعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو عبيد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن مهدي بن ميمون عن الوليد بن مسلم قال: دخل فلان -قد سماه إسماعيل، ولكن تركت اسمه أنا- على جندب بن عبد الله البجلي فسأله عن آية من القرآن فقال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت، أو قال: أن تجالسني. أو نحو هذا القول ].

    هذا فيه ذم المرجئة، وأن جندب بن عبد الله الصحابي الجليل لما دخل عليه هذا المرجئ وسأله عن آية قال: أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت من مجلسي، فنهاه عن مجالسته، وهذا فيه ذم المرجئة وأن العلماء من الصحابة والتابعين يعيبونهم ويذمونهم وينهون عن مجالستهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو عبيد :حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب قال: قال لي سعيد بن جبير غير سائله ولا ذاكراً له شيئاً: لا تجالس فلاناً، وسماه أيضاً فقال: إنه كان يرى هذا الرأي ].

    يعني: يرى هذا الرأي الذي هو الإرجاء، فنهى عن مجالسته، وهذا فيه دليل على أن العلماء ينهون عن مجالسة المرجئة ويذمونهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والحديث في مجانبة الأهواء كثير، ولكنا إنما قصدنا في كتابنا لهؤلاء خاصة ].

    يعني: الأحاديث والآثار في النهي عن مجالسة أهل البدع وذمهم كثيرة، لكن المقصود في كتابنا هذا النهي عن مجالسة المرجئة خاصة، أما النهي عن بقية أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل البدع فالنصوص والآثار عن الصحابة والتابعين كثيرة في ذلك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعلى مثل هذا القول كان سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس ومن بعدهم من أرباب العلم وأهل السنة، الذين كانوا مصابيح الأرض وأئمة العلم في دهرهم من أهل العراق والحجاز والشام وغيرها، زارين على أهل البدع كلها، ويرون الإيمان قولاً وعملاً ].

    يعني أن الأئمة والعلماء من الصحابة والتابعين كلهم كانوا يذمون أهل البدع وينهون عن مجالستهم ويعيبونهم، منهم سفيان والأوزاعي ومالك بن أنس من أهل العلم وأرباب العلم من أهل السنة الذين هم مصابيح الأرض وأئمة العلم من أهل العراق والحجاز، فهؤلاء كلهم ينهون عن مجالسة أهل البدع ويذمونهم، ويرون أن الإيمان قول وعمل خلافاً للمرجئة الذين يرون أن الإيمان قول بلا عمل.

    1.   

    الخروج من الإيمان بالمعاصي وما ورد فيه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: الخروج من الإيمان بالمعاصي.

    قال أبو عبيد : أما هذا الذي فيه ذكر الذنوب والجرائم؛ فإن الآثار جاءت بالتغليظ على أربعة أنواع: فاثنان منها فيها نفي الإيمان والبراءة من النبي صلى الله عليه وسلم، والآخران فيها تسمية الكفر وذكر الشرك، وكل نوع من هذه الأربعة تجمع أحاديث ذوات عدة ].

    عقد المؤلف رحمه الله هذا الباب لبيان النصوص التي فيها أن أصحاب المعاصي يخرجون من الإيمان، وتأويلها عند أهل السنة والجماعة، فجاءت النصوص في الكتاب والسنة بنفي الإيمان عن أهل المعاصي، وهي أنواع كما ذكر المؤلف: النوع الأول: نفي الإيمان؛ كحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، النوع الثاني: براءة النبي صلى الله عليه وسلم، كحديث: (برئ النبي صلى الله عليه وسلم من الحالقة والصالقة والشاقة) فالحالقة هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والصالقة هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والشاقة هي التي تشق ثوبها عند المصيبة.

    النوع الثالث: تسميته بالكفر، كحديث: (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت).

    النوع الرابع: تسميته بالشرك، كحديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).

    والخلاصة أن نفي الإيمان عند أهل السنة والجماعة في قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) المراد به نفي كمال الإيمان، لا أصل الإيمان، فالزاني والسارق وشارب الخمر إذا لم يستحل ذلك ليس كافراً، بل هو مؤمن ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان؛ لأنه لو كان كافراً لقتل ولم يقم عليه الحد، كما في الحديث: (من بدل دينه فاقتلوه).

    أما حديث: (برئ النبي صلى الله عليه وسلم من الصالقة والشاقة)، فلا يدل على أن ذلك كفر، بل المراد أن فاعل ذلك مرتكب لكبيرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تبرأ من فعله.

    وما جاء تسميته كفراً فالمراد به في هذه النصوص الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، فيكون صاحبه ضعيف الإيمان ناقص الإيمان، وكذلك الشرك في حديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) يعني: شركاً أصغر غير مخرج من الملة، فتكون النصوص التي فيها بيان أن مرتكب الكبيرة يخرج من الإيمان على هذه الأنواع الأربعة، وقد ينفعه الإيمان، وإن كان قد تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان قد وصف بالكفر وقد وصف بالشرك.

    نفي الإيمان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فمن النوع الذي فيه نفي الإيمان: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن) ].

    هذا الحديث ثابت في الصحيحين، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الرجل حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)، فالمراد بنفي الإيمان هنا نفي كمال الإيمان، أي أن إيمانه ضعيف وناقص، لا أنه كافر كفراً أكبر، إلا إذا استحل الزنا والسرقة فإنه يكفر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: (ما هو بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله) ].

    هذا رواه المؤلف بالمعنى، وإلا فأصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يارسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، والبوائق: الغوائل والشر، والمراد نفي كمال الإيمان، أي: لا يؤمن الإيمان الكامل، فهذا إيمانه يكون ضعيفاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: (الإيمان قيد الفتك، لا يفتك مؤمن) ].

    وهذا الحديث أخرجه أبو داود والحاكم ، ومعناه أن الإيمان يمنع المؤمن من الغدر والخيانة، فمن غدر أو خان يكون إيمانه ضعيفاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: (لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله) ].

    يعني: لا يبغض الأنصار أحد يؤمن بالله ورسوله الإيمان الكامل، فيكون إيمانه ضعيفاً، وقد يكون منافقاً، فإذا أبغضهم لدينهم فهذا يكون كافراً كفراً أكبر، أما إذا أبغضهم لأمور أخرى تتعلق بأشخاصهم فيكون إيمانه ضعيفاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومنه قوله: (والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا) ].

    هذا ثابت في صحيح مسلم ، قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)، فإذا تباغض المسلمون فيما بينهم ولم يتحابوا دل ذلك على ضعف الإيمان ونقصه، ودل على نفي كمال الإيمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: (إياكم والكذب؛ فإنه يجانب الإيمان) ].

    يعني: يجانب الإيمان الكامل، فإذا كذب المرء ضعف إيمانه، فالمراد نفي كمال الإيمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول عمر رضي الله عنه: (لا إيمان لمن لا أمانة له) ].

    يعني: لا إيمان كامل، وهذا صح مرفوعاً من حديث أنس .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول سعد : (كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب) ].

    يعني: الخيانة والكذب ينافيان الإيمان الكامل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول ابن عمر : (لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقاً، ويدع المزاحة في الكذب ].

    يعني: لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان الكامل إذا لم يدع المراء، ولم يدع المزاح.

    براءة النبي صلى الله عليه وسلم من مرتكب المعصية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن النوع الذي فيه البراءة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) ].

    وفي لفظ: (من غش فليس منا)، وهذا دليل على الوعيد الشديد، وليس المراد أنه كافر، لا، بل المراد أنه ضعيف الإيمان، فالغاش مرتكب لكبيرة، وهو ضعيف الإيمان، ولا يكفر إلا إذا استحل الغش ورأى أنه حلال.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قوله: (ليس منا من حمل السلاح علينا) ]، فهذا لا يدل على كفره، بل يكون ضعيف الإيمان، وليس من المؤمنين كاملي الإيمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذلك قوله: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا)، في أشياء من هذا القبيل ].

    يعني: إذا لم يرحم الصغير ولم يوقر الكبير دل ذلك على ضعف الإيمان.

    تسمية الذنب كفراً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن النوع الذي فيه تسمية الكفر: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مطروا فقال: (أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما الذي يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول: هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب) ].

    الحديث رواه الشيخان من حديث زيد بن خالد الجهني ، والمؤلف رحمه الله رواه بالمعنى، قال زيد بن خالد الجهني : (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء من الليل -يعني: على إثر مطر-، فأقبل علينا بوجهه فقال عليه الصلاة والسلام: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)، فقوله: (كافر بي) هذا فيه تفصيل: فإن اعتقد أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر فهذا كفر أكبر؛ لأنه شرك في الربوبية، أما إذا اعتقد أن منزل المطر هو الله ولكن النجم سبب فهذا كفر أصغر لا يخرج من الملة، فيكون صاحبه ضعيف الإيمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ].

    هذا الحديث ثابت في الصحيحين، والقتال بين المسلمين كفر أصغر لا يخرج من الملة، إلا إذا قاتل المسلم أخاه ورأى أن دم أخيه حلال، فهذا كفر أكبر، لكن إذا كان القتال من أجل الشحناء والعداوة مع علمه أن القتال حرام ولا يجوز فهذا كفر أصغر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: (من قال لصاحبه: كافر، فقد باء به أحدهما) ].

    هذا الحديث أيضاً متفق عليه، فمن قال لأخيه: يا كافر! يا منافق! فهذا كفر أصغر ينافي كمال الإيمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: (من أتى ساحراً أو كاهناً فصدقه بما يقول، أو أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) ].

    هذا الحديث ثابت أيضاً، وفيه الوعيد الشديد على من صدق ساحراً أو كاهناً أو أتى المرأة في دبرها، وأن هذا من كبائر الذنوب، لكن تصديق الكاهن فيه تفصيل: فإن صدقه في دعوى علم الغيب فهو كفر وردة؛ لأنه مكذب لله، قال الله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، أما إذا صدقه في شيء لا يتعلق بعلم الغيب -كأن يصدقه مثلاً في معرفة مكان المسروق أو الضالة- فهذا قد يعلمه بعض الناس بواسطة القرين، لكن إذا صدقه في دعوى علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله يكون كفراً وردة، أما إذا صدقه فيما دون ذلك فهذا جاء فيه الوعيد الشديد، وإيمانه ضعيف، وكذلك من أتى المرأة في دبرها، فهذا من كبائر الذنوب، وهو كفر أصغر، وإذا استحله كفر الكفر الأكبر، نسأل الله العافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول عبد الله : (سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر)، وبعضهم يرفعه ].

    الحديث ثابت مرفوع في صحيح مسلم، فإذا سب المسلم أخاه فهذا فسق، فيكون ضعيف الإيمان، وقتاله كفر أصغر لا يخرج من الملة.

    تسمية الذنب شركاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن النوع الذي فيه ذكر الشرك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر، قيل: يا رسول الله! وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء) ].

    هذا الحديث ثابت أيضاً، أخرجه الأمام أحمد وغيره، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الرياء، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته؛ لما يرى من نظر الرجل إليه)، فالرياء شرك أصغر، وهو يحبط العمل الذي قام به.

    فالرياء يكون أصغر ويكون أكبر، فالرياء الأكبر هو الذي يصدر من المنافق الذي دخل في الإسلام رياء ونفاقاً، أما الرياء الأصغر فهو الذي يصدر من المؤمن في الصلاة أو في العمل الذي يعمله، فالرياء اليسير الذي يصدر من المؤمن يدخل في الشرك الأصغر ولا يخرج صاحبه من الملة، وإنما يكون إيمانه ضعيفاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومنه قوله: (الطيرة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) ].

    يعني: أن الطيرة شرك أصغر، والحديث لا بأس بسنده، وقوله: (وما منا إلا) يعني: وما منا من يقع في نفسه شيء من ذلك، إلا ويأتيه شيء من ذلك.

    قوله: (ولكن الله يذهبه بالتوكل) أي: يذهب ما في النفس بالتوكل والاعتماد على الله وتفويض الأمر إليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقول عبد الله في التمائم والتولة: إنها من الشرك ].

    التمائم: جمع تميمة، وهي ما يعلقه الإنسان في رقبته أو يده أو في رقبة طفله أو يده لأجل دفع العين، وهذا من الشرك؛ لحديث: (إن التمائم والتولة شرك)، والتولة: هي نوع من السحر وضرب من السحر يزعمون أنها تحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.

    فتعليق التمائم في يد الإنسان أو رقبته، أو في دابة شرك أصغر، وكذلك تعليق التمائم في رقاب الأطفال لدفع العين، أو وضعها في السيارة، كل هذا من الشرك الأصغر.

    1.   

    تأويلات الفرق لأحاديث نفي الإيمان عن أصحاب المعاصي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فطائفة تذهب إلى كفر النعمة ].

    هذا التأويل الأول، وهو أن المراد بالأحاديث كفر النعمة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وثانية تحملها على التغليظ والترهيب ].

    هذا هو التأويل الثاني، فبعض الناس يقول: ليس المراد الكفر، وإنما هو من باب التغليظ والترهيب فقط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وثالثة تجعلها كفر أهل الردة ].

    هذا التأويل الثالث، فهذه الطائفة تقول: إن المراد بذلك هو الكفر المخرج من الملة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورابعة تذهبها كلها وتردها ].

    هذه الطائفة الرابعة تبطل هذه النصوص، وتقول بأنها ضعيفة وغير ثابتة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة؛ لما يدخلها من الخلل والفساد ].

    فهذه التأويلات الأربعة كلها باطلة، والمؤلف سيردها واحداً بعد واحد.

    رد قول من يتأول الأحاديث بكفران النعم

    قال المؤلف رحمه الله: [ والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعام الله وآلائه، وهو كالمخبر على نفسه بالعدم وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد من الله عليه بالسلامة، وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفراناً إن كان ذلك فيما بينهم وبين الله، أو كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه، ينبئك عن ذلك مقالة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير - يعني الزوج - وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيراً قط) فهذا ما في كفر النعمة ].

    هذا رد المؤلف وإبطاله لقول أهل الأول، وهم الذين تأولوا الأحاديث التي فيها الكفر بأنه كفر النعمة، كحديث: (اثنتان في الناس هما بهم كفر)، وحديث (ولا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

    فيقول المؤلف رحمه الله: هذا باطل، والذي يدل على بطلان تفسير الكفر بكفر النعمة أن المعروف في لغة العرب أن كفران النعمة إنما يكون بالجحد لنعمة الله وآلائه، ولا يقال: إن من طعن في النسب جاحد لأنعام الله وآلائه.

    والجاحد لنعم الله وآلائه هو الذي يخبر عن نفسه بالعدم وقد وهب الله له الثروة، أو بالسقم وقد من الله عليه بالسلامة، فقد تجد الشخص الغني الذي آتاه الله مالاً وثروة تجده يجحد نعمة الله إذا خرج إلى الناس في ثياب مرقعة مخرقة ليظهر أنه فقير، وقد يتسول، وفي الحديث: (إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه)، وكذلك من منَّ الله عليه بالسلامة والعافية تجده يجعل نفسه كأنه في هيئة مريض، فيربط -مثلاً- يده ويقول: إن فيها كسراً، ويأتي بعصا يتوكأ عليه، وبعضهم يأتي ولا يصلي والعياذ بالله، وبعضهم يجلس أمام المصلين، فيكشف عن بطنه وقد دهنها بشيء ينفخ البطن، ويظهر للناس أنه يئن أنيناً، وهذا قد وقع من بعض الناس، حتى يستميل عطف الناس فيقولوا: هذا مسكين مريض، وإذا خرج من المسجد قام سليماً، فهذا -والعياذ بالله- جاحد لنعمة السلامة والعافية.

    قوله: [وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب] أي: كون الإنسان يكتم المحاسن وينشر المصائب، هذا هو الجحود الذي تسميه العرب كفراناً [إذا كان ذلك فيما بينهم وبين الله، وكذلك إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه]، فإذا جحد الإنسان المعروف الذي عليه لجاره أو لأخيه يقال: إنه هذا كفر النعمة.

    وقوله: [وينبئك عن ذلك] أي: يدلك على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: (تصدقن يا معشر النساء! فإنكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة فقالت: يا رسول الله! ما لنا أكثر أهل النار؟! قال: إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير) والعشير: الزوج، والمعنى: جحود النعمة، وذلك أن المرأة تجد الزوج يحسن إليها طول الدهر، فإذا وجدت شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط. فهذه قد جحدت النعمة.

    يقول المؤلف: فتفسير هذه النصوص بكفر النعمة باطل لغة وشرعاً، أما اللغة فإنه لا يفسر كفران النعمة إلا بجحود النعمة، وكذلك الناس فيما بينهم، ويدل على ذلك قوله: (وتكفرن العشير)، فدل على أن تفسير هذه النصوص بكفران النعمة باطل من جهة اللغة، وباطل من جهة الشرع.

    رد قول من يتأول الأحاديث بحملها على التغليظ

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأما القول الثاني المحمول على التغليظ فمن أفظع ما تؤول على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيداً لا حقيقة له، وهذا يئول إلى إبطال العقاب؛ لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكناً في العقوبات كلها ].

    هذه الطائفة أولت هذه الأحاديث على أنها من باب التغليظ والترهيب، وهذا قول باطل؛ لأنه يتأول نصوص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التي فيها الوعيد الشديد والتنفير من هذا العمل فيجعله وعيداً لا حقيقة له، ومن ثم يؤدي إلى إبطال العقاب، وإذا أمكن هذا في واحد من النصوص كان ممكناً في جميع النصوص التي فيها الوعيد، فبطل هذا التأويل.

    رد قول من تأول الأحاديث بحملها على كفر الردة

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأما الثالث الذي بلغ كفر الردة نفسها فهو شر من الذي قبله؛ لأنه مذهب الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت ما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المروق، وما أذن فيهم من سفك دمائهم ].

    هذا التأويل الثالث -وهو القول بأنها كفر الردة- يوافق مذهب الخوارج الذين يكفرون الناس بالمعاصي فيقولون: الزاني كافر، والسارق كافر، وعاق والديه كافر، وقاطع الرحم كافر، والمرابي كافر، وشاهد الزور كافر، والمرتشي كافر، وهذا من أبطل الباطل، فالمعاصي ليست كفراً، بل تضعف الإيمان وتنقصه، إنما الكفر إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام أو شركاً في العبادة، أما المعاصي فإنها ليست كفراً، فالذي يتأولها على أنها كفر وردة فقد وافق الخوارج، والخوارج مذهبهم باطل، وقد مرقوا من الدين كما في الحديث: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي اللفظ الآخر: (يخرجون من الإسلام ثم لا يعودون إليه)، وفي لفظ: (من وجدهم أو من عاينهم فليقتلهم؛ فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم)، وفي لفظ: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد).

    فكيف يتأول هذا على قول يوافق مذهب الخوارج، وقد وصفهم الرسول بالمروق من الدين وأذن في سفك دمائهم؟!

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم قد وجدنا الله تبارك وتعالى يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم السارق بقطع اليد وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه) أفلا ترى أنهم لو كانوا كفاراً لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟! وكذلك قول الله فيمن قتل مظلوماً: فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء:33] فلو كان القتل كفراً ما كان للولي عفو ولا أخذ دية ولزمه القتل ].

    ومما يبطل تأويل النصوص بأنها كفر أكبر أن هناك نصوصاً دلت على أن العصاة ليسوا كفاراً، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أوجب الحدود على العصاة، فالله تبارك وتعالى حكم على السارق بقطع اليد فقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، ولو كان كافراً لوجب قتله ولم يقطع يده، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، وحكم على الزاني بالجلد فقال تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، إذا كان بكراً، والقاذف يجلد ثمانين جلدة، وشارب الخمر يجلد، ولو كانوا كفاراً لوجب قتلهم، ولهذا قال المؤلف: [ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل]؛ لأن المرتد عقوبته القتل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه) ).

    وقوله: [أفلا ترى أنهم لو كانوا كفاراً لما كانت عقوباتهم القطع والجلد] يعني إنما تكون عقوبتهم القتل.

    ومن الأدلة -أيضاً- قول الله تعالى فيمن قتل مظلوماً: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33]، يعني: إذا قتل شخص شخصاً عدواناً وظلماً فإنه يخير أولياء القتيل بين أن يقتلوه قصاصاً وبين أن يأخذوا الدية وبين أن يعفوا مجاناً، ولو كان كافراً لما كان هناك عفو، ولوجب قتله، ولهذا قال المؤلف: [فلو كان القتل كفراً ما كان للولي عفو ولا أخذ دية ولزمه القتل]، فدل على بطلان هذا المذهب، وهو تأويل النصوص على أنها كفر أكبر، كما في قوله: (اثنتان في الناس هما بهم كفر) فإذا طعن في النسب أو ناح على الميت فهذا باطل وكبيرة وكفر أصغر، لكنه لا يخرج من الملة بل يضعف الإيمان.

    رد قول من ضعف النصوص

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأما القول الرابع الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد بقوله، فلا يلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع الذين قصر علمهم عن الاتساع، وعييت أذهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئاً أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة، فأبطلوها كلها ].

    هذا رد التأويل الرابع، وهو أنهم أضعفوا هذه الآثار وردوها، فتجد بعضهم يقول: هذه الألفاظ ثابتة، وبعضهم يقول: أخبار آحاد لا يحتج بها.

    فالمؤلف رحمه الله يقول: إن هذا المذهب ليس مذهباً يحتج بقوله أهل العلم والدين، فلا يلتفت إليه، وإنما هذا مذهب أهل الأهواء والبدع الذين قصر علمهم عن فهم هذه النصوص، وعييت أذهانهم عن وجوهها وفهم معناها، فلما كانوا كذلك اختاروا أن يردوها وأن يبطلوها وأن يقولوا: إنها متناقضة، أو: إنها أخبار آحاد، أو: إنها غير ثابتة، فأبطلوها، وذلك بسبب مرض في قلوبهم وضعف في أفهامهم، فلهذا ردوا هذه الأحاديث.