إسلام ويب

شرح صحيح ابن حبان كتاب الإيمان [4]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دخول الإسلام يكون بنطق الشهادتين والعمل بما تضمنتاه، والإيمان يزيد وينقص، وتضعفه المعاصي لكنها لا تزيله، وإنما يزيله ويقضي عليه الشرك الأكبر، والنفاق الأكبر، والكفر الأكبر، ومن زعم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وأن الأعمال لا تؤثر عليه فقد أخطأ ووافق أهل البدع.

    1.   

    بيان أن من قال الشهادتين مؤمن وإثبات صفة العلو لله تعالى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر إثبات الإيمان للمقر بالشهادتين معا.

    أخبرنا الفضل بن الحباب قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حجاج الصواف قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال: (كانت لي غنيمة ترعاها جارية لي في قبل أحد والجوانية، فاطلعت عليها ذات يوم وقد ذهب الذئب منها بشاة، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، فصككتها صكة، فعظم ذلك علي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أفلا أعتقها ؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟، قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: اعتقها فإنها مؤمنة) ].

    هذا الحديث فيه دليل على أن المقر بالشهادتين يكون مؤمناً، وقد رواه مسلم في صحيحه، وفيه أن جارية أعجمية كانت لـمعاوية بن الحكم السلمي ترعى الغنم خلف أحد، فاطلع عليها وهي ترعى، فرأى الذئب أخذ شاة فأكلها فغضب عليها، قال: كيف تتركين الذئب يأكل الشاة؟! فصكها صكة ثم عظم عليه ذلك؛ لأنها مسكينة وليس لها حيلة في أن تخلصها من الذئب، فعظم ذلك عليه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال يا رسول الله! أنا صككت الجارية، أفأعتقها فقال: (ائتني بها) أي: لأختبرها هل هي مؤمنة، ثم سألها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أين الله؟ قالت: في السماء, قال من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: اعتقها فإنها مؤمنة) وقد احتج به أهل العلم على إثبات العلو وأن الله فوق العرش في السماء، وفيه رد على المعطلة الذين يقولون: لا يسأل عن الله بـ (أين)، ولا ترفع أصبعك إلى السماء، فإنك لو رفعت أصبعك عند الجهمي قطع الصلاة، فاحذر أن ترفع أصبعك عند الجهمي، فهو يعتقد أن هذا تنقص لله؛ لأنك بزعمه تجعل الله في مكان معين وهو في كل مكان! تعالى الله عما يقولون، ويعترضون على النبي صلى الله عليه وسلم بسؤاله للجارية: (أين الله) ويقولون: إن سؤاله فاسد، وإنما سأل بهذا السؤال؛ لأن هذه جارية أعجمية فسألها سؤالاً فاسداً يناسب عقلها، وأقرها على الجواب الفاسد، فاتهموا الرسول عليه الصلاة والسلام بالرضى على الجواب الفاسد من الجارية، ويقولون: مقصود الرسول في سؤاله: (من الله) وليس مقصوده: أين الله؟ لكن قال: أين الله؛ لأجل أن الجارية أعجمية لا تفهم إلا هذا، وإنه لعجب أن الرسول لا يستطيع أن يقول: من الله! والرسول أفصح الناس صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء والعياذ بالله بلغت بهم الحال إلى أن يتهموا النبي عليه الصلاة والسلام لا لشيء إلا لأنه ثبت عنه قولاً يناقض مذهبهم، فهم يقولون: لا يصح أن يقال: إن الله في السماء؛ لأن هذا تحيز وتنقص لله فإن قولنا: إن الله في مكان يعني أنه متحيز، وهذا تنقص ولذا فلا يصح أن يقال: عن الله أنه في مكان، وأين يسأل بها عن المكان؛ فلهذا اتهموا الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: إنه سألها سؤالاً فاسداً لا يناسب معناه لكنه اضطر إلى هذا السؤال؛ لأن الجارية أعجمية لا تفهم إلا هذا، وقد أقرها لما قالت: (في السماء) على جوابها الفاسد؛ لأن هذا هو الذي فهمته.

    وهنا يقول المؤلف: من أقر بالشهادتين فهو مؤمن، لكن هل ذكر فيه الشهادتان الآن، قالت: الله في السماء يعني شهدت لله بالعلو، فأثبتت وحدانية الله.

    والحديث أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم في المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة.

    قوله: الجوانية بفتح أوله وتشديد ثانيه وكسر النون وياء مشددة موضع قرب المدينة، وقوله: وآسف: أي: أغضب، وصككتها: أي: لطمت وجهها.

    1.   

    الإيمان شعب وأجزاء لها أعلى ولها أدنى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر البيان بأن الإيمان أجزاء وشعب لها أعلى وأدنى.

    أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا جرير قال: حدثنا سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، فأرفعها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ].

    وهذا الحديث رواه الشيخان، ورواية البخاري : (الإيمان بعض وستون شعبة)، ورواية مسلم : (الإيمان بضع وسبعون)، وفيه دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فهو رد على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، فقوله: (بضع وسبعون شعبة) بيان أن كلها داخلة في مسمى الإيمان، حتى أن البيهقي رحمه الله تتبع هذه الشعب وألف كتاباً سماه شعب الإيمان، وقد أوصلها إلى تسع وسبعين شعبة، والبضع من الثلاثة إلى التسعة، فجعلها أعلى البضع، وقد تتبعها من النصوص، وتقدم قريباً أن في هذا رداً على المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال تصديق بالقلب فقط, يريدون أعمال القلوب فحسب أما أعمال الجوارح فهي عندهم ليست داخلة في مسمى الإيمان، ومثل هذا الحديث حديث وفد عبد القيس المتقدم وفيه: (آمركم بالإيمان بالله وحده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأداء الخمس)، فقد أدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وهذا الحديث رواه الشيخان، وحديث وفد عبد القيس رواه الشيخان.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال أبو حاتم : أشار النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر إلى الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في جميع الأحوال، فجعله أعلى الإيمان ].

    فذكر أن أعلاها: قول لا إله إلا الله، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى ..) ثم بين أن بين الأعلى والأدنى شعباً متفاوتة، منها ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، فالصلاة شعبة، والزكاة شعبة، والصوم شعبة، وأعلى تلك الشعب على الإطلاق هي كلمة التوحيد، وأدنى تلك الشعب أن تميط الأذى، (والحياء شعبة من الإيمان)، وهو عمل قلبي.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ثم أشار إلى الشيء الذي هو نفل للمخاطبين في كل الأوقات، فجعله أدنى الإيمان - وهو الإماطة - فدل ذلك على أن كل شيء فُرض على المخاطبين في كل الأحوال، وكل شيء فُرض على بعض المخاطبين في بعض الأحوال، وكل شيء هو نفل للمخاطبين في كل الأحوال كله من الإيمان -كالفرائض والنوافل فإنها كلها من الإيمان- وأما الشك في أحد العددين فهو من سهيل بن أبي صالح في الخبر كذلك قاله معمر عن سهيل -يعني: بضع وستون أو بضع وسبعون- وقد رواه سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح مرفوعاً وقال: (الإيمان بضع وستون شعبة) -وهذه رواية البخاري - ولم يشك وإنما تنكبنا خبر سليمان بن بلال - أي تركناه وملنا عنه- في هذا الموضع واقتصرنا على خبر سهيل بن أبي صالح ؛ لنبين أن الشك في الخبر ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو كلام سهيل بن أبي صالح كما ذكرناه ].

    وهذا الخبر رد على بعض الأحناف المتعصبين للمرجئة فيما يرون من أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، حيث يقولون: الحديث فيه شك؛ لأن بعض رواياته تقول: بضع وسبعون، وبعضها بضع وستون وعلى هذا فلا يعتمد دليلاً على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، كل ذلك نصرة لمذهبهم: أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وهذا كلام باطل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشك، وإنما الشك من الراوي.

    1.   

    التحقق في قوله: بضع وستون أو بضع وسبعون

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به سهيل بن أبي صالح :

    أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال: حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو عامر العقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) ].

    فذكر أنها بضع وستون شعبة ولم يرد في هذه الرواية شك.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال أبو حاتم : اختصر سليمان بن بلال هذا الخبر فلم يذكر ذكر الأعلى والأدنى من الشعب، واقتصر على ذكر الستين دون السبعين، والخبر في بضع وسبعين خبر متقصى صحيح لا ارتياب في ثبوته، وخبر سليمان بن بلال خبر مختصر غير متقصى، وأما البضع فهو اسم يقع على أحد أجزاء الأعداد؛ لأن الحساب بناؤه على ثلاثة أشياء: على الأعداد والفصول والتركيب، فالأعداد من الواحد إلى التسعة والفصول: هي العشرات، والمئون، والألوف، والتركيب: ما عدا ما ذكرنا. وقد تتبعت معنى الخبر مدة، وذلك أن مذهبنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم قط إلا بفائدة، ولا من سننه شيء لا يعلم معناه فجعلت أعد الطاعات من الإيمان، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيرا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان، فإذا هي تنقص من البضع والسبعين، فرجعت إلى ما بين الدفتين من كلام ربنا وتلوته آية آية بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله جل وعلا من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد منها، فإذا كل شيء عده الله جل وعلا من الإيمان في كتابه وكل طاعة جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان في سننه تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا ينقص منها شيء ].

    و ابن حبان رحمه الله أبدى عناية في هذا الحديث فذكر أن الرسول قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة)، والبضع من ثلاثة إلى تسعة، وعلى ذلك فيمكن أن يصل العدد إلى تسع وسبعين، فأخذت أعد كل طاعة أعدها الله من الإيمان فوجدتها تنقص على البضع والسبعين، فرجعت إلى السنة فعددت كل طاعة جعلها الرسول من الإيمان فوجدتها تنقص، ثم رجعت مرة أخرى فتدبرت القرآن آية آية ثم ضممت ما في السنة إلى ما في الكتاب وأسقطت المكرر فوصلت إلى تسعة وسبعين شعبة.

    وهو في صنيعه هذا قد وافق البيهقي , فقد عدها البيهقي في كتابه شعب الإيمان، فأوصلها إلى تسع وسبعين شعبة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فعلمت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم كان في الخبر أن الإيمان بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن، فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر شعبه في كتاب: وصف الإيمان وشعبه. ].

    قال القاضي عياض فيما نقله الحافظ في الفتح: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة.

    ولا يقدح عدم معرفة ذلك على التفصيل في الإيمان، قال الحافظ : وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان ، لكن لم نقف على بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه ما أذكره وهو.. ثم سردها الشيخ

    قوله: مما أوردوه يعني: ما أورده العلماء اجتهاداً منهم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فذكرت هذه المسألة بكمالها بذكر شعبه في كتاب: (وصف الإيمان وشعبه)، بما أرجو أن فيه الغنية للمتأمل إذا تأملها فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب، والدليل على أن الإيمان أجزاء بشعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خبر عبد الله بن دينار : (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله) فذكر جزءاً من أجزاء شعبه هي كلها فرض على المخاطبين في جميع الأحوال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: وأني رسول الله والإيمان بملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار وما يشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة ].

    لأن ذلك داخل في كلمة التوحيد، فإذا أطلقت إحدى الشهادتين تدخل فيها الأخرى.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واقتصر على ذكر جزء واحد منها حيث قال: (أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله)، فدل هذا على أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان، ثم عطف فقال: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فذكر جزءاً من أجزاء شعبه هي نفل كلها للمخاطبين في كل الأوقات، فدل ذلك على أن سائر الأجزاء التي هي من هذه الشعبة وكل جزء من أجزاء الشعب التي هي من بين الجزأين المذكورين في هذا الخبر اللذين هما من أعلى الإيمان وأدناه كله من الإيمان ].

    أي: ذكر أعلاها وأدناها وترك ما بينهما من الشعب.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (الحياء شعبة من الإيمان)، فهو لفظة أطلقت على شيء بكناية سببه، وذلك أن الحياء جبلة في الإنسان، فمن الناس من يكثر فيه، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليل صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء، فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه، صح أن من وجد فيه أكثر كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل كان إيمانه أنقص، والحياء في نفسه: هو الشيء الحائل بين المرء وبين ما يباعده من ربه عن المحظورات، فكأنه صلى الله عليه وسلم جعل ترك المحظورات شعبة من الإيمان بإطلاق اسم الحياء عليه على ما ذكرناه ].

    1.   

    الأخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ذكر الإخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما:

    قال: أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن المنهال الضرير قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميرى حاجين أو معتمرين وقلنا: لعلنا لقينا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ].

    وفي اللفظ: لو وفق أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ فنسأله عن القدر فلقينا ابن عمر فظننت أنه يكل الكلام إلي فقلنا: يا أبا عبد الرحمن قد ظهر عندنا أناس يقرءون القرآن يتقفرون العلم تقفرا ].

    قوله: يتقفرون العلم: أي: يطلبون العلم ويقرءون القرآن، أي: أن في البصرة أناساً يقرءون القرآن ويطلبون العلم، ولكنهم يعتقدون هذه العقيدة الخبيثة وهي نفي القدر.

    قول المصنف رحمه الله: [ يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف ].

    أي: ينفون القدر، ويقولون: لا قدر، أولم يقدر الله الأشياء، قوله: وأن الأمر أنف، أي: مستأنف وجديد، فلا يعلم به الله حتى يقع، فإذا وقع علمه الله، وهؤلاء كفرة، وهم القدرية الأولى، الذين أنكروا علم الله، ونسبوا الله للجهل، وقد انقرضوا، ثم بقي عامة القدرية الذين يثبتون العلم والكتابة لكن ينفون عموم الإرادة وعموم الخلق.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال: فإن لقيتهم فأعلمهم أني منهم بريء وهم مني برآء والذي يحلف به ابن عمر : لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ثم لم يؤمن بالقدر لم يقبل منه، ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالساً، إذ جاء رجل شديد سواد اللحية، شديد بياض الثياب، فوضع ركبته على ركبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت) ] .

    ويقصد بهذه الأركان الإسلام الظاهر.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ (قال: صدقت قال: فعجبنا من سؤاله إياه وتصديقه إياه، قال: فأخبرني: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره حلوه ومره. قال: صدقت قال : فعجبنا من سؤاله إياه وتصديقه إياه) ].

    وهذه خصال الإيمان, إذ الإيمان: أمور باطنة، فجميع هذه الخصال باطنة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ (قال: فأخبرني: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم من السائل، قال: فما أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال : فتولى وذهب فقال عمر : فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ثالثة، فقال: يا عمر ! أتدري من الرجل؟ قلت: لا، قال: ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) ].

    وهذا الحديث رواه البيهقي في صحيحه مطولاً، ورواه الشيخان من حديث أبي هريرة مختصراً، وفي الحديث بيان خصال الإسلام، وخصال الإيمان، وفي آخر الحديث قال: (أتاكم جبريل يعلمكم دينكم -وفي لفظ- أمر دينكم)، فدل على أن الدين له مراتب ثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وقد أتى به المؤلف ليبين خصال الإسلام وخصال الإيمان. وقد ترجم له كما تقدم ذكر الإخبار عن وصف الإسلام والإيمان بذكر جوامع شعبهما.

    وعند المحققين من أهل العلم أن الإسلام والإيمان يختلف معناهما بالاقتران والافتراق، فإذا اقترنا كما في هذا الحديث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة.

    وإذا جاء أحدهما وحده وأطلق دخل فيه الآخر، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ [آل عمران:19] فالإسلام هنا يشمل الأعمال الباطنة والظاهرة كذلك، الإيمان إذا أطلق وحده دخل فيه الإسلام والإيمان، هذا هو الصواب، أما إذا اجتمعا فيكون لكل واحد منهما معنى.

    1.   

    ذكر خبر أوهم أن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون العمل بالجوارح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ ذكر خبر ثان أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الإيمان بكماله هو الإقرار باللسان دون أن يقرنه الأعمال بالأعضاء.

    أخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير حدثنا إبراهيم بن بسطام حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وعبد العزيز بن رفيع عن زيد بن وهب عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) ].

    وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم .

    وفيه دليل على أن الموحد من أهل الجنة ولو فعل الكبائر إذا مات على التوحيد لا بد أن يدخل الجنة إن عاجلاً أو آجلاً، لكن إن مات على توبة نصوح من الكبائر دخل الجنة من أول وهلة، وأما من مات على الكبائر: كالزنا والسرقة، وشرب الخمر، فهو على خطر من دخول النار، قد يعذب وقد يعفى عنه، ولهذا قال: (وإن زنى وإن سرق) يعني: لا بد أن يدخل الجنة؛ لأنه موحد، وحتى قال: في بعض الروايات: (وإن زنى وإن سرق؟! كررها ثلاثاً، قال في الثالثة: وإن رغم أنف أبي ذر).

    ولهذا الحديث قد يظن بعض الناس أن الإيمان هو الإقرار فقط، وأن من قال: لا إله الله دخل الجنة، وهذا كما ذكر المؤلف رحمه الله ليس بصحيح، فلا بد من العمل؛ ولا بد من أداء الواجبات إذا تمكن، والصلاة لا بد منها، ومن لم يصل وتمكن من الصلاة لا ينفعه قول: لا إله إلا الله؛ لأن ترك الصلاة يخل بصحة لا إله إلا الله، وإذا قال: لا إله إلا الله وامتنع عن الصلاة، سقط التوحيد والعياذ بالله.

    وقوله في الترجمة: (ذكر خبر ثان أوهم من لم يحكم صناعة الحديث أن الإيمان بكماله هو الإقرار باللسان دون أن يقرنه الأعمال بالأعضاء).

    إذاً النصوص يُضم بعضها إلى بعض؛ لحديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياة شعبة من الإيمان)، وهنا قال: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) يعني: قالها عن إخلاص وصدق، عن إخلاص فلم يدخل في عمل الشرك، وعن صدق فلم يكن منافقاً، وقال عن يقين، ومن قال ذلك عن إخلاص وصدق ويقين فلابد أن يعبد الله بجوارحه، فإذا لم يعبد دل على أنه غير مخلص وغير صادق، فهذا الحديث قد يحتج به بعض الجهلة على أن الإيمان مجرد إقرار باللسان وهذا باطل، فإن الذي يقول: لا إله إلا الله عن إخلاص وصدق لابد أن يعمل، فإذا لم يعمل دل على أنه لم يقلها عن إخلاص وصدق فلا تنفع، ولهذا قيدت كما في الحديث: (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه -وفي رواية- مخلصاً دخل الجنة).

    1.   

    ذكر الخبر المدحض لمن زعم أن حديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) كان بمكة قبل نزول الأحكام

    [ ذكر الخبر المدحض قول من زعم من أئمتنا أن هذا الخبر كان بمكة في أول الإسلام قبل نزول الأحكام ].

    يعني: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قالوا: إن هذا كان في أول الإسلام، وهذا ليس بصحيح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن زيد بن وهب قال: أشهد لسمعت أبا ذر بالربذة يقول: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر ! ما يسرني أن أحداً لي ذهباً أمسي وعندي منه دينار إلا أصرفه لدين، ثم مشى ومشيت معه، فقال: يا أبا ذر ! قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك! فقال: إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، ثم قال: يا أبا ذر ! لا تبرح حتى آتيك، ثم انطلق حتى توارى، فسمعت صوتاً فقلت: أنطلق) ].

    يعني: خاف على النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يذهب ليطمئن عليه، لكن ذكر قوله: (لا تبرح المكان) فمكث في مكانه.

    قال:[ (ثم ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لي، فلبثت حتى جاء، فقلت: يا رسول الله! إني سمعت صوتاً، فأردت أن أدركك، فذكرت قولك لي، فقال: ذاك جبريل أتاني فأخبرني: أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق).

    قال: أخبرنا القطان بالرقة حدثنا هشام بن عمار حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ].

    وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن تتصدق مما أعطاك الله؛ لأن الأكثرين من أهل الأموال هم الأقلون يوم القيامة.

    وهذا الحديث رواه الشيخان.

    1.   

    ذكر الخبر الموهم بأن الإيمان هو الإقرار بالله وحده دون جعل الطاعات من شعبه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر خبر أوهم عالماً من الناس أن الإيمان هو الإقرار بالله وحده دون أن تكون الطاعات من شعبه.

    أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو خالد الأحمر عن أبي مالك الأشجعي قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله) ].

    هذا الحديث فيه دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأن من وحد الله لابد وأن يأتي بالعمل؛ لأن من شروط التوحيد الصلاة، والبعد عن الشرك.

    قوله: [ من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ].

    أي: أن من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله، فلابد أن يعبد الله، وتوحيد الله لابد فيه من أداء الشروط، ومنها: أن يكون عمله خالصاً، وأن يؤدي ما أوجب الله عليه من شروط الإيمان ومقتضيات الإيمان، من الابتعاد عن الشرك بجميع أنواعه.

    وهذا الحديث أخرجه مسلم .

    إذاً: هذا الحديث فيه دليل على أنه لابد من شيئين: إيمان بالله، وكفر بالطاغوت، فالإيمان بالله هو أن يوحد الله، والكفر بالطاغوت هو أن يكفر بما يعبد من دون الله، قال سبحانه وتعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [البقرة:256].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر وصف قوله صلى الله عليه وسلم: (وحد الله وكفر بما يعبد من دونه).

    أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي جمرة قال: (كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فقال: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الوفد أو من القوم؟ قالوا: ربيعة ، قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى، قالوا: يا رسول الله! إنا نأتيك من شقة بعيدة، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، وقال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت -قال شعبة : وربما قال: والنقير، وربما قال: المقير- وقال: احفظوه وأخبروه من وراءكم) ].

    يعني: هذا الحديث يفسر الحديث السابق: (من وحد الله) فهنا فسر الإيمان بالأعمال، قال: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان) فإذاً: في هذا الحديث فسر الإيمان بهذه الأعمال، فالمؤلف يقول: هذا الحديث يفسر الحديث السابق: (من وحد الله) أي: من توحيد الله: الصلاة والزكاة والصوم وأداء الخمس.

    وهذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم .

    1.   

    ما جاء في أن الإيمان شعب وأجزاء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ ذكر البيان بأن الإيمان والإسلام شعب وأجزاء، غير ما ذكرنا في خبر ابن عباس وابن عمر بحكم الأمينين: محمد وجبريل عليهما السلام.

    أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا يوسف بن واضح الهاشمي قال: حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر قلت: يا أبا عبد الرحمن -يعني ابن عمر - إن أقواماً يزعمون أن ليس قدر، قال: هل عندنا منهم أحد؟ قلت: لا. قال: فأبلغهم عني إذا لقيتهم: أن ابن عمر يبرأ إلى الله منكم وأنتم برآء منه، حدثنا عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس، إذ جاءه رجل ليس عليه سحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطى حتى ورك، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وأن تتم الوضوء، وتصوم رمضان. قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم. قال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وتؤمن بالجنة والنار، والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم، قال: صدقت، قال: يا محمد! ما الإحسان؟ قال: الإحسان: أن تعمل لله كأنك تراه، فإنك إن لا تراه فإنه يراك، قال: فإذا فعلت هذا فأنا محسن؟ قال: نعم، قال: صدقت. قال: فمتى الساعة؟ قال: سبحان الله! ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها، قال: أجل، قال: إذا رأيت العالة الحفاة العراة يتطاولون في البنيان وكانوا ملوكاً. قال: ما العالة الحفاة العراة؟ قال: العُرَيْبُ، قال: وإذا رأيت الأمة تلد ربتها، فذلك من أشراط الساعة، قال: صدقت، ثم نهض، فولى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلب، فلم نقدر عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، والذي نفسي بيده ما شُبِّهَ علي منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولى).

    قال أبو حاتم : تفرد سليمان التيمي بقوله: (خذوا عنه)، وبقوله: (تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء) ].

    وتفرد سليمان التيمي بقوله: (خذوا عنه) وبقوله: (تعتمر وتغتسل وتتم الوضوء) لا تكون شاذة؛ لأنه

    ثقة، وزيادة الثقة مقبولة.

    وهذا حديث جبريل المشهور الطويل في بيان الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، ثم قال: (أتاكم يعلمكم دينكم)، فدل على أن الدين ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، والإسلام إذا اجتمع مع الإيمان فيفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بأعمال القلوب.

    قوله: (ما شبه علي) يعني: ما عرفه، حتى ولى، فلما ولى عرفه.

    قال: (فلبث ملياً) جاء في بعض الروايات: (ثلاثة أيام) وفي بعضها (ثلاث ليال).

    واحتج بهذا الحديث على وجوب العمرة، وبعضهم طعن في هذه الزيادة وقال: إن هذه الزيادة شاذة.

    وسليمان التيمي قال عنه في التقريب: صدوق يخطئ، لكن كان قليل الخطأ، والنسائي وغيره من المتقدمين يرون التفرد شذوذاً ويرى المتأخرون أن التفرد إذا كان من ثقة فلا يعتبر شذوذاً؛ لأن زيادة الثقة مقبولة.

    1.   

    ما جاء في أن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى من الإيمان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:[ ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم من الإيمان.

    أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي بالبصرة حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وآمنوا بي وبما جئت به، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) تفرد به الدراوردي قاله الشيخ ].

    قوله: (ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم من الإيمان).

    هذا واجب.

    وقوله: (تفرد به الدراوردي قاله الشيخ)

    قال في الحاشية: (هذا وهم من ابن حبان فقد تابعه عليه روح بن القاسم وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام كما تقدم في التخريج).

    قوله: (قاله الشيخ) يرجع لمقدمة ابن حبان ليعلم مراده بذلك.

    1.   

    ما جاء في أن الإيمان بكل ما أتى به النبي من الإيمان مع العمل به

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر البيان بأن الإيمان بكل ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان مع العمل به.

    أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله).

    قال أبو حاتم : تفرد به شعبة .

    وفي هذا الخبر بيان واضح: بأن الإيمان أجزاء وشعب تتباين أحوال المخاطبين فيها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر في هذا الخبر: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، فهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فرض على المخاطبين في جميع الأحوال.

    ثم قال: (ويقيموا الصلاة) فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال.

    ثم قال: (ويؤتوا الزكاة) فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر من الإيمان ].

    يعني: ذكر ما يجب على كل أحد، أو ما يجب في بعض الأحيان من البعض.

    1.   

    ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه.

    أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (قال رجل: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسناتك وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن، قال: يا رسول الله! فما الإثم؟ قال: إذا حاك في قلبك شيء فدعه) ].

    قال في الحاشية: (إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه أحمد والطبراني ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي )

    وهذا يدل على إطلاق الإيمان على بعض الإيمان، (وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن) فهنا أطلق الإيمان على جزء الإيمان.

    1.   

    ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى جزءاً من بعض أجزائه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى جزءاً من بعض أجزائه.

    أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ حدثنا أبي حدثنا عاصم بن محمد عن عامر بن السمط عن معاوية بن إسحاق بن طلحة ، قال: حدثني ثم استكتمني أن أحدث به ما عاش معاوية ، فذكر عامر قال: سمعته وهو يقول: حدثني عطاء بن يسار وهو قاضي المدينة، قال: سمعت ابن مسعود وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيكون أمراء من بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده).

    قال عطاء : فحين سمعت الحديث منه انطلقت به إلى عبد الله بن عمر فأخبرته، فقال: أنت سمعت ابن مسعود يقول هذا؟ كالمدخل عليه في حديثه، قال عطاء : فقلت: هو مريض فما يمنعك أن تعوده؟ قال: فانطلق بنا إليه، فانطلق وانطلقت معه، فسأله عن شكواه، ثم سأله عن الحديث قال: فخرج ابن عمر وهو يقلب كفه، وهو يقول: ما كان ابن أم عبد يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    نعم، هذا رواه الإمام مسلم في صحيحة بدون: (لا إيمان بعده).

    وفيه: أن من الإيمان مجاهدة الأمراء باللسان وباليد، وأن إنكار المنكر من الإيمان.

    1.   

    ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء شعب الإقرار

    قال المؤلف رحمه الله: [ ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء شعب الإقرار.

    أخبرنا الفضل بن الحباب حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور عن ربعي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر) ].

    هذا الحديث أخرجه الحاكم والطيالسي ومن طريقه الترمذي ، وأخرجه أحمد .

    والإقرار من الإيمان يعني: أن يقر فهذا من شعب الإيمان، والتصديق شعبة من شعب الإيمان.

    1.   

    ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة.

    أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عبيد الله بن معاذ بن معاذ حدثنا أبي عن شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) ].

    يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فإذا قدم محبة الولد والوالد والوالدة على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فإن إيمانه يكون ناقصاً.

    قوله في الترجمة: (ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى بجزء من أجزاء الشعبة التي هي المعرفة).

    يعني: المعرفة كونه يعرف هذا الشيء بقلبه، والإقرار يعني: أن يصدق بقلبه، فالمعرفة أعم والإقرار أخص. والحديث فيه أنك إذا صرت تشتغل وقت الصلاة والناس يصلون ولم تصل إلا بعد ما فاتت الجماعة، فقد قدمت الآن محبة العمل على محبة الله ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا إيمانه ناقص ضعيف، ولو كنت صاحب إيمان كامل فإنك إذا سمعت الأذان تسرع إلى المسجد وتترك العمل.

    إذاً: الذي يحب الرسول عليه الصلاة والسلام لا يقدم العمل على طاعته صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ما جاء في إطلاق اسم الإيمان على من أمنه الناس على أنفسهم وأملاكهم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أمنه الناس على أنفسهم وأملاكهم.

    أخبرنا إسماعيل بن داود بن وردان بمصر حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) ].

    يعني: المسلم الكامل من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن الكامل من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والذي لا يسلم الناس من لسانه هو مسلم، لكنه مسلم ناقص، والذي لا يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم مؤمن لكنه ضعيف الإيمان.

    1.   

    ما جاء في الرد على من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ].

    هذا فيه رد على المرجئة.

    قال: [ أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب، حدثنا أبو داود السنجي سليمان بن معبد حدثنا ابن أبي مريم حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان سبعون أو اثنان وسبعون باباً، أرفعه لا إله إلا الله، وأدناه إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ].

    وهذا الحديث فيه دليل على أن الإيمان شعب متعددة، وكلما نقصت شعبة نقص الإيمان، والإيمان بضع وسبعون شعبة (أعلاها: قول لا إله إلا الله هذه شعبة قولية، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق هذه شعبة عملية، والحياء شعبة من الإيمان، هذه شعبة قلبية، فمن قال: الإيمان شيء واحد فقد خالف النص، وهذا الحديث رواه الشيخان، رواه مسلم بلفظ: (بضع وسبعون)، ورواه البخاري بلفظ: (بضع وستون).

    وقوله: (أخبرنا الحسين بن محمد بن مصعب بخبر غريب غريب).

    يحتمل أنه غريب من حيث السند، مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات) فهو غريب، وهنا صح الحديث، قال في الحاشية: (إسناده صحيح على شرطهما، ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أبو محمد المصري ثقة ثبت، ويحيى بن أيوب هو الغافقي أخرج حديثه الجماعة، قال الحافظ في التقريب: صدوق ربما أخطأ، وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني روى له الجماعة، وأخرجه ابن مندة في الإيمان).

    [ قال أبو حاتم : الاقتصار في هذا الخبر على هذا العدد المذكور في خبر ابن الهاد مما نقول في كتبنا: إن العرب تذكر العدد للشيء، ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفياً عما وراءه، ولهذا نظائر نوعنا لهذا أنواعاً، سنذكرها بفصولها فيما بعد إن شاء الله تعالى ].

    يعني: ليس المقصود من هذا الحصر، وإنما هذا يجري على عادة العرب ولا يقصدون به الحصر لكن البيهقي ألف كتاباً اسمه: (شعب الإيمان) وأوصلها إلى بضع وسبعين شعبة، والبضع من ثلاثة إلى تسعة.

    1.   

    ما جاء في الرد على من زعم أن إيمان المسلمين واحد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن إيمان المسلمين واحد، من غير أن يكون فيه زيادة أو نقصان.

    أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي حدثنا علي بن المديني حدثنا معن بن عيسى حدثنا مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان، فيخرجون منها حمماً، فيلقون في نهر في الجنة، فينبتون كما تنبت حبة في جانب السيل، ألم ترها صفراء ملتوية؟) ].

    هذا الحديث أصله في صحيح البخاري وقوله: (أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) فيه دليل على أن الإيمان يتفاوت، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان واحد، وقولهم: هذا باطل، فإن الناس يتفاوتون في الإيمان تفاوتاً عظيماً، وفيه دليل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا مثقال حبة من خردل.

    1.   

    ما جاء في أن إخراج من كان في قلبه قدر قيراط من إيمان كان قبل إخراج من في قلبه حبة خردل من إيمان

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر البيان بأن قوله صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا من كان في قلبه حبة خردل من إيمان) أراد به بعد إخراج من كان في قلبه قدر قيراط من إيمان ].

    أي: أنهم أخرجوا أولاً من كان في قلبه أكثر من حبة خردل من إيمان، ثم الذين أقل منهم إيماناً.

    قال: [ أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا يحيى بن أبي رجاء بن أبي عبيدة الحراني حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مُيِّزَ أهل الجنة وأهل النار، يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قامت الرسل فشفعوا، فيقال: اذهبوا فمن عرفتم في قلبه مثقال قيراط من إيمان فأخرجوه، فيخرجون بشراً كثيراً، ثم يقال: اذهبوا فمن عرفتم في قلبه مثقال خردلة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون بشراً كثيراً، ثم يقول جل وعلا: أنا الآن أخرج بنعمتي وبرحمتي، فيخرج أضعاف ما أخرجوا، وأضعافهم قد امتحشوا وصاروا فحماً، فيلقون في نهر، أو في نهر من أنهار الجنة، فتسقط محاشهم على حافة ذلك النهر) ].

    يعني: ما أكلت النار منهم، فيزال أثر الاحتراق بماء النهر.

    قال: [ (فيعودون بيضاً مثل الثعارير، فيكتب في رقابهم: عتقاء الله، ويسمون فيها الجهنميين). قال: الثعارير: القثاء الصغار، قاله الشيخ ].

    والحديث أخرجه مختصراً مسلم من طريق يزيد الفقير عن جابر بنحوه، باب: أدنى أهل الجنة منزلة.

    وهذا الحديث فيه الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون بخلود العصاة في النار، ففيه دليل على أن العصاة يخرجون من النار ولا يبقون فيها إذا كانوا موحدين.

    وفيه أنه من في قلبه قيراط أخرج، ثم من في قلبه مثقال حبة من خردل، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يشفع الله شفاعات كل مرة يحد الله لهم حداً، في بعضها: أخرجوا من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وفي المرة التي بعدها: أخرجوا من في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، وفي المرة التي بعدها: أخرجوا من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان).

    وفيه دليل على أن الإيمان يضعف حتى لا يبقى منه إلا قليل؛ لأن المعاصي إذا كثرت تضعف الإيمان، لكن لا تقضي عليه فإنه لا يقضي عليه إلا الكفر الأكبر، والنفاق الأكبر، والشرك الأكبر، أما المعاصي وإن عظمت فإنها لا تقضي على الإيمان، وإنما تضعفه حتى لا يبقى إلا مثقال حبة من خردل من إيمان، فيبقى معهم أصل التوحيد وبه يخرجون من النار فضلاً من الله سبحانه، أما الكفرة فلا يخرجون من النار؛ لأن الجنة حرام عليهم نسأل الله العافية.

    وتارك الصلاة ليس معه شيء من الإيمان؛ لأن الصلاة شرط في صحة الإيمان، مثل الوضوء شرط لصحة الصلاة، فهل تصح الصلاة بدون وضوء؟! كذلك لا يصح الإيمان بدون صلاة.

    1.   

    ما جاء في أن من يخرجون من النار يرش أهل الجنة عليهم الماء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الإخبار بأنهم يعودون بيضاً بعد أن كانوا فحماً يرش أهل الجنة عليهم الماء.

    أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف بن حمزة حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا بشر بن المفضل عن أبي مسلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون) ].

    أي: الكفرة هم أهلها ولا يخرجون منها، أما المؤمن فدخوله عارض؛ بسبب المعاصي.

    قال: [ (ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال: بخطاياهم-، حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أهل الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم، قال: فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) ].

    يعني: يحمله السيل، كما يحمل العيدان والحبة في طرف الوادي تنبت سريعة.

    قال: [ (فقال رجل من القوم: كأنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبادية) ].

    يعني: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاهد هذا.

    1.   

    ما جاء في الرد على من زعم أن الإيمان لم يزل على حالة واحدة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن الإيمان لم يزل على حالة واحدة من غير أن يدخله نقص أو كمال.

    أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: (قال يهودي لـعمر : لو علمنا معشر اليهود متى نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، ولو نعلم اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيداً، فقال عمر رضي الله عنه: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه والليلة التي أنزلت يوم الجمعة، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات) ].

    قوله: (ولو علمنا معشر اليهود متى نزلت هذه الآية لاتخذناه عيداً) هذا فيه نظر واليهود لا يتخذونه عيداً؛ لأنهم باقون على يهوديتهم، لكن القول المعروف أنه قال: (لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا يومها عيداً) وهذا الحديث أخرجه النسائي في الحج، ومسلم في التفسير.

    1.   

    الأسئلة

    الدعاء بجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم لا ينافي حكمة الله في تفرقهم

    السؤال: هل الدعاء للمسلمين بأن يوحدهم الله ويجمع كلمتهم يكون مخالفاً لحكمة الله في تفرقهم شيعاً وأحزاباً كما أخبر الله جل وعلا بذلك؟

    الجواب: لا، هذا مطلوب، نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين، وأن يوحد صفوفهم، والدعاء لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم ينبغي لكل مسلم أن يدعو به.

    وجه عموم حديث: (لعن الله اليهود والنصارى ..) وحمله على الدعاء عليهم بالهلاك العام

    السؤال: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله اليهود والنصارى) أليس يدل على الدعاء عليهم بالعموم؟

    الجواب: الحديث يفيد الدعاء بالعموم، لكن ليس هو الدعاء عليهم بالهلاك العام بحيث لا يبقى منهم أحد، وإنما لأنهم ما داموا على كفرهم وعنادهم فهم مطرودون من رحمة الله، لكن هم باقون في الدنيا.

    حكم ما أخذه المرء من حقوق الناس قبل إسلامه

    السؤال: إذا سرق الشخص قبل إسلامه فهل يجب عليه رد ما سرق؟

    الجواب: إذا كان يعرف صاحبه رده إليه؛ لأن الحقوق لا بد من أدائها، والإسلام يجب ما قبله فيما بينه وبين الله، لكن حقوق الناس لا بد أن يؤديها.

    ما جاء في صلاة الإشراق

    السؤال: هل هناك ركعتان خاصة بالإشراق؟

    الجواب: جاء في الحديث: (أن من جلس في مصلاه بعد صلاة الفجر، ثم صلى ركعتين كان كحجة وعمرة) هذا الحديث فيه ضعف، لكن له طرق وشواهد يقوي بعضها بعضاً، وجاء في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس حتى تكون الشمس حسناء)، وأول صلاة الضحى تبدأ من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال، وبعض الناس يسميها سنة الإشراق.

    حكم البطاقة الشخصية للنساء

    السؤال: ما حكم البطاقة للنساء؟

    الجواب: البطاقة للنساء هذا ليس إلينا، ونسأل الله أن يصلح الأحوال، والعلماء قد بذلوا الجهود في هذا، نسأل الله أن يوفقهم لما فيه الخير.