إسلام ويب

شرح سنن النسائي كتاب الطهارة [8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم الوضوء لكل صلاة، وكان أحياناً يصلي الصلوات بوضوء واحد. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإسباغ الوضوء، كما أنه أمر بعدم التعدي في الوضوء والزيادة على ثلاث مرات. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل الإسباغ وتكفيره الخطايا به ورفعه للدرجات.

    1.   

    الوضوء لكل صلاة

    شرح حديث أنس في توضئه صلى الله عليه وسلم لكل صلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء لكل صلاة.

    أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن عامر عن أنس رضي الله عنه أنه ذكر (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإناء صغير فتوضأ. قلت: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم. قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات ما لم نحدث. قال: وقد كنا نصلي الصلوات بوضوء) ].

    قوله: (نصلي الصلوات) يعني: نصلي عدداً من الصلوات، فلا بأس بأن يصلي المسلم عدداً من الصلوات بوضوء واحد، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، فقال له عمر رضي الله عنه: فعلت شيئاً لم تكن تفعله! فقال: (عمداً فعلته يا عمر)؛ لبيان الجواز.

    وأما حديث أنس هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فالمراد به في الأغلب، فالغالب أنه عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ لكل صلاة، وقد جمع عدة صلوات بوضوء واحد في يوم الفتح.

    شرح حديث: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا زياد بن أيوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقرب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة) ].

    هذا الحديث فيه أنه لا حرج في أن يأكل الإنسان ويشرب وهو محدث، ولا يقال: يشرع الوضوء للأكل والشرب، وإنما هذا للجنب، فالجنب يستحب له إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أن يتوضأ، وأما غير الجنب فلا، فالإنسان إذا خرج من الخلاء بعد بول أو غائط فله أن يأكل ويشرب ولا يستحب له الوضوء، ولهذا لما قرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم الطعام حين خرج من الخلاء وعرض عليه الماء ليتوضأ أخبرهم أن الوضوء للقيام إلى الصلاة.

    شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ لكل صلاة)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثنا علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر : فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: عمداً فعلته يا عمر! ) ].

    هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وفيه جواز جمع الصلوات بوضوء واحد، وكذلك التيمم عند المحققين من العلماء، فله أن يصلي الصلوات بتيمم واحد ما لم يحدث أو يجد الماء.

    وذهب الجمهور إلى أنه لا يجمع بين الصلاتين فأكثر بتيمم واحد؛ لأن التيمم إنما تستباح به الصلاة، فيتيمم للصلاة الحاضرة، ويصلي معها النوافل القبلية والبعدية، لكن لا يصلي صلاة أخرى بهذا التيمم؛ لأن التيمم استباحة للصاة، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور.

    وذهب المحققون -كشيخ الإسلام ابن تيمية - إلى أن التيمم قائم مقام الماء؛ لأن الله تعالى سماه الله على لسان نبيه طهوراً، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، فيقوم مقام الماء ما لم يحدث أو يجد الماء.

    1.   

    النضح على الفرج بعد الوضوء

    شرح حديث سفيان الثقفي في نضح رسول الله على فرجه بعد الوضوء

    أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها: هكذا. ووصف شعبة : نضح به فرجه. فذكرته لـإبراهيم فأعجبه).

    قال الشيخ ابن السني : الحكم هو ابن سفيان الثقفي رضي الله عنه].

    قوله: (إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فنضح بها فرجه) معناه: استنجي ثم نضح فرجه ثم توضأ، فيكون النضح بعد الاستنجاء وقبل الوضوء، كما جاء في الحديث الآخر: (إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) يعني: إذا أراد دخول الخلاء، وكما قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل:98] يعني: إذا أردت قراءة القرآن، وهنا: (كان إذا توضأ نضح فرجه) يعني: إذا أراد أن يتوضأ نضح فرجه.

    شرح حديث سفيان الثقفي: (رأيت رسول الله توضأ ونضح فرجه)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا الأحوص بن جواب قال: حدثنا عمار بن رزيق عن منصور . ح وأخبرنا أحمد بن حرب قال: حدثنا قاسم -وهو ابن يزيد الجرمي - قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ونضح فرجه) قال أحمد : فنضح فرجه ].

    هذا فيه -أيضاً- أن النضح تأخر عن الوضوء، وهو محمول على أن النضح يتقدم على الوضوء.

    وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة .

    ورواته في الإسناد الأول هم: إسماعيل بن مسعود الجحدري أبو مسعود ، ثقة، وخالد بن الحارث بن عبيد أبو عثمان ، ثقة، والأحوص بن جواب صدوق ربما وهم، وهو بفتح الجيم وتشديد الواو، يكنى أبا الجواب ، كوفي، وعمار بن رزيق بتقديم الراء، مصغر، الضبي أو التميمي ، لا بأس به، وأحمد بن حرب صدوق.

    فهذا الحديث فيه ثبوت النضح؛ لأن معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينضح فرجه، أي: كان يرش على ما حوله، فإن ثبت كان هذا لبيان الجواز، فمن كان عنده خواطر ووساوس فإنه ينضح فرجه ويرش بعد الاستنجاء لقطع الوساوس، فيكون هذا محمولاً على الجواز في حق من كان عنده شيء من الوساوس والخواطر، فإن عليه بعد أن يستنجى أن يرش على ما حول فرجه من الثياب حتى يقطع الوساوس ولا يبقى عنده شك، فإذا أصابه شيء قال: هذا من رطوبة الماء، فينقطع الوساوس، بخلاف ما إذا لم يرش فإنه قد يكون عنده وساوس، ويتوهم أنه خرج من فرجه شيء، فإذا رش ما حوله من الثياب كان في ذلك قطع الوساوس.

    ولا يلزم من النضح أن يمس الفرج، فإن فعل انتقض الوضوء.

    قال السندي في قوله: (نضح): قيل: هو الاستنجاء بالماء، وعلى هذا معنى: (إذا توضأ) أي: أراد أن يتوضأ. وقيل: رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء؛ ليدفع به وسوسة الشيطان، وعليه الجمهور، وكأنه يؤخره أحياناً إلى الفراغ من الوضوء، والله تعالى أعلم.

    أي: أن المراد هو النضح على الثياب، وإذا حمل على الاستنجاء زال الإشكال، ويكون موافقاً الأحاديث الأخرى.

    1.   

    الانتفاع بفضل الوضوء

    شرح حديث علي في الشرب من فضل الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: الانتفاع بفضل الوضوء.

    أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال: حدثنا أبو عتاب قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت علياً رضي الله عنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام فشرب فضل وضوئه، وقال: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنعت) ].

    هذا فيه أنه لا بأس بالانتفاع بفضل الوضوء بالشرب، وأن الإنسان إذا توضأ وبقي فضل فشربه فلا حرج عليه، فالباقي من الوضوء ينتفع به بالشرب والغسل والطبخ، ولا حرج في ذلك.

    وفيه جواز الشرب حال القيام وأنه ليس بمحرم.

    شرح حديث أبي جحيفة في نيله من فضل وضوء رسول الله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان قال: حدثنا مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم بالبطحاء وأخرج بلال فضل وضوئه فابتدره الناس، فنلت منه شيئاً، ورُكِزت له العنزة فصلى بالناس والحمر والكلاب والمرأة يمرون بين يديه) ].

    وهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وفيه مشروعية السترة حتى في مكة، ولهذا بوب البخاري فقال: (باب السترة في مكة وغيرها)، فدل على أن مكة ليس لها خصوصية أنه لا تشرع فيها السترة، بل السترة مشروعة للمصلي في مكة وفي غير مكة، لكن في المسجد الحرام إذا اشتد الزحام وعجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    وفيه أن الإنسان إذا صلى إلى السترة فلا يضره من مر من ورائها من الحمر والكلاب والنساء، وأما إذا لم يكن له سترة ومر حمار أو كلب أو امرأة بالغ قريباً منه فإن الصواب أنه تبطل الصلاة، لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع صلاة المرء -إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل- المرأة، والحمار، والكلب).

    وأما الجمهور فقد تأولوا هذا الحديث بأن المراد قطع الثواب، واستدلوا بأحاديث، منها: (لا يقطع الصلاة شيء ) لكنه حديث ضعيف، والصواب أنها تبطل.

    وفيه التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا خاص به عليه الصلاة والسلام في حياته، ولهذا ابتدر الناس وضوءه، وصاروا يأخذون القطرات مما توضأ منه، وفي رواية البخاري : (فمن نائل منه وناضح)، فكانوا يأخذون القطرات ويتبركون بها؛ لما جعل الله في جسده عليه الصلاة والسلام وما لمس جسمه من البركة، ويمسحون وجوههم وأيديهم.

    وكان إذا تفل أو تنخم صارت نخامته في يد واحد من الصحابة يدلك بها وجهه وجسمه، ولما نام عند أم سليم -وكان بينه وبينها محرمية- فعرق سلتت العرق، فجعلته في قارورة مع طيب لها، وقالت: إنه لأطيب الطيب. فهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم ولا يقاس عليه غيره، ولهذا لم يفعل الصحابة هذا مع أبي بكر ولا مع عمر ؛ لأن هذا من وسائل الشرك، ويؤدي إلى الغلو، فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته.

    وفي الحديث الأول الانتفاع بفضل الوضوء بالشرب، وفي هذا الانتفاع بفضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم بالتبرك.

    وقد كانت عائشة رضي الله عنها ترى أن مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة كما ما ذهب إليه الجمهور، وقالت: شبهتمونا بالحمير والكلاب! وقد رأيتني وأنا معترضة أمام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي.

    وقد ظنت رضي الله عنها أن هذا مرور، وهذا ليس بمرور، فكون المرء ينام أمام المصلي لا يعتبر مروراً، بل المرور هو أن يأتي المرء من هذا الجانب إلى هذا الجانب.

    وأما المرور بين يدي الصف فليس كالمرور بين يدي الإمام؛ إذ المأموم تابع للإمام، وفي قصة مرور ابن عباس بين الصوف لم يذكر أنه مر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    شرح حديث جابر في صب رسول الله وضوءه عليه في مرضه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان قال: سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابراً يقول: (مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني، فوجداني قد أغمي علي، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصب علي وضوءه) ].

    هذا الحديث فيه الانتفاع بفضل الوضوء بالصب على المريض المغمى عليه، وصب الماء على المريض مفيد، سواء أكان من الوضوء أم من غيره، لا سيما إذا كان المرض من الحمى التي يفيد فيها الماء؛ لأن الحمى أنواع، فبعضها قد يفيد فيها الماء، وبعضها لا يفيد فيها الماء، ففيه الصب على المغمى عليه أو على المريض من ماء الوضوء أو غيره.

    والصب من الوضوء خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما غيره فيَصُب من أي ماء، لكن إذا توضأ الإنسان وبقي من وضوئه فضله فله أن ينتفع بصبه على المريض، وله أن ينتفع به بالشرب، وله أن ينتفع به بالأكل.

    1.   

    فرض الوضوء

    شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب فرض الوضوء.

    أخبرنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) ].

    هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفيه أن الوضوء شرط في صحة الصلاة، وأن الصلاة لا تصح إلا بالوضوء.

    قوله: (ولا يقبل صدقة من غلول) الغلول: هو الأخذ من الغنية قبل قسمتها، ومثله الأخذ من بيت المال أو من الأوقاف، فإذا أخذ غلولاً ثم تصدق به فإن صدقته لا تقبل؛ لأنها من كسب حرام، فلا تقبل الصدقة من غلول، ولا تقبل الصلاة بغير وضوء؛ لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، فمن صلى بغير وضوء فإن صلاته باطلة، بل إن بعض العلماء قال: إذا تعمد ذلك كفر وارتد، والعياذ بالله؛ لأنه مستهزئ بربه.

    1.   

    الاعتداء في الوضوء

    شرح حديث: (... فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الاعتداء في الوضوء.

    أخبرنا محمود بن غيلان قال: حدثنا يعلى قال: حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) ].

    هذا الحديث فيه أن الوضوء حده الثلاث، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وتوضأ مخالفاً.

    وفيه أنه من زاد على ثلاث فقد أساء وتعدى وظلم، وبيان أن هذا من العدوان، ولا يجوز للإنسان أن يزيد على ثلاث في كل عضو، والمراد بالمرة ما عُمم به العضو، فإذا عمم العضو بالماء فهذه تعد غسلة، سواء أحصل بغرفة أو بغرفتين.

    والسنة أن يتوضأ المرء ثلاثاً ثلاثاً، وهذا هو الأصل، وإن توضأ مرتين مرتين، أو مرة مرة أو مخالفاً أجزأ ذلك، ولا يزد على ثلاث، فالزيادة على الثلاث عدوان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فقد أساء وتعدى وظلم).

    وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: (فمن زاد على هذا أو نقص).

    وزيادة (أو نقص) فيها نظر، وهي وهم من بعض الرواة؛ لأن النقص لا يعتبر إساءة، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومرتين مرتين، ومرة مرة، وتوضأ مخالفاً.

    1.   

    الأمر بإسباغ الوضوء

    شرح حديث ابن عباس في أمر رسول الله لهم بإسباغ الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الأمر بإسباغ الوضوء:

    أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد قال: حدثنا أبو جهضم قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: (كنا جلوساً إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنها فقال : والله ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس إلا بثلاثة أشياء: فإنه أمرنا أن نسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا ننزي الحمر على الخيل).

    أخبرنا قتيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسبغوا الوضوء) ].

    هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خص أهل البيت بهذه الأشياء الثلاثة: إسباغ الوضوء، وترك أكل الصدقة، وعدم إنزاء الحمر على الخيل، وهذه ليست خاصة بهم، وإنما المراد مزيد التأكيد، فإن إسباغ الوضوء مأمور به كل مسلم، كما سيأتي في الحديث الذي بعده: (أسبغوا الوضوء)، وإسباغ الوضوء معناه: إبلاغه وإتمامه، وتفقد ما ينبو عنه الماء، وهذا مأمور به كل مسلم.

    وإسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات، ويحط به الخطايا، ولكن أهل البيت لهم مزيد التأكيد.

    وأما إنزاء الحمر على الخيل فهذا قد نهي عنه أيضاً أهل البيت وغيرهم، والحمر: جمع حمار، والمراد بالإنزاء: أن يدع المرء الذكر من الحمر ينزوا على الأنثى من الخيل، فتحمل منه فتأتي بالبغل، فالبغل هو المتولد من الحمار والخيل، فأبوه حمار وأمه من فصيلة الخيل، والخيل حلال يجوز أكله؛ لقول أسماء رضي الله عنها: (نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً فأكلنا لحمه)، وأما البغل فحرام الأكل؛ لأنه متولد من حلال وحرام.

    والنهي عن إنزاء الحمر على الخيل إنما هو لئلا يتولد منهما البغل، وفي هذا تقليل لنسل الخيل، والبغل ليس له القوة والجلد والخفة، فلهذا نهي عن إنزاء الحمر على الخيل، ولا ينافي هذا كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يستخدم البغل، وكذلك من الله تعالى به على العباد بقوله: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8]، فهذا إنما هو بعد وجودها، فلا بأس عندئذٍ باستعمالها، وأما إنزاء الحمر على الخيل فلا يفعله إلا عاص أو كافر، فإذا أنزى الحمار على الخيل عاص أو كافر وتولد من ذلك البغل فلا بأس بأن تركب على البغل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يركب البغل، كما أن الصور لا يجوز تصويرها، ولكن إذا وجدت الصورة وامتهنت في الفراش فلا بأس ببقائها، ولا تمنع دخول الملائكة، لكن التصوير محرم، فإذا صور إنسان وامتهنت الصورة بوطئها أو بالجلوس عليها فلا حرج في بقائها، وكذلك إنزاء الحمر على الخيل ممنوع، لكن إذا أنزى فاسق أو كافر حماراً على الخيل فأتت ببغل فلا بأس باستعمال البغل.

    وأما الصدقة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد) وبين أن علة ذلك أنها أوساخ الناس.

    قال بعض العلماء: المحرم على النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفريضة، أما صدقة التطوع فلا بأس بها له.

    والذي يظهر من ظاهر النصوص أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجز له صدقة التطوع ولا الفرض؛ وقد جاء في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأكل الصدقة، وأما أهل البيت فإنهم يأكلون صدقة التطوع دون صدقة الفرض.

    وفي هذا الإسناد أبو جهضم، قال فيه ابن حجر : صدوق. وفيه يحيى بن حبيب شيخ النسائي ، قال فيه: ثقة، وعبد الله بن عبيد الله بن عباس قال فيه: ثقة.

    فهذا الحديث لا بأس بسنده في الظاهر، وما فيه محمول على أنه لمزيد التأكيد، وليس خاصاً بأهل البيت، إلا الصدقة فلا يأكلها أهل البيت.

    فالمقصود من ذلك اللفظ هو مزيد التأكيد، وقد ثبت أن علياً رضي الله عنه خطب الناس وقال: إنه ليس عندنا شيء خصنا به النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما في هذه الصحيفة.

    وهي صحيفة فيها أسنان الإبل، وأنه لا يقتل المسلم بالكافر، وهذا يرد على الشيعة الذين يقولون: إن آل البيت خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس. فالمراد مزيد التأكيد؛ لأن هذه الأمور ليست خاصة بهم.

    1.   

    فضل إسباغ الوضوء

    شرح حديث: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الفضل في ذلك.

    أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) ].

    هذا الحديث فيه فضل هذه الأشياء الثلاثة: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وبيان أن ذلك من الرباط، وكرر قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، للتأكيد، والرباط: هو ملازمة الثغور، وهي حدود الدولة الإسلامية؛ حتى لا يأتي الأعداء، فالجيش المرابط على حدود الدولة الإسلامية يقال له: مرابط.

    والمرابطة لها أجر عظيم، والرباط في سبيل الله من أفضل القربات وأجل الطاعات، وأفضل من التعبد في المسجد الحرام، ولهذا قال الله تعالى منكراً على المشركين: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة:19].

    فالجهاد في سبيل الله والرباط من أفضل الأعمال وأجل القربات وأفضل العبادات؛ إذ إن بعض الأعمال نفعه قاصر، بخلاف الجهاد فإن نفعه متعد، فالرباط وملازمة حدود الدولة الإسلامية حتى لا يأتي الأعداء منها، من أفضل القربات.

    وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الثلاثة من الرباط، وأولها: إسباغ الوضوء، أي: إبلاغه وإتمامه، ولا سيما عند المكاره، أي: في وقت البرد ووقت الحر. وثانيها: انتظار الصلاة بعد الصلاة، وليس المراد أنه يجلس في المسجد ولا يخرج، بل المعنى أنه ينتظرها بقلبه، فكلما انتهت الصلاة انتظر الصلاة الأخرى، فقلبه معلق بالمسجد وإن خرج؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج ولا يجلس في المسجد، كان يخرج لقضاء حوائج المسلمين، وتبليغ الإسلام والدين، ومقابلة الوفود، والإجابة على الأسئلة، وكذلك المسلم يحتاج إلى قضاء حوائج أهله، وزيارة إخوانه، فإن جلس في المسجد فاتت هذه المصالح، فالمعنى أنه ينتظرها بقلبه وعنايته، فكلما انقضت صلاة انتظر الصلاة الأخرى، وإذا جلس في بعض الأحيان لقراءة القرآن أو الذكر أو حضور درس للتعلم أو التعليم، وانتظر الصلاة إلى الصلاة؛ فهذا نور على نور، ويكون هذا من الرباط.

    1.   

    ثواب من توضأ كما أمر

    شرح حديث: (من توضأ كما أمر وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثواب من توضأ كما أمر.

    أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث عن أبي الزبير عن سفيان بن عبد الرحمن عن عاصم بن سفيان الثقفي أنهم غزوا غزوة السلاسل، ففاتهم الغزو فرابطوا، ثم رجعوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب وعقبة بن عامر رضي الله عنهم، فقال عاصم : يا أبا أيوب ! فاتنا الغزو العام، وقد أخبرنا أنه من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه.

    فقال: يا ابن أخي! أدلك على أيسر من ذلك: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل) أكذلك يا عقبة ؟ قال: نعم ].

    المساجد الأربعة المراد بها: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، فمن صلى في هذه المساجد الأربعة فإنه -على ما ورد في هذا الحديث- يغفر له ذنبه.

    ولكن هذا من كلام عاصم بن سفيان الثقفي ، وليس حديثاً مرفوعاً، والذي يقول هذا هو عاصم بن سفيان الثقفي ، وهو متكلم فيه، والحديث فيه عنعنة أبي الزبير ، فلا يثبت هذا.

    لكن الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي والأقصى قد ثبت الفضل فيها، وهو أن الصلاة في الحرام تعدل مائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي ألف صلاة، وفي المسجد الأقصى خمسمائة.

    قوله: [ فقال: يا ابن أخي! أدلك على أيسر من ذلك: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل) أكذلك يا عقبة ؟ قال: نعم ].

    هذا مرفوع، فـأبو أيوب وعقبة صحابيان رفعا هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أن الوضوء من أسباب مغفرة الذنوب، والمراد الذنوب الصغائر إذا اجتنب المرء الكبائر وأدى الفرائض، لكن الحديث فيه عاصم بن سفيان الثقفي ، وفيه أبو الزبير ، إلا أن هذا المعنى ثابت في الأحاديث الصحيحة، كحديث حمران في وضوء عثمان وغيره، فله شواهد من الأحاديث الصحيحة تشهد له، وتدل على ما دل عليه.

    شرح حديث: (من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد عن شعبة عن جامع بن شداد قال: سمعت حمران بن أبان أخبر أبا بردة في المسجد أنه سمع عثمان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتم الوضوء كما أمره الله عز وجل فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن) ].

    هذا من فضل الله تعالى وإحسانه، فمن أتم الوضوء فصلواته كفارة لما بينهن، يعني: إذا اجتنب الكبائر، وهذا فيه بيان فضل الله وجوده سبحانه وتعالى، وهو أن الوضوء من الكفارات للذنوب الصغائر، وكذلك الصلوات إذا اجتنب الكبائر وأدى الفرائض.

    شرح حديث عثمان: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان أن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها) ].

    هذا كما سبق، وهو أن الصلوات من أسباب المغفرة، وهذا لمن اجتنب الكبائر، فالنصوص يضم بعضها إلى بعض، فالوضوء والصلاة سبب للمغفرة، ولكن لا بد من سبب آخر مع هذه الصفة وهو الإيمان لله ورسوله، ولابد من انتفاء الموانع واجتناب الكبائر، فلابد من ضم أسباب أخرى مساعدة، ولا بد من انتفاء الموانع، فالوضوء والصلاة سبب من أسباب المغفرة، لكن هذا السبب وحده لا يكفي، والأسباب الأخرى هي الإيمان بالله ورسوله، وأداء الفرائض كما دلت عليه النصوص الأخرى، ولا بد من انتفاء الموانع وهي اجتناب الكبائر.

    شرح حديث عمرو بن عبسة في بيان تكفير الخطايا بالوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا الليث -وهو ابن سعد - قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر وضمرة بن حبيب وأبو طلحة نعيم بن زياد قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت عمرو بن عبسة رضي الله عنه يقول: قلت: يا رسول الله! كيف الوضوء؟ قال: (أما الوضوء، فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت منخريك، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين، اغتسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله عز وجل خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك).

    قال أبو أمامة : فقلت: يا عمرو بن عبسة ! انظر ما تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟! فقال: أما والله لقد كبرت سني ودنا أجلي، وما بي من فقر فأكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    يعني: لست مفتقراً إلى الكذب على رسول الله، فأنا محتاج إلى الحسنات. وهذا لبيان أنه متأكد من الحديث.

    وهذا كالأحاديث السابقة التي هي في بيان فضل الوضوء والصلاة.

    وعمرو بن منصور قال فيه ابن حجر : ثقة ثبت. وآدم بن أبي إياس ، قال فيه: ثقة عابد، والليث بن سعد : ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، ومعاوية بن صالح قال فيه: صدوق، وأبو يحيى سليم بن عامر : ثقة، وضمرة بن حبيب قال فيه: ثقة، وأبو طلحة نعيم بن زياد ، قال فيه: ثقة يرسل.

    وهذا يعني: أن الحديث حسن، وإسناده على شرط مسلم.

    1.   

    القول بعد الفراغ من الوضوء

    شرح حديث عمر: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ القول بعد الفراغ من الوضوء:

    أخبرنا محمد بن علي بن حرب المروزي قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عقبة بن عامر الجهني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ فتحت له ثمانية أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء) ].

    هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه أن الوضوء والذكر بعد الوضوء بقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) من أسباب دخول الجنة، حيث قال: (فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء) يعني: لمن اجتنب الكبائر، وأدى الفرائض، وكان مؤمناً بالله ورسوله، وزاد الترمذي : (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) في رواية، وزاد في حديث آخر: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذه لا بأس بها فهي ثابتة، وزاد أيضاً في رواية أخرى: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) مثل ما يقول في كفارة المجلس، لكن هذه الرواية سندها ضعيف.

    1.   

    حلية الوضوء

    شرح حديث: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ حلية الوضوء.

    أخبرنا قتيبة عن خلف -وهو ابن خليفة - عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، وكان يغسل يديه حتى يبلغ إبطيه، فقلت: يا أبا هريرة ! ما هذا الوضوء؟! فقال لي: يا ابن فروخ ! أنتم هاهنا؟! لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء) ].

    هذا اجتهاد من أبي هريرة رضي الله عنه، وهو كونه يغسل يديه حتى يجاوز المرفقين ويصل إلى الإبطين، وكذلك في غسل الرجلين ثبت عنه أنه كان يجاوز الكعبين حتى يكاد يبلغ الركبة، فهذا اجتهاد منه رضي الله عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء).

    و(حيث): ظرف مكان، والمعنى أن المؤمن يحلى في الجنة بالذهب في يديه وفي رجليه، ففي الدنيا لا يلبس الرجل الذهب، لكن في الآخرة يحلى، كما قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف:31]، وكذلك يلبس الحرير في الآخرة، وفي الدنيا لا يلبس الرجل الحرير، إذ الآخرة دار نعيم، والدنيا دار تكليف، والجنة ليس فيها تكليف، بل يتنعم العبد فيها بما أعطاه الله له، ومن ذلك أنه يحلى بالذهب، كما قال تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [الكهف:31]، ويلبس أنواع الحرير.

    فـأبو هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء) أي: أن حلية الذهب الذي يتحلى به في يديه تصل إلى ما يصل إليه الوضوء، فاجتهد أبو هريرة وأراد أن يطول، فبدل أن يغسل يديه إلى المرفقين جعل الغسل إلى الإبط؛ حتى تزيد الحلية، وهذا اجتهاد منه، وكذلك في غسل الرجلين إلى الكعبين في الوضوء، فقد كان يجاوز الكعب إلى قريب من الركبة؛ حتى تزيد الحلية.

    ولهذا لما رآه بعض الناس وأنكر عليه قال: أنتم هنا يا ابن فروخ ؟! لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء؛ لأنه بناه على الاجتهاد، والصواب أن غسل اليد لا يتجاوز المرفق، وإنما يعمل بالسنة، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجري الماء على مرفقيه ولا يصل إلى الإبط، وكذلك الرِّجل، فيغسل الكعبين ولا يتجاوزهما، وإنما هذا اجتهاد من أبي هريرة رضي الله عنه.

    ولهذا أخفى وضوءه، وقال لما أُنكر عليه: لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء.

    شرح حديث: (أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بهم دهم...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا. قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض) ].

    الفرط: هو السابق الذي تقدم القوم ليهيئ لهم المكان، فإذا جاءوا وجدوا كل شيء مهيأً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا أتقدمكم يوم القيامة على الحوض؛ حتى يكون على استعداد، فإذا قدمتم علي شربتم من الحوض. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الواردين على حوض النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: [ (قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض) ].

    هذا فيه فضل الوضوء، وفيه أن من خصائص الأمة الغرة والتحجيل، والغرة هي البياض في الوجه، فيكون في وجوههم نور وبياض يعرفون به من أثر الوضوء، وكذلك في اليدين والرجلين.

    وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تمنى أن يرى إخوانه، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي. فقالوا: يا رسول الله! كيف تعرفهم؟ قال: أعرفهم بالعلامة حيث يكونون غراً محجلين، وضرب لهم مثلاً فقال: إن الإنسان إذا كان له خيل محجلة في خيل بهم دهم ألا يعرف هذا من هذا؟ قالوا: بلى. قال: فكذلك أعرفهم.

    وفيه أن الصحابة إخوان وأصحاب، وأما الذين يأتون من بعد فإنهم إخوان وليسوا بأصحاب، فالصحابة لهم وصفان: الأخوة والصحبة، وأما من يأتي من بعد فليس لهم الصحبة، ولكن لهم أصل الأخوة، ولهذا قال: وددت أني رأيت إخواني. قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي.

    1.   

    ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين

    شرح حديث: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين.

    أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: حدثنا ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن جبير بن نفير الحضرمي عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة) ].

    هذا فيه أن الوضوء من أسباب دخول الجنة، ولهذا اشترط أن يقبل بوجهه وقلبه، وفي لفظ لـمسلم : (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) بدل قوله: (يقبل فيهما بوجهه)، وقد ثبت هذا وهذا، والمعنى أنه يتوضأ أحسن الوضوء، ويصلى ركعتين يقبل فيهما على الله، ولا يحدث فيهما نفسه، فليس عنده وساوس، بل يكون حاضر الذهن، مقبلاً على الله يناجي ربه، وهذا من أسباب المغفرة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم قراءة المحدث حدثاً أصغر للقرآن ومسه

    السؤال: هل للمحدث حدثاً أصغر أن يقرأ القرآن وأن يمسه؟

    الجواب: للمحدث حدثاً أصغر أن يقرأ القرآن غيباً بدون وضوء، وأما الجنب فلا يجوز له ذلك على الصحيح؛ لحديث: (فأما الجنب فلا ولا آية).

    وليس للمحدث أن يمس المصحف بدون وضوء؛ لما ثبت في الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لـعمرو بن حزم : (وألا يمس القرآن إلا طاهر)، وقد أخذ به الأئمة الأربعة.