إسلام ويب

شرح سنن النسائي كتاب الطهارة [14]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المسلم لا ينجس حياً ولا ميتاً، حتى ولو كانت عليه جنابة، إلا أنه لا يقرب الصلاة حتى يغتسل، ويجوز له أن يذكر الله، ويجوز له أن ينام وهو جنب، إلا أنه يستحب له أن يغتسل، ويستحب للجنب إذا أراد أن يعود إلى أهله أن يتوضأ لأن ذلك أنشط للعود.

    1.   

    وضوء الجنب إذا أراد أن ينام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب وضوء الجنب إذا أراد أن ينام.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام) ].

    لأن الوضوء يخفف الجنابة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: إذا توضأ) ].

    هذا الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، وفيه قال: (نعم، إذا توضأ) فاشترط الوضوء، فدل على تأكد الوضوء للجنب، أما الأكل والشرب فتارة وتارة.

    1.   

    وضوء الجنب وغسل ذكره إذا أراد أن ينام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: وضوء الجنب وغسل ذكره إذا أراد أن ينام.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (ذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضأ واغسل ذكرك، ثم نم) ].

    الواو لا تفيد الترتيب؛ لأن غسل الذكر مقدم على الوضوء، والمعنى: اغسل ذكرك وتوضأ، والواو لا تقتضي ترتيباً ولا تقديماً ولا تأخيراً وإنما الواو لمطلق الجمع، وهذا من فوائد النحو، فالنحو فيه فوائد أحياناً يتوقف عليها المعنى، فالإنسان الذي يحسن النحو يستفيد، ويقرأ قراءة طيبة ويستفيد من المعاني؛ ولهذا قال: (توضأ واغسل ذكرك)، ليس المراد أنه يتوضأ ثم يغسل ذكره، فالواو لا تفيد هذا، بخلاف الفاء، فلو قال: توضأ فاغسل ذكرك، فهو يفيد الترتيب، أما الواو فهي لمطلق الجمع، والمعنى: اجمع بين الأمرين؛ اغسل ذكرك وتوضأ، لكن لابد أن يكون غسل الذكر مقدم.

    النسائي رحمه الله في سننه نوع التراجم من أجل استنباط الفوائد.

    فقد غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، قالت: (كان يغسل يديه ثلاثاً، ثم يفيض باليمنى على اليسرى فيغسل فرجه وما أصابه).

    يعني: إذا أزال الأذى فاستنجى واستجمر أو أزال ما على فخذيه، يغسل يده اليسرى مرة ثانية ويغسل يديه، وفي الحديث أنه غسل يديه بعدما توضأ وبعدما أزال ما على فخذيه وفي الحديث: (ثم ضرب بيده الحائط فدلكهما دلكاً شديداً).

    وتبييت النية من الليل لا يلزم إلا في صوم الفرض، لكن إذا نوى من الليل صار أكمل، ولا يكتب له أجر الصوم إلا من وقت النية، فإذا نوى الصيام في أثناء النهار وهو لم يأكل صح الصوم، لكن لا يكتب له الأجر إلا من وقت نيته.

    لكن لو لم ينم إلا الضحى أو بعد الظهر وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يفعل شيئاً ينافي الصيام فإنه يصح الصوم، لكن لا يكتب له أجر إلا من نيته، (كان النبي يأتي إلى أهله ضحىً ويقول: هل عندكم من شيء؟ -يعني: أكل- فيقولون: لا. فيقول: إني إذاً: صائم) فيصوم.

    1.   

    ما ذكر في الجنب إذا لم يتوضأ

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب في الجنب إذا لم يتوضأ:

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا هشام بن عبد الملك أخبرنا شعبة ح وأخبرنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا يحيى عن شعبة -واللفظ له- عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن عبد الله بن نجي عن أبيه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جُنُب) ]

    قال السيوطي رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن نجي بضم النون وفتح الجيم وتحتية، تابعي هو وأبوه. (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب) قال الخطابي رحمه الله: المراد بالملائكة الذين ينزلون بالرحمة والبركة لا الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب ولا غيره, وقيل: ولم يرد بالجنب من أصابته جنابة فأخر الاغتسال إلى حضور الصلاة، ولكنه الجنب الذي يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب ويطوف على نسائه بغسل واحد. قال: وأما الكلب فهو: أن يقتنى لغير الصيد والزرع والماشية وحراسة الدور. قال: وأما الصورة فهي: كل ما صور من ذوات الأرواح، سواء كان على جدار أو سقف أو ثوب. انتهى.

    قال النووي رحمه الله في شرح المهذب: وفي تخصيصه الجنب بالمتهاون والكلب بالذي يحرم اقتناؤه نظر وهو محتمل، وقال في شرح أبي داود : الأظهر أنه عام في كل كلب، وأنهم يمنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث؛ ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم تحت السرير كان له فيه عذر ظاهر، فإنه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريل عليه السلام من دخول البيت، وعلل بالجرو، فلو كان العذر في وجود الكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل، قال: وقال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه كلب؛ لكثرة أكل النجاسات؛ ولأن بعضها يسمى شيطاناً كما جاء به الحديث، والملائكة ضد الشياطين، ولقبح رائحة الكلب، والملائكة تكره الرائحة القبيحة؛ ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه، واستغفارها له، وتبريكها في بيته، ودفعها أذى الشيطان، وسبب امتناعهم عن بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى.

    قال: وذكر الخطابي والقاضي عياض : أن ذلك خاص بالصورة التي يحرم اتخاذها دون الممتهنة كالتي في البساط والوسادة ونحوها، قال: والأظهر أنه عام في كل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع؛ لإطلاق الحديث. انتهى.

    وقال الشيخ ولي الدين العراقي رحمه الله: وأما امتناعهم من دخول البيت الذي فيه جنب إن صحت الرواية فيه، فيحتمل أن ذلك لامتناعه من قراءة القرآن، وتقصيره بترك المبادرة إلى امتثال الأمر، لكن في هذا نظر؛ لأنه صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤخر الاغتسال، وانعقد الإجماع على أنه لا يجب على الفور فالوجه ما قاله الخطابي ، وكذا قال صاحب النهاية: أراد بالجنب في هذا الحديث الذي يترك الاغتسال من الجنابة عادة، فيكون أكثر أوقاته جنباً، وهذا يدل على قلة دينه، وخبث باطنه.

    وحمل جماعة من العلماء ذلك على ما إذا لم يتوضأ فبوب عليه النسائي رحمه الله: باب في الجنب إذا لم يتوضأ، وبوب عليه البيهقي رحمه الله: باب كراهة نوم الجنب من غير وضوء. انتهى.

    وقال السندي : ( ابن نجي ) بضم نون، وفتح جيم، وتشديد ياء، وثقة النسائي ، ونظر البخاري في حديثه، قوله: (لا تدخل الملائكة) حملت على ملائكة الرحمة والبركة إلا الحفظة، فإنهم لا يفارقون الجنب ولا غيره، وحمل الجنب على من يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة لا من يؤخر الاغتسال إلى حضور الصلاة،وأشار المصنف بالترجمة إلى أن المراد: من لم يتوضأ.

    وبالجملة: فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينام وهو جنب، ويطوف على نسائه بغسل واحد، ورخص في النوم بوضوء، فلا بد من تخصيص في الحديث وحمل الكلب على غير كلب الصيد والزرع ونحوهما.

    وأما الصورة فهي صورة ذي روح قيل: إذا كان لها ظل، وقيل: بل أعم، ومال النووي رحمه الله إلى إطلاق الحديث، لكن أدلة التخصيص أقوى وأظهر والله تعالى أعلم.

    فهذا الحديث فيه إشكال، وذلك أن هذا الحديث قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب).

    وقوله: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب) ثابت في الصحيحين لا إشكال فيه، والمراد بالملائكة: ملائكة الرحمة, لا الحفظة ولا الكتبة؛ فإنهم لا يفارقون الإنسان، والمراد بالصورة: غير الممتهنة التي تكون في البسط والفرش؛ فإنها لا تمنع دخول الملائكة، فالحديث عام مخصوص، ولا تدخل بيتاً فيه صورة, يعني: صورة غير ممتهنة.

    أما الممتهنة التي تكون في البساط والفرش، وتوطأ، فدلت الأدلة على أنها لا تمنع دخول الملائكة، فيكون الحديث عاماً مخصوصاً لصورة الممتهنة، والمراد بالكلب: غير المأذون فيه، ككلب الصيد، والزرع، والماشية، أما قول الشارح: كلب الدور, فإن كلب الدور ما يقاس عليه، وإنما هذا خاص بالثلاثة التي جاءت في الحديث: كلب الصيد، والزرع، والماشية، فإن كلب الصيد والزرع، لا يقع منه امتناع الملائكة.

    بقي مسألة الجنب: فالحديث دل على أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في صحيح البخاري وغيرهما أن النبي كان ينام وهو جنب عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث من رواية عبد الله بن نجي عن أبيه، وكلام العلماء عن عبد الله بن نجي هذا قال فيه في التقريب: صدوق، وقال فيه النسائي : ثقة، وقال البخاري : فيه نظر، والبخاري لطيف العبارة، إذا قال: فيه نظر، معناه: لا يحتج به، وأما أبوه نجي فقال فيه في التقريب: مقبول، وقال فيه في الكاشف : لين، وكذلك في تهذيب الكمال، وذكروا أنه صاحب مطهرة علي رضي الله عنه فإن الإناء الذي يتطهر فيه كان له اختصاص به، وفي الجرح والتعديل لم يتكلم فيه، وإنما ذكر أنه يروي عنه ابنه، وكذلك ابنه لم يذكر فيه تعديل، وللذهبي قال: إن نجي لا يدرى من هو، فالحديث هذا في صحته نظر، والنسائي حمله على أنه على الجنب إلا إذا لم يتوضأ، والحديث له شاهد أيضاً عند أحمد .

    وقد يقال: إن الحديث يكون حسناً لغيره، فيحتمل أن يكون حسناً، ويحتمل أن يكون ضعيفاً؛ لشذوذه ومخالفته للأحاديث الصحيحة، ونجي ليس بذلك في رواية علي رضي الله عنه، فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب.

    والنسائي بوب عليه وقال: باب في الجنب إذا لم يتوضأ، وحمله على ما إذا لم يتوضأ، فإن صح الحديث فهو محمول على ما إذا لم يتوضأ، وهذا جمع بينه وبين الأحاديث الصحيحة، وإن لم يصح زال الإشكال، والعمدة على الأحاديث الصحيحة.

    وقد سأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين قال: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب، وَسَبَق حديث عائشة أنها سئلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل في أول الليل أو في آخر الليل؟ قالت: ربما اغتسل في أوله، وربما اغتسل في آخره، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.

    فكيف يكون هذا الحديث: أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب، والنبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب، قال لـعمر : (نعم. إذا توضأ)؟! فالحديث إما أن يقال: ضعيف معارض للأحاديث الصحيحة أو أن يقال: إنه حسن لغيره في رواية الإمام أحمد ، ويحمل على الجنب إذا لم يتوضأ، وهذا ما فعله النسائي ؛ لأن الحافظ قال فيه: مقبول، والمقبول لا يحتج به إلا إذا توبع، وقال فيه الذهبي والكاشف : لين، وابنه عبد الله صدوق، وقال فيه البخاري : فيه نظر, ونظر البخاري لطيف العبارة، إذا قال: فيه نظر. يعني: لا يحتج به، والنسائي قال: ثقة، فالابن أحسن حالاً من أبيه، فالابن صدوق لكن الأب قال فيه الذهبي في ميزان الاعتدال: لا يدرى من هو.

    فالمقصود أن هذا الحديث في صحته نظر، ولو صح فهو محمول على ما إذا لم يتوضأ كما حمله النسائي، وهذا هو الأقرب وجاء في الأحاديث أن المصورين يعذبون، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وهذا يقال لمن صور ما فيه روح، لأنه مضاهاة لخلق الله، ولهذا قال ابن عباس: لو كنت مصوراً لصورت الشجر وما لا روح فيه، فإما أن يصور شجراً أو سماءً أو أرضاً، لا بأس بتصوير غير ذوات الأرواح، لكن لا يصور آدمياً أو طيراً أو حشراتٍ أو حيتاناً أو وحوشاً فكل هذا ممنوع.

    1.   

    ما ذكر في الجنب إذا أراد أن يعود

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب في الجنب إذا أراد أن يعود.

    أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا سفيان عن عاصم عن أبي المتوكل عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا أراد أحدكم أن يعود توضأ) ].

    هذا فيه استحباب الوضوء إذا أراد أن يعود في الجماع مرة أخرى، فيستنجي ويتوضأ وضوءه للصلاة، وهذا هو السنة.

    وفي رواية: (فيتوضأ فإنه أنشط أن يعود) يتوضأ الوضوء الشرعي، وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، والصواب حمله على الوضوء الشرعي؛ لأن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم تحمل على الحقيقة الشرعية، وجاء في رواية ابن خزيمة : (فليتوضأ وضوءه للصلاة) وهذه تزيل الإشكال.

    والذين قالوا: إنه الوضوء اللغوي قالوا: إنما شرع الوضوء للعبادات لا لقضاء الشهوات، لكن هذا رأي قد أبطلته رواية ابن خزيمة(فليتوضأ وضوءه للصلاة)، ولأن الأصل أن يحمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعية، هذا هو الأصل فهو ليس لغوياً يحمل على كلام أهل اللغة، وإن كانت النصوص في أرقى البلاغة والفصاحة، فالمقصود به الوضوء الشرعي .

    والأصل أن يكون للوجوب لكن يصرف عن الوجوب لأنه لا يريد أن يصلي ولا يريد أن يؤدي عبادة، وهو من جملة الأوامر والآداب.

    قال السيوطي رحمه الله: اختلف في المراد بالوضوء هنا، فقيل: غسل الفرج فقط مما به من أذى، قال القاضي عياض : وهو قول جماعة من الفقهاء، زاد القرطبي وأكثر أهل العلم قال: ويستدل على ذلك بأمرين:

    أحدهما: أنه ورد في رواية: (فليغسل فرجه) مكان (فليتوضأ).

    والثاني: أن الوطء ليس من قبيل ما شرع له الوضوء، فإنه بأصل مشروعيته للقرب والعبادات، والوطء من الملاذ والشهوات، وهو من جنس المباحات، ولو كان ذلك مشروعاً لأجل الوطء لشرع في الوطء المبتدأ، فإنه من نوع المعاد، وإنما ذلك لما يتلطخ به الذكر من ماء الفرج والمنى، فإنه مما يكره ويستثقل عادةً وشرعاً.

    وقيل: المراد به غسل الوجه واليدين، روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان إذا أتى أهله ثم أراد أن يعود غسل وجهه وذراعيه.

    وقيل: المراد الوضوء الشرعي الكامل وعليه أصحابنا؛ لأن في رواية ابن خزيمة : (فليتوضأ وضوءه للصلاة) وادعى الطحاوي أن هذا منسوخ، وقال: قد يجوز أن يكون أمر بهذا في حال ما كان الجنب لا يستطيع ذكر الله حتى يتوضأ، فأمر بالوضوء، ثم رخص لهم أن يتكلموا بذكر الله وهم جنب، فارتفع ذلك، ثم روى من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجامع ثم يعود ولا يتوضأ وينام ولا يغتسل) وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي زيادة: (فإنه أنشط للعود) أي: إلى الجماع، وهو تصريح بالحكمة فيه.

    وثبت في صحيح مسلم أنه يعود ولا يتوضأ ولا يغتسل، والمقصود: أن هذا الحديث يكون صارفاً للأمر من الوجوب إلى الاستحباب.

    والصواب: أن يراد به الوضوء الشرعي، وقول الطحاوي أنه منسوخ هذا لا وجه له، وهو للاستحباب لا للوجوب.

    1.   

    إتيان النساء قبل إحداث الغسل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب إتيان النساء قبل إحداث الغسل.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ويعقوب بن إبراهيم واللفظ لـإسحاق قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حميد الطويل عن أنس بن مالك : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في ليلة بغسل واحد)] .

    وهذا دليل على أنه لا بأس أن مع الرجل نساءه بغسل واحد إذا كان له عدد من النساء، لكن لابد من الوضوء بعد جماع كل واحدة؛ لأنه إذا أراد أن يعاود الجماع بزوجته فوضوءه من جماع كل واحدة.

    وفيه جواز جماع زوجاته في وقت واحد؛ لأن هذا ليس من الجور، لأنه عدل بينهن فهو عدل، وفي الحديث: ما أعطى الله نبيه من القوة والقدرة على الجماع تسع نسوة في وقت واحد، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه في حجة الوداع قبل الإحرام بغسل واحد، وكذلك الأنبياء السابقون؛ فإن سليمان عليه السلام طاف على تسعين امرأة في ليلة واحدة، وقال: لأطوفن الليلة على ستين امرأة تلد كل امرأة غلاماً يجاهد في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، وفي لفظ: فطاف عليهن فلم تحمل إلا واحدة، وجاءت بنصف إنسان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي! بيده لو قال: إن شاء الله لكان دركاً لحاجته ولقاتلوا في سبيل الله أجمعون) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا ثابت في الصحيحين، وهذا فيه القوة العظيمة حيث أعطاه الله قوة على جماع تسعين امرأة في ليلة واحدة، والنبي طاف على تسع، فالأنبياء أعطاهم الله قوة، ولهذا قال بعض السلف: كنا نحدث أن النبي أعطي قوة ثلاثين رجلاً في الجماع، وهذه قوة أعطاه الله إياها مع ما يصيبه من مشقة في الجوع وقلة الطعام وما يقوم به من الأعمال العظيمة في تبليغ الرسالة والدعوة عليه الصلاة والسلام.

    شرح حديث: (كان رسول الله يطوف على نسائه في غسل واحد)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يطوف على نسائه في غسل واحد) ].

    طاف على نسائه أي: دار، وهو كناية عن الجماع بغسل واحد، وفي رواية: في غسل، والمعنى واحد أي: يجامعهن ملتبساً ومصحوباً بنية غسل واحد، وتقديره: وإلا فالغسل بعد الفراغ من جماعهن، وهذا يحتمل أنه كان يتوضأ عقب الفراغ من كل واحدة منهن، ويحتمل ترك الوضوء لبيان الجواز، ومحمله على عدم وجوب القسم عليه أو على أنه كان برضاهن، وقال القرطبي: يحتمل أن يكون عند قدومه من سفر أو عند تمام الدور عليهن، وابتداء دور آخر، أو يكون ذلك مخصوصاً به، والا فوطء المرأة في نوبة ضرتها ممنوع منه.

    1.   

    حجب الجنب من قراءة القرآن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب حجب الجنب من قراءة القرآن:

    أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: أتيت علياً أنا ورجلان فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة).

    أخبرنا محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي قال: حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي رضي الله عنه قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة) ].

    هذا الحديث لا بأس بسنده، وفيه دليل على أن الجنب لا يقرأ القرآن، بخلاف غيره كالذكر والتسبيح والتهليل فلا بأس، وفي حديث عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه، إلا القرآن كان لا يحجبه شيء إلا القرآن، كان يأكل اللحم إذا خرج من الخلاء، ولا يمتنع من شيء، ويذكر الله إلا القرآن، فالجنابة تحجب قراءة القرآن.

    وجاء في حديث آخر: (فأما الجنب فلا ولا آية) واختلف العلماء في الحائض والنفساء هل تقرآن القرآن أو لا تقرآنه؟

    فالجمهور يرون أن الحائض والنفساء لا تقرآن القرآن قياساً على الجنب، كما أن الجنب لا يقرأ القرآن والمراد عن ظهر قلب بدون مس المصحف، وذهب الجمهور إلى أن الحائض والنفساء لا تقرأ القرآن، وهو مذهب الحنابلة والجماعة قياساً على الجنب، وفي هذا حديث ضعيف في منع الحائض والنفساء من قراءة القرآن.

    والقول الثاني: أنهما تقرآن القرآن، قالوا: والحديث في هذا ضعيف، وقياسه مع الجنب قياس مع الفارق؛ لأن الجنب مدته قصيرة، والحائض والنفساء مدتهما طويلة، قد تكون مدة النفاس أربعين يوماً، وقد يتفلت القرآن منها إذا كانت حافظة له، وقد تحتاج إلى مراجعة إذا كانت مدرسة أو طالبة، ولأن قراءة القرآن خير عظيم، فكيف تمنع من هذا الخير بدون دليل؟ ولأن الحائض والنفساء لا يستطعن إزالة الحدث، فهو ليس في أيديهما، بخلاف الجنب فإنه بيده، متى ما فرغ من حاجته اغتسل وقرأ القرآن، أما الحائض والنفساء فليس الأمر بيدهن، وقد تطول المدة.

    فالصواب: أنه لا بأس بقراءة الحائض والنفساء القرآن عن ظهر قلب بدون مس المصحف، وإذا احتاج مس المصحف يكون وراء قفازين، أما الجنب فلا، لأن مدته قصيرة ويستطيع أن يغتسل، والحديث في هذا صحيح، أما الحديث في منع الحائض والنفساء فهو ضعيف، وقياسه على الجنب قياس مع الفارق.

    قال السيوطي: (ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة).

    قال الزركشي في التخريج: ليس هنا بمعنى غير، وقال البزار : إنها بمعنى إلا، ويؤيده رواية ابن حبان : إلا الجنابة، وفي رواية له: ما خلا الجنابة، وقال على قوله: ليس الجنابة بالنصب على أن ليس من أدوات الاستثناء، والمراد بعموم شيء ما يجوز العقل فيه القراءة من الأحوال، وإلا فحالة البول والغائط مثل الجنابة، لكن خروجهما عقلاً أغنى عن الاستثناء.

    1.   

    مماسة الجنب ومجالسته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب مماسة الجنب ومجالسته.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن الشيباني ، عن أبي بردة عن حذيفة قال : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي الرجل من أصحابه ماسحه ودعا له، قال: فرأيته يوماً بكرة، فحدت عنه ثم أتيته حين ارتفع النهار، فقال: إني رأيتك فحدت عني! فقلت: إني كنت جنباً فخشيت أن تمسني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المسلم لا ينجُس) ].

    قوله: ماسحه لعل المراد: صافحه، قوله: فحدت يعني: ملت.

    قوله: (إن المسلم لا ينجس) فيه دليل على أن المسلم لا ينجس، والدليل على أنه طاهر ولعابه طاهر، وكذلك الحائض بدنها ولعابها، وإنما النجاسة نجاسة خروج الدم، فالمسلم لا ينجس، والحدث أمر تعبدي يمنع من الصلاة ومن مس المصحف، فالحدث ليس نجاسة، ولهذا لما حاد حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ومال عنه قال له النبي: (إن المسلم لا ينجس) وفي لفظ آخر في قصة قال: (إن المؤمن لا ينجس) فليس الحدث نجاسة، وإنما هو أمر تعبدي معنوي يمنع من العبادة، ويمنع من الصلاة، ويمنع من الطواف في البيت، ويمنع من مس المصحف، وليس نجاسة.

    قال: [ أخبرنا إسحاق بن منصور أخبرنا يحيى حدثنا مسعر حدثني واصل عن أبي وائل عن حذيفة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه وهو جنب فأهوى إلي، فقلت: إني جنب، فقال: إن المسلم لا ينجس).

    أخبرنا حميد بن مسعدة حدثنا بشر -وهو ابن المفضل- قال: حدثنا حميد عن بكر عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب، فانسل عنه فاغتسل ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال: يا رسول الله إنك لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجُس) .

    في الحديث الأول أن المسلم لا ينجس، فالمؤمن لا ينجس، وإنما هو أمر تعبدي، وفيه دليل على أنه لا بأس أن يؤخر الإنسان الغسل، وأنه لا حرج ، ولا يعتبر هذا من التهاون كما سبق من بعض الشراح قال: إن هذا يحمل على التهاون في الجنابة، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه وكذلك حذيفة أخرا الغسل مدة ولم ينكر عليهما النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: تهاونتم! لماذا أخرتم الغسل؟ فهذا يدل على أن ذلك الحديث إما أنه ضعيف أو محمول على الجنب إذا لم يتوضأ، وهو حديث: (لا تدخل الملائكة بيت فيه صورة ولا كلب ولا جنب) فبعضهم حمله على المتهاون، فليس بظاهر، وإنما يحمل إن صح على من لم يتوضأ.

    وفيه مشروعية التسبيح عندما يتعجب من شيء دون التصفيق، ولهذا قال له النبي لما جاء: (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس) ولم يصفق، فهذا دليل على رد ما يفعله بعض الناس إذا جاءهم شيء صفقوا، فهذا خلاف المشروع، بل هو من هدي المشركين، قال تعالى: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما التصفيق للنساء) وإنما إذا أعجب الإنسان شيءٌ يسبح ويكبر الله.