إسلام ويب

شرح جامع الترمذي أبواب الطهارة [8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحكام الشرعية الثابتة في ديننا ما يتعلق بنواقض الوضوء، وفي جملة منها وفاق بين أهل العلم، وفي جملة منها نزاع بينهم، ومن ذلك القبلة، والقيء، والرعاف، كما أن من أحكام الوضوء وجوب حصوله بالماء المطلق دون المقيد، ويتصل بذلك معرفة طهارة المياه، ومن جملتها مياه آسار الحيوانات.

    1.   

    ما جاء في ترك الوضوء من القبلة

    شرح حديث عائشة: ( أن النبي قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ )

    قال المصنف رحمه الله: [ باب: ما جاء في تَرك الوضوء من القبلة.

    حدثنا قتيبة وهناد وأبو كريب وأحمد بن منيع ومحمود بن غيلان وأبو عمار الحسين بن حريث قالوا: حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال: قلت: من هي إلا أنت؟ قال: فضحكت).

    قال أبو عيسى: وقد روي نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القبلة وضوء.

    وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ].

    قلت: لأن القبلة مس، فالقبلة بالفم مس للمرأة، وفاعل ذلك ينتقض وضوؤه عند الشافعية والحنابلة، وكذلك ينتقض وضوؤه إذا كان عن شهوة، والمعروف أن القبلة إنما تكون عن شهوة، والصواب أن المس لا ينقض الوضوء، سواء أكان عن شهوة أم عن غير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء فإنه ينتقض الوضوء، وأما قوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] فالمراد به الجماع.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لأنه لا يصح عندهم؛ لحال الإسناد ].

    قال صاحب (تحفة الأحوذي): فهو ضعيف، لكن قال الشوكاني في (النيل): الضعيف منجبر بكثرة رواياته، وبحديث لمس عائشة رضي الله عنها لبطن قدم النبي صلى الله عليه وسلم، والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لقدمه بما ذكره ابن حجر في (الفتح) من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل، أو أن ذلك خاص به تكلف ومخالفة للظاهر. انتهى كلامه.

    وهذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة .

    قال صاحب (تحفة الأحوذي): قوله: (عن عروة) قال الحافظ الزيلعي في (نصب الراية): لم ينسب الترمذي عروة في هذا الحديث أصلاً، وأما ابن ماجة فإنه نسبه فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة فذكره، وكذلك رواه الدارقطني ، ورجال هذا السند كلهم ثقات. انتهى

    وكذلك قال الحافظ ابن حجر ، وقال: وأيضاً فالسؤال الذي في رواية أبي داود ظاهر في أنه ابن الزبير ؛ لأن المزني -يعني عروة المزني - لا يجسر أن يقول ذلك الكلام لـعائشة . انتهى كلام الحافظ .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا؛ لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، قال: وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جداً، وقال: هو شبه لا شيء، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة ].

    قال صاحب (تحفة الأحوذي): قوله: (وقال: هو شبه لا شيء) يعني أنه ضعيف، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة .

    قال ابن أبي حاتم في كتاب (المراسيل): ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين قال: لم يسمع حبيب بن أبي ثابت عن عروة ، وكذلك قال أحمد : لم يسمع من عروة . انتهى.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها ولم يتوضأ)، وهذا لا يصح أيضاً، ولا نعرف لـإبراهيم التيمي سماعاً من عائشة ، وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء ].

    قلت: حبيب بن أبي ثابت ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، كما في (التقريب).

    وقد اختلف في عروة هذا هل هو ابن الزبير أو المزني ، والصواب أنه عروة بن الزبير ؛ لأن عروة المزني لا يجرؤ على أن يسأل عائشة هذا السؤال.

    وقال أبو داود : ولقد ثبت في أحاديث أخر أن حبيب بن أبي ثابت يروي عن عروة بن الزبير.

    1.   

    ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف

    شرح حديث: (قاء فأفطر فتوضأ ....)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في الوضوء من القيء والرعاف.

    حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر -وهو أحمد بن عبد الله الهمداني الكوفي- وإسحاق بن منصور -قال أبو عبيدة : حدثنا وقال إسحاق: أخبرنا- عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي عن حسين المعلم عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن يعيش بن الوليد المخزومي عن أبيه عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر فتوضأ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه) ].

    قال أبو عيسى : وقال إسحاق بن منصور : معدان بن طلحة .

    قال أبو عيسى : وابن أبي طلحة أصح ].

    قال أبو عيسى : وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من التابعين الوضوء من القيء والرعاف، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق .

    وقال بعض أهل العلم: ليس في القيء والرعاف وضوء، وهو قول مالك والشافعي.

    وقد جود حسين المعلم هذا الحديث، وحديث حسين أصح شيء في هذا الباب، وروى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير فأخطأ فيه فقال: عن يعيش بن الوليد عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء، ولم يذكر فيه الأوزاعي، وقال: عن خالد بن معدان ، وإنما هو معدان بن أبي طلحة ].

    وهذا -إن صح- محمول على تعمد القيء، وأنه قد يكون مريضاً، والمريض له أن يتقيأ إن كان مضطراً حتى يزول ما يحس به من التعب والألم، أما إن عصر بطنه، أو أدخل أصابعه في حلقه فتقيأ متعمداً فهذا يفطر.

    وأما إذا غلبه القيء وذرعه فلا يفطر، وفي الحديث: (من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه).

    قال الشارح رحمه الله تعالى: وأورده الحافظ في التلخيص بهذا اللفظ، حيث قال: حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وابن الجارود وابن حبان والدارقطني والبيهقي والطبراني وابن منده والحاكم من حديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر.

    قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق ... إلخ، ورواه الطحاوي بهذا اللفظ في شرح الآثار.

    فمن يروم الاستدلال بحديث الباب على أن القيء ناقض للوضوء لا بد له من أن يثبت أن لفظ (توضأ) بعد لفظ (قاء) محفوظ، فما لم يثبت هذان الأمران لا يتم الاستدلال.

    وقال الشارح: قلت: الاستدلال بحديث الباب موقوف على أمرين: الأول: أن تكون الفاء في (فتوضأ) للسببية، وهو ممنوع كما عرفت، والثاني: أن يكون لفظ (فتوضأ) بعد لفظ (قاء) محفوظاً، وهو محل تأمل، فإنه روى أبو داود هذا الحديث بلفظ (قاء فأفطر)، وبهذا اللفظ ذكر الترمذي في كتاب الصيام حيث قال: وروي عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر.

    قال: وإنما معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائماً فقاء، فضعف (فأفطر) لذلك ].

    إذاً: المحفوظ في الصيام بلفظ قاء فأفطر، أما (فتوضأ) ففي ثبوتها نظر، ويحتمل أنه توضأ بعد ذلك لسبب آخر غير القيء، وقد تكون فاء (فتوضأ) للسببية، أي: قاء فتوضأ من أجل القيء، فإذا ثبت أن الفاء سببية صار القيء يوجب الوضوء، وفي ثبوتها نظر، لكن في الصيام يحمل على أنه تقيأ متعمداً فأفطر، أما وجوب الوضوء ففيه نظر.

    1.   

    ما جاء في الوضوء بالنبيذ

    شرح حديث الوضوء بالنبيذ

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الوضوء بالنبيذ:

    حدثنا هناد حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (سألني النبي صلى الله عليه وسلم: ما في إداوتك؟ فقلت: نبيذ، فقال: تمرة طيبة وماء طهور، قال: فتوضأ منه).

    قال أبو عيسى: وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    و أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا تعرف له رواية غير هذا الحديث ].

    هذا حديث ضعيف رواه الإمام أحمد أيضاً في المسند، وقال: لا يعمل به ولا يصح العمل به، والنبيذ هو العصير، والعصير لا يتوضأ به؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً، وإنما هو مقيد، والله تعالى يقول: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43]، ويقال له: ماء نبيذ، والماء المقيد يسلب عنه اسم الماء المطلق إذا كان معصوراً مع بعض الأشجار، أو الفواكه، أو كان فيه لبن أو ما أشبه ذلك فتغير اسمه، أي: سلب الاسم بسب اختلاطه بشيء آخر، فلا يصح الوضوء به.

    والسند فيه أبو زيد، وهو مجهول، وشريك، وهو شريك القاضي ساء حفظه لما تولى القضاء.

    أقوال العلماء في الوضوء بالنبيذ

    قال الشارح رحمه الله تعالى: وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ، منهم: سفيان الثوري وغيره.

    وهذا ضعيف، وأظنه مذهب الأحناف.

    قال: وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق.

    قلت: وهو الصواب؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً وإنما هو ماء مقيد، ولا يتوضأ إلا بالماء المطلق، أما المقيد -كعصير الأشجار وعصير الفواكه، والماء الذي اختلط باللبن أو صب فيه حبر فتغير، وصار لا يسمى ماءً إلا بالقيد- فلا يتوضأ به.

    قال: وقال إسحاق : إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي.

    قلت: لأنه مشكوك فيه، أي: توضأ بالنبيذ ثم تيمم لأنه شاك؛ فيتيمم من باب الاحتياط؛ لاحتمال أنه لا يجوز الوضوء به فيجمع بين الأمرين.

    والصواب أنه إذا لم يجد ماء تيمم، فإن كان عنده عصير فواكه ولم يجد ماء فلا يتوضأ من العصير، بل يتيمم.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو عيسى : وقول من يقول: لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] ].

    والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ، منهم سفيان وغيره) ومنهم أبو حنيفة، قال في شرح الوقاية: فإن عدم الماء إلا نبيذ التمر، قال أبو حنيفة بالوضوء به فقط، وأبو يوسف بالتيمم فحسب، ومحمد بهما، انتهى.

    واستدل لهم بحديث عبد الله بن مسعود المذكور في الباب، وقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج، وروي أن الإمام أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف ، قال القاري في المرقاة: وفي (خزانة الأكمل) قال: التوضؤ بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء، ويتيمم معه عند أبي حنيفة، وبه أخذ محمد، وفي رواية عنه: يتوضأ ولا يتيمم، وفي رواية: يتيمم ولا يتوضأ. وبه أخذ أبو يوسف وروى نوح الجامع أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول، انتهى.

    وقال العيني في شرح البخاري (ص849، ج1) ما لفظه: وفي أحكام القرآن لـأبي بكر الرازي عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات: إحداها: يتوضأ به ويشترط فيه النية ولا يتيمم، وهذه هي المشهورة.

    قال قاضي خان : هو قوله الأول، وبه قال زفر ، والثانية: يتيمم ولا يتوضأ. رواها عنه نوح بن أبي مريم وأسد بن عمر والحسن بن زياد ، قال قاضي خان : وهو الصحيح عنه والذي رجع إليه، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء، واختار الطحاوي هذا. والثالثة: روي عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد انتهى.

    وقال بعض أهل العلم: لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وبه قال أكثر العلماء وجمهورهم، ودليلهم أن النبيذ ليس بماء، قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج، وضعف الطحاوي -أيضاً- حديث عبد الله بن مسعود، واختار أنه لا يجوز بالنبيذ الوضوء في سفر ولا في حضر، وقال: إن حديث ابن مسعود روي من طرق لا تقوم بمثلها حجة، وقد قال عبد الله بن مسعود : إني لم أكن ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم، ووددت أني كنت معه).

    [ وقول من قال: لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه؛ لأن الله تعالى قال: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] أي: والنبيذ ليس بماء.

    قال ابن العربي في العارضة: والماء يكون في تصفيته ولونه وطعمه، فإذا خرج عن إحداها لم يكن ماء. وقال: فلم يجعل بين الماء والتيمم واسطة، وهذه زيادة على ما في كتاب الله عز وجل، والزيادة عندهم على النص نسخ، ونسخ القرآن عندهم لا يجوز إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر، ولا ينسخ الخبر الواحد إذا صح، فكيف إذا كان ضعيفاً مطعوناً فيه؟! انتهى.

    تنبيه: قال صاحب العرف الشذي: وأما قول: إنه يلزم الزيادة على القاطع بخبر الواحد، فالجواب أنه وإن كان الماء المنبذ مقيداً في بادئ الرأي إلا أن العرب يستعملون النبيذ موضع الماء المطلق، فلم يكن على طريق التفكه، بل يكون مثل الماء المخلوط بالثلج المستعمل في زماننا، فإنه لا يقول أحد بأنه ماء مقيد. انتهى.

    قال الشارح: قلت: هذا الجواب واه جداً؛ فإن النبيذ لو كان مثل الماء المخلوط بالثلج لم يقع الاختلاف في جواز التوضؤ به عند عدم الماء.

    قلت: الثلج هو ماء منعقد، وليس مثل النبيذ، بل الثلج ينعقد من الماء ويذوب فيكون ماء، فليس مثل النبيذ.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: والعجب كل العجب أنه كيف تفوه بأن النبيذ مثل الماء المخلوط بالثلج، ومعلوم أن الثلج نوع من أنواع من المياه الصرفة، فالماء المخلوط به ماء صرف، وأما النبيذ فليس بماء صرف، بل هو ماء اختلط به أجزاء ما ألقي فيه من التمر وغيره.

    1.   

    ما جاء في المضمضة من اللبن

    شرح حديث تمضمض النبي بعد شربه اللبن

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: في المضمضة من اللبن:

    حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً فدعا بماء فمضمض، وقال: إن له دسماً).

    قال: وفي الباب عن سهل بن سعد الساعدي وأم سلمة رضي الله عنهما.

    قال أبو عيسى : وهذا حديث حسن صحيح.

    وقد رأى بعض أهل العلم المضمضة من اللبن، وهذا عندنا على الاستحباب، ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن ].

    المضمضة من اللبن مستحبة وليست بواجبة، وجاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا ولم يتمضمض، فدل على الجواز.

    1.   

    كراهة رد السلام غير متوضئ

    شرح حديث ابن عمر: (أن رجلاً سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في كراهة رد السلام غير متوضئ:

    حدثنا نصر بن علي ومحمد بن بشار قالا: حدثنا أبو أحمد ومحمد بن عبد الله الزبيري عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فلم يرد عليه).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وإنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك، وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب.

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن المهاجر بن قنفذ وعبد الله بن حنظلة وعلقمة بن الفغواء وجابر والبراء رضي الله عنهم ].

    والحديث أخرجه مسلم.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: أما حديث المهاجر بن قنفذ فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة بلفظ: (إنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، وفي لفظ أبي داود : (وهو يبول).

    وأما حديث عبد الله بن حنظلة فأخرجه أحمد بلفظ: (إن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بال، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال بيده إلى الحائط، يعني أنه تيمم).

    قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه رجل لم يسم. انتهى.

    وأما حديث علقمة بن الفغواء فأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أهرق الماء نكلمه فلا يكلمنا حتى يأتي منزله فيتوضأ وضوءه للصلاة، قلنا: يا رسول الله! نكلمك فلا تكلمنا ونسلم عليك فلا ترد علينا حتى نزلت آية الرخصة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6]).

    قال الهيثمي: وفيه جابر الجعفي ، وهو ضعيف. انتهى.

    وأما حديث جابر -وهو ابن عبد الله رضي الله عنهما- فأخرجه ابن ماجة وقد تقدم لفظه، وفي الباب عن جابر بن سمرة أيضاً قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي، ثم دخل بيته ثم خرج، فقال: وعليكم السلام)، أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط، وقال: تفرد به الفضل بن أبي حسان. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: لم أجد من ذكره.

    وأما حديث البراء -وهو ابن عازب رضي الله عنهما- فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: (إنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه السلام حتى فرغ)، قال الهيثمي: فيه من لم أعرفه. انتهى.

    قال الشارح رحمه الله: قوله: (فلم يرد عليه) في هذا دلالة على أن المسلم في هذه الحالة لا يستحق جواباً، وهذا متفق عليه بين العلماء، بل قالوا: يكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، فإن سلم كره له رد السلام، ويكره للقاعد لقضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الأذكار، فلا يرد السلام، ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس.

    قلت: الكراهة للتحريم، فلا يجوز له أن يتكلم إلا للضرورة، كأن يتكلم -مثلاً- إذا قرب أعمى من حفرة أو ما أشبه ذلك، أما رد السلام فليس له أن يرد وهو على هذه الحالة.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن ماجة : (أن رجلاً مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت ذلك لن أرد عليك) ا.هـ.

    وهل يسلم على المتوضئ في المغاسل؟

    والجواب: لا بأس إذا كانت المغاسل خارج الحمام، أما إذا كانت داخل الحمام فيكون الأمر من هذا الباب.

    قال البوصيري في الزوائد: إسناد حديث جابر حسن.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ إنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، وقد فسر بعض أهل العلم ذلك.

    يريد حديث: (لا يذكر الله إلا على طهر) والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما سلم عليه أتى الحائط وتيمم، ثم رد السلام، وكراهة التنزيه تشمل غير المتوضئ، لكن جاء في بعض الأحاديث أن هذا قبل أن تنزل آية الوضوء.

    قال الشارح رحمه الله: قوله (وإنما يكره هذا) أي: رد السلام (إذا كان) أي الذي سلم عليه (على الغائط والبول)، وأما إذا فرغ وقام؛ فلا كراهة في رد السلام، وعلى هذا فلا مطابقة بين الحديث والباب، إذ الحديث خاص والباب عام.

    قلت: لكن لعله يريد أن العموم يشمل كراهة التنزيه، وأن الأولى أن لا يرد عليه السلام حتى يتوضأ، لكن كون الإنسان لا يرد السلام إلا إذا كان على وضوء، وأن الكراهة في حقه كراهة تنزيه فيه نظر، فأرى أنه لا بأس برد السلام ولا حرج في ذلك، ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، والسلام من الذكر.

    1.   

    ما جاء في سؤر الكلب

    شرح حديث (يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات ...)

    قال المصنف رحمه الله: [ باب ما جاء في سؤر الكلب:

    حدثنا سوار بن عبد الله العنبري حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أيوب يحدث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) ].

    أخرج الشيخان وغيرهما أن الكلب إذا ولغ في الإناء يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، وفي لفظ: (إحداهن بالتراب) والأولى أن تكون الأولى حتى يغسلها ما بعدها.

    أما الهرة فسؤرها طاهر؛ لأنها ليست بنجسة، أما حديث (أمرت بغسل الأنجاس سبعاً) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم، والحديث ثابت في شأن الكلب.

    قال رحمه الله تعالى: [ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ولم يذكر فيه: (إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) ].

    وغسل الكلب سبع مرات ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ قال: وفي الباب عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه ].

    قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ولم يذكر فيه: (إذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)، قال الحافظ في الدراية بعد نقل هذا الحديث عن جامع الترمذي، وذكر قوله هذا: وقد أخرجه أبو داود وبين أن حديث الهر موقوف. انتهى.

    أي: موقوف على أبي هريرة .

    قال الشارح رحمه الله تعالى: وقال البيهقي في المعرفة: حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة : (إذا ولغ الهر غسل مرة)، فقد أدرجه بعض الرواة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ولوغ الكلب ووهموا فيه، والصحيح أنه في ولوغ الكلب مرفوع، وفي ولوغ الهر موقوف، ميزه علي بن نصر الجهضمي عن قرة بن خالد عن ابن سيرين عن أبي هريرة ووافقه عليه جماعة من الثقات.

    وروى الدارقطني هذا الحديث في سننه من طريق أبي بكر النيسابوري عن حماد وبكار عن أبي عاصم عن قرة بن خالد عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات، الأولى بالتراب، والهرة مرة أو مرتينقرة يشك.

    ثم قال الدارقطني : قال أبو بكر : كذا رواه أبو عاصم مرفوعاً، ورواه غيره عن قرة ولوغ الكلب مرفوعاً، وولوغ الهر موقوفاً. انتهى.

    1.   

    ما جاء في سؤر الهرة

    شرح حديث: (إنها ليست بنجس ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في سؤر الهرة:

    حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري حدثنا معن حدثنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت عند ابن أبي قتادة- أن أبا قتادة دخل عليها، قالت: فسكبت له وضوءاً، قالت: فجاءت هرة تشرب، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟! فقلت: نعم. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات).

    وقد روى بعضهم عن مالك: (وكانت عند أبي قتادة) والصحيح (ابن أبي قتادة).

    قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهم.

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم، مثل الشافعي وأحمد وإسحاق، لم يروا بسؤر الهرة بأساً، وهذا أحسن شيء روي في هذا الباب، وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، ولم يأت به أحد أتم من مالك ].

    قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني .

    قال الحافظ في بلوغ المرام: صححه الترمذي وابن خزيمة ، وقال في التلخيص: وصححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني.

    قلت: وهو دليل على طهارة سؤر الهرة، وأما قول أبي هريرة: إن سؤر الهر يغسل مرة؛ فهو اجتهاد منه، وإلا فالحديث يدل على أن سؤر الهرة طاهر، ولا يغسل الإناء إن شربت منه.

    ولهذا قال بعض العلماء -كـابن حبان وغيره-: إن سؤر الهرة وما دونها في المشقة طاهر، مثل الفأرة وما أشبهها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين العلة لدفع المشقة، فقال: (إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات)، فلكثرة دورانها وطوافها على أهل البيت يشق التحرز منها؛ فلهذا كان سؤرها طاهر.

    واجتهاد أبي هريرة خالف ما دل عليه الحديث، فهو يرى أن سؤر الهرة يجب غسله مرة، لأنه نجس، والحديث يدل على أن سؤرها طاهر.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: قال الشوكاني في النيل: والحديث يدل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب، وإليه ذهب ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وجماعة.

    وقال النووي : فيه وجوب غسل نجاسة ولوغ الكلب سبع مرات، وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجماهير، وقال أبو حنيفة : يكفي غسله ثلاث مرات. انتهى.

    وقال الحافظ في الفتح: أما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب، واعتذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور، منها: كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك نسخ السبع، وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ.

    وأيضاً فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعاً، ورواية من روى عنه موافقة فتياه، وروايته أصح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر.

    أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير، ومنها أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب ].

    قال الشارح رحمه الله: قوله: (وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق لم يروا بسؤر الهرة بأساً) يعني أن سؤر الهرة طاهر من غير كراهة عند هؤلاء الأئمة، وهو قول مالك وغيره من أهل المدينة، والليث وغيره من أهل مصر، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، والثوري ومن وافقه من أهل العراق، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وعلقمة وإبراهيم وعطاء بن يسار وجماعة، وهو رواية عن محمد، ذكره الزاهدي في شرح مختصر القدوري والطحاوي، كذا في التعليق الممجد، وقال الحنفية: إن سؤر الهرة طاهر مع الكراهة. واحتج الأولون بأحاديث الباب، وقولهم هو الحق والصواب.

    واحتج الحنفية بأن أحاديث الباب تدل على طهارته، والأمر بغسل الإناء لولوغ الهرة -وكذلك كونها سبعاً- يدل بظاهره على نجاسته، فأثبتوا حكم الكراهة عملاً بهما.

    ورد احتجاجهم هذا بأن الأمر بغسل الإناء لولوغ الهرة لم يثبت، وأما ما ورد في حديث أبي هريرة المذكور في الباب المتقدم من الأمر بغسل الإناء بولوغ الهرة بلفظ: (وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)، فقد عرفت أنه ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو مدرج.

    وقال القاري في المرقاة بعد ذكر بعض أحاديث الباب ما لفظه: وأما خبر (يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً ومن ولوغ الهرة مرة) فمدرج من قول أبي هريرة كما بينه البيهقي وغيره، وإن خفي على الطحاوي ، ولذا قال: سؤر الهرة مكروه كراهة تحريم.

    قال: وأما ما اشتهر بين الناس من أنه صلى الله عليه وسلم قطع ذيل ثوبه الذي رقدت عليه هرة فلا أصل له. انتهى ].

    قلت: الحاصل أنه يحمل على أنه اجتهاد من أبي هريرة رضي الله عنه، والصواب أن سؤر الهرة طاهر.

    قال الشارح رحمه الله تعالى: وأما حديث: (حب الهرة من الإيمان) فموضوع على ما قاله جماعة كـالصنعاني، ذكره القاري.

    قلت: قوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، أي: يشق دورانها وطوافها، ولم يذكر استحباب تربيتها، وأقل أحوال ذلك هو الإباحة إذا احتاج إلى ذلك.

    فإن قيل: هل جسد الهرة طاهر؟

    فالجواب أن الجسد طاهر، أما بولها فنجس.