إسلام ويب

شرح صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء [7]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حرص الإسلام على تعليم الإنسان الطهارة والنظافة، ودله على أمور وأشياء فيها مصلحته، فالشرع جاء لدرء المفاسد وجلب المصالح، وأحكامه صالحة لكل زمان ومكان، لا يجوز أن نعترض عليه بعقولنا وأهوائنا أبداً.

    1.   

    النهي عن غمس المستيقظ من النوم يده في الإناء

    شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن غمس المستيقظ من النوم يده في الإناء قبل غسلها.

    أخبرنا عبد الجبار بن العلاء وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده).

    هذا حديث عبد الجبار غير أنه قال: عن أبي هريرة رواية ].

    هذا الحديث فيه دليل على أنه يجب على المستيقظ من نوم الليل أن يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يغمسهما في الإناء، والنهي للتحريم؛ لأنه الأصل، وقال الجمهور: إن هذا للأدب، فالصواب: أن أصل الأمر للوجوب، وأن أصل النهي للتحريم، فيأثم إذا غمس يديه قبل غسلهما، أما كون الماء يكون مستعملاً فهذا شأن آخر، والصواب: أن الماء يبقى طاهراً، ما دام أنه لم يتغير، وبعض العلماء يرى أنه يكون مستعملاً فلا يجزئ الوضوء منه.

    فإن قيل: إن الصحابة كانوا يستجمرون بالأحجار وقد يصيب يد أحدهم شيء إذا بات؛ ولذا جاء هذا الحديث، فنقول: قد التمس بعضهم هذا التعليل، لكن الحديث عام، فإنه قد يصيب يده شيء من دم الحشرات أو غيره، فالمقصود أنه يجب على الإنسان أن يغسل يديه، ويحرم عليه أن يغمسهما قبل غسلهما ثلاثاً، فإن لم يفعل فإنه يأثم، وأما الماء فهو طاهر.

    وإنما تكون البيتوتة في الليل، أما في النهار فلا تسمى بيتوتة، والجمهور يرون أن النهار والليل سواء.

    وفي الحديث نص على الثلاث، (حتى يغسلها ثلاثاً)، وليس هناك دليل على الاكتفاء بالغسلة الواحدة، فيغسلهما ثلاثاً ثم يبدأ بالوضوء.

    فإن كان هناك صنبور يغسلهما قبل غمسهما في الإناء، أما إذا كان الماء جارياً فلا بأس بغسلهما قبل إدخالهما في الإناء.

    والحديث قال في الحاشية: أخرجه البخاري ومسلم .

    والحديث الذي في البخاري لفظه: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، ولفظ مسلم : (فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً).

    قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى معلقاً على قول ابن خزيمة : هذا حديث عبد الجبار غير أنه قال: عن أبي هريرة رواية: يعني: أن عبد الجبار لم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه صراحة، وإنما قال: رواية، وهو بمعنى المرفوع في اصطلاح المحدثين.

    1.   

    ذكر الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بقوله: (أين باتت يده منه) أي: أنه لا يدري أين أتت يده من جسده)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده.

    أي: أنه لا يدري أين أتت يده من جسده ].

    أخبرنا محمد بن الوليد بخبر غريب أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا شعبة عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إنائه أو في وضوئه حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين أتت يده منه) ].

    قوله: (فإنه لا يدري أين أتت يده منه) الضمير يعود إلى جسده.

    1.   

    باب ذكر الدليل على أن الماء إذا خالطه فرث ما يؤكل لحمه لم ينجس

    شرح حديث عمر في شربهم الفرث في تبوك

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن الماء إذا خالطه فرث ما يؤكل لحمه لم ينجس.

    أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لـعمر بن الخطاب : (حدثنا من شأن ساعة العسرة؟ فقال عمر : خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده! فقال أبو بكر الصديق : يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيراً؛ فادع لنا، فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلمت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر. قال أبو بكر : فلو كان ماء الفرث إذا عصر نجساً لم يجز للمرء أن يجعله على كبده فينجس بعض بدنه وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء فجائز إحياء النفس بشرب ماء نجس، إذ الله عز وجل قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك) ].

    بل هو واجب في هذه الحالة، ولا يستسلم للموت، فيجب عليه أن يأكل الميتة، وأكلها في هذه الحالة عزيمة لا رخصة، فهو واجب عند الضرورة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ والميتة، والدم، ولحم الخنزير نجس محرم على المستغني عنه مباح للمضطر إليه؛ لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه، فأما أن يجعل ماء نجساً على بعض بدنه والعلم محيط أنه إن لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك، ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نجس من بدنه بذلك الماء فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله ].

    ويدل على هذا قصة العرنيين، فإن النبي أمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، إذاً: فروث ما يؤكل لحمه وبوله طاهر.

    1.   

    ما جاء في الرخصة في الوضوء بسؤر الهرة وغيرها من السباع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في الوضوء بسؤر الهرة، والدليل على أن خراطيم ما يأكل الميتة من السباع، ومما لا يجوز أكل لحمه من الدواب والطيور إذا ماس الماء الذي دون القلتين ولا نجاسة مرئية بخراطيمها ومناخيرها إن ذلك لا ينجس الماء، إذ العلم محيط أن الهرة تأكل الفأر، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بفضل سؤرها، فدلت سنته على أن خرطوم ما يأكل الميتة إذا ماس الماء الذي دون القلتين لم ينجس ذلك، خلا الكلب الذي قد حض النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بغسل الإناء من ولوغه سبعاً، وخلا الخنزير الذي هو أنجس من الكلب أو مثله ].

    المؤلف قاس الخنزير على الكلب، وبعض الفقهاء قالوا: إن نجاسة الكلب والخنزير تغسل سبع مرات.

    أقول: أما الكلب فقد صح أن نجاسته تغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، أما الخنزير فليس هناك دليل يدل على أن نجاسته تغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وإنما هذا خاص بالكلب، وهذا هو الصواب.

    ويقول بعض العلماء: الهرة وما دون الهرة سؤرها طاهر، أما ما كان أكبر منها فلا، والذي أقل منها مثل الفأرة وما أشبهها.

    قال: [ أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي حدثنا سليمان بن مسافع بن شيبة الحجبي قال: سمعت منصور بن صفية بنت شيبة يحدث عن أمه صفية عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: (إنها ليست بنجس، هي كبعض أهل البيت) ].

    هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والدارقطني من طريق أبي حاتم الرازي ، قال الذهبي في الميزان : سليمان بن مسافع لا يعرف، وأتى بخبر منكر، يعني: هذا الخبر، فهو من أوهامه ومن أغلاطه.

    فقوله: لا يعرف، يعني: مجهول.

    قال: [ أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثني أبي عن عكرمة قال: كان أبو قتادة يتوضأ من الإناء، والهرة تشرب منه، وقال عكرمة : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الهرة من متاع البيت) ].

    هذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن فيه إبراهيم بن الحكم وهو ضعيف، وأبوه صدوق عابد وله أوهام كما ذكر الحافظ في التقريب.

    قال: [ أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا ابن وهب أن مالكاً حدثه عن إسحاق بن عبد الله -وهو ابن أبي طلحة - عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك ، وكانت تحت ابن أبي قتادة : (أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها أبو قتادة الإناء حتى شربت.

    قالت كبشة : فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) ].

    قال المحقق في تخريجه: إسناده صحيح أخرجه الترمذي في باب: ما جاء في سؤر الهرة من طريق مالك .

    1.   

    ما جاء في أن سقوط الذباب في الماء لا ينجسه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن سقوط الذباب في الماء لا ينجسه، وفيه ما دل على أن لا نجاسة في الأحياء، وإن كان لا يجوز أكل لحمه، إلا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم الكلب وكل ما يقع عليه اسم الكلب من السباع، إذ الذباب لا يؤكل، وهو من الخبائث التي أعلم الله أن نبيه المصطفى يحرمها في قوله: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157]، وقد أعلم صلى الله عليه وسلم أن سقوط الذباب في الإناء لا ينجس ما في الإناء من الطعام والشراب؛ لأمره بغمس الذباب في الإناء إذا سقط فيه، وإن كان الماء أقل من قلتين.

    أخبرنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني أخبرنا بشر بن المفضل أخبرنا محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله ثم لينتزعه) ].

    قال: إسناده حسن، وأخرج البخاري من طريق عبيد بن حنين عن أبي هريرة نحوه.

    يعني: الذباب لا ينجس ما سقط عليه من المائعات، كذلك الحشرات الصغيرة.

    فالذباب كما في الحديث في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، فإذا سقط في الإناء فليغمسه؛ حتى يزيل الدواء الداء، فإذا غمسته يكافئ هذا الدواء ذلك الداء.

    1.   

    ما جاء في إباحة الوضوء بالماء المستعمل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب إباحة الوضوء بالماء المستعمل، والدليل على أن الماء إذا غسل به بعض أعضاء البدن أو جميعه لم ينجس الماء، وكان الماء طاهراً لا نجاسة عليه.

    أخبرنا عبد الجبار بن العلاء أخبرنا سفيان قال: سمعت محمد بن المنكدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (مرضت، فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأبو بكر ماشيين، فوجدني قد أغمي علي، فتوضأ فصبه علي فأفقت، فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟ كيف أمضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت آية الميراث: إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ [النساء:176] الآية، وقال مرة: حتى نزلت آية الكلالة) ].

    هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وفيه: أن الماء المستعمل طاهر، ولكن الجمهور يرون أنه لا يتوضأ به فيه مرة أخرى، ويقولون: طاهر غير مطهر، والصواب: أنه طاهر ومطهر؛ لأن هذا هو الأصل.

    وابن خزيمة رحمه الله يرى ما يراه شيخ الإسلام وغيره أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس، وليس هناك طاهر.

    والفقهاء يقولون: من الماء ما يكون طاهراً في نفسه غير مطهر لغيره، يعني: يجوز أن تشرب منه، وأن تستعمله في الطبخ، لكن لا تتوضأ به.

    قال المحقق: إسناده صحيح على شرط مسلم والبخاري في تفسير سورة النساء.

    1.   

    ما جاء في إباحة الوضوء من فضل وضوء المتوضئ

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب إباحة الوضوء من فضل وضوء المتوضئ.

    أخبرنا الحسن بن محمد أخبرنا عبيدة بن حميد أخبرنا الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله قال: (سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحضرت الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما في القوم طهور؟ قال: فجاء رجل بفضل ماء في إداوة، قال: فصبه في قدح فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم إن القوم أتوا بقية الطهور، فقال: تمسحوا به، فسمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: على رسلكم، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في القدح في جوف الماء، ثم قال: أسبغوا الطهور، فقال جابر بن عبد الله : والذي أذهب بصري، -قال: وكان قد ذهب بصره- لقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرفع يده حتى توضئوا أجمعون. قال عبيدة : قال الأسود : حسبته قال: كنا مائتين أو زيادة) ].

    هذا ثابت عنه عليه الصلاة والسلام، فنبع الماء من بين أصابعه من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام، ومن دلائل قدرة الله العظيمة، ومن دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، ثم جاء الصحابة رضوان الله عليهم فتوضئوا بفضل وضوئه عليه الصلاة والسلام، وتمسحوا به.

    وجاء في الحديث الآخر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوضوء من فضل المرأة)، لكن جاء: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من فضل ميمونة)، هذا وفي حديث جابر في الباب توضئوا من فضل وضوء الرجل، ولا بأس بالوضوء من فضل الرجل ليس فيه إشكال، فهذا الفاضل من الوضوء، وفي الترجمة السابقة المستعمل.

    1.   

    ما جاء في إباحة الوضوء من فضل وضوء المرأة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب إباحة الوضوء من فضل وضوء المرأة.

    أخبرنا محمد بن رافع أخبرنا عبد الرزاق عن ابن جريج وحدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أنه سمع ابن عباس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بفضل ميمونة) ].

    جاء في حديث آخر: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من فضل المرأة) وهذا النهي يحمل على أنه للتنزيه.

    قال المحقق: إسناده على شرط مسلم ، وقد أخرجه في الحيض من طريق ابن جريج ، وفيه: (كان يغتسل..).

    1.   

    ما جاء في إباحة الوضوء بفضل غسل المرأة من الجنابة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب إباحة الوضوء بفضل غسل المرأة من الجنابة.

    أخبرنا أبو موسى محمد بن المثنى وأحمد بن منيع قالا: حدثنا أبو أحمد - وهو الزبيري - حدثنا سفيان ، وحدثنا عتبة بن عبد الله أخبرنا ابن المبارك أخبرنا سفيان ، وحدثنا سلم بن جنادة حدثنا وكيع عن سفيان عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس : (أن امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم، أو اغتسل من فضلها) هذا حديث وكيع .

    وقال أحمد بن منيع : (فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم من فضلها)، وقال أبو موسى وعتبة بن عبد الله : (فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من فضلها، فقالت له، فقال: الماء لا ينجسه شيء) ].

    قال المحقق: إسناده صحيح أخرجه الترمذي .

    هذا الحديث فيه دليل على أنه لا بأس بالوضوء من فضل المرأة، وما جاء من النهي عند توضؤ الرجل من فضل المرأة فهو محمول على التنزيه، وهذا الحديث دليل على الجواز، لكن إذا وجد غيره فتركه أولى، وإذا لم يوجد فلا حرج ولا كراهة، فإن الكراهة تزول عند الحاجة إليه.

    1.   

    ما جاء في أن سؤر الحائض ليس بنجس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الدليل على أن سور الحائض ليس بنجس، وإباحة الوضوء والغسل به، إذ هو طاهر غير نجس، إذ لو كان سؤر حائض نجساً لما شرب النبي صلى الله عليه وسلم ماء نجساً غير مضطر إلى شربه ].

    قد ثبت في الحديث الصحيح (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب من المكان الذي تشرب منه عائشة), فهذا يدل على أن سؤر الحائض طاهر، وبدنها وعرقها ولعابها وثيابها كل ذلك طاهر، كذلك لها أن تعجن وتطبخ وتغسل الثياب؛ لأن النجاسة هنا تخص الدم، وقد جاء في الحديث: (اصنع كل شيء إلا النكاح) أي: الجماع.

    قال: [ أخبرنا يوسف بن موسى أخبرنا جرير عن مسعر بن كدام عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالإناء، فأبدأ فأشرب وأنا حائض، ثم يأخذ الإناء، فيضع فاه على موضع في وآخذ العرق فأعضه، ثم يضع فاه على موضع في) ].

    والعرق: هو العظم أكله لحمه، قال المحقق: إسناده صحيح، وأخرجه مسلم في الحيض من طريق وكيع عن مسعر وسفيان .

    وأخرجه النسائي أيضاً.

    قال: [ أخبرنا سلم بن جنادة أخبرنا وكيع عن مسعر وسفيان عن المقدام بن شريح بهذا الإسناد نحوه ].

    1.   

    ما جاء في الرخصة بالغسل والوضوء من ماء البحر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في الغسل والوضوء من ماء البحر، إذ ماؤه طهور، ميتته حل، ضد قول: من كره الوضوء والغسل من ماء البحر، وزعم أن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً، حتى عد سبعة أبحر، سبعة نيران، وكره الوضوء من مائه لهذه العلة زعم ].

    إن القول بأن تحت البحر ناراً، وتحت النار ماءً، وتحت الماء ناراً، إلى سبعة، كل هذا باطل لا أصل له، والصواب: أن البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته.

    قال: [ أخبرني يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكاً حدثه قال: حدثني صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه، الحلال ميتته) هذا حديث يونس ].

    فيه دليل على أنه ينبغي للمفتي أن يزيد السائل فيما يحتاج إليه؛ لأن هذا الرجل زاده النبي صلى الله عليه وسلم حكم ميتة البحر، فقد علم عليه الصلاة والسلام أنه وغيره محتاج إلى أن يعرف حكم ميتة البحر فعرفه الحكم.

    قال: [ وقال يحيى بن حكيم : عن صفوان بن سليم ، ولم يقل: من آل ابن الأزرق، ولا من بني عبد الدار، وقال: (نركب البحر أزماناً) ].

    قال: [ أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا أحمد بن حنبل أخبرنا أبو القاسم بن أبي الزناد حدثني إسحاق بن حازم عن ابن مقسم -قال أحمد : يعني عبيد الله - عن جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر قال: هو الطهور ماؤه، والحلال ميتته) ].

    قال المحقق: إسناده صحيح، إذ له شاهد من رواية أبي هريرة عند ابن ماجة .

    هذا الحديث من أحاديث البلوغ.

    1.   

    ما جاء في الرخصة بالوضوء والغسل من الماء الموجود في أواني أهل الشرك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في الوضوء والغسل من الماء الذي يكون في أواني أهل الشرك وأسقيتهم، والدليل على أن الإهاب يطهر بدباغ المشركين إياه.

    أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي وسهل بن يوسف وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي قالوا: حدثنا عوف عن أبي رجاء حدثنا عمران بن حصين قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فدعا فلاناً، ودعا علياً بن أبي طالب فقال: اذهبا فابغيا لنا الماء، فانطلقا، فلقيا امرأة بين سطيحتين أو بين مزادتين، على بعير فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة) ].

    يعني: بينها وبينه يوم وليلة، كانوا يذهبون إليه ويأتون به على الإبل، ليس عندهم سيارات كما هو الآن.

    قال: [ (ونفرنا خلوفاً، فقالا لها: انطلقي، فقالت: أين؟ قالا لها: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: هذا الذي يقال له: الصابئ؟ قالا لها: هو الذي تعنين، فانطلقا، فجاءا بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثاه الحديث، فقال: استنزلوها من بعيرها، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء، فجعل فيه أفواه المزادتين، أو السطيحتين، قالا: ثم مضمض، ثم أعاد في أفواه المزادتين، أو السطيحتين، ثم أطلق أفواههما، ثم نودي في الناس: أن اسقوا واستقوا) وذكر الحديث بطوله ].

    هذا حديث طويل في قصة المرأة، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يجمعوا لها من كسر الخبز وغيره، وأعطوها، فرجعت إلى أهلها.

    فهذا الحديث احتج به المؤلف رحمه الله على أن دباغ المشركين للجلد يطهره، وأن أواني المشركين لا بأس بها، هذا ما احتج به المصنف، لكن قد يقال: هذا أولاً قبل أن تحرم أواني الكفار، والأحاديث التي فيها أن الدباغ والطهور في بعضها إذا دبغ الجلد فقد طهر، والجمهور على أن دباغ الجلد بمثابة التذكية لما يؤكل لحمه، فإذا مات ما يؤكل لحمه فجلده يطهره الدباغ، بخلاف الأسد والنمر والذئب والكلب وغيرها من الحيوانات المفترسة لا تطهرها التذكية، فلو ذبحت الذئب لم يجز أكله، فكذلك إذا دبغت جلده لا يجوز الانتفاع به، وقال آخرون من أهل العلم: إن الدباغ يطهر كل جلد، سواء ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل لحمه، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم.

    وعلى هذا القول فإن الذكاة تطهر الجلد، والأواني كذلك تكون طاهرة، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني قال: إنا بأرض أهل الكتاب، فنأكل في آنيتهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لم تجدوا بداً فاغسلوها وكلوا). يعني: إذا كان يخشى أن تكون من أواني كفار، وهم قد يشربون فيها الخمر، أو يأكلون فيها الخنزير، وإن لم يخش فالأصل الطهارة.

    1.   

    ما جاء في الرخصة بالوضوء من الماء يكون في جلود الميتة إذا دبغت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: الرخصة في الوضوء من الماء يكون في جلود الميتة إذا دبغت.

    أخبرنا عبدة بن عبد الله الخزاعي أخبرنا يحيى بن آدم عن مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أخيه عن ابن عباس قال: (أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ من سقاء، فقيل له: إنه ميتة، قال: دباغه يذهب بخبثه أو نجسه أو رجسه) ].

    قال المحقق: أخرجه الحاكم من طريق يحيى بن آدم ، وأحمد من طريق مسعر نحوه، قلت: والبيهقي ، وقال الألباني : إسناده صحيح.

    قوله: (أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ من سقاء، فقيل له: إنه ميتة، قال: دباغه يذهب بخبثه أو نجسه أو رجسه).

    يعني: ميتة مأكول اللحم؛ فميتة مأكول اللحم لا شك أنها تطهر بالدباغ؛ لأن الدباغ يكون بمثابة التذكية، والمعلوم أن التذكية تحل بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فكذلك الدباغ، أما غير مأكول اللحم فلا يطهر جلده بالدباغ؛ لأن التذكية لا تحله، فلو ذبح ثعلباً ما حلت الذكاة أكله فكذلك جلده، لكن قال آخرون من أهل العلم: إنه يطهر جلد ما لا يؤكل لحمه بالدباغ، مثل: جلود الحيات، وجلود الثعالب وغير ذلك؛ لعموم الحديث: (أيما إهاب دبغت فقد طهرت).

    وأخو سالم بن أبي الجعد اسمه عبد الله بن علي.

    1.   

    ما جاء في أن أبوال ما يؤكل لحمه ليس بنجس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الدليل على أن أبوال ما يؤكل لحمه ليس بنجس، ولا ينجس الماء إذا خالطه، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بشرب أبوال الإبل مع ألبانها، ولو كان نجساً لم يأمر بشربه، وقد أعلم أن لا شفاء في المحرم، وقد أمر بالاستشفاء بأبوال الإبل، ولو كان نجساً كان محرماً، كان داءً لا دواءً، وما كان فيه شفاء كما أعلم صلى الله عليه وسلم لما سئل: (أيتداوى بالخمر؟ فقال: إنما هي داء وليست بدواء)].

    هنا ابن خزيمة رحمه الله يخالف مذهبه، فـالشافعي يرى أن أبوال مأكول اللحم نجسة، وابن خزيمة يرى أنها طاهرة، كذلك الشافعي يرى أن كل لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وابن خزيمة يرى أنه ينقض الوضوء؛ لوضوح الدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسألتين.

    قال: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني أخبرنا يزيد -يعني ابن زريع أخبرنا سعيد أخبرنا قتادة أن أنساً بن مالك رضي الله عنه حدثهم (أن أناساً أو رجالاً من عكلٍ وعرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فتكلموا بالإسلام، وقالوا: يا رسول الله! إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، فاستوحشوا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها)، فذكر الحديث بطوله ].

    هذا واضح في طهارة أبوال جميع ما يؤكل لحمه.