إسلام ويب

شرح صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء [3]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الفقهاء في وجوب الوضوء من لمس المرأة باليد ومن أكل لحم الإبل ومن مس الفرج ومن خروج الدم من غير السبيلين، ومعرفة الراجح في هذه المسائل مما ينبغي الاعتناء به، ومعرفة الراجح تكون بالاستعانة بالله ثم جمع أقوال العلماء ومعرفة أدلتهم والنظر فيها بإنصاف وفقه.

    1.   

    ما جاء في أن اللمس قد يكون باليد لا بالجماع فقط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن اللمس قد يكون باليد، ضد قول من زعم أن اللمس لا يكون إلا بجماع بالفرج في الفرج.

    حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا شعيب - ابن الليث - عن الليث عن جعفر بن ربيعة - وهو ابن شرحبيل بن حسنة - عن عبد الرحمن بن هرمز قال: قال أبو هريرة يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم أصاب من الزنا لا محالة، فالعين زناؤها النظر، واليد زناؤها اللمس، والنفس تهوى أو تحدث، ويصدقه أو يكذبه الفرج) ].

    هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد .

    [ قال أبو بكر : قد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن اللمس قد يكون باليد، قال الله عز وجل: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ [الأنعام:7] قد علَّم ربنا عز وجل أن اللمس قد يكون باليد، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن بيع اللماس، دلهم نهيه عن بيع اللمس أن اللمس باليد، وهو أن يلمس المشتري الثوب من غير أن يقلبه وينشره، ويقول عند عقد الشراء: إذا لمست الثوب بيدي فلا خيار لي بعد إذا نظرت إلى طول الثوب وعرضه، أو ظهرت منه على عيب، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال لـماعز بن مالك حين أقر عنده بالزنا: (لعلك قبلت أو لمست) فدلت هذه اللفظة على أنه إنما أراد بقوله: (أو لمست) غير الجماع الموجب للحد، وكذلك خبر عائشة .

    قال أبو بكر : ولم يختلف علماؤنا من الحجازيين والمصريين والشافعي وأهل الأثر أن القبلة واللمس باليد، إذا لم يكن بين اليد وبين بدن المرأة إذا لمسها حجاب ولا سترة من ثوب وغيره، إن ذلك يوجب الوضوء، غير أن مالك بن أنس كان يقول: إذا كانت القبلة واللمس باليد ليس بقبلة شهوة فإن ذلك لا يوجب الوضوء.

    قال أبو بكر : هذه اللفظة: (ويصدقه أو يكذبه الفرج) من الجنس الذي أعلمت في كتاب الإيمان أن التصديق قد يكون ببعض الجوارح، لا كما ادعى من موه على بعض الناس أن التصديق لا يكون في لغة العرب إلا بالقلب، قد بينت هذه المسألة بتمامها في كتاب الإيمان ].

    مقصود المؤلف رحمه الله: أن القبلة واللمس بدون حائل عند الشافعي وجماعة تنقض الوضوء، هذا قول لبعض أهل العلم.

    والقول الثاني: الذي ذكره عن الإمام مالك أنه إذا كان بشهوة فإنه ينقض الوضوء، وإذا كان بغير شهوة فلا ينقض الوضوء، وهو مذهب الحنابلة.

    والقول الثالث: أنه لا ينقض مطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا خرج من ذكره شيء كمذي أو غيره، فهذا ينقض الوضوء، وإلا فلا ينقض، وهذا هو الصواب؛ لما ثبت (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم) ولأنه ليس هناك دليل يدل على أن اللمس ينقض الوضوء.

    إذاً: الصواب أن اللمس باليد لا ينقض الوضوء مطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء.

    إذاً: الأقوال في المسألة ثلاثة:

    الأول: أنه ينقض مطلقاً إذا مس بدون حائل، أما إذا كان من وراء حائل فهذا ليس فيه خلاف، لكن إذا مس اللحم اللحم، فإن الشافعية يرون أنه ينقض الوضوء مطلقاً، ويشددون في هذا، فمثلاً: إذا سلم المرء على زوجته أو مس فخذها أو سلم على أي امرأة حتى من محارمه يقولون: هذا ينقض الوضوء، ويبطل الطواف أيضاً، ولهذا يقول المتأخرون من الشافعية في كتبهم: إذا ذهبت ودخلت المسجد الحرام فاحرص على ألا تمس يدك يد امرأة؛ لئلا ينتقض الوضوء، وهذا لا يستطيع الإنسان دفعه، ولا سيما في الزحام، فعندهم إذا مست يده يد امرأة وهو في الطواف فإن عليه أن يتوضأ، ثم إذا توضأ ومست يده امرأة فإنه يرجع ويتوضأ وهكذا، فيبقى في عنت وحرج كلما توضأ ومس امرأة يرجع ويتوضأ مرة ثانية! فنقول: الصواب أنه لا ينقض إلا إذا خرج منه شيء.

    فإن قيل: ما معنى اللمس في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ [النساء:43]؟

    نقول: المراد باللمس في قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] هو الجماع؛ لأنك تجد في الآية ذكر الحدث الأكبر والحدث الأصغر.

    1.   

    ما جاء في الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل.

    حدثنا بشر بن معاذ العقدي حدثنا أبو عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة : (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) ].

    حديث جابر بن سمرة هو ثابت، أخرجه الإمام أحمد ، وجاء في الحديث الآخر: (توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم) ومذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وابن خزيمة رحمه الله شافعي، ومع ذلك أخذ بالحديث وخالف المذهب وقال: إن لحم الإبل ينقض الوضوء.

    الحديث رواه مسلم في الحيض من طريق أبي عوانة .

    [ قال أبو بكر : لم نر خلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل.

    وروى هذا الخبر أيضاً عن جعفر بن أبي ثور ، أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي وسماك بن حرب ، فهؤلاء ثلاثة من أجلة رواة الحديث قد رووا عن جعفر بن أبي ثور هذا الخبر ].

    يعني: روى أشعث وسماك وعثمان هؤلاء الثلاثة رووا هذا الخبر عن جعفر بن أبي ثور .

    قال: [ وقد حدثنا أيضاً محمد بن يحيى حدثنا محاضر الهمداني حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله - وهو الرازي - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا، قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: نعم. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أتوضأ من لحومها؟ قال: لا).

    قال أبو بكر : ولم نر خلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضاً صحيح من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه ].

    بعض العلماء يرى أنه لا ينقض الوضوء إلا اللحم الأحمر، أما العصب ولحم الكرش والكبد وما أشبه ذلك فيرون أنه لا ينقض، والصواب أن جميع أجزائه ينقض؛ لأن الله تعالى لما حرم لحم الخنزير في قوله تعالى: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ [البقرة:173] لا يدل على أن شحمه حلال، وأن عصبه حلال.

    1.   

    ما جاء في استحباب الوضوء من مس الذكر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب استحباب الوضوء من مس الذكر.

    حدثنا محمد بن العلاء بن كريب الهمداني ومحمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي قالا: حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن مروان عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) .

    أخبرنا أبو طاهر حدثنا أبو بكر قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى الصدفي يقول: أخبرنا ابن وهب عن مالك قال: أرى الوضوء من مس الذكر استحباباً ولا أوجبه ].

    قال المؤلف في الترجمة: (باب استحباب الوضوء من مس الذكر) والصواب أنه إذا مس ذكره بيده وليس هناك حائل فإنه يجب الوضوء؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب.

    ومن العلماء من قال: إنه لا ينقض الوضوء، واستدل بحديث طلق بن علي : (لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر قال: إنما هو بضعة منك) ، ولكن الصواب أن حديث بسرة مقدم على حديث طلق ؛ لأن حديث طلق بن علي قاله النبي صلى الله عليه وسلم قديماً عندما كان يبني مسجده، وحديث بسرة متأخر، قال البخاري : هو أصح شيء في هذا الباب، أما حديث طلق بن علي فقد قال البخاري : إنه منسوخ؛ لأنه متقدم، وحديث بسرة متأخر، ثم أيضاً حديث طلق بن علي يبقى على الأصل، وحديث بسرة ناقل والشريعة ناقلة ويفيد الوضوء.

    إذاً: الصواب أن مس الذكر ينقض الوضوء، وأنه واجب ليس مستحباً كما ترجم له ابن خزيمة رحمه الله.

    كذلك يجب الوضوء من مس الذكر، سواء مس ذكره أو ذكر غيره كالطفل وغيره، فإذا مسه من دون حائل انتقض وضوءه، وهذا هو الصواب.

    ومن العلماء من قال: إنه لا ينقض الوضوء إلا إذا مسه بشهوة وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

    فالأقوال ثلاثة:

    القول الأول: أنه لا ينقض الوضوء مطلقاً بشهوة وبغير شهوة.

    الثاني: أنه ينقض إذا كان بشهوة، ولا ينقض بدون شهوة.

    الثالث: أنه ينقض مطلقاً، وهذا إذا مسها بدون حائل.

    أما إذا كان من وراء حائل لا ينقض، من وراء القفازين أو من وراء الثياب، إنما ينقض الوضوء إذا مس اللحم اللحم.

    فالصواب من الأقوال الثلاثة: أنه ينقض مطلقاً؛ لحديث بسرة : (من مس ذكره فليتوضأ) ، أما حديث طلق بن علي فقد قال بعض أهل العلم: إنه منسوخ، وعلى القول بأنه ليس منسوخاً فيقدم عليه حديث بسرة ؛ لأنه ناقل عن الأصل، وحديث طلق باق على الأصل، والشريعة ناقلة.

    وحديث بسرة : (من مس ذكره فليتوضأ) مطلق، والتقييد بالشهوة يحتاج إلى دليل.

    قال: [ حدثنا علي بن سعيد النسوي قال: سألت أحمد بن حنبل عن الوضوء من مس الذكر فقال: أستحبه ولا أوجبه.

    قال: وسمعت محمد بن يحيى يقول: نرى الوضوء من مس الذكر استحباباً لا إيجاباً بحديث عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال أبو بكر : وكان الشافعي رحمه الله تعالى يوجب الوضوء من مس الذكر اتباعاً لخبر بسرة بنت صفوان لا قياساً.

    قال أبو بكر : وبقول الشافعي أقول؛ لأن عروة قد سمع خبر بسرة منها، لا كما توهم بعض علمائنا أن الخبر واه لطعنه في مروان ].

    هذا مخالف للترجمة؛ لأن الترجمة فيها الاستحباب، وهنا قال: إنه يقول بقول الشافعي ، والشافعي يقول بالوجوب.

    1.   

    ما جاء في أن المحدث لا يجب عليه الوضوء قبل وقت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن المحدث لا يجب عليه الوضوء قبل وقت الصلاة.

    حدثنا يعقوب بن إبراهيم وزياد بن أيوب ومؤمل بن هشام قالوا: حدثنا إسماعيل - وهو ابن علية - قال زياد حدثنا أيوب وقال الآخران: عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقرب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء، فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة) وقال الدورقي : (للصلاة) ].

    هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وأظن أ،ه رواه البخاري ، قال المحقق في تخريجه: إسناده صحيح، أخرجه النسائي .

    1.   

    ما جاء في أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا يوجب الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ جماع أبواب الأفعال اللواتي لا توجب الوضوء.

    باب ذكر الخبر الدال على أن خروج الدم من غير مخرج الحدث لا يوجب الوضوء.

    حدثنا محمد بن العلاء بن كريب الهمداني حدثنا يونس بن بكير حدثنا محمد بن إسحاق حدثني صدقة بن يسار عن ابن جابر عن جابر بن عبد الله .

    وحدثنا محمد بن عيسى حدثنا سلمة - يعني ابن الفضل - عن محمد بن إسحاق حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع بالنخل، فأصاب رجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً، أتى زوجها وكان غائباً، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دماً، فخرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل رسول الله منزلاً فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى الشعب من الوادي، فلما أن خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أي الليل أحب إليك أن أكفيكه أوله أو آخره؟ قال: بل اكفني أوله، قال: فاضطجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، قال: وأتى زوج المرأة فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم، قال: فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه، وثبت قائماً يصلي، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه، قال: فنزعه فوضعه وثبت قائماً يصلي، ثم عاد له الثالثة فوضعه فيه فنزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم أهبَّ صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت، فوثب فلما رآهما الرجل عرف أنه قد نذر به، فهرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك) ].

    أهببتني يعني: أيقظتني.

    قال: [ (قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها) ].

    أنفذها يعني: حتى أقضيها.

    قال: [ (فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها) هذا حديث محمد بن عيسى ].

    قوله: (ربيئة) يعني: طليعة.

    الحديث إسناده حسن رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق ].

    وهذا الحديث إسناده حسن رواه أبو داود وأحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي والدارقطني كلهم من طريق ابن إسحاق قال: حدثني صدقة عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وذكره البخاري في صحيحه تعليقاً بصيغة التمريض والمراد بقوله: (فأصاب رجل من المسلمين امرأة رجل من المشركين) المراد أنه قتلها، ذكر ذلك صاحب عون المعبود، وليس المقصود أنه أخذها سبية وجامعها؛ لأنه لا بد أن يستبرئها بحيضة ثم يصيبها.

    1.   

    ما جاء في أن وطء الأنجاس لا يوجب الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن وطء الأنجاس لا يوجب الوضوء.

    حدثنا عبد الجبار بن العلاء وعبد الله بن محمد الزهري وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي قالوا: حدثنا سفيان قال عبد الجبار : قال الأعمش : وقال الآخران: عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا نتوضأ من موطئ).

    وقال المخزومي : (كنا نتوضأ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نتوضأ من موطئ).

    وقال الزهري وهو عبد الله بن محمد الزهري : (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا نتوضأ من موطئ).

    قال أبو بكر : هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش عن شقيق ، م أكن فهمته في الوقت ].

    ذكر المؤلف ان هذا الحديث له علة، وهي الانقطاع بين الأعمش وشقيق .

    والمعنى إذا وطئ الإنسان النجاسة يجب عليه غسله، أما إذا كان في النعلين فإنه يدلكه فطهارة النجاسة في النعلين دلكها، فإذا وطئ برجليه نجاسة بدون نعلين فيجب غسلها، أما إذا لم يعلم فالأصل السلامة.

    قال المحقق: إسناده صحيح، ورواه الحاكم من طريق سفيان عن الأعمش .

    قال: [ حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب حدثنا عبد الله بن إدريس أخبرنا الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله : (كنا لا نكف شعراً ولا ثوباً في الصلاة، ولا نتوضأ من موطئ) ].

    هذا الحديث يحمل على النعلين، يعني: أنهم يطئون شيئاً بنعالهم ولم يتبين لهم، أما إذا علم أنها نجاسة مباشرة للقدم فلا بد من غسلها.

    قوله: (ولا نتوضأ من موطئ).

    هذا ثابت في صحيح مسلم ، وفي الصحيحين النهي عن كف الشعر والثوب.

    قال: [ حدثنا زياد بن أيوب حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش حدثني شقيق أو حدثت عنه عن عبد الله بنحوه ].

    إن وطء النجاسة لا يبطل الوضوء، وإنما تغسل النجاسة والوضوء صحيح.

    فإن قيل: هل الدم ناقض للوضوء؟

    أقول: ليس هناك ما يدل على أنه ناقض للوضوء، لكن عند كثير من العلماء إذا كثر الدم فإنه ينبغي أن يتوضأ، والأحاديث في هذا ضعيفة لا تثبت، لكن يتوضأ احتياطاً، بخلاف الخارج من السبيلين فإنه ينقض بالاتفاق.

    1.   

    ما جاء في إسقاط إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار أو غيرته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب إسقاط إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار أو غيرته.

    حدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا حماد - يعني ابن زيد - عن هشام بن عروة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل عظماً -أو قال: لحماً- ثم صلى ولم يتوضأ) ].

    كانوا في أول الإسلام يتوضئون مما مست النار، ثم نسخ ذلك؛ لحديث جابر : (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم عدم الوضوء مما مسته النار) فمثلاً: لو شرب مرقاً أو قهوة أو أكل طعاماً مسته النار توضأ، ثم نسخ ذلك وبقي الحكم في أكل لحم الإبل، لورود الأحاديث في أن لحم الإبل ينقض الوضوء، سواء كان نيئاً أو مطبوخاً، مسته النار أو لم تمسه، كما سبق في باب الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، (وسئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: نتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت) حديث البراء وحديث جابر بن سمرة .

    [ قال أبو بكر : خبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد، غلطنا في إخراجه؛ فإن بين هشام بن عروة وبين محمد بن عمرو بن عطاء وهب بن كيسان ، وكذلك رواه يحيى بن سعيد القطان وعبدة بن سليمان ].

    قال المحقق: رواية هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو في صحيح مسلم .

    وقوله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحماً ولم يتوضأ) ، وقوله: (أكل من كتف شاة ثم دعي إلى الصلاة فترك السكين وقام ولم يتوضأ) هذا ثابت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما، لكن قصد المؤلف بقوله: (غلطنا في إخراجه) يعني: بهذا السند، وإلا فالحديث ثابت.

    قال: [ حدثنا محمد بن بشار بندار حدثنا يحيى حدثنا هشام عن الزهري قال: حدثني علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهشام عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس .

    و هشام عن محمد بن علي بن عبد الله عن أبيه عن ابن عباس : (أن رسول صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً أو عرقاً ثم صلى ولم يتوضأ) ].

    وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحماً أو تعرق عرقاً ولم يتوضأ) .

    قال: [ حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة قال: أخبرني وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ابن عباس .

    قال هشام : وحدثني الزهري عن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس .

    قال هشام : وحدثني محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن ابن عباس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل عرقاً ثم صلى ولم يتوضأ) هذا حديث الزهري ].

    قال المحقق: (أخرجه مسلم وفيه: (أكل عرقاً أو لحماً)).

    1.   

    ما جاء في أن اللحم الذي ترك النبي الوضوء من أكله كان لحم غنم لا لحم إبل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن اللحم الذي ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء من أكله كان لحم غنم لا لحم إبل ].

    يرى ابن خزيمة رحمه الله أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء مطلقاً وهو شافعي، وخالف الشافعية في ذلك؛ لأن الشافعية يرون أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، لكن ابن خزيمة من تثبته في هذا الشيء ومن قوته أتانا بهذه الترجمة: (باب ذكر الدليل على أن اللحم الذي ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء من أكله كان لحم غنم لا لحم إبل) فـابن خزيمة رحمه الله هنا وافق الحنابلة في هذه المسألة.

    والجمهور من أهل العلم على أن لحم الإبل داخل في حديث جابر : (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) يعني: أن لحم الإبل داخل في هذا، لكن التوضوء من لحم الإبل فيه أحاديث خاصة، منها: (توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم) ولحم الإبل ينقض الوضوء نيئاً أو مطبوخاً.

    قال: [ حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه، وحدثنا أبو موسى حدثنا روح - يعني ابن عبادة - حدثنا مالك عن زيد - وهو ابن أسلم - عن عطاء بن يسار عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) ].

    هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم .

    1.   

    ما جاء في أن ترك النبي الوضوء مما مست النار أو غيرت ناسخ لوضوئه كان مما مست النار أو غيرت

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مما مست النار أو غيرت ناسخ لوضوئه كان من ما مست النار أو غيرت

    حدثنا أحمد بن عبدة الضبي حدثنا عبد العزيز - ابن محمد الدراوردي - عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة : (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من ثور أقط، ثم رآه أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) ].

    ثور الأقط، هو أقط مطبوخ بالنار، توضأ أولاً ثم نسخ ذلك، فرآه بعد ذلك أكل لحم شاة ولم يتوضأ، فدل على أن هذا منسوخ؛ لما ورد في حديث جابر : (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار).

    قال: [ حدثنا موسى بن سهل الرملي حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: (آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) ].

    رواه أبو داود من طريق موسى بن سهل الرملي ، ونقل الحافظ في التلخيص: قال الشافعي في سنن حرملة : لم يسمع ابن المنكدر هذا الحديث من جابر ، إنما سمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل ، قلت: وهو حسن الحديث.

    والحديث السابق الذي قبله إسناده صحيح.

    هناك خلاف بين العلماء هل نسخ الوضوء مما مست النار وبقي الاستحباب، أو أنه بقي مباحاً؟

    الأقرب أنه مستحب، ونسخ الوجوب.

    1.   

    ما جاء في الرخصة في ترك غسل اليدين والمضمضة من أكل اللحم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في ترك غسل اليدين والمضمضة من أكل اللحم إذ العرب قد تسمي غسل اليدين وضوءاً.

    حدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب ابنة أم سلمة عن أم سلمة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً ثم صلى ولم يمس ماءً) ].

    يعني: ولم يتمضمض ولم يغسل يديه.