إسلام ويب

شرح سنن ابن ماجه المقدمة [10]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد قدم أصحاب رسول الله الكثير والكثير، حتى اهتز عرش الرحمن جل جلاله لمقدم سعد بن معاذ، وكان رسول الله يكرم أصحابه فكان لا يراهم إلا تبسم كما كان يفعل مع جرير، وخيارهم وأفضلهم من شهد معركة بدر مع رسول الله، ولقد ظهرت آثار دعوة رسول الله لابن عباس حتى كان ترجمان القرآن.

    1.   

    فضل سعد بن معاذ رضي الله عنه

    شرح حديث: (لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل سعد بن معاذ رضي الله عنه:

    حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرقة من حرير، فجعل القوم يتداولونها بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من هذا؟ فقالوا له: نعم يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا) ].

    هذا الحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمة الله عليهما، وهو حديث فيه بيان فضيلة سعد بن معاذ رضي الله عنه.

    قوله: (أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم سرقة) يعني: قطعة من قماش من حرير، قال: (فجعل الصحابة يتداولونها -ويعجبون من لينها- فقال: أتعجبون من هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذه) والمناديل يمسح بها العرق فمناديله التي يمسح بها العرق في الجنة خير من هذه السرقة التي من الحرير.

    وفيه الشهادة له رضي الله عنه وأرضاه بالجنة، وهو الذي اهتز له عرش الرحمن، وهو الذي حكم في بني قريظة: بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم، وهو سيد الأوس رضي الله عنه وأرضاه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اهتز عرش الله عز وجل لموت سعد بن معاذ) ].

    وهذا رواه الشيخان وفيه فضل سعد بن معاذ ، وقوله: (وعرش الرحمن اهتز طرباً وفرحاً)، فيه نظر، وبعضهم قال: (اهتز حزناً) والحزن أقرب من الفرح، يعني: لمكانته وعظم شأنه عند الله عز وجل اهتز عرش الرحمن لموته رضي الله عنه وأرضاه.

    و سعد بن معاذ شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة من غير العشرة، وكذا بلال شهد له بالجنة وهو من غير العشرة، كما قال (... سمعت خشخشة نعليك في الجنة)، وعبد الله بن عمر كذلك مشهود له بالجنة، وكذلك عكاشة بن محصن ، وغيرهم من الصحابة كثير.

    والعشرة لهم ميزة خاصة حيث شهد لهم بأعيانهم، وسردوا في حديث واحد، أما غيرهم فذكروا في أحاديث وأوقات أخرى.

    1.   

    فضل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه

    شرح حديث جرير: (ما حجبني رسول الله منذ أسلمت...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه:

    حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: (ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي، ولقد شكوت إليه أني لا أثبت على الخيل، فضرب بيده في صدري وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً) ].

    رواه الشيخان في فضل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، ومراعاته لأحوال الصحابة، فإن جرير بن عبد الله كان سيداً، والنبي صلى الله عليه وسلم ما حجبه، يعني: كان يستأذن عليه فيأذن له، فما حجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم، ولا رآه إلا تبسم في وجهه، وشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقف على الخيل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: (اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً).

    فجعل يرتفع على الخيل، وهذا فيه علم من أعلام النبوة، وهذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

    و جرير رضي الله عنه هو الذي أحرق صنم ذي الخلصة، وهو صنم كانت تعبده دوس، وهو الذي بايعه النبي صلى الله عليه وسلم على الشهادتين، قال: (بايعني الرسول صلى الله عليه وسلم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم)، وقد اعتنى بهذه البيعة، فلما مات المغيرة بن شعبة وكان أمير الكوفة خطب الناس ونصحهم ووعظهم، فقال لهم: (اثبتوا حتى يأتيكم أمير)، ويعتبر هذا من النصيحة التي بايعه عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    فضل أهل بدر

    شرح حديث فضل من شهد بدراً من الصحابة والملائكة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل أهل بدر.

    حدثنا علي بن محمد وأبو كريب قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال: (جاء جبريل عليه السلام أو ملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قالوا: خيارنا، قال: كذلك هم عندنا خيار الملائكة) ].

    فهذا الباب ذكره المؤلف رحمه الله لبيان الأحاديث الواردة في فضل أهل بدر، وهم المجاهدون من الصحابة رضوان الله عليهم، الذين حضروا أول مشهد كان للنبي صلى الله عليه وسلم وهو غزوة بدر، وهي الفاصلة بين الإيمان والكفر، وبدر مكان بين مكة والمدينة، وهي الآن بلد تسمى ببدر، وفيها حصلت الواقعة والغزوة بين حزب الله وأوليائه نبي الله وأصحابه، وبين كفار قريش، فهزم الله كفار قريش، وقتل صناديدهم، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون، وفرق الله فيها بين الحق والباطل، وسماها الله يوم الفرقان فقال: يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ [الأنفال:41].

    وفي هذا الحديث بيان فضل الصحابة الذين حضروا هذه الغزوة، وأنهم من أفضل الناس، ولهذا قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما تعدون أهل بدر فيكم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خيارنا) يعني: من أفضل الناس ومن أفضل الصحابة، فقال جبريل: (وكذلك من شهد بدراً من الملائكة)، وهذا فيه دليل على أن الملائكة شهدوا بدراً وقاتلوا، وهذا دل عليه القرآن الكريم، كما في قوله عز وجل: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9].

    ذكر الله تعالى هذا في سورة آل عمران وفي سورة الأنفال، فالملائكة قاتلوا مع المؤمنين، والملائكة الذين حضروا لهم مزية فضل على غيرهم، كما أن الصحابة الذين شهدوا بدراً لهم مزية، ولهذا قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما تعدون من شهد بدراً فيكم؟ قالوا: خيارنا، قال: كذلك هم عندنا خيار الملائكة). يعني: أنهم خيار، وفي اللفظ الآخر: (أنهم أفضل الملائكة).

    والحديث فيه أن الله تعالى أمد المؤمنين بألف من الملائكة، كما قال تعالى: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125].

    فمد الله المؤمنين بالملائكة يقاتلون معهم ويؤيدونهم، يزلزلون الكفار وينشرون الرعب في قلوبهم.

    شرح حديث: (لا تسبوا أصحابي..)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا جرير ح وحدثنا علي بن محمد قال: حدثنا وكيع ح وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو معاوية جميعاً عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) ].

    وهذا فيه فضل الصحابة المتقدمين.

    وهذا الحديث له سبب، وهو أنه كان بين خالد بن الوليد رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف شيء من سوء التفاهم، فكأن خالداً تكلم على عبد الرحمن بن عوف ، فالنبي صلى الله عليه وسلم خاطب خالداً ومن كان مثله من الذين تأخرت صحبتهم، فقال: (لا تسبوا أصحابي) يعني: لا تسبوا أصحابي الذين تقدمت صحبتهم، فهو خطاب للصحابة الذين تأخرت صحبتهم؛ لأن عبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين الذين أسلموا قبل الفتح وهاجروا.

    والسابقون الأولون الصواب أنهم هم الذين أسلموا قبل الفتح قبل صلح الحديبية، فصلح الحديبية هو الحد الفاصل بين من أسلم قبل الفتح فهو من السابقين الأولين، وبين من أسلم بعد الفتح فليس منهم، فـعبد الرحمن بن عوف ممن أسلم قبل الفتح وهاجر وأنفق، وخالد بن الوليد تأخر إسلامه فلم يسلم إلا بعد صلح الحديبية، وهناك أيضاً جمع ممن تأخر إسلامه ولم يسلم إلا بعد الفتح كـأبي سفيان وابنيه: معاوية ويزيد ، فإنهم أسلموا يوم الفتح، بعد إسلام خالد ، فـخالد لم يسلم إلا بعد صلح الحديبية وقبل يوم الفتح، وأبو سفيان ومعاوية أسلموا يوم الفتح.

    فالصحابة طبقات، فالسابقون هم الذين أسلموا قبل الفتح قبل صلح الحديبية، وقيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، لكن هذا مرجوح، والصواب أنهم هم الذين أسلموا قبل الفتح، كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم وبين ذلك فقال: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10].

    ثم قال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] يعني: السابقون واللاحقون كلهم موعودون بالجنة.

    فلما حصل سوء تفاهم بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كأن خالداً سبه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال يخاطب خالداً: (لا تسبوا أصحابي) أي: لا تسبوا أصحابي الذين تقدمت صحبتهم، وهذا خطاب لمن تأخرت صحبتهم، يقول: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده..) وهو عليه الصلاة والسلام الصادق وإن لم يقسم، ولكن أقسم للتأكيد، وفيه إثبات صفة اليد لله عز وجل، فأنفس العباد بيد الله، قال: (فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم) أي: أيها المتأخرون في الصحبة، (مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، النصيف: النصف، والمد: هو ملء كفي الرجل المتوسط والصاع أربعة أمداد، فلو أنفق عبد الرحمن مداً -مثلاً- من الدراهم أو من الذهب أو نصف المد، وأنفق خالد مثل أحد ذهباً، لسبقه عبد الرحمن ؛ لتقدم صحبته، هذا وهم صحابة، فكيف بمن لم يكن من الصحابة ممن بعدهم؟

    والحديث فيه فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وأنهم متفاضلون، وفيه فضل عبد الرحمن بن عوف وأنه من السابقين الأولين رضي الله عنه وأرضاه، وهو ممن شهد بدراً، وأما خالد فإنه فاته ذلك، فلم يشهد بدراً؛ لأنه تأخر إسلامه.

    شرح أثر عمر: (لا تسبوا أصحاب محمد...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن نسير بن زعلوق قال: كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره) ].

    وهذا الحديث لا بأس بسنده، ونسير لا بأس به، قال في الزوائد: إسناده صحيح.

    وفيه فضل الصحابة، وأن من بعدهم لا يلحقهم.

    1.   

    فضل الأنصار

    شرح حديث: (من أحب الأنصار أحبه الله...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل الأنصار.

    حدثنا علي بن محمد وعمرو بن عبد الله قالا: حدثنا وكيع عن شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله) قال شعبة : قلت لـعدي : أسمعته من البراء بن عازب ؟ قال: إياي حدث ].

    وهذا الحديث لا بأس به، وفيه فضل الأنصار، وأن من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله؛ وذلك لأن الأنصار ناصروا الله ورسوله والمؤمنين، وآووا المهاجرين، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله، ولهذا بوب البخاري رحمه الله باب: حب الأنصار علامة الإيمان، وبغض الأنصار علامة النفاق، فالذي يبغض أنصار الله وأنصار دين الله هذا دليل على نفاقه، وعلى مرض في قلبه، ومن أحبهم فهذا دليل على إيمانه.

    والحديث فيه إثبات المحبة لله عز وجل على ما يليق بجلالته وعظمته، خلافاً لمن أنكر المحبة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، والأشاعرة يفسرونها بالإرادة.

    والمراد بالأنصار: الأوس والخزرج الذين ناصروا النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل من ناصر دين الله في كل زمان، فحبهم دليل على الإيمان، وبغضهم دليل على النفاق؛ لأن من أبغض أنصار الله وأنصار دين الله فإن ذلك يدل على مرض في قلبه، ومن حبهم فإن ذلك يدل على إيمانه.

    شرح حديث: (الأنصار شعار والناس دثار...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم قال: حدثنا ابن أبي فديك عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الأنصار شعار والناس دثار، ولو أن الناس استقبلوا وادياً أو شعباً واستقبلت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار) ].

    وهذا الحديث رواه الشيخان، وفيه فضل الأنصار، وأن لهم فضلاً على غيرهم، وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم وله سبب، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم يوم حنين وأعطى المؤلفة قلوبهم، ليتألفهم عليه الصلاة والسلام على الإسلام، حتى يتقوى إيمانهم، والذين أسلموا قديماً لم يعطهم بل وكلهم إلى إيمانهم، ولم يعط الأنصار، فتكلم بعض شباب الأنصار حدثاء الأسنان وقالوا: غفر الله لرسول الله؛ يعطي صناديد قريش ويتركنا! فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجتمعوا في خيمة ضربت لهم، وقال: لا يأت معهم غيرهم، فخطبهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ما كلمة بلغتني عنكم أنكم قلتم كذا وكذا؟ فقال الأنصار رضي الله عنهم: يا رسول الله! أما العقلاء فلم يتكلم أحد، وأما شباب منا حدثاء الأنسان فقالوا: غفر الله لرسول الله يعطي صناديد قريش ويتركنا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد كنتم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم عالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فجمعكم الله بي).

    يعني: أنا أتألفهم بشيء من لعاعة الدنيا، على الإسلام، ثم قال: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والناس دثار).

    والشعار هو: الثوب الذي يلي الجسد، والدثار: الثوب الذي فوقه، يعني: هم أقرب وألصق الناس به عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم خاصته.

    ثم قال: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ثم قال: اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار).

    فبكوا رضي الله عنهم، حتى أخضلوا لحاهم، وقال: (لو شئتم لقلتم: كنت طريداً فآويناك، وكنت فقيراً فأغنيناك، وكنت وكنت، وكلما تكلم النبي قالوا: الله ورسوله أمن) وبكوا رضي الله عنهم حتى أخضلوا لحاهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وفي هذا فضل الأنصار.

    ثم قال: (أيها الناس! أنا أعطي الناس شاة وبعيراً أقسمها عليهم، يذهبون بالشاة والبعير إلى بيوتهم، وأنتم تذهبون بنبي الله إلى دياركم)، وفي اللفظ الآخر: (فوالله! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به)، أي: أنتم تنقلبون وترجعون بالرسول عليه الصلاة والسلام، وهم يرجعون بالمال، أي: أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يقسم الغنائم ويتألف على الإسلام، فأعطى بعض الصناديد وبعض رؤساء القبائل الذين أسلموا، كل واحد أعطاه مائة من الإبل؛ حتى يتقوى إسلامه وإيمانه.

    فـعيينة بن حصن أعطاه مائة، وهكذا جماعة من رؤساء القبائل في نجد أعطاهم مائة مائة من الإبل؛ لأنهم أسلموا حديثاً؛ حتى يتقوى إيمانهم.

    وهذا الحديث في سنده عبد المهيمن وهو ضعيف، لكن الحديث ثابت؛ فقد رواه البخاري في صحيحه، ومتن الحديث صحيح مع اختلاف في بعض الألفاظ من تقديم وتأخير.

    وهو ثابت في البخاري بهذا اللفظ: (الأنصار شعار والناس دثار، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار).

    قوله: (الله ورسوله أمن) هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي عهده يقال: الله ورسوله أمن؛ لأن هذا النص دل على هذا، وهذا كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:59].

    فالمن يكون لله ورسوله، لكن في حياته؛ لأنه كان يعطيهم شيئاً من المال، بخلاف الرغبة؛ فإنه يقال: إنا إلى الله راغبون، ولا يقال: إنا إلى الله ورسوله؛ لأن الرغبة خاصة بالله، والمنة تكون لله ولرسوله.

    شرح حديث: (رحم الله الأنصار وأبناء الأنصار...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا خالد بن مخلد قال: حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) ].

    وهذا السند فيه ضعف من أجل كثير فإنه ضعيف، لكن الحديث ثابت أيضاً في الصحيح.

    قوله: (اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) قال بعضهم: يراد به القرون الثلاثة، وقيل: المراد به الأنصار بخصوصهم.

    وفيه فضل الأنصار، وفضل من نصر دين الله، فإنه وإن كان المراد بهم الأنصار الأوس والخزرج إلا أن كل من نصر دين الله فله الفضل، فحبه دليل على الإيمان وبغضه دليل على النفاق.

    ومن أبغض أهل الخير، وأبغض الدعاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإن ذلك يدل على نفاق ومرض في قلبه، وضعف في إيمانه، ومن أحبهم فذلك دليل على إيمانه.

    وهذه قاعدة: كل من أبغض العلماء، وأهل الخير، والدعاة، والمصلحين، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فهذا يدل على ضعف إيمانه، ومرض في قلبه، نسأل الله السلامة والعافية، ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله في الصحابة: وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.

    فحب الصحابة دين وإيمان، وكذلك حب من بعدهم من الدعاة المصلحين، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.

    ومما ورد في فضل الأنصار حديث: (استوصوا بالأنصار خيراً فإن الناس يزيدون وإن الأنصار على هيئتها لا تزيد).

    1.   

    فضل ابن عباس رضي الله عنهما

    شرح حديث ابن عباس: (ضمني رسول الله إليه وقال اللهم علمه الحكمة...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فضل ابن عباس رضي الله عنهما.

    حدثنا محمد بن المثنى وأبو بكر بن خلاد الباهلي قال: حدثنا عبد الوهاب قال: حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: (ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وقال: اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب) ].

    وهذا فيه فضل ابن عباس ، والحكمة هي السنة، وتأويل الكتاب يعني: تفسير القرآن، وقد جاء في الصحيح بلفظ: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ].

    وقد ظهرت آثار هذه الدعوة في فضل ابن عباس وعلمه، فقد أعطاه الله علماً جماً، في تفسير القرآن، قال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث مرات أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها، وهذا من آثار دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بقوله: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل).