إسلام ويب

شرح سنن أبي داود كتاب الطهارة [20]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ثبت بالدليل أن مدة النفاس أربعون يوماً، ومن قال أن أكثره خمسون يوماً أو ستون يوماً ليس لهم دليل على ذلك، وعلى النساء أن يسألن عن أمر دينهن ولا يستحيين من ذلك.

    1.   

    أحكام النفاس

    مدة النفاس

    قال الإمام أبي داود رحمه الله تعالى : [ باب ما جاء في وقت النفساء :

    حدثنا أحمد بن يونس أخبرنا زهير أخبرنا علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مسة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً أو أربعين ليلة، وكنا نطلي على وجوهنا الورس، تعني من الكلف ] .

    فهذا الحديث يدل على مدة النفاس، وفي سنده مسة وهي أم بسة ، قال فيها في التقريب: مقبولة الأزدية الثالثة، قال الحافظ في البلوغ: الحديث رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم ، وقال الخطابي حديث مسة أثنى عليه البخاري ، وقال النووي في المجموع: إنه حديث حسن، ثم قال بعد ذلك: الحديث جيد، وقال ابن القيم رحمه الله: روى عنها، أي مسة : أبو سهل كثير بن زيد والحكم بن عتيبة ومحمد بن عبد الله العرزمي وزيد بن علي بن الحسين .

    وقال الحاكم عن هذا الحديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي ، فالحديث حسن، وهو دليل على أن النفساء تجلس أربعين يوماً، فإن استمر الدم بعدها فهو دم فساد، فتغتسل بعد الأربعين وتصلي وتصوم، إلا إذا وافق عادتها قبل النفاس فإنها تجلس عادتها.

    والنفاس: جمع نفس، بفتح الفاء المعجمة، ودم النفاس دم حيض، احتبس في وقت الحمل، لكن لو انقطع الدم لعشرة أيام أو خمسة أيام أو أقل أو أكثر فإنها حينها تغتسل وتصلي، وقد ذكر الفقهاء شيئاً نادراً فقالوا: لو ولدت بدون دم فما الحكم؟

    فالمقصود أن دم النفاس نهايته أربعين يوماً كما دل عليه هذا الحديث وهو حديث حسن، ولو انقطع قبل ذلك فإنها تغتسل وتصوم وتصلي، فإن عاد الدم في الأربعين، فإنها تجلس عادتها.

    قال بعض العلماء: أكثر مدة النفاس خمسين يوماً، وقال بعضهم: ستين يوماً، والصواب ما دل عليه الحديث أن أكثر مدة النفاس أربعين يوماً.

    وقولها: (كنا نطلي على وجوهنا الورس) الورس: نبت أصفر يكون في اليمن، وورس الثوب، أو التوريس يعني: صبغه، (بالكلف) يعني: من أجل الكلف، وهو لون يعلو الوجه من السواد إلى الحمرة، أو تكون حمرة وكدرة تعلو الوجه.

    والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة .

    فإن قيل: ما حكم دم المرأة النفاس بعد الأربعين يوما؟

    دم النفاس إن وافق عادتها بعد الأربعين اليوم فهو حيض، وإلا فهو دم استحاضة فتتلجم وتتحفظ وتصوم وتصلي.

    حكم قضاء الحائض والنفساء الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا محمد بن حاتم - يعني حبي - أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن نافع عن كثير بن زياد قال: حدثتني الأزدية - يعني مسة - قالت: حججت فدخلت على أم سلمة رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين! إن سمرة بن جندب رضي الله عنه يأمر النساء يقضين صلاة المحيض، فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس.

    قال محمد يعني ابن حاتم : واسمها مسة تكنى أم بسة .

    قال أبو داود : كثير بن زياد كنيته أبو سهل ] .

    الصواب أن النفساء والحائض لا يقضيان الصلاة، وهذا بإجماع أهل العلم خالف في ذلك الخوارج، وقالوا: إنها تقضي الصلاة وهذا باطل.

    ولهذا لما جاءت امرأة تستفتي عائشة رضي الله عنها ولم تحسن السؤال، فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كنا على عهد رسول الله نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والخوارج يرون أنه لا فرق بين الصلاة وبين الصوم؛ لأنهم لا يعملون بالسنة.

    1.   

    أحكام الحيض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الاغتسال من الحيض :

    حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة - يعني ابن الفضل - أخبرنا محمد - يعني ابن إسحاق - عن سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي قالت: (أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله، قالت: فوالله لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله فإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: ما لك لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحاً، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك، قالت: فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر رضخ لنا من الفيء، قالت: وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحاً، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت) ] .

    وهذا الحديث ضعيف، لأنَّ في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وفي سنده أيضاً أمية بنت أبي الصلت وهي مجهولة لا تعرف.

    حكم ركوب المرأة وحدها في سيارة الأجرة

    وأما قوله: (عن امرأة من بني غفار) فلا تضر جهالتها؛ لأنها صحابية، قيل: إنها امرأة أبي ذر واسمها ليلى ، لكن هذا الحديث لا يصح، وقد يقال: إن في متنه نكارة، وهو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أردفها خلفه، فهو دليل على جواز إركاب المرأة وإردافها خلف الرجل على الدابة مع الركب المسافرين، وأنه لا يعتبر خلوة، لكنه لا يصح، وهذا بخلاف إركاب المرأة وحدها في السيارة، فإن فيه خلوة؛ لأن سائق السيارة يذهب بها إلى حيث شاء، لكن إن كان معهما رجل أو امرأة تؤمن فتنتهما؛ فإنها تزول بذلك الخلوة، أما سفر المرأة وهي على البعير مع المسافرين، وهم عن يمينها وعن شمالها وعن خلفها فلا يكون ذلك خلوة .

    ولو صح لكان فيه أن الملح إذا وضع مع الماء فإنه يزيل الدم، وقد يزيله، وكذلك إذا وضع في البالوعة، فإنه يشقق الصفا والحجر حتى يبتلع الماء ويدخل فيه، والملح ليس طعاماً.

    كيفية الغسل من الحيض

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا سلام بن سليم عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت أسماء رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها ثم تأخذ فرصتها فتطهر بها، قالت: يا رسول الله! كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة رضي الله عنها: فعرفت الذي يكني عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لها: تتبعين آثار الدم) ] .

    هذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة وفيه بيان كيفية اغتسال المرأة من الحيض.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها)، استعمال السدر من باب النظافة، وإلا فالماء كاف؛ فالسدر وسيلة تنظيف، ومثله استعمال الصابون.

    وقوله: (حتى يبلغ الماء أصول شعرها)، يعني: حتى يبلغ الماء البشرة.

    وقوله: (ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ خرقة تتطهر بها) يعني: تأخذ قطعة من القطن وتطليها بالمسك، وتتبع بها أثر الدم لإزالة ما يكون من الروائح، وهذا من باب النظافة وإلا فالواجب هو الغسل.

    قوله: (تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها) المهم أنَّ الماء يبلغ أصول الشعر، ومعلوم أن نقض شعر المرأة لغسل الجنابة والحيض هو من باب الاستحباب، ولا يلزم نقض الشعر.

    والخرقة: قطعة من القماش أو من القطن مطلية بالمسك، ولما لم تعرف أسماء كيف تطهر بالخرقة، وتتبع بها أثر الدم، قالت لها عائشة : تتبعي أثر الدم في الخرقة المطلية بالمسك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد بن مسرهد أخبرنا أبو عوانة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها: أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفاً. وقالت: دخلت امرأة منهن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر معناه، إلا أنه قال: (فرصة ممسكة) .

    قال مسدد كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: قرصة ] .

    إبراهيم بن مهاجر هو ابن جابر البجلي ، صدوق لين الحفظ، قال فيه ابن القطان : ليس بالقوي، وقال أحمد : لا بأس به.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (قِرصة أو فِرصة) أيْ: قطعة من القماش، والقرصة هي التي تؤخذ بطرف الأصبعين، يقال: قرصة ويقال فرصة، أي: قطعة من الصوف، أو من القطن، أو من القماش، يكون فيها شيء من الطيب يتتبع بها أثر الدم.

    عدم الحياء في الدين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبيد الله بن معاذ أخبرنا أبي أخبرنا شعبة عن إبراهيم - يعني ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها، أن أسماء رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال: (فرصة ممسكة، فقالت كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، واستتَرَ بثوب، وزاد: وسألته عن الغسل من الجنابة، قال: تأخذين ماءك فتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شئون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء).

    وقالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين وأن يتفقهن فيه ] .

    وكذلك ينبغي ألا يمنع الحياءُ أو الكبرُ الإنسانَ من التفقه في دينه والسؤال عما أشكل عليه، ولذلك بوب البخاري رحمه الله وقال: باب لا ينال العلم مستح ولا مستكبر، فالمستحي لا ينال العلم بل يبقى على جهله، وكذلك الذي يتكبر ولا يجلس مع طلبة العلم، أو يشمخ بأنفه ولا يسأل أهل العلم، ومن لم يذل لطلب العلم، تجرع مرارة الجهل طول الحياة، ولا ينال العلم مستح ولا مستكبر.

    ولهذا أثنت عائشة رضي الله عنها على نساء الأنصار، فقالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين وأن يتفقهن فيه.

    صفية بنت شيبة قيل: إن لها رؤية، وقيل: إنها صحابية، وقيل: ليست صحابية، وهذا الحديث فيه: أن هذا من باب الكمال، وهو أن تأخذ فرصة ممسكة وتتطهر بها، وفيه: أنها تصب على رأسها الماء، وتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها حتى تبلل، أما نقض الشعر فلا يجوز، لكن يستحب لها أن تنقض شعرها؛ لأن مدة النفاس تطول بخلاف الجنابة.

    والحديث كما سبق أخرجه الشيخان.