إسلام ويب

شرح سنن أبي داود كتاب الطهارة [5]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة هي عمود الإسلام وركن من أركانه الخمسة، ولابد لهذه الصلاة من طهارة، وطهورها الوضوء وهو مفتاحها، فلا يقبل الله من عبد صلاة بغير وضوء.

    1.   

    ما جاء في فرض الوضوء

    شرح حديث: (لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب فرض الوضوء.

    حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور) ].

    هذا الحديث رواه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وفيه أن المتصدق من غلول لا تقبل صدقته، والغلول: هو الخيانة في الغنيمة، ومثله أيضاً الأخذ من بيت المال خفية، أو من صدقات تجمع أو أموال، فإذا أخذ من الغنيمة وتصدق من ذلك فإنها لا تقبل صدقته.

    قوله: (ولا صلاة بغير طهور). لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة فلا تصح الصلاة إلا بطهارة.

    إذاً: من أخذ المال من غير حله من الغنيمة أو من بيت المال أو من صدقات تجمع فهذا يسمى خيانة وغلولاً، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:161]، وفي الحديث: (من غل أتى به يحمله يوم القيامة) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يأتين أحدكم يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر) فالأمر صعب وشديد، (فيقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: لا أملك لك شيئاًً؛ قد أبلغتك) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فمن غل شيئاً جاء به يوم القيامة يحمله ويعذب به والعياذ بالله.

    شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله تعالى جل ذكره صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ].

    وهذا رواه الشيخان البخاري ومسلم . وقوله: (جل ذكره) هذه زيادة في الحديث من بعض النساخ وهي تنزيه لله عز وجل، لكنها ليست في الحديث ولفظ الحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). وهذا حديث مشهور معروف، وفيه: أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، وأن الصلاة لا تقبل إلا بطهارة إما بالماء أو بالتراب عند العجز أو فقد الماء.

    شرح حديث: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) ].

    قال المنذري : وأخرجه الترمذي وابن ماجة ، وقال الترمذي : هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسنه. والعلماء والفقهاء يحتجون به.

    وفي سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو لين الحديث وفيه كلام، وهذا الحديث اشتمل على ثلاث جمل: الجملة الأولى: (مفتاح الصلاة الطهور) أي: الدخول فيها لا يصح إلا بالطهور، وهذا دلت عليه الأحاديث السابقة، مثل: حديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور) وحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ).

    الجملة الثانية: (تحريمها التكبير). يعني: أنه إذا كبر ودخل في الصلاة حرم عليه ما كان منافياً للصلاة فيحرم عليه الكلام والأكل والشرب والحركات المنافية للصلاة.

    ولا يجزئ غير التكبير فيقول: الله أكبر، هذا هو الصواب الذي عليه الجماهير ودلت عليه النصوص. وروي عن الشافعي أنه أجاز (الله الأكبر) ومذهب الأحناف أنه يذكر ما يدل على التعظيم لله، سواء قال: الله الأجل أو الله الأعظم صحت ودخل في الصلاة وهذا ليس بصحيح، بل هذا باطل.

    الجملة الثالثة: (وتحليلها التسليم) . يعني: الذي يخرج به من الصلاة ويتحلل منها ويباح له ما كان محرماً هو التسليم، بأن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وهذا هو الذي عليه الجماهير، وروي عن الأحناف: أنه إذا قضى التشهد انتهت الصلاة، ويخرج من الصلاة بأي شيء ينافيها ولو بالحدث، فإنه يخرج من الصلاة، وهذا باطل.

    قوله: (تحليلها التسليم) اختلف العلماء هل لا بد من تسليمتين أو تكفي إحداهما؟ فمن العلماء من أوجبهما وهو الصواب ومنهم الإمام أحمد وجماعة، والجمهور على أن التسليمة الأولى فرض والثانية سنة.

    كلام ابن القيم في معنى قوله: ( مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)

    قال الإمام ابن القيم : (قوله صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) . اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام:

    الحكم الأول: أن مفتاح الصلاة الطهور، والمفتاح: ما يفتح به الشيء المغلق فيكون فاتحاً له، ومنه مفتاح الجنة: لا إله إلا الله.

    وقوله: (مفتاح الصلاة الطهور) يفيد الحصر، وأنه لا مفتاح لها سواه من طريقين: أحدهما: حصر المبتدأ في الخبر إذا كانا معرفتين؛ فإن الخبر لا بد وأن يكون مساوياً لمبتدأ أو أعم منه، ولا يجوز أن يكون أخص منه، فإذا كان المبتدأ معرفاً بما يقتضي عموماً كاللام وكل ونحوهما ثم أخبر عنه بخبر اقتضى صحة الإخبار أن يكون إخباراً عن جميع أفراد المبتدأ؛ فإنه لا فرد من أفراده إلا والخبر حاصل له، وإذا عرف هذا لزم الحصر، وأنه لا فرد من أفراد ما يفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور، فهذا أحد الطريقين.

    والثاني: أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة، والإضافة تعم، فكأنه قيل: جميع مفتاح الصلاة هو الطهور، وإذا كان الطهور هو جميع ما يفتح به لم يكن لها مفتاح غيره، ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله تعالى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4] أنه على الحصر، أي: مجموع أجلهن الذي لا أجل لهن سواه وضع الحمل، وجاءت السنة مفسرة لهذا الفهم مقررة له.

    الحكم الثاني: قوله: (وتحريمها التكبير)، وفي هذا حصر التحريم في التكبير مضي ما تقدم في حصر مفتاح الصلاة في الطهور من وجهين: وهو دليل بين أنه لا تحريم لها إلا التكبير وهذا قول الجمهور وعامة أهل العلم قديماً وحديثاً، وقال أبو حنيفة : ينعقد بكل لفظ يدل على التعظيم، فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث ثم اختلفوا، فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: يتعين لفظ: (الله أكبر) وحدها. وقال الشافعي : يتعين أحد اللفظين (الله أكبر) و(الله الأكبر). وقال أبو يوسف : يتعين التكبير وما تعرف منه نحو: (الله الكبير) ونحوه).

    والصواب أنه لا يجزئ إلا التكبير (الله أكبر).

    قال: (الحكم الثالث: قوله: (تحليلها التسليم)، والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله، والكلام في التسليم على قسمين:

    أحدهما: أنه لا ينصرف من الصلاة إلا بالتسليم، وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة : لا يتعين التسليم بل يخرج منها بالمنافي لها من حدث أو عمل مبطل ونحوه، واستدل له بحديث ابن مسعود الذي رواه أحمد وأبو داود في تعليمه التشهد، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه المسيء في صلاته ولو كان فرضاً لعلمه إياه، وبأنه ليس من الصلاة؛ فإنه ينافيها ويخرج به منها، ولهذا لو أتي به في أثنائها لأبطلها، وإذا لم يكن منها علم أنه شرع منافياً لها والمنافي لا يتعين، هذا غاية ما يحتج له به.

    والجمهور أجابوا عن هذه الحجج: أما حديث ابن مسعود فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله: (إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك) من كلام ابن مسعود وصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود.

    وقوله: أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق من روى تشهد ابن مسعود رضي الله عنه على وقفه.

    وأما قولكم: إنه ليس من الصلاة؛ فإنه ينافيها ويخرج به منها فجوابه: أن السلام من تمامها وهو نهايتها ونهاية الشيء منه ليس خارجاً عن حقيقته، ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء بخلاف مفتاحها؛ فإن إضافته إضافة مغاير بخلاف تحليلها فإنه يقتضي أنه لا يتحلل منها إلا به.

    وأما بطلان الصلاة إذا فعله في أثنائها؛ فلأنه قطع لها قبل إتمامها.

    1.   

    ما جاء في الرجل يجدد الوضوء من غير حدث

    شرح حديث: (من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث.

    حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ح وحدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس قالا: حدثنا عبد الرحمن بن زياد -قال أبو داود : وأنا لحديث ابن يحيى أتقن- عن غطيف ، وقال محمد: عن أبي غطيف الهذلي قال: (كنت عند ابن عمر فلما نودي بالظهر توضأ فصلى، فلما نودي بالعصر توضأ، فقلت له فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات) .

    قال أبو داود : وهذا حديث مسدد وهو أتم ].

    وهذا ضعيف، عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي ضعيف، وأبو غطيف مجهول، فيكون الحديث ضعيفاً، لكن إذا أراد أن يجدد الوضوء لنشاط فلا بأس.

    قال ابن رسلان في شرحه: يشبه أن يكون المراد: كتب الله به عشرة وضوءات؛ فإن أقل ما وعد به من الأضعاف الحسنة بعشر أمثالها، وقد وعد بالواحدة سبعمائة ووعد ثواباً بغير حساب.

    قال المنذري : وأخرجه الترمذي وابن ماجة ، وقال الترمذي : هذا إسناد ضعيف.

    إذاً: الحديث ضعيف، والمراد بتجديد الوضوء إذا استعمل الوضوء، وقرأ القرآن أو صلى ثم أراد أن يجدد الوضوء، أما كونه يتوضأ ولم يصلي بوضوئه ثم يتوضأ مرة أخرى هذا لا يعتبر تجديداً، بل التجديد أن يصلي به الظهر فإذا جاء العصر وجدد الوضوء لأنه صلى بوضوء سابق، أو جلس قرأ القرآن فإنه يكتب له عشر حسنات.

    والنبي صلى الله عليه وسلم في عام الفتح صلى خمس صلوات بوضوء واحد، فسأله عمر فقال: (عمداً فعلته يا عمر) . يعني: أراد أن يبين الجواز فلا بأس أن يصلي الصلوات المتعددة بوضوء واحد.

    1.   

    بيان ما ينجس الماء

    شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما ينجس الماء.

    حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهم قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) ].

    هذا الحديث حديث مشهور عند أهل العلم رواه الإمام أبو داود والنسائي وجماعة، فهو حديث مشهور اختلف العلماء في صحته وعدم صحته، فمنهم من صححه ومنهم من ضعفه بالاضطراب، ومنهم من قال: إنه متروك كشيخ الإسلام ابن تيمية ، والأقرب أنه صحيح وأنه ثابت، والإمام أبو داود رحمه الله بوب بقوله: باب ما ينجس الماء، فظاهر هذه الترجمة أنه يختار العمل بهذا الحديث: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب؟ قال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) . وفي لفظ: (لم ينجس) .

    قوله: (وما ينوبه) يعني: السباع ترد عليه وتنوبه مرة بعد أخرى للشرب، وقد تبول فيه، فالحديث له منطوق وله مفهوم.

    أما منطوقه: فإن الماء إذا بلغ قلتين فإنه لا ينجس، إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: اللون والطعم والريح، فهذا نجس بالإجماع، هذا منطوق الحديث.

    واختلف العلماء في المراد بالقلتين والأقرب أن القلة قربتان ونصف، فتكون القلتان خمس قرب، وأقرب ما يقدر الماء الذي يبلغ قلتين هو ما يسع ذراعاً وربعاً طولاً وعرضاً وعمقاً، فإذا بلغ الماء هذا المقدار فإنه لا يحمل الخبث ولا ينجس مهما أصابته نجاسة إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة.

    ومفهوم الحديث: أنه إذا لم يبلغ الماء قلتين فإنه ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه ولو لم يتغير أحد أوصافه، وهذا هو الذي ذهب إليه جمهور العلماء والفقهاء، ويؤيد هذا حديث ولوغ الكلب: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله)، والماء الذي يكون في الإناء أقل من القلتين فهو ينجس، قال: ويدل عليه حديث الأعرابي الذي بال في المسجد فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يصب عليه ذنوب من ماء، فالذنوب طهر البول؛ لكن فرقوا بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة، فقالوا: حديث الأعرابي فيه أن الماء هو الذي ورد على النجاسة، وذهب جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجماعة إلى أن حديث أبي سعيد : (الماء طهور لا ينجسه شيء). إنما يعمل بمنطوقه، أما مفهومه فلا يعمل به، ولكن إذا كان الماء قليلاً في الأواني فإنه يراق لحديث ولوغ الكلب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وفي بعض ألفاظه: (فليهرقه) فإذاً: الأقرب أن الماء لا ينجس إلا بالتغير سواءً كان قليلاً أو كثيراً، لكن حديث القلتين يفيد أنه ينبغي للإنسان إذا كان الماء قليلاً أن ينظر فيه ويتأمل؛ فإنه قد يتغير ولا يشعر الإنسان بتغيره.

    والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة والشافعي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي ، قال الحاكم : صحيح على شرطهما، وقد احتج بجميع رواته.

    وقال ابن مندة : إسناده على شرط مسلم .

    [ قال أبو داود : هذا لفظ ابن العلاء . وقال عثمان والحسن بن علي : عن محمد بن عباد بن جعفر ، قال أبو داود : وهو الصواب ].

    يعني: الصواب عن محمد بن عباد بن جعفر .

    إذا كان الماء قليلاً في الأواني فإنه يراق القليل لحديث ولوغ الكلب، أما إذا كان أكثر من ذلك فلا ينجس إلا بالتغير.

    والجمهور يرون أنه إذا كان أقل من القلتين، فإنه بمجرد وقوع النجاسة فيه ينجس ولو لم يتغير.

    إسناد آخر لحديث القلتين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ح وحدثنا أبو كامل حدثنا يزيد يعني ابن زريع عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر ، قال أبو كامل: ابن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون في الفلاة) فذكر معناه ].

    فيه عنعنة محمد بن إسحاق

    قال: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: حدثني أبي رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس) ].

    والحديث له متابعات.

    وأخرجه الترمذي . وقال أبو عيسى : وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، قالوا: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ما لم يتغير ريحه أو طعمه. وقالوا: يكون نحواً من خمسمائة رطل.

    [ قال أبو داود : حماد بن زيد وقفه عن عاصم ].

    أي: جعله موقوفاً، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ، والموقوف يؤيد المرفوع والذي قبله الذي هو من رواية محمد بن إسحاق ومتابع له.

    1.   

    ما جاء في بئر بضاعة

    شرح حديث بئر بضاعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في بئر بضاعة

    حدثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأنباري قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري : (أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من بئر بضاعة؟ -وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء) .

    قال أبو داود : وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع ].

    وهذا حديث أبي سعيد المشهور وهو حديث بئر بضاعة: (أن النبي سئل عن بئر بضاعة -وهي بئر يلقى فيها النتن والحيض- فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه، كما في رواية ابن ماجة : (إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه) وهذا ضعيف، ولكن كما هو معلوم من النصوص الأخرى أنه إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه فإنه ينجس، وهذا بالإجماع.

    وحديث بئر بضاعة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وجماعة، وهو دليل على أن الماء لا ينجس إذا لم يتغير ولو كان أقل من القلتين، وهو يلغي مفهوم الحديث السابق.

    والمراد بإلقاء الحيض والنتن في البئر أنهم كانوا يلقونها خلف بيوتهم ثم تأتي الريح فتأخذها وتلقيها في البئر، وليس المراد أنهم يتعمدون إلقاءها فيه، كما ذكر الخطابي رحمه الله: أن هذا لا يمكن أن يصدر من إنسان من غير الصحابة فكيف بالصحابة؟!

    وهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي ، وتكلم فيه بعضهم، وحكي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: حديث بئر بضاعة صحيح. وقال الترمذي : هذا حديث حسن.

    لم يرو حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة .

    إسناد آخر لحديث بئر بضاعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز بن يحيى الحرانيان قالا: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي عن أبي سعيد الخدري قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقال له: إنه يستقى لك من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الماء طهور لا ينجسه شيء) .

    قال أبو داود : سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.

    قال أبو داود : وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها، ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون ].

    وهذا في زمن أبي داود وكانت ربما قبل ذلك أكثر، كان إذا زاد وصل من الإنسان، إذا وقف إلى السرة، فإذا نقص وصل إلى الفخذين، وقد يكون الماء متغيراً من غير النجاسة، وهذا الحديث تكلم فيه، وهو متابع للذي قبله.

    1.   

    ما جاء في الماء لا يجنب

    شرح حديث: (إن الماء لا يجنب)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الماء لا يجنب

    حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: (اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنباً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء لا يجنب) ].

    جزم أبو داود رحمه الله في الترجمة بأن الماء لا يجنب.

    وفيه دليل على أنه لا بأس بالغسل للرجل من فضل الماء الذي تغتسل منه المرأة، فإذا كان الماء في إناء ثم اغتسل منه ثم جاء بعده رجل أو امرأة واغتسل فلا بأس، أو اغتسلت امرأة من ماء ثم بقي في الإناء فاغتسل به الرجل بعدها فلا بأس؛ فالماء لا يجنب ولا تنتقل إليه الجنابة.

    والحديث أخرجه الترمذي . وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة والحاكم وقال: هذا حديث صحيح في الطهارة ولم يخرجاه، ولا يحفظ له علة، ووافقه الذهبي .

    والمقصود: أن الماء الذي يبقى بعد المرأة طهور ليس فيه شيء، وأما الحديث الآخر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الرجل من فضل المرأة) فالأولى ألا يغتسل إذا وجد غيره، والنهي محمول على التنزيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من جفنة اغتسل فيها بعض أزواجه عليه الصلاة والسلام.

    و سماك بكسر أوله وتخفيف الميم هو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة وهو صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، تغير بأخرة، وكان ربما يلقن، لكن الحديث له شواهد.

    1.   

    حكم البول في الماء الراكد

    شرح حديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب البول في الماء الراكد

    حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة في حديث هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) ].

    هذا الحديث فيه تحريم البول في الماء الراكد ثم الاغتسال منه، بمعنى أنه يبول فيه ثم يغتسل منه، وفي الحديث الآخر النهي عن البول وحده والاغتسال فيه؛ وذلك لأنه إذا بال فيه فقد يقذره على نفسه وعلى غيره، ولا يلزم من هذا النجاسة إلا إذا تغير أحد أوصافه كما سبق، لكنه إذا بال فيه وتتابع الناس في البول فيه أدى ذلك إلى تنجيسه، والنهي للتحريم، فيحرم على الإنسان أن يبول في الماء الراكد، أما إذا كان الماء جارياً فلا بأس أن يغتسل فيه؛ لأنه يذهب.

    قوله: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ولا يغتسل منه). سئل أبو هريرة : كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً، يعني: يأخذ منه. إذا كان الماء في الإناء أو في الحوض لا يغتسل فيه وإنما يغترف ويغتسل خارج الإناء، أو خارج الحوض.

    إذاً: فلا ينبغي للإنسان أن يغتسل في وسط الماء وإنما يغتسل خارجه بأن يتناوله تناولاً ويغترف منه، وكذلك لا يجوز له البول في الماء الراكد، أما إذا كان الماء جارياً فلا بأس أن يغتسل في وسطه؛ لأن المياه الجارية تذهب فيعقبها غيرها، وكذلك أيضاً إذا كان الماء جارياً وبال فيه فلا حرج، وكذلك مياه البحار والأنهار الكبيرة. أما الماء الراكد فإنه يحرم عليه أن يبول فيه؛ لأنه وسيلة إلى تنجيسه وتقذيره على غيره.

    والحديث أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب البول في الماء الدائم، ومسلم في كتاب الطهارة، باب النهي عن البول في الماء الراكد، والترمذي .

    شرح حديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة) ].

    هذا فيه النهي عن البول والنهي عن الاغتسال، يحرم البول وحده ويحرم الاغتسال في وسط الماء الراكد، والحديث السابق فيه النهي عن الجمع بينهما: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه) يعني: لا يجمع بين الأمرين بأن يبول فيه ثم يغتسل، والحديث الثاني دل على النهي عن كل واحد منهما على حدة، النهي عن البول، والنهي عن الاغتسال فيه للجنب، والنهي للتحريم.

    والحديث أخرجه ابن ماجة وأحمد في مسنده.

    أما إذا كان للتبرد فلا بأس، لكن الأولى أن يكون خارج الحوض؛ لأنه من باب النظافة.

    ومحمد بن عجلان المدني صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، وهو من الخامسة، ولكن هذا الحديث يشهد للآخر.

    1.   

    حكم الوضوء بسؤر الكلب

    شرح حديث: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء بسؤر الكلب.

    حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة في حديث هشام عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب) ].

    وهذا رواه مسلم والنسائي ، ورواه الشيخان بلفظ آخر: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)، وفي لفظ: (إحداهن بالتراب) ويدل على أن الكلب نجس؛ لأن الإناء يغسل من ولوغه فيه سبع مرات إحداهن بالتراب، والأولى أن تكون الأولى حتى يغسل بالماء بعد، وفي لفظ: (وعفروه الثامنة بالتراب) سماها ثامنة؛ لأنها مع الماء تكون ثامنة، فالأولى أن تكون الأولى بالتراب حتى يغسلها بعد ذلك بالماء، وإن كانت الثامنة غسله حتى يزيل ما عليه من التراب.

    قال الأطباء: إن الكلب فيه مادة جرثومية لا يزيلها إلا التراب، وهذا من دلائل النبوة وأنه رسول الله حقاً، وأنه عليه الصلاة والسلام لم يتعلم الطب وجاء بهذا بوحي من الله، وهذا حجة للجمهور القائلين بأن الماء ينجس إذا لم يبلغ قلتين، قالوا: هذا دليل على أنه ينجس ولو كان قليلاً، ولكن هذا ليس بحجة؛ لأن هذا خاص بالكلب وبالإناء الصغير، وهو يدل على نجاسة الكلب خلافاً للبخاري ومالك رحمهما الله فإنهما يريان طهارة الكلب، والصواب أنه نجس نجاسة عينية.

    [ قال أبو داود : وكذلك قال أيوب وحبيب الشهيد عن محمد ].

    شرح حديث الغسل مرة من ولوغ الهر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مسدد حدثنا المعتمر بن سليمان ح وحدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد بن زيد جميعاً عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة بمعناه ولم يرفعاه، وزاد: (وإذا ولغ الهر غسل مرة) ].

    هذه الزيادة ليست ثابتة، وإنما هي مدرجة، والهر إذا ولغ في الإناء فإنه لا يغسل؛ لأنه طاهر.

    قال المنذري : أخرجه مسلم والنسائي ، وأخرجه الترمذي وفيه: (أولاهن أو أخراهن بالتراب).

    شرح حديث: ( إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات .... )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا قتادة أن محمد بن سيرين حدثه عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، السابعة بالتراب) .

    قال أبو داود : وأما أبو صالح وأبو رزين والأعرج وثابت الأحنف وهمام بن منبه وأبو السدي عبد الرحمن رووه عن أبي هريرة ولم يذكروا التراب ].

    واللفظ الآخر: (وعفروه الثامنة بالتراب) ، ورواية البخاري : (إحداهن بالتراب) . أما: (والسابعة بالتراب) فأخرجها مسلم والنسائي .

    شرح حديث: ( إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرار.... )

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثنا أبو التياح عن مطرف عن ابن مغفل : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ما لهم ولها، فرخص في كلب الصيد وفي كلب الغنم. وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عفروه بالتراب) .

    قال أبو داود : وهكذا قال ابن مغفل ].

    أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة .

    وفيه دليل على أن الأمر بقتل الكلاب منسوخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب أولاً ثم نهى عن قتل الكلاب فقال: (ما لهم ولها) وفي الحديث الآخر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الكلاب، إلا الكلب الأسود البهيم؛ فإنه شيطان) فالكلاب أمة من الأمم فلا تقتل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتلها ثم نهى عن قتلها.

    وفيه دليل على أنه رخص في اقتناء كلب الصيد والماشية، وكذلك كلب الحرس، هذه الثلاث مستثناة كما جاء في الحديث وما عداها فلا يقتنى الكلب فيها.

    وفيه أنه إذا ولغ الكلب في الإناء فإنه يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، والأولى أن تكون الأُولى بالتراب؛ حتى يغسلها سبع مرات، وسميت ثامنة؛ لأنها تكون مع الماء.

    فمن كان متوضئاً ومس بيده نجاسة يابسة فلا يتوضأ ولا يغسل يده، وإن كانت يده رطبة يغسل يده والوضوء صحيح؛ لأن مس النجاسة ليس من نواقض الوضوء.

    1.   

    ما جاء في سؤر الهرة

    شرح حديث: ( إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب سؤر الهرة.

    حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة : (أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءاً فجاءت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) ].

    وهذا الحديث فيه حميدة وهي مقبولة، والمقبول إذا وجد له شاهد فإنه يكون حسناً لغيره، ويشهد له الحديث الذي بعده.

    وفيه دليل على أن سؤر الهرة طاهر، وسؤر الهرة هو ما يبقى بعد أكلها وشربها، وبين النبي صلى الله عليه وسلم العلة بقوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات). فدل على أن سؤر الهرة طاهر، وإنما النجاسة في بولها.

    وقاس العلماء على الهرة كل ما يشابهها في الدوران والطواف مثل: الفأرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على العلة بقوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات).

    والحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة ومالك .

    شرح حديث (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز عن داود بن صالح بن دينار التمار عن أمه: (أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة رضي الله عنها، فوجدتها تصلي فأشارت إلي أن ضعيها، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضلها) ].

    قال المنذري : قال الدارقطني : تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن أمه بهذا اللفظ.

    وهذا الحديث يشهد للحديث السابق فيكون حسناً، وهو يدل على أن سؤر الهرة وهو الباقي من أكلها وشربها طاهر، وبين النبي صلى الله عليه وسلم العلة وهي مشقة التحري منها لكثرة الطواف والدوران.