إسلام ويب

شرح صحيح ابن حبان كتاب العلم [2]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من توفيق الله للعبد وإرادته الخير له أن يفقهه في الدين، ومن فقهه الله في الدين فيجوز أن يغبطه الإنسان ويتمنى أن يعلمه الله كما علم ذاك الرجل. ومن فقهه الله في الدين فلا ينبغي له أن يكتم العلم إلا لحاجة شرعية، كما أن عليه ألا يفتخر على الناس بعلمه، وأن يتواضع لمن سأله عن هذا العلم.

    1.   

    ما جاء في إرادة الله خير الدارين بمن تفقه في الدين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر إرادة الله جل وعلا خير الدارين بمن تفقه في الدين.

    أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) ].

    هذا الحديث فيه أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به خيراً، أما من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيراً.

    والحديث أخرجه البخاري .

    1.   

    ما جاء في إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر إباحة الحسد لمن أوتي الحكمة وعلمها الناس.

    أخبرنا محمد بن يحيى بن خالد أنبأنا محمد بن رافع حدثنا مصعب بن المقدام حدثنا داود الطائي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها) ].

    الحديث رواه الشيخان، والحسد هنا هو الغبطة، والحكمة هي العلم النافع، وجاء في الحديث الآخر: (رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الله وآناء النهار) .

    والحكمة هي العلم النافع، وهي مأخوذة من القرآن والسنة، والغبطة مشروعة، وهي أن يتمنى المرء أن يكون مثل فلان في أعمال الخير، مع عدم تمني زوال النعمة عن الغير.

    1.   

    ما جاء في أن من خيار الناس من حسن خلقه في فقهه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر البيان بأن من خيار الناس من حسن خلقه في فقهه.

    أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع حدثنا هدبة بن خالد القيسي حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: (خيركم أحاسنكم أخلاقاً، إذا فقهوا) ].

    هذا عام، لكن إذا اجتمع الفقه مع حسن الخلق فيكون أفضل، وحسن الخلق هو بسط الوجه وكف الأذى وبذل المعروف.

    1.   

    ما جاء في أن خيار المشركين هم الخيار في الإسلام إذا فقهوا

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر بيان بأن خيار المشركين هم الخيار في الإسلام إذا فقهوا.

    أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الناس معادن في الخير والشر، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) ].

    فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان من الخيار في الجاهلية، وكان من الخيار في الإسلام، وغيره من الصحابة.

    يعني: كانوا قبل إسلامهم عندهم شجاعة وإكرام للضيف فهم أخيار، ويعملون الأعمال الخيرة، فلما أسلموا استمروا على تلك الصفات الحميدة فصاروا خياراً.

    1.   

    ما جاء في أن العلم من خير ما يخلف المرء بعده

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر البيان بأن العلم من خير ما يخلف المرء بعده.

    أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة هو الحراني حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خير ما يخلف الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم ينتفع به من بعده) ].

    هذا الحديث رواه الإمام مسلم بمعناه من حديث أبي هريرة : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

    [ قال أبو حاتم رضي الله عنه: قد بقي من هذا النوع أكثر من مائة حديث بددناها في سائر الأنواع من هذا الكتاب، لأن تلك المواضع بها أشبه ].

    يعني: هناك أكثر من مائة حديث تتعلق بهذا الموضوع، قد ذكرها المؤلف في كتابه في أبواب متفرقة.

    1.   

    ما جاء في الأمر بإقالة زلات أهل العلم والدين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الأمر بإقالة زلات أهل العلم والدين.

    أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سعيد بن عبد الجبار ومحمد بن الصباح وقتيبة بن سعيد قالوا: حدثنا أبو بكر بن نافع العمري

    عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم) ].

    وفي رواية: (أقيلوا ذوي العثرات) يعني: الرجال المعروفين الذين لهم مكانة في المجتمع، وهم متسترون ثم تحصل لهم زلة أو غلطة فإنهم يقالون ويستر عليهم؛ لأنهم ليسوا معروفين بالسوابق، بخلاف الإنسان المعروف بالسوابق، فهذا لا ينبغي أن يقال، بل يقام عليه الحد.

    قال شعيب الأرنؤوط: أبو بكر بن نافع مولى زيد بن الخطاب ضعيف، وهو من رجال التهذيب، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، والخطيب في تاريخه، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان، وسنده حسن في الشواهد.

    1.   

    ما جاء في إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين.

    أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن الحكم البناني عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كتم علماً تلجَّم بلجِام من نار يوم القيامة) ].

    رواه ابن ماجة في السنن وفيه حماد بن سلمة وهو ممن اختلط.

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الصحيح، وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو في الحديث الذي بعده.

    والحديث رواه ابن ماجة في السنن ضعيف: (من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار) لكن النصوص من كتاب الله تؤيد ذلك، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] .

    وقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [آل عمران:187] .

    والنصوص من كتاب الله واضحة فيه.

    1.   

    ما جاء من التصريح بصحة الوعيد لمن كتم علماً يحتاج إليه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.

    أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب قال: حدثني عبد الله بن عياش بن عباس عن أبيه عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) ].

    قال المحقق: إسناده حسن في الشواهد، وأخرجه الحاكم وصححه.

    ووافقه الذهبي .

    أقول: سنده ضعيف عند ابن ماجة ، قد تكلم على رواته.

    1.   

    ما جاء في إباحة كتمان العالم بعض ما يعلم من العلم للمصلحة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر الدال على إباحة كتمان العالم بعض ما يعلم من العلم؛ إذا علم أن قلوب المستمعين له لا تحتمله.

    أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأبلة حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي حدثنا ابن إدريس عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم في بعض حيطان المدينة متوكئاً على عسيب، إذ جاءته اليهود، فسألته عن الروح، فنزلت: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]) ].

    وجه الدلالة أن الله تعالى أنزل هذه الآية عن الروح ولم يخبرهم عنه؛ لأنه لا مصلحة لهم في ذلك.

    1.   

    ما جاء في أن الأعمش لم ينفرد في سماع خبر سؤال اليهود عن الروح من عبد الله بن مرة

    1.   

    ما جاء في صحة سؤال اليهود للرسول عن الروح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر خبر ثان يصرح بصحة ما ذكرناه.

    أخبرنا أبو يعلى حدثنا مسروق بن المرزبان حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثني داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: (قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85] فقالوا: لم نؤت من العلم نحن إلا قليلاً، وقد أوتينا التوراة، ومن يؤت التوراة فقد أوتي خيراً كثيراً، فنزلت قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي [الكهف:109]) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، ومسروق بن المرزبان صدوق له أوهام.

    يحتمل أن قريشاً سألوا اليهود أن يعطوهم أسئلة يسألون بها النبي صلى الله عليه وسلم يعلمون بها صدق نبوته.

    1.   

    ما جاء في استحباب ترك المرء لسرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر ما يستحب للمرء من ترك سرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها.

    أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: (ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم) ].

    يعني: كانت تصلي صلاة السبحة وهي النافلة.

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه مسلم في الصحيح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال أبو حاتم رضي الله عنه: قول عائشة : (لرددت عليه) أرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه ].

    يعني: أنكرت عليه سرد الحديث لا أصل التحديث، وإلا فـأبو هريرة قد روى أحاديث كثيرة.

    1.   

    ما جاء في إباحة جواب المرء بالكناية عما يسأل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الإخبار عن إباحة جواب المرء بالكناية عما يسأل، وإن كان في تلك الحالة مدحه.

    أخبرنا أبو خليفة حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم غنيمة بالجعرانة، إذ قال له رجل: اعدل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ويلي لقد شقيت إن لم أعدل) ].

    هنا قال: (يا ويلي) وفي لفظ آخر قال: (ويلك، فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله) .

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.

    وفي بعض روايات مسلم : (لقد خبت وخسرت).

    قال النووي : روي بفتح التاء وبضمها، ومعنى الضم ظاهر، وتقدير لا أعدل؛ لكونك تابعاً ومقتدياً بمن لا يعدل، والفتح أشهر، والله أعلم.

    1.   

    ما جاء في أن على العالم ترك التصلف بعلمه ولزوم الافتقار إلى الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر الدال على أن العالم عليه ترك التصلف بعلمه، ولزوم الافتقار إلى الله جل وعلا في كل حاله ].

    التصلف من الصلف وهو الشدة، أو أن يمدح نفسه، فينبغي للعالم أن يتواضع، وأن يلزم الافتقار إلى الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس : (أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس : هو الخضر ، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: يا أبا الطفيل ، هلم إلينا فإني قد تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيِّه، فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه شيئاً؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال له: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فقال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بل عبدنا الخضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيِّه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك تلقاه، فسار موسى ما شاء الله أن يسير، ثم قال لفتاه: آتنا غداءنا، فقال لموسى حين سأله الغداء: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف:63] وقال موسى لفتاه: قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف:64] ، فوجدا خضراً، وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه في صحيحه، والبخاري وغيرهما.

    وجاء في البخاري : (هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله إذ لم ينسب العلم إليه، قال: بلى عبدنا خضر، قال: أين أجده يا رب؟ قال: في مجمع البحرين) فموسى لما سئل: من أعلم الناس؟ قال: أنا، وهذا ليس بجيد، ولذلك عتب الله عليه.

    1.   

    ما جاء في إباحة إجابة العالمِ السائلَ بالأجوبة على سبيل التشبيه والمقايسة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر الدال على إباحة إجابة العالم السائل بالأجوبة على سبيل التشبيه والمقايسة دون الفصل في القصة.

    أخبرنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا المخزومي حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عبيد الله بن عبد الله الأصم حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أرأيت جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء أين جعل؟ قال: الله أعلم، قال: فإن الله يفعل ما يشاء) ].

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ، وأخرجه البزار والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي .

    فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لهم مثالاً عن القيامة.

    والجنة أعلى وسقفها عرش الرحمن، والنار أسفل وأعلاها جهنم وأسفلها سقر فهي دركات.

    وهذا الحديث فيه دليل على القياس.

    1.   

    ما جاء في إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر الدال على إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور.

    أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث القوم جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال وكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا ذا. قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: فما إضاعتها؟ قال: إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة) ].

    هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح.

    وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الجواب، وأن التأخير بالجواب لا بأس به إذا كان هناك تعليم ضرورة تعرف في الحال.

    قال: (إذا اشتد الأمر فانتظر الساعة) والمحفوظ في رواية البخاري : (إذا وسد الأمر إلى غير أهله).

    1.   

    ما جاء في الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة ثم يجيب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة مدة، ثم يجيب ابتداء منه.

    أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي عون حدثنا الحسين بن الحسن المروزي حدثنا المعتمر بن سليمان حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، متى قيام الساعة؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فلما قضى الصلاة، قال: أين السائل عن ساعته؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير شيء ولا صلاة ولا صيام، أو قال: ما أعددت لها كبير عمل إلا أني أحب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المرء مع من أحب، أو قال: أنت مع من أحببت، قال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام مثل فرحهم بهذا) ].

    هذا نفس الحديث السابق، والترجمة تختلف قليلاً عما قبلها، قال في الترجمة السابقة: (ذكر الإباحة للعالم إذا سئل عن الشيء أن يغضي عن الإجابة مدة ثم يجيب ابتداء منه).

    والتي قبلها قال: (ذكر الخبر الدال على إباحة إعفاء المسئول عن العلم عن إجابة السائل على الفور).

    1.   

    ما جاء في إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر الدال على إباحة إلقاء العالم على تلاميذه المسائل التي يريد أن يعلمهم إياها ابتداءً، وحثه إياهم على مثلها.

    أخبرنا ابن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنا يونس عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن قبلها أموراً عظاماً، ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا حدثتكم به ما دمت في مقامي، قال أنس بن مالك : فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: سلوني سلوني، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة ، فلما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقول: سلوني، برك عمر بن الخطاب على ركبتيه، قال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لقد عرض علي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر) ].

    هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال هذا مغضباً عليه الصلاة والسلام، أغضبه بعض الناس وأراد أن يسأله على سبيل التعجيل، فصعد المنبر وقال: (لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلا حدثتكم به) وقال هذا بوحي من الله، وجعل يقول: (سلوني سلوني) فقام رجل يدعى عبد الله بن حذافة السهمي

    وكانوا قد شكوا في نسبه، وكان إذا تخاصم هو وغيره عيره بنسبه وأنه ليس بمعروف، فأراد أن يعرف، فقال للرسول: (من أبي؟ قال: أبوك حذافة ) يعني: ثبت نسبه. قال: أبوك حذافة السهمي .

    ويقال: إن أمه قالت له: ما رأيت ابناً عاقاً مثلك، ألا تخشى أن تكون أمك قد اقترفت ما يقترفه الجاهلية فتفضحها سائر الدهر؟ يعني: ما تخشى أن يكون يعني: أبوك غير معروف بسبب ما تفعل أمك من فعل أهل الجاهلية، فقال: لا، أنا أريد أن أعرف نفسي، والله لو ألحقني بكذا للحقت به فلما رأى عمر رضي الله عنه غضبه عليه الصلاة والسلام قال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً حتى سكن غضبه عليه الصلاة والسلام.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد عرض علي الجنة والنار) يعني: في تلك الحال عرضت عليه الجنة وعرضت النار فقال: (لم أر كاليوم في الخير والشر) فقد عرضت عليه الجنة والنار في وقت واحد.

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وهو في صحيحه، وأخرجه عبد الرزق ومن طريقه أخرجه أحمد والبخاري في الاعتصام.

    1.   

    ما جاء في أن المصطفى قد كان يعرض له الأحوال لإعلام أمته الحكم فيها لو حدثت بعده

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر الدال على أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد كان يعرض له الأحوال في بعض الأحايين، يريد بها إعلام أمته الحكم فيها لو حدث بعده صلى الله عليه وسلم.

    أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عبدة وأبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع قراءة رجل في المسجد، فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كنت أنسيتها) ].

    يعني: أنه صلى الله عليه وسلم كان ينسى؛ لأنه بشر عليه الصلاة والسلام، وكان عليه الصلاة والسلام يسهو في الصلاة؛ لأنه بشر عليه الصلاة والسلام، والله تعالى لا يلحق به نسيان؛ لكماله، ولهذا قال الله تعالى: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52].

    هذا الحديث أخرجه مسلم والبخاري .

    1.   

    ما جاء في إباحة اعتراض المتعلم على العالم فيما يعلمه من العلم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الخبر الدال على إباحة اعتراض المتعلم على العالم فيما يعلمه من العلم.

    أخبرنا محمد بن الحسن بن خليل حدثنا هشام بن عمار حدثنا أنس بن عياض حدثنا الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: سمع أبا هريرة يقول: (قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، نعمل في شيء نأتنفه، أم في شيء قد فرغ منه؟ قال: بل في شيء قد فرغ منه، قال: ففيم العمل؟ قال: يا عمر ، لا يدرك ذاك إلا بالعمل، قال: إذاً نجتهد يا رسول الله) ].

    قوله: (ففيم العمل؟) هذا سؤال استرشاد وسؤال تعليم، ولم يكن رضي الله عنه يسأل للرياء ولا لإظهار المكانة، فإذا سأل المرء من باب الاستفسار فهذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    ما جاء في إباحة أن يسأل المرأ عن الشيء وهو خبير به من غير استهزاء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الإباحة للمرء أن يسأل عن الشيء وهو خبير به، من غير أن يكون ذاك به استهزاء ].

    يعني: قد يسأل من يعلم من أجل أن يتكلم ويجيب المعلم عن هذه المسألة فيفهم الحاضرون إجابة السؤال الذي لم يكونوا يعلمون جوابه، كما حصل من سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، من أجل تعليم الصحابة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا أبو يعلى حدثنا حوثرة بن أشرس حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل علينا، ولي أخ صغير يكنى أبا عمير ، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: أبا عمير ، ما فعل النغير؟) ].

    هذا من إيناسه صلى الله عليه وسلم لهذا الصبي لأهله.

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، وحوثرة بن أشرس العدوي أبو عامر روى عن جمع، وروى عنه غير واحد وذكره المؤلف في (الثقات)، وأخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد.

    1.   

    ما جاء فيما يجب على المرء من ترك التكلف في دين الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذكر الإخبار عما يجب على المرء من ترك التكلف في دين الله بما تنكب عنه وأغضي عن إبدائه.

    أخبرنا ابن سلم حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم الناس في المسلمين جرماً من سأل عن مسألة لم تحرم، فحرم على المسلمين من أجل مسألته) ].

    قد جاء في القرآن النهي عن المسألة فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101] .

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وأخرجه الشافعي ،وأخرجه أيضاً مسلم .

    والحديث يحمل على أشياء تقدمت في هذه المسألة.

    ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل في حجة الوداع قال: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أكل عام؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم). فلا ينبغي مثل هذا السؤال، لكن كونه يسأل عن أشياء ليس فيها إشكال لا بأس.

    إذاً: السؤال المقصود بالنهي عنه هو الذي فيه الحرج، والذي في التعنت، فمثل هذه الأسئلة ينبغي تركها والإعراض عنها.

    1.   

    ذكر الخبر الدال على إباحة إظهار المرء بعض ما يحسن من العلم إذا صحت نيته في إظهاره

    قال رحمه الله تعالى: [ذكر الخبر الدال على إباحة إظهار المرء بعض ما يحسن من العلم إذا صحت نيته في إظهاره.

    أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرنا يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله أخبره أن ابن عباس كان يحدث: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، وإذا الناس يتكففون منها بأيديهم فالمستكثر والمستقل، وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا، قال أبو بكر : يا رسول الله! بأبي أنت والله لتدعني فلأعبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عبر، قال أبو بكر : أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن وحلاوته ولينه، وأما ما يتكفف الناس في ذلك، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، أخذته فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به) ].

    وهو أبو بكر .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به) ].

    وهو عمر .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به) ].

    هو عثمان حينما قتل، وهذه من الأشياء التي فيها كشف عن المستقبل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (ثم يوصل له فيعلو، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، قال: والله يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت، قال: لا تقسم) ].

    وهذا أخرجه البخاري في صحيحه، وفيه دليل على أن الرؤيا ليس كما عبرت وقعت، وهو يدل على ضعف حديث: (الرؤيا على جناح طائر، فإن عبرت وقعت)، يرده هذا الحديث.

    قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم وهو في صحيحه في الرؤيا، وأخرجه البخاري في التعبير.

    وتعلق الرجل بـأبي بكر زيادة لاأظنها في البخاري.

    قال الحافظ ابن حجر : قال ابن التين : فيه أن الأمر بإبرار القسم خاص بما يجوز الاطلاع عليه، ومن ثَم لم يبر قسم أبي بكر ؛ لكونه سأل ما لا يجوز الاطلاع عليه لكل أحد، قلت: فيحتمل أن يكون منعه ذلك لما سأله جهاراً، وأن يكون أعلمه بذلك سراً.