إسلام ويب

شرح صحيح ابن خزيمة كتاب الوضوء [2]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للوضوء نواقض يجب معرفتها، فإنه لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ، وإذا شك الإنسان في انتقاض وضوئه فلا يتوضأ حتى يستيقن الحدث، فإن الأحكام ترجع إلى اليقين، واليقين لا يزول بالشك.

    1.   

    بطلان صلاة المحدث حتى يتوضأ

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب نفي قبول الصلاة بغير وضوء، بذكر خبر مجمل غير مفسر.

    حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر ، وحدثنا الحسين بن محمد الذارع حدثنا يزيد بن زريع ، وحدثنا يحيى بن حكيم حدثنا أبو داود ، قالوا جميعاً: حدثنا شعبة -وهذا لفظ حديث بندار - عن سماك بن حرب عن مصعب بن سعد قال: مرض ابن عامر ، فجعلوا يثنون عليه وابن عمر ساكت، فقال: أما إني لست بأغشهم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) ].

    هذا الحديث أخرجه ابن الجارود ، ومسلم في صحيحه، وليس فيه: أما إني لست بأغشهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن سعيد أبو محمد القزاز الفارسي -سكن بغداد- بخبر غريب الإسناد قال حدثنا غسان بن عبيد الموصلي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة إلا بطهور، ولا صدقة من غلول).

    حدثنا أبو عمار الحسن بن حريث حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير -وهو ابن يزيد - عن الوليد -وهو ابن رباح - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول).

    متن الحديث ثابت في صحيح مسلم ، أما إسناده ففيه استنكار لأجل كثير بن زيد قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه البزار ، وفيه كثير بن زيد الأسلمي ، وثقه ابن حبان وابن معين في رواية، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وضعفه النسائي ، وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي : ثقة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الخبر المفسر للفظة المجملة التي ذكرتها، والدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نفى قبول الصلاة لغير المتوضئ المحدث الذي قد أحدث حدثاً يوجب الوضوء، لا كل قائم إلى الصلاة وإن كان غير محدث حدثاً يوجب الوضوء.

    حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم وعمي إسماعيل بن خزيمة قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ]. رواه البخاري ومسلم .

    حتى وإن كان كل واحد منهم من بلد، هذا من بغداد وهذا من الموصل، وكانا ثقتين في عصر واحد فلا يضر إذا كان يمكن اللقاء.

    صلاة النبي الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن الله عز وجل إنما أوجب الوضوء على بعض القائمين إلى الصلاة لا على كل قائم إلى الصلاة في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، الآية.

    إذ الله جل وعلا ولى نبيه صلى الله عليه وسلم بيان ما أنزل عليه خاصاً وعاماً، فبين النبي صلى الله عليه وسلم بسنته أن الله إنما أمر بالوضوء بعض القائمين إلى الصلاة لا كلهم، كما بين عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل أراد بقوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103]، بعض الأموال لا كلها. وكما بين بقسمة سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب أن الله أراد بقوله: (ولذي القربى) بعض قرابة النبي صلى الله عليه وسلم دون جميعهم، وكما بين أن الله أراد بقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، بعض السراق دون جميعهم، إذ سارق درهم فما دونه يقع عليه اسم سارق، فبين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (القطع في ربع دينار فصاعداً) أن الله إنما أراد بعض السراق دون بعض بقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، الآية. قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، وحدثنا أبو موسى حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : يا رسول الله! إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: إني عمداً فعلته يا عمر)، هذا حديث عبد الرحمن بن مهدي ].

    روى سفيان هذا الحديث عن علقمة بن مرثد ومحارب بن دثار ، أما روايته عن علقمة فرواها عنه عبد الله بن نمير موصولاً عند الإمام مسلم في الطهارة، وكذلك يحيى بن سعيد عند الإمام أحمد وأبي داود .

    وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد يوم الفتح لبيان الجواز، فلما سأل عمر (إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: عمداً فعلته يا عمر)، فلا بأس أن يصلي الإنسان خمس صلوات أو ست صلوات بوضوء واحد إذا كان ضابطاً للوضوء.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن حسين الدرهمي بخبر غريب غريب، قال: حدثنا معتمر عن سفيان الثوري عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، إلا يوم فتح مكة فإنه شغل فجمع بين الظهر والعصر بوضوء واحد).

    وحدثنا أبو عمار حدثنا وكيع بن الجراح عن سفيان عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن أبيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكة صلى الصلوات كلها بوضوء واحد) ].

    المؤلف رحمه الله ساق الحديث من طريقين: من طريق سفيان عن محارب بن دثار ، ومن طريق سفيان عن علقمة بن مرثد . والذي رواه عن سفيان: وكيع بن الجراح ، والمعتمر .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال أبو بكر -وهو ابن خزيمة -: لم يسند هذا الخبر عن الثوري أحد نعلمه غير معتمر ووكيع ، ورواه أصحاب الثوري وغيرهما عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان المعتمر ووكيع مع جلالتهما حفظا هذا الإسناد واتصاله فهو خبر غريب غريب ].

    وذلك لأن فيه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، وأنه في يوم الفتح صلى صلاتين بوضوء واحد.

    ما يجب منه الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الدليل على أن الوضوء لا يجب إلا من حدث.

    حدثنا محمد بن منصور أبو جعفر ومحمد بن شوكر بن رافع البغداديان قالا: حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثنا محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري ثم المازني -مازن بني النجار- عن عبيد الله بن عمر ، وحدثنا محمد بن يحيى حدثنا أحمد بن خالد الوهبي حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت له: أرأيت وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر عمن هو؟ قال: حدثته أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل -وهو الذي غسلته الملائكة؛ لأنه سمع الجهاد وهو على امرأته، فقام وهو على الجنابة وقاتل حتى قتل، فغسلته الملائكة رضي الله عنه وأرضاه- حدثها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث، وكان عبد الله يرى أن به قوة على ذلك ففعله حتى مات)، هذا حديث يعقوب بن إبراهيم ، غير أن محمد بن منصور قال: (وكان يفعله حتى مات) ].

    وهذا الحديث إسناده حسن، أخرجه الحاكم وأبو داود ، ونقل ابن حجر هذه الرواية من ابن خزيمة في فتح الباري، وتلخيص الحبير.

    و محمد بن يحيى بن حبان بفتح الحاء مهملة موحدة ابن منقذ الأنصاري ثقة، والمعروف أنه حبان بن موسى .

    وهذا كان يفعله ابن عمر ويقول: بي قوة؛ لأنه جاء في الحديث ما يدل على أن الوضوء على وضوء فيه أجر وثواب، فيحتمل أن ابن عمر رضي الله عنه فعل هذا؛ لأجل تلك الفضيلة، ولم يذكر في هذا الحديث أن ابن عمر يقول: إنه يجد في نفسه قوة.

    تجديد الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم على طهر من غير حدث كان مما يوجب الوضوء ].

    هذا خاص، لكن هذا إذا كان على طهارة توضأ وقد جاء في حديث ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات).

    وتحديد الوضوء مشروع إذا طال الفصل من الوضوء الأول مثلاً أو صلى بالوضوء الأول ثم أراد الصلاة، أما إذا توضأ ثم يذهب ويتوضأ مرة أخرى فهذا غير مشروع، لكن إذا طال الفصل وأراد أن يجدد ليتقوى ويزيد نشاطه فلا بأس.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار بندار حدثنا محمد -يعني ابن جعفر - حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة (أنه شهد علياً صلى الظهر ثم جلس في الرحبة في حوائج الناس، فلما حضرت العصر دعا بتور من ماء فمسح به ذراعيه ووجهه ورأسه ورجليه، ثم شرب فضل وضوئه وهو قائم، ثم قال: إن ناساً يكرهون أن يشربوا وهم قيام، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثلما صنعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث) ].

    أي أنه مسح وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه وكان على طهارة، ومثله ما جاء في الحديث الآخر أنه مسح على نعليه، وهذا هو التجديد، وهو وضوء الذي لم يحدث.

    وأما الشرب قائماً فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائماً لما جاء زمزم وهم يسقون، فأعطوه من زمزم فشرب وهو قائم، فدل على الجواز، وأما النهي عن الشرب قائماً فمحمول على الكراهة.

    والأولى والأفضل: الشرب جالساً، وإن شرب قائماً فلا حرج، هذا هو الصواب؛ لأن القاعدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهى عن شيء ثم فعله دل على أن النهي للكراهة.

    وقد ذهب العلامة ابن القيم إلى تحريم الشرب قائماً كما في زاد المعاد، والصواب أنه لا يحرم، بل هو مكروه كراهة التنزيه، جمعاً بين الأحاديث. وقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (من شرب قائماً فليستقء) أي: يتقيأ، حديث منسوخ.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن منصور بن المعتمر عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة ، فذكر الحديث وقال: (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث)، قال أبو بكر : ورواه مسعر بن كدام عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن علي ، وقال: ثم قال: (هذا وضوء من لم يحدث).

    حدثنا يوسف بن موسى حدثنا الفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى .

    وإسناده صحيح كما في الفتح الرباني، وأخرجه النسائي من طريق شعبة في صفة الوضوء من غير حدث، أما رواية جرير فهي في مسند الإمام أحمد وليس فيها (هذا وضوء من لم يحدث)، ورواية مسعر عن عبد الملك أيضاً في مسند الإمام أحمد .

    1.   

    ما يوجب الوضوء

    أثر الغائط والبول والنوم على الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ جماع أبواب الأحداث الموجبة للوضوء.

    باب ذكر وجوب الوضوء من الغائط والبول والنوم، والدليل على أن الله عز وجل قد يوجب الفرض في كتابه بمعنى، ويوجب ذلك الفرض بغير ذلك المعنى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، إذ الله عز وجل إنما دل في كتابه على أن الوضوء يوجبه الغائط وملامسة النساء؛ لأنه أمر بالتيمم للمريض، وفي السفر عند الإعواز من الماء من الغائط وملامسة النساء. فدل الكتاب على أن الصحيح الواجد للماء عليه من الغائط وملامسة النساء بالوضوء، إذ التيمم بالصعيد الطيب إنما جعل بدلاً من الوضوء للمريض والمسافر عند العوز للماء، والنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قد أعلم أن الوضوء قد يجب من غير غائط ومن غير ملامسة النساء، وأعلم في خبر صفوان بن عسال أن البول والنوم كل واحد منهما على الانفراد يوجب الوضوء، والبائل والنائم غير متغوط ولا ملامس للنساء.

    وسأذكر بمشيئة الله عز وجل وعونه الأحداث الموجبة للوضوء بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، خلاف الغائط وملامسة النساء اللذين ذكرهما في نص الكتاب، خلاف قول من زعم ممن لم يتبحر العلم أنه غير جائز أن يذكر الله حكماً في الكتاب فيوجبه بشرط أن يجب ذلك الحكم بغير ذلك الشرط الذي بينه في الكتاب.

    حدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا حماد -يعني ابن زيد - عن عاصم ، وحدثنا علي بن خشرم أخبرنا ابن عيينة حدثنا عاصم ، وحدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخفين فقال: ما جاء بك يا زر ؟ قلت: ابتغاء العلم، قال: يا زر ! فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب. قال: فقلت: إنه وقع في نفسي شيئاً من المسح على الخفين بعد الغائط، وكنت امرأً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر في ذلك شيئاً؟ قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفراً، أو قال: مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)، هذا حديث المخزومي وقال أحمد بن عبدة في حديثه: قال: (قد بلغني أن الملائكة تضع أجنحتها) ].

    وهذا الحديث إسناده حسن. قال الحافظ في تلخيص الحبير: رواه الشافعي وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والبيهقي . وقال الترمذي عن البخاري : حديث حسن. وصححه الترمذي والخطابي ، ومدارهم عندهم على عاصم بن أبي النجود ، قال عنه الحافظ في التقريب: عاصم بن بهدلة : هو ابن أبي النجود ، صدوق له أوهام، وحديثه في الصحيحين مقرون، لكنه تابع عاصم على هذه الرواية عبد الوهاب بن بخت وإسماعيل بن أبي خالد وغيرهما، كما في التلخيص.

    وجوب الوضوء من المذي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر وجوب الوضوء من المذي.

    وهو من الجنس الذي قد أعلمت أن الله قد يوجب الحكم في كتابه بشرط ويوجبه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بغير ذلك الشرط، إذ الله عز وجل لم يذكر في آية الوضوء المذي، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب الوضوء من المذي، واتفق علماء الأنصار قديماً وحديثاً على إيجاب الوضوء من المذي ].

    إن المذي نجس بلا شك، وهو مثل البول، لكن نجاسته مخففة ويكفي فيها النضح، بخلاف البول.

    والمذي أيضاً لابد من غسله، مع غسل الذكر والخصيتين، كما جاء في الحديث: (اغسل ذكرك وأنثييك)، بخلاف البول فإنه يغسل رأس الذكر، أما المذي فإنه يغسل معه الذكر والخصيتان حتى يتقلص الخارج؛ لأنهما ربما تنجسا عند خروجه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن منيع ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن هشام وفضالة بن الفضل الكوفي قالوا: حدثنا أبو بكر بن عياش قال أحمد بن منيع : حدثنا أبو حصين ، وقال الآخرون: عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنت رجلاً مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ابنته كانت عندي، فأمرت رجلاً فسأله، فقال: منه الوضوء) ].

    هذا الحديث رواه البخاري ، وفيه أن المذي ينقض الوضوء كالبول؛ لأنه نجس، والحديث الآخر (اغسل ذكرك وأنثييك).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا بشر بن خالد العسكري أخبرنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت سليمان -وهو الأعمش - يحدث عن منذر الثوري عن محمد بن علي عن علي رضي الله عنه قال: (استحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي؛ من أجل فاطمة ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأل عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: فيه الوضوء) ].

    وهذا الحديث رواه مسلم .

    وكان ابن خزيمة يخرج الأحاديث بالطرق، والإسناد الأول هو للبخاري أخرجه من طريق أبي حصين .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن حجر السعدي وبشر بن معاذ العقدي قالا: حدثنا عبيدة بن حميد قال علي : حدثني، وقال بشر : حدثنا الركين بن الربيع بن عميلة عن حصين بن قبيصة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم -أو ذكر له- فقال لي: لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا أنضحت الماء فاغتسل) ].

    وهذا فيه دليل على أن المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء.

    و الربيع بن عميلة بفتح مهملة البزاري الكوفي ، ثقة من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين.

    وهذا الحديث إسناده صحيح، وأشار الحافظ إلى هذه الرواية.

    [ قال أبو بكر قوله: "لا تفعل" من الجنس الذي أقول لفظ زجر، يريد نفي إيجاب ذلك الفعل].

    كيفية التطهر من المذي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الأمر بنضح الفرج من المذي.

    حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا ابن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه (أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أستحي أن أسأله، قال المقداد : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: إذا وجد ذلك أحدكم فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة) ].

    أي: يرش فرجه بالماء، وفي الحديث أن المذي يوجب الوضوء، وأن الوضوء ينتقض بنزوله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم حدثنا عمي أخبرني مخرمة -يعني ابن بكير - عن أبيه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه (أرسلت المقداد بن الأسود رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ وانضح فرجك) ]. الحديث رواه مسلم .

    حكم غسل الفرج من المذي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن الأمر بغسل الفرج ونضحه من المذي أمر ندب وإرشاد، لا أمر فريضة وإيجاب.

    حدثنا محمد بن سعيد بن غالب أبو يحيى العطار حدثنا عبيدة بن حميد حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنت رجلاً مذاء، فسئل لي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: يكفيك منه الوضوء)، قال أبو بكر : وفي خبر سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي في المذي قال: (يكفيك من ذلك الوضوء) قد خرجته في باب نضح الثوب من المذي.

    قول ابن خزيمة بأن الأمر بغسل الفروج ونضحه من المذي أمر ندب لا فريضة قول فيه نظر، والأقرب أنه للوجوب (اغسل ذكرك وأنثييك)، والأصل في الأوامر الوجوب، وصرفه إلى الندب يحتاج إلى دليل.

    و عبيدة بن حميد الكوفي المعروف بـالحذاء أو الضبي صدوق نحوي، ربما أخطأ من الثامنة.

    حكم الوضوء من خروج الريح

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر وجوب الوضوء من الريح الذي يسمع صوتها بالأذن أو يوجد رائحتها بالأنف.

    حدثنا أحمد بن عبدة الضبي عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، وحدثنا أبو بشر الواسطي حدثنا خالد -يعني ابن عبد الله - كلاهما عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل خرج منه شيء أو لم يخرج فلا يخرجن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، هذا حديث خالد بن عبد الله ].

    هذا الحديث رواه مسلم .

    وفيه دليل على وجوب الوضوء من الريح سواء كان لها صوت -وهو الضراط- أو لم يكن لها صوت -وهو الفساء-، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فقال رجل من حضرموت لـأبي هريرة : ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال: فساء أو ضراط).

    تيقن الحدث وأثره على إيجاب الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن الوضوء لا يجب إلا بيقين حدث، إذ الطهارة باليقين لا تزول بشك وارتياب، إنما يزول باليقين، فإذا كانت الطهارة قد تقدمت بيقين لم تبطل الطهارة إلا بيقين حدث ].؟

    اليقين لا يزول بالشك، ومعناها: أنه لا يزول اليقين إلا بيقين، فالطهارة متيقنة، فإذا شك في الطهارة فلا يجب عليه الوضوء حتى يتيقن عدمها.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الجبار بن العلاء حدثنا سفيان حدثنا الزهري أخبرني عباد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي يجد الشيء وهو في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ].

    هذا الحديث رواه البخاري .

    فيه دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن ينصرف من المسجد أو من الصلاة بالشك، حتى يتيقن الحدث أو يغلب على ظنه خروج ريح أو شيء من ذكره؛ لأن الطهارة متيقنة أما أن ينصرف بسبب الشك فلا؛ لأن الشك يورث الوساوس والشكوك.

    ما جاء في معنى الإحداث

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الدليل على أن الاسم باسم المعرفة بالألف واللام قد لا يحوي جميع المعاني التي تدخل في ذلك الاسم، خلاف قول من يزعم ممن شاهدنا من أهل عصرنا ممن كان يدعي اللغة من غير معرفة بها، ويدعي العلم من غير معرفة به، أن الاسم باسم المعرفة يحوي جميع معاني الشيء الذي يوقع عليه باسم المعرفة بالألف واللام، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد ألقى اسم الإحداث على الريح خاصة باسم المعرفة واسم جميع الأحداث الموجبة للوضوء الريح يخرج من الدبر خاصة، وقد بينت هذه المسألة في كتاب الإيمان.

    حدثنا علي بن حشرم أخبرنا عيسى -يعني ابن يونس - عن الأوزاعي عن حسان -وهو ابن عطية - عن محمد بن أبي عائشة حدثني أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال العبد في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه ما لم يحدث، والإحداث أن يفسو أو يضرط، إني لا أستحي مما لم يستح منه رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].

    معنى هذا الحديث أن منتظر الصلاة لا يزال في الصلاة بحكم المصلي، والملائكة تدعو له (ما لم يحدث)، فإذا أحدث انتقض وضوءه، وفي اللفظ الآخر: (ما لم يؤذ أو يحدث)، فإذا آذى أحداً بقول أو فعل، أو أحدث وقفت الملائكة عن الدعاء، ولم يكن في حكم المصلي.

    والمراد بالحدث: فساء أو ضراط، ويراد به أيضاً البول والغائط، لكن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي هريرة فسراه بالفساء والضراط، أي: بجزء من الحدث.

    فالحدث اسم لا يحوي جميع المعاني الداخلة في ذلك الاسم، فلا يحوي البول والغائط والريح، وإنما أطلق على أحدهم وهو الريح، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، ثم قال: (لا يزال يصلي ما لم يحدث)، فأوقع اسم الحدث على نوع منه وهو الريح.

    ذكر من فهم أن الوضوء لا يجب إلا من سماع صوت أو رائحة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر خبر روي مختصراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوهم عالماً ممن لم يميز بين الخبر المختصر والخبر المتقصى أن الوضوء لا يجب إلا من الحدث الذي له صوت أو رائحة.

    حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت سهيل بن أبي صالح يحدث عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وحدثنا سلم بن جنادة حدثنا وكيع عن شعبة ، وحدثنا بندار وأبو موسى قالا: حدثنا عبد الرحمن حدثنا شعبة ، وحدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد -يعني ابن الحارث - حدثنا شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) ].

    هذا الحديث إسناده صحيح أخرجه ابن ماجة .

    يحتمل أن المراد بعالم جنس العلماء.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، قول مختصر.

    وهناك من فهم أنه لا يجب الوضوء من غير ما ذكر في الحديث.

    فهذا الحديث أوهم بعض العلماء أن الحدث لا يكون إلا بالصوت والريح.

    والجواب عليه أن هذا تنبيه بالأدنى على الأعلى فإذا كان الصوت والريح منه الوضوء فما كان أشد كالبول أو الغائط من باب أولى.

    وفي الحديث عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وفي صحيح مسلم (لا يقبل الله صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول).

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر الخبر المتقصي للفظة المختصرة التي ذكرتها، والدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم أن لا وضوء إلا من صوت أو ريح عند مسألة سئل عنها في الرجل يخيل إليه أنه قد خرجت منه ريح، فيشك في خروج الريح. وكانت هذه المقالة عنه صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، جواباً عما عنه سئل فقط، لا ابتداء كلام مسقطاً بهذه المسألة إيجاب الوضوء من غير الريح التي لها صوت أو رائحة. إذ لو كان هذا القول منه صلى الله عليه وسلم ابتداء من غير أن تقدمته مسألة، كانت هذه المقالة تنفي إيجاب الوضوء من البول والنوم والمذي، إذ قد يكون البول لا صوت له ولا ريح ].

    إذ قد يقال: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، معناه أن المذي والبول ليس فيه وضوء، هذا لو قالها ابتداء من غير سبق سؤال، لكنه صلى الله عليه وسلم ما قالها ابتداء إنما كانت جواباً عن مسألة سئل عنها وليس المراد بها النفي العام.

    وعلى ذلك القول فالذي يجد في بطنه قرقرة يقول: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، فيتوضأ في هذه الحالة.

    إذاً: ليس المراد من الحديث أن الإنسان لا يتوضأ من البول والغائط، فقد دلت على ذلك أدلة أخرى.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إذ قد يكون البول لا صوت له ولا ريح، وكذلك النوم والمذي لا صوت لهما ولا ريح وكذلك الودي ].

    والمذي هو ما يخرج عند الملاعبة وعند الشهوة على رأس الذكر، وهو نجس نجاسة خفيفة، والودي: سائل أبيض يحدث بعد البول. والمني هو سائل أبيض متدفق يخرج بلذة عند جماع أو احتلام أو نحوهما.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بشر الواسطي حدثنا خالد -يعني ابن عبد الله الواسطي - عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل خرج منه شيء أو لم يخرج، فلا يخرجن حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ].

    والمراد أنه إذا وجد في بطنه شيئاً فلا يخرج حتى يتحقق بسماع صوت أو شم رائحة؛ لأنه دخل الصلاة بيقين أنه على طهارة، فلا يخرج من اليقين بالشك، ولا يخرج من اليقين إلا باليقين، أو يغلب على ظنه أنه خرج منه شيء.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن يحيى بن أبي كثير حدثني عياض أنه سأل أبا سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثنا سلم بن جنادة القرشي حدثنا وكيع حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن عياض بن هلال عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول: إنك قد أحدثت. فليقل: كذبت، إلا ما وجد ريحه بأنفه أو سمع صوته بأذنه)، هذا لفظ وكيع ].

    قوله: (فليقل: كذبت) أي: فليقل في نفسه: كذبت، ولا ينطق بلسانه.

    [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيقول: إنك قد أحدثت فليقل: كذبت إلا ما وجد ريحه بأنفه، أو سمع صوته بأذنه) هذا لفظ وكيع .

    قال أبو بكر: قوله: (فليقل: كذبت) أراد فليقل: كذبت بضميره لا ينطق بلسانه ].

    هذا قاله أبو بكر وهو ابن خزيمة ، يعني: فليقل: كذبت في نفسه ولا يتلفظ بلسانه.

    [ قال أبو بكر : قوله: (فليقل: كذبت) أراد فليقل: كذبت بضميره لا ينطق بلسانه، إذ المصلي غير جائز له أن يقول: كذبت نطقاً بلسانه ].

    وهذا صحيح.