إسلام ويب

شرح سنن النسائي كتاب الطهارة [18]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الماء طاهر لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه من النجاسات، ويجوز التطهر بكل ماء مطلق كماء البئر والبحر والثلج والبرد، ومن النجاسات التي تؤثر في الماء لعاب الكلب على خلاف بين الفقهاء في نجاسة الكلب.

    1.   

    أحكام المياه

    شرح حديث: (إن الماء لا ينجسه شيءٌ)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب المياه:

    قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48].

    وقال عز وجل: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، وقال تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43].

    أخبرنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلها، فذكرت ذلك له فقال: إن الماء لا ينجسه شيء) ].

    هذا كتاب المياه، بين المؤلف رحمه الله فيه تأويل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6]، فما الماء الذي يتطهر به؟

    الجواب: هو الماء الذي تطهر، وهو الطهور الباقي على خلقته، كماء البحار والأنهار والعيون والآبار والأمطار، هذا هو الماء الطهور الباقي على خلقته، فماء الأمطار وماء البحار والأنهار والآبار ماء طهور، قال سبحانه: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:11]، وقال سبحانه: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43].

    والماء الطهور أيضاً: هو الماء المطلق الذي لم يخالطه شيء غيره يسلب عنه اسم الماء.

    ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم من فضلها، فذكرت ذلك له، فقال: (إن الماء لا يجنب لا ينجسه شيء).

    والحديث يروي فيه سماك عن عكرمة ؛ ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب إذا عنعن، لكن الحديث له شواهد تؤيده.

    والآيات التي ذكرت في أول الباب تدل على أن الأصل في الماء الطهارة.

    وجاء في حديث آخر: (أنه اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم واغتسل منها، فقالت: إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب).

    وجاء في الحديث الآخر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل بفضل ميمونة).

    أما ما جاء من النهي عن الوضوء بفضل المرأة فهو محمول على التنزيه إذا لم يوجد غيره في أصح قولي العلماء، وهذا هو الصواب، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، أنه اغتسل هو وبعض أزواجه من إناء واحد يغترفان جميعاً، وإذا اغترفت صار الماء بعدها فضلاً، ومع ذلك كان يغترف منه عليه الصلاة والسلام، فالأصل في الماء الطهورية إلا إذا تغير بمادة أخرى أو اختلطت به مادة أخرى سلبت عنه اسم الماء.

    وقوله: (إن الماء لا ينجسه شيء) يعني: ما دام باقياً على أصله، إلا إذا تغير بالنجاسة أو تغير بمادة أخرى سلبت عنه اسم الماء، كأن يختلط به لبن كثير فيكون لبناً، أو صب عليه زعفران فيكون زعفراناً، أو حبر يسلب عنه اسم الماء، أو يكون الماء ليس بماء مطلق، كعصير بعض الفواكه، فهذا لا يسمى ماء مطلقاً ولو كان صافياً، وإنما هو ماء عصير.

    وإذا تغير بغير ممازج - كطحلب وما أشبه ذلك - فلا يضر؛ لأن هذا شيء طاهر، ومثله ما يسقط من أوراق الأشجار.

    1.   

    ذكر بئر بضاعة

    شرح حديث أبي سعيد في بئر بضاعة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب ذكر بئر بضاعة.

    أخبرني هارون بن عبد الله قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا الوليد بن كثير قال: حدثنا محمد بن كعب القرظي عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: (يا رسول الله! أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء).

    أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم - وكان من العابدين - عن مطرف بن طريف عن خالد بن أبي نوف عن سليط عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: (مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟! فقال: الماء لا ينجسه شيء) ].

    هذا الحديث هو حديث بئر بضاعة المشهور، وهو حديث أبي سعيد الخدري.

    وقوله عليه الصلاة والسلام: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: أن هذا هو الأصل في الماء، إلا إذا تغير بنجاسة، وبئر بضاعة فيها ماء كثير، وقد حزرها بعضهم وجعل فيها حبلاً يقيس به الماء طولاً وعرضاً، ففيها ماء كثير أكثر من قلتين، وكانت في مكان منخفض، وكان تأتي الرياح والسيول وتلقي فيها هذه الأشياء، وهي لحوم الكلاب والحيض والنتن، وليس المراد أن الصحابة كانوا يلقون فيها هذه الأشياء، فالصحابة أعلى قدراً من أن يفعلوا هذا، ولكن قال بعضهم: يمكن أن يفعل هذا بعض المنافقين.

    والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) فما دام باقياً على خلقته فلم تغير النجاسة فيه لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فالأصل الطهارة.

    وقد احتج به المحققون على أنه يلغي مفهوم حديث القلتين كما سيأتي.

    وهذا الحديث لا بأس بسنده، وقد أخرجه أبو داود وكذا الترمذي، وهو حجة في أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه لا يعدل عنه إلا إذا تغير بالنجاسة، فهذه البئر كانت تلقي فيها السيول والرياح هذه الأشياء، ولكن الماء فيها كثير لا يتأثر ولا يتغير، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء).

    1.   

    التوقيت في الماء

    شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب التوقيت في الماء.

    أخبرنا الحسين بن حريث المروزي حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) ].

    هذا الحديث يسمى حديث القلتين، وهو حديث ابن عمر، وهو مشهور بحديث القلتين، وفي سنده الوليد بن كثير ، قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول. والمقبول إنما يحتج به في المتابعات لا في الأصول، لكن الحديث له طرق تشهد له، فهو حديث لا بأس بسنده على الصحيح، وقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والصواب أنه حديث صحيح، لا بأس بسنده، واحتج به الجمهور والكثير من الفقهاء على التوقيت في الماء، كما بوب المؤلف رحمه الله، فيعتبر حداً فاصلاً بين القليل والكثير، فما بلغ قلتين فهو كثير، وما كان دون القلتين فهو قليل، وعملوا بمفهومه ومنطوقه، فقالوا: إن منطوق الحديث أنه إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس بملاقاة النجاسة إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة، ولو لم يتغير. فجعلوا هذا حداً فاصلاً.

    والقلة قريبة من قربتين ونصف، فتكون القلتان خمس قرب، فإذا بلغ الماء خمس قرب فإنه لا يتأثر بنجاسة ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس ولو لم يتغير، عملاً بالمنطوق والمفهوم.

    وذهب جمع من المحققين إلى أن مفهوم هذا الحديث ملغى معطل، والذي ألغاه حديث أبي سعيد في بئر بضاعة، وهو (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فلا ينجس الماء مطلقاً، قليلاً كان أو كثيراً، إلا إذا تغير أحد أوصافه.

    وقد ذهب إلى هذا جمع من المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، وتبعهما الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، والشيخ عبد الرحمن السعدي ، والشيخ محمد بن عثيمين رحمهم الله، فذهبوا إلى هذا القول، وهو أن الماء - قليلاً كان أو كثيراً - لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، عملاً بحديث أبي سعيد ، وأما حديث القلتين فإن مفهومه أنه إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس، وهذا المفهوم ألغاه منطوق حديث أبي سعيد (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فلا يعمل بمفهوم حديث القلتين، وإنما يعمل بالمفهوم إذا لم يعارضه غيره، وهذا عارضه حديث أبي سعيد ، ما لم يكن الماء قليلاً في الأواني؛ فإنه يراق؛ لما جاء في بعض ألفاظ حديث ولوغ الكلب: (فليرقه)، فإذا كان الماء قليلاً في الأواني الصغار فإنه يراق، أما ما زاد على ذلك فلا.

    والمسلم ينبغي له أن يتأمل وينظر إذا وقعت في الماء الذي دون القلتين النجاسة؛ لأنه قد يتغير وهو لا يشعر بها، فإذا وقع فيه نجاسة فليتأمل ولينظر، فإن غيرت أحد أوصافه فهو نجس، وإلا فهو طاهر.

    شرح حديث أنس في بول الأعرابي في المسجد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى:

    [ أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد عن ثابت عن أنس : (أن أعرابياً بال في المسجد فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه. فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه).

    أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن محمد بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن عمرو بن الوليد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ].

    هذا الحديث يسمى حديث الأعرابي، وقد أخرجه الشيخان، فهو حديث صحيح.

    وفيه دليل على أن النجاسة يصب عليها الماء إذا كانت على الأرض، ولا يحتاج إلى نزع التراب، بل يكتفى بصب الماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بإخراج التراب، ومثله الفرش، فإذا أصابته النجاسة يصب عليها الماء، ويكون حكمها حكم التراب، لكن النجاسة تحرك وتقلب إذا كانت ثقيلة، وإذا كانت قليلة يعصر الفرش ويفرك، هذا إذا كانت النجاسة ليس لها جرم، أما إذا كان لها جرم كالعذرة فلا بد من نقل الجرم، ثم يصب الماء على الأثر.

    وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وتعليمه، فينبغي للدعاة أن يقتدوا ويتأسوا به - بأبي هو وأمي - عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى في كتابه المبين: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

    فهذا الأعرابي جاهل لا يعلم، جاء من البادية لا يفهم شيئاً، فدخل المسجد ثم رفع ثوبه وجلس يبول، فلما رآه الصحابة زجروه ونهروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله. فأشار إليهم أن يتركوه، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فالشدة والعنف يؤديان إلى مفاسد، والصحابة رضوان الله عليهم حرصوا على الخير وحرصوا على تنزيه المسجد فبادروا بالإنكار عليه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى العاقبة، وسلك مسلك الحكمة، فرأى أنهم إذا نهروه ثم قام حصلت مفاسد، منها: أن البول سيصير عند قيامه في أماكن متعددة من المسجد، فبدل أن يكون في مكان واحد معروف يكون في أمكنة متعددة، وقد لا يعرف مكان بعضها.

    ومنها: أنه سيلطخ ثوبه وفخذيه بالبول.

    ومنها: أن قطع البول عليه قد يؤدي إلى ضرر صحي.

    ومنها: التنفير من الإسلام، فينفر من الإسلام، ويكره الذين أنكروا عليه، وقد يهرب.

    كل هذه المفاسد تلافاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (دعوه، لا تزرموه).

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (أهريقوا على بوله دلواً من ماء)، وفي لفظ: (سجلاً من ماء)، فأمر بدلو من ماء فصب مكانه وانتهى الأمر بسهولة، وتلافى هذه المفاسد التي كانت ستحصل وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) يعني: إنما بعثتم بالعمل بهذا الدين الذي فيه اليسر وعدم الشدة، أي: بعث نبيكم بهذا وأنتم تعملون بالشرع.

    ثم بعد ذلك دعاه النبي صلى الله عليه وسلم برفق ولين، وأخبر بأن هذه المساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، ولا تصلح لشيء من البول والقذر.

    فلما رأى صفة خُلقُه عليه الصلاة والسلام انقاد واستجاب، ثم قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحدا) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد حجرت واسعاً).

    وفي هذا الحديث أنه يصب على نجاسة البول الماء، وفي حديث القلتين بيان إذا وقعت النجاسة على الماء.

    وقد اختلف العلماء أيضاً في الجمع بينه وبين حديث القلتين، فقال بعضهم: إن حديث القلتين فيه ورود النجاسة على الماء، وحديث الأعرابي فيه ورود الماء على النجاسة، فقال: إن هناك فرقاً بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة، فإذا وردت النجاسة على الماء فإنه ينجس إذا كان دون القلتين، أما إذا ورد الماء على النجاسة فلا ينجس، كما في حديث الأعرابي؛ لأن المعلوم أن الدلو أقل من القلتين، وصب على النجاسة، ومع ذلك ما تنجس الماء، فلو تنجس الماء لما طهرت النجاسة.

    لكن هذا التفريق ليس بجيد، وهو دليل على أن الماء - ولو كان قليلاً - لا ينجس إلا بالتغير.

    ولتطهير الماء المتنجس طرق، فمنها: نزح النجاسة، فإذا نزحت منه وزال تغيره طهر.

    ومنها: المكاثرة، فإذا أضيف إليه الماء الطهور وزالت النجاسة أي: لونها وطعمها وريحها فلا بأس.

    ومنها: أن تضاف إليه مواد أخرى، مثل مياه المجاري الآن، فقد يضاف إليها مواد أخرى فيزول طعم النجاسة ولونها ورائحتها، فيعود الماء طهوراً مرة أخرى.

    وفي إسناد الحديث الثاني قال النسائي : [ عن محمد بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن عمرو بن الوليد ] وهذا إسناد فيه خطأ، والصواب: عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد ، كما هو في السنن الكبرى.

    1.   

    النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم

    شرح حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم.

    أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب عن عمرو - وهو ابن الحارث - عن بكير أن أبا السائب حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) ].

    هذا الحديث فيه النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، والنهي للتحريم، وظاهره يقتضي الفساد، فلو اغتسل في الماء الدائم وعليه جنابة فإنه لا يرتفع الحدث؛ الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد والتحريم، فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في الماء الدائم الراكد الذي لا يجري؛ لأنه يقذره على غيره.

    ومفهوم الحديث: أنه لو اغتسل للتبرد فلا حرج، وكذلك إذا كان الماء جارياً؛ لأنه إذا اغتسل تذهب هذه الجرية وتأتي بعدها جرية أخرى.

    وحتى من باب النظافة فينبغي للمتبرد أن يغتسل خارج الماء، إلا إذا كان الماء كثيراً.

    وإذا أراد المرء أن يكتفي بالانغماس في الماء عن الوضوء، فإنه لابد أن يراعي كيفية الغمس، إذ لابد من الترتيب، فيخرج وجهه أولاً، ثم يخرج يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم رأسه ويمسح أذنيه، أو يخرج رأسه، ثم رجله اليمنى ثم رجله اليسرى، فلا بد من غسل الأعضاء مرتبة.

    1.   

    الوضوء بماء البحر

    شرح حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء بماء البحر.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن أبي سلمة أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ].

    هذا الحديث فيه أن ماء البحر طهور وميتته حلال.

    وفيه من الفوائد: أن المفتي ينبغي له أن يزيد المستفتي الحكم الذي يحتاج إليه، فإن هذا السائل سأل عن حكم ماء البحر، والذي يسأل عن ماء البحر يحتاج إلى معرفة حكم الميتة، فزاده النبي صلى الله عليه وسلم بيان حكم أكل الميتة في البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).

    ووقع في هذا الإسناد ( سعيد بن أبي سلمة ) وهو خطأ، والصواب ( سعيد بن سلمة ) بدون زيادة (أبي)، كما هو في السنن الكبرى.

    1.   

    الوضوء بماء الثلج والبرد

    شرح حديث: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء بماء الثلج والبرد.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس).

    أخبرنا علي بن حجر قال: أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) ].

    هذا - كما سبق - فيه دليل على طهارة ماء الثلج والبرد، فماء الثلج والبرد إذا ذاب فهو طهور، تتوضأ به كماء البحر، وكذلك مياه العيون والآبار والأمطار، كلها الأصل فيها الطهارة.

    1.   

    سؤر الكلب

    شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: سؤر الكلب.

    أخبرنا علي بن حجر قال: أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) ].

    وهذا الحديث أخرجه الشيخان وأهل السنن بألفاظ.

    وفي هذا الحديث دليل على نجاسة الكلب؛ لأن الأمر بغسل ما ولغ فيه يدل على نجاسته، وقد ذهب إلى هذا الجماهير.

    وذهب الإمام مالك والمالكية، إلى أن سؤر الكلب طاهر، وهو اختيار البخاري رحمه الله، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح صيد الكلب المعلم، ومن المعلوم: أنه إذا صاد الفريسة فلا بد من أن يكون فيها شيء من لعابه، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل لعاب الكلب، فقالوا: دل هذا على طهارته.

    لكن هذا ليس بواضح، والأمر بغسل ما ولغ فيه صريح في نجاسته، أما مكان عض المصيد فإنه قد يقطع، لأنه معروف أن عظة الكلب يقطع بسببها شيء يسير من الصيد، ثم إن النار تُذهب أثر أنيابه؛ لأن النار تقتل الجراثيم.

    وفي هذا الحديث قوله: (فليرقه) وهذه اللفظة عند مسلم ، وهي تدل على أن الماء القليل الذي في الأواني يراق إذا ولغ فيه الكلب، وكذلك - بالقياس عليه - ما وقع فيه نجاسة غير نجاسة الكلب، فإذا كان في إناء صغير فإنه يراق. وقال بعضهم: إن هذه اللفظة شاذة.

    والحديث دليل على أنه يجب غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات، وفي الحديث الآخر: (أولاهن في التراب)، وفي رواية: (إحداهن بالتراب)، وفي بعضها: (وعفروه الثامنة بالتراب) وهو دليل على أن إحدى الغسلات يكون فيها التراب، والأولى أن تكون الأولى؛ حتى يزيل أثر التراب ما بعدها من الغسلات.

    فهذا حكم ولوغه، أما بوله فأشد؛ لأن الكلب كله نجس، لكن إذا مس المرء الكلب وهو جاف فلا يؤثر ذلك عليه، لكن إذا كان رطباً فلابد من غسل اليد، وكذلك إذا كانت اليد فيها رطوبة، لكن السبع المرات في غسل الإناء من ولوغه.

    وبعض العلماء - كالحنابلة وغيرهم - ذهبوا إلى قياس الخنزير على الكلب فقالوا بغسل الإناء من ولوغه سبع مرات، لكن ليس القياس بظاهر.

    1.   

    تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكب

    شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه.

    أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد - يعني ابن الحارث - عن شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مطرفاً عن عبد الله بن مغفل : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب).

    أخبرنا عمرو بن يزيد قال: حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح يزيد بن حميد قال: سمعت مطرفاً يحدث عن عبد الله بن مغفل قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ قال: ورخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب، قال أبو هريرة رضي الله عنه: إحداهن بالتراب).

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب).

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) ].

    هذا الحديث طرقه متعددة، وفيه دليل لما ترجم له المؤلف رحمه الله من أن الكلب إذا ولغ في الإناء يغسل سبعاً، ويعفر بالتراب.

    وهذا التعفير بالتراب ذكر في الثامنة في بعض الروايات، وفي بعضها: (إحداهن بالتراب) ولم يعين، فيدل على التوسعة، وأن التراب في إحداهن، وفي بعضها: (أولاهن بالتراب) وهذه رواية مسلم ، وهي الأَولى، أي: الأولى أن يكون التراب في الأُولى حتى يغسلها ما بعدها، والجمهور على أن التراب نفسه اعتبر ثامنة، أي: أن الغسل سبع لكن واحدة معها التراب، والأَولى أن تكون الأُولى -كما قدمنا- وإنما سميت ثامنة للنظر إلى كون التراب غير الماء، وإلا فالغسلات سبع.

    وفيه دليل على أن الأمر بقتل الكلاب منسوخ، وهذا الحديث فيه بيان الناسخ والمنسوخ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب أولاً ثم رخص فقال: (ما بالهم وبال الكلاب)، إلا الأسود البهيم فإنه يقتل؛ لأنه شيطان، ولهذا جاء في صحيح مسلم : (يقطع صلاة المرء - إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل - المرأة، والحمار، والكلب الأسود).

    ولهذا لما سئل أبو ذر رضي الله تعالى عنه: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال للسائل: با ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: (الكلب الأسود شيطان) .

    وفيه ترخيص في كلب الصيد والغنم، وجاء في حديث آخر أيضاً ترخيص في كلب الحرث.

    والذي يرخص فيه منها هو كلب الصيد، وكلب الماشية، وكلب الحرث، وكل ما ورد الترخيص فيه لا يمنع دخول الملائكة، وفيما عدا ذلك لا يجوز اقتناء الكلب، ومن اقتنى كلباً فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان، كما في الحديث الآخر: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية أو حرث نقص من أجره كل يوم قيراطان)، أي: من الأجر، فلا يجوز وضع الكلاب في البيوت للحراسة، كما قال بعضهم: إن كلب الحراسة يقاس على كلب الحرث.

    1.   

    سؤر الهرة

    شرح حديث: ( إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب سؤر الهرة.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة ابنة كعب بن مالك : (أن أبا قتادة دخل عليها. ثم ذكر كلمة معناها: فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) ].

    هذا الحديث فيه دليل على أن سؤر الهرة طاهر؛ وذلك لعموم البلوى بها، أي: لكونها تدور وتطوف في البيت فتعم البلوى بفعلها، فرخص فيها الشارع، والمشقة تجلب التيسير، فلوجود علة الدوران والطواف في البيت رخص الشارع في سؤرها، وقاس العلماء عليها ما يشاركها في العلة، كالفأرة، فالفأرة كذلك يكثر دورانها، ولهذا قال العلماء: الهرة وما دونها في الخلقة طاهر، وسؤرها طاهر.

    واختلف العلماء في الحمار والبغل ونحوها مما يشارك الهرة في عموم البلوى والطواف، ولا سيما قبل مجيء السيارات، فهل سؤر البغل والحمار نجس أم طاهر؟

    الأقرب: أنه طاهر، فالحمار لا يؤكل، وهو نجس وبوله نجس، لكن عرقه مما تعم به البلوى، وكذلك سؤره.

    1.   

    سؤر الحائض

    شرح حديث عائشة: (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعته وأنا حائض...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب سؤر الحائض.

    أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة : (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاه حيث وضعته وأنا حائض، وكنت أشرب من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض) ].

    هذا الحديث أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه، وفيه دليل على طهارة سؤر الحائض، والسؤر: بقية الأكل أو الشرب.

    وفيه حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعاشرته لأهله وتواضعه ومحبته لـعائشة رضي الله عنها، وتعليمه الأمة، حيث إنه كان يضع فاه مكان فمها.

    والعرق هو العظم الذي فيه بقية لحم، وفيه مخالفة اليهود الذين لا يؤاكلون الحائض ولا يشاربونها ولا يجامعونها في البيت، بل يجعلونها في بيت أو حجرة لوحدها، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) يعني: إلا الجماع.

    1.   

    الرخصة في فضل المرأة

    شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله جميعاً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في فضل المرأة.

    أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً) ].

    المراد بفضل المرأة ما يبقى بعد غسل عضوها، وإذا كان يتوضئون جميعاً؛ فإنه إذا أخذت غرفة من الماء صار الماء بعدها فضلة، فيأخذ منه الرجل، فدل على الرخصة في فضل الماء.

    وقد يقال: كيف يتوضأ الرجال والنساء جميعاً؟! فهذه فتنة!

    والجواب أن هذا محمول على أحد وجهين:

    الوجه الأول: أن هذا كان قبل نزول الحجاب، والمراد بالوضوء غسل الأطراف: الوجه واليدين والرأس.

    والوجه الثاني: أن المراد الرجال مع النساء من محارمهم وزوجاتهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل مع عائشة.

    أما بعد نزول الحجاب فليس للإنسان أن يتوضأ مع المرأة الأجنبية، فهذا فتنة.

    1.   

    النهي عن فضل وضوء المرأة

    شرح حديث الحكم بن عمرو في النهي عن توضؤ الرجل بفضل المرأة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن فضل وضوء المرأة.

    أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا هاجر قال أبو عبد الرحمن - واسمه سوادة بن عاصم - عن الحكم بن عمرو : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة) ].

    الوضوء بالفتح اسم للماء، بالضم اسم للفعل.

    وهذا النهي إما منسوخ وإما أنه للتنزيه، وهذا إذا لم يوجد غيره، فإذا لم يوجد غير فضل المرأة زالت الكراهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بفضل ميمونة رضي الله عنها، فدل على أن النهي للتنزيه.

    ذلك هو حكم فضل وضوء المرأة، وأما ما ينزل من الأعضاء بعد استعماله ففيه خلاف، وهو المسمى الماء المستعمل، فلا يصح الوضوء به مرة أخرى، لكن يستعمل في غير الوضوء.

    الفقهاء يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام:

    طهور، وطاهر، ونجس.

    فالطهور: هو الذي يرفع الحدث.

    والطاهر: هو الطاهر في نفسه الذي لا يرفع الحدث، فالمستعمل ليس بنجس، لكنه لا يرفع الحدث؛ لأنه مستعمل في العبادة، فلا يستعمل في عبادة أخرى.

    ومثله الأحجار التي يرمى بها الجمار في الحج، حيث قالوا: لا ترم بحجر رمي به غيرك.

    وهذا لا دليل عليه، بل الصواب: أن المستعمل طهور، لكن إذا تركه من باب الاحتياط عند وجود غيره فلا حرج، وذلك حسن.

    1.   

    الرخصة في فضل الجنب

    شرح حديث عائشة في اغتسالها مع رسول الله في الإناء الواحد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الرخصة في فضل الجنب.

    أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد) ].

    هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح.

    وفيه أنه لا بأس بفضل الجنب، وذلك لأنها كانت تغتسل مع النبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد، فإذا غرفت فإن الماء يكون بعدها فضلة، ويغرف منه النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد سبق أنه (اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منها فقالت: إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا ينجس).

    1.   

    القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل

    شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل.

    أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي) ].

    المكوك: هو المد، فالخمسة المكاكي خمسة أمداد، والمد: هو ملء كفي الرجل المتوسط اليدين، فليستا بالكبيرتين ولا بالصغيرتين.

    وهذا هو الغالب في فعله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وربما زاد - كما في هذا الحديث - فاغتسل بخمسة مكاكي، أي: بخمسة أمداد، وهي صاع وربع، وربما توضأ بثلثي المد.

    وفي الحديث الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل مع زوجه بالفرق، وهو إناء يسع ثلاثة آصع، فكل واحد صاع ونصف تقريباً، أي: ستة أمداد.

    فدل هذا على أنه لا ينبغي الإفراط في الماء وكثرة الصب، فالزيادة على الثلاثة آصع أقل أحوالها الكراهة الشديدة، إن لم تكن محرمة، فلا ينبغي للإنسان أن يسرف، وإن زاد فلا حرج ما لم يخرج إلى الإسراف، وليس المراد أن الإنسان لا يجوز له أن يزيد على المد في الوضوء ولا على الخمسة المكاكي في الاغتسال، وإنما هذا بيان لما كان يفعله عليه الصلاة والسلام، وأنه ينبغي للإنسان أن يقتصد في الماء.

    ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـسعد : (ما هذا الإسراف؟! فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار).

    ولو نقص عن ذلك أيضاً فلا حرج، ما لم يصل إلى حد التقصير والإخلال.

    شرح حديث: (كان يتوضأ بمد ويغتسل بنحو الصاع)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا هارون بن إسحاق الكوفي قال: حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان - عن سعيد عن قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمد ويغتسل بنحو الصاع).

    أخبرنا أبو بكر بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن موسى قال: حدثنا شيبان عن قتادة عن الحسن عن أمه عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع) ].

    هذا في الغالب، وهذا المقدار فيه اقتصاد.