إسلام ويب

شرح جامع الترمذي أبواب الطهارة [5]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بينت السنة النبوية أكمل صفات الوضوء، وكيف كان وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذكرت بعض الأحكام المتعلقة بالوضوء، كحكم وضوء الرجل بفضل طهور المرأة، وحكم الإسراف بالماء في الوضوء، وحكم التمندل بعد الوضوء.

    1.   

    ما جاء في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان؟

    حدثنا هناد وقتيبة قالا: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت علياً توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم، ثم قال: أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن عثمان وعبد الله بن زيد وابن عباس وعبد الله بن عمرو والربيع وعبد الله بن أنيس وعائشة رضوان الله عليهم ].

    هذا الحديث فيه مشروعية استحباب الوضوء ثلاثاً، حيث يغسل كل عضو ثلاثاً ثلاثاً، وهي أكمل ما ورد في الوضوء من الصفات، ولم يذكر هنا أنه غسل الرجلين ثلاثاً، ولا شك أنه يعمل على أنه غسل رجليه ثلاثاً، وهذا الكيفية ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم في النسائي وفي الصحيح وفي غيره، وهو ثابت أيضاً من حديث حمران وزيد وعبد الله بن زيد وعبد الله بن برجس ، وفيه مشروعية الغسل ثلاثاً، وهذا مستحب، ويجوز الوضوء مرتين مرتين، ومرة مرة، ويجوز مخالفاً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة وهناد قالا: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عبد خير ذكر عن علي مثل حديث أبي حية إلا أن عبد خير قال: (كان إذا فرغ من طهوره أخذ من فضل طهوره بكفه فشربه).

    وفيه جواز الشرب قائماً، وأن النهي محمول على التنزيه، وفيه استعمال فضل الوضوء في الشرب، ولهذا شرب علي فضله قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا. فبين لهم أن هذا لا كراهة فيه.

    [قال أبو عيسى : حديث علي رواه أبو إسحاق الهمداني عن أبي حية وعبد خير والحارث عن علي .

    وقد رواه زائدة بن قدامة وغير واحد عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي رضي الله عنه حديث الوضوء بطوله، وهذا حديث حسن صحيح.

    قال: وروى شعبة هذا الحديث عن خالد بن علقمة فأخطأ في اسمه واسم أبيه، فقال: مالك بن عرفطة عن عبد خير عن علي .

    قال: وروي عن أبي عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي .

    قال: وروي عنه: عن مالك بن عرفطة ، مثل رواية شعبة .

    والصحيح: خالد بن علقمة ].

    وهذا الحديث ثابت.

    1.   

    ما جاء في النضح بعد الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في النضح بعد الوضوء.

    حدثنا نصر بن علي الجهضمي وأحمد بن أبي عبيد الله السليمي البصري قالا: حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة عن الحسن بن علي الهاشمي عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاءني جبريل فقال: يا محمد! إذا توضأت فانتضح).

    قال أبو عيسى : هذا حديث غريب.

    قال: وسمعت محمداً يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث.

    قال: وفي الباب عن أبي الحكم بن سفيان وابن عباس وزيد بن حارثة وأبي سعيد الخدري .

    وقال بعضهم: سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان . واضطربوا في هذا الحديث ].

    قوله: (هذا حديث غريب) قد أخرجه ابن ماجة .

    وقوله: (وسمعت محمداً يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث).

    قال في شرح النخبة: قولهم: متروك، أو ساقط، أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث، أشد من قولهم: ضعيف، أو: ليس بالقوي، أو: فيه مقال. اهـ.

    قال الذهبي في الميزان: ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني ، وقال البخاري : منكر الحديث. اهـ.

    قلت: حديث الباب ضعيف، وفي الباب أحاديث عديدة، يدل بمجموعها على أن له أصلاً.

    وقد بوب الترمذي : النضح بعد الوضوء، والنسائي قال في سننه: باب النضح، والأحاديث في هذا ضعيفة، لكن الشارح يرى أن مجموعها يدل على أن له أصل؛ لأن هذا إنما يفعل إذا كان عنده وسواس، فيرش ما حوله حتى تزول عنه الوساوس، لئلا يتوهم أنه خرج من ذكره شيء.

    قال أبو بكر بن العربي : اختلف العلماء في تأويل الحديث على أربعة أقوال:

    معناه: إذا توضأت فصُبَّ الماء على العضو صباً، ولا تقتصر على مسحه؛ فإنه لا يجزئ فيه إلا الغسل.

    معناه: استبرئ الماء -أي: استبرئ البول -بنثر الذكر والتنحنح، يقال: نضحت: استبرأت، وانتضحت: تعاطيت الاستبراء له.

    الثالث معناه -وهذا هو المتبادر إلى الذهن-: إذا توضأت فرُشَّ الإزار الذي يلي الفرج؛ ليكون ذلك مُذهباً للوسواس.

    الرابع معناه: الاستنجاء بالماء إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار، فإن الحجر يخفف الوسخ، والماء يطهره، وقد حدثني أبو مسلم المهدي قال: من الفقه الرائق: الماء يذهب الماء، معناه: أن من استنجى بالأحجار لا يزال البول يرشح فيجد منه البلل، فإذا استعمل الماء نسب الخاطر ما يجد من البلل إلى الماء، وارتفع الوسواس.

    انتهى كلام ابن العربي ملخصاً.

    وقال الخطابي في معالم السنن: الانتضاح هاهنا: الاستنجاء بالماء، وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة ولا يمسون الماء، وقد يتأول الانتضاح أيضاً على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء؛ ليدفع بذلك وسوسة الشيطان. اهـ.

    وذكر النووي عن الجمهور أن الثاني هو المراد هاهنا، وهو: رش الفرج، والانتضاح: رش الماء.

    وفي جامع الأصول: الانتضاح: رش الماء على الثوب ونحوه، والمراد به أن يرش على فرجه بعد الوضوء ماءً؛ ليذهب عنه الوسواس الذي يعرض له، لتوهمه خروج شيء من ذكره، فإذا كان ذلك المكان بللاً ذهب ذلك الوسواس.

    وقيل: أراد بالانتضاح: الاستنجاء بالماء؛ لأن الغالب أنه كان من عادتهم أنهم يستنجون بالحجارة. اهـ.

    قلت: والحق أن المراد بالانتضاح في هذا الحديث هو الرش على الفرج بعد الوضوء، وكما يدل عليه ألفاظ أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب.

    قوله: (وقال بعضهم) -أي: بعض الرواة-: (سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان ) بالشك.

    وقوله: (واضطربوا في الحديث) أي: في إسناد هذا الحديث.

    قال الحافظ ابن الأثير : ورواه روح بن القاسم وشعبة وشيبان ومعمر وأبو عوانة وزائدة وجرير بن عبد الحميد وإسرائيل وهري بن سفيان مثل سفيان على الشك، وقال شعبة وأبو عوانة وجرير : عن الحكم أو ابن الحكم .

    ورواه عامر وأصحاب الثوري على الشك، إلا عفيف بن سالم والفريابي، فإنهما روياه فقالا: الحكم بن سفيان من غير شك، ورواه زيد بن خالد عن منصور عن الحكم عن أبيه، ورواه مسعر عن منصور فقال: عن رجل من ثقيف. ولم يسمّه.

    وممن رواه ولم يشك: سلام بن أبي مطيع وقيس بن الربيع وشريك ، فقالوا: عن الحكم بن سفيان، ولم يشكوا.

    فالأرجح أنه الحكم بن شريك .

    1.   

    ما جاء في إسباغ الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في إسباغ الوضوء.

    حدثنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) ].

    والإسباغ: الإبلاغ، وهو الإتمام حتى يعمم العضو.

    قوله: (وكثرة الخطا إلى المساجد) أي: أن يمشي إلى المساجد، فيكون المسجد بعيداً عنه فيكثر الخطا إليه.

    وقوله: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) أي: انتظارها بقلبه وعنايته به، ويبدو أن معناه: أن يكون جالساً في المسجد، لكن قد ينتظرها وهو يذهب لحوائجه، وكل هذا بعنايته وقلبه، فيكون قلبه معلقاً بالمسجد حتى يعود إليه، كما في الحديث الآخر: (ورجل قلبه معلق بالمساجد)، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في المسجد، بل كان يخرج من المسجد يبلغ الدين، ويقابل الوفود، ويصل الرحم، ويدعو إلى الله، وهكذا الإنسان يخرج لقضاء حوائجه، والكسب لأولاده، وصلة رحمه، ومقابلة إخوانه، وإذا جاء وقت الصلاة ذهب إلى المسجد، وإذا جلس في المسجد في وقت فراغه فهذا نور على نور.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وحدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء نحوه.

    وقال قتيبة في حديثه: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) ثلاثاً.

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعَبيدة ويقال عُبيدة بن عمرو وعائشة وعبد الرحمن بن عائش الحضرمي وأنس .

    قال أبو عيسى : حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.

    و العلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب الجهني الحرقي ، وهو ثقة عند أهل الحديث ].

    1.   

    ما جاء في التمندل بعد الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء.

    حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح حدثنا عبد الله بن وهب عن زيد بن حباب عن أبي معاذ عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها بعد الوضوء).

    قال أبو عيسى : حديث عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء.

    وأبو معاذ يقولون هو سليمان بن أرقم ، وهو ضعيف عند أهل الحديث.

    قال: وفي الباب عن معاذ بن جبل ].

    وهذا الحديث ضعيف؛ لكن الذي جاء هو التنشف في الغسل، أما التنشف في الوضوء فمسكوت عنه، وعلى هذا فلا يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له منديل يتنشف به، بل العلماء يقولون: ويباح أن ينشف أعضاءه. وهذا في الوضوء، أما في الغسل فالأصل ألا يتنشف، كما في حديث ميمونة قالت: (فأتيته بخرقة فلم يردها، فجعل ينثر الماء بيديه في الغسل)، وإن تنشف فلا حرج.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة حدثنا رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عتبة بن حميد عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه) ].

    وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه رشدين بن سعد، وفيه أيضاً عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهما ضعيفان.

    وفيه أنه إذا توضأ مسح وجهه بثوبه.

    [ قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف ].

    وصدق المصنف في ذلك.

    [ ورشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث.

    وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم في المنديل بعد الوضوء ].

    يعني أنه مباح، لكن هذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رشدين بن سعد ليس يبالي عمن روى، لكنه رجل صالح.

    أي: صالح في نفسه، بمعنى: أنه عابد صالح، لكن روايته ضعيفة.

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري ].

    يعني: أن من كره التمسح والتنشف بعد الوضوء، إنما كرهه لإزالته القطرات، وهي توزن، فهذا وجه من كره التنشف: أنه يرى أن الوضوء يوزن. والله أعلم بالصواب.

    وبعضهم أعلّه، وهذا يحتاج إلى دليل.

    قال المصنف رحمه الله: [ حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا جرير قال حدثنيه علي بن مجاهد عني، وهو عندي ثقة عن ثعلبة عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء؛ لأن الوضوء يوزن ].

    بعض الرواة قد يحدث بالحديث ثم تمضي مدة طويلة وينسى، فيقال له: هل حدثت بهذا قبل إحدى عشرة سنة؟ فيقول: ما حدثت بهذا، فيقال له: بل حدثت به، لأنه من الضابطين، ثم يروي الحديث عن تلميذه ويحدث به، فيقول: حدثني تلميذي عني أني أخبرته، فيريوه عنه تلميذه عن نفسه، وهذا كما حصل هنا.

    وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن حميد الرازي ، وهو حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه.

    1.   

    فيما يقال بعد الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب فيما يقال بعد الوضوء.

    حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي الكوفي حدثنا زيد بن حباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فُتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء) ].

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر .

    قال أبو عيسى : حديث عمر قد خولف زيد بن حباب في هذا الحديث.

    قال: وروى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر عن عمر ، وعن ربيعة عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عمر .

    وهذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء، قال محمد : وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئاً ].

    وهذا الحديث في الصحيح، ولفظه في الصحيح: (من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)، وزيادة الترمذي : (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).

    وقد أخطأ الترمذي فيما زعم من اضطراب الإسناد في هذا الحديث، وبأنه لا يصح في الباب كثير شيء، وأصل الحديث صحيح مستقيم الإسناد، وإنما جاء الاضطراب في الأسانيد التي نقلها الترمذي منه أو ممن حدثه بها.

    قال أحمد بن حنبل في المسند: حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار حدثنا ليث -يعني الليث بن سعد - عن معاوية -هو معاوية بن صالح - عن أبي عثمان عن جبير بن نفير وربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وعبد الوهاب بن بخت عن الليث بن سليم الجهني ، كلهم يحدث عن عقبة بن عامر قال: قال عقبة : (كنا نخدم أنفسنا، وكنا نتداول رعية الإبل بيننا فأصابني رعية الإبل فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يحدث الناس، فأدركت من حديثه وهو يقول: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة وغفر له، قال: فقلت: ما أجود هذا! قال: فقال قائل بين يدي: التي كان قبلها يا عقبة ! أجود منها، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب ، قال: فقلت: وما هي يا أبا حفص ؟ قال: إنه قال قبل أن تأتي: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).

    فهذا أصل الحديث، وهذا أجود أسانيده وأوضحها.

    وحديث عمر هذا أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر بدون زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وذكر الترمذي أن في إسناده اضطرب ولا يصح فيه شيء كبير.

    قال الحافظ في (التلخيص) بعد ذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه: لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض.

    1.   

    ما جاء في الوضوء بالمد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الوضوء بالمد.

    حدثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر قالا: حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي ريحانة عن سفينة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع) ].

    وهذا ثابت في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع).

    والمد: حفنة ملئ كفي الرجل المتوسط.

    والصاع: أربعة أمداد.

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه توضأ بثلثي المد)، وقد اغتسل بالمد إلى خمسة أمداد.

    قال المصنف رحمه الله: [ قال: وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك .

    قال أبو عيسى : حديث سفينة رضي الله عنه حديث حسن صحيح ].

    والحديث قد أخرجه مسلم .

    قال المصنف رحمه الله: [ وأبو ريحانة اسمه: عبد الله بن مطر .

    وهكذا رأى بعض أهل العلم الوضوء بالمد والغسل بالصاع.

    قال الشافعي وأحمد وإسحاق : ليس معنى هذا الحديث على التوقيت: أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه: وهو قدر ما يكفي ].

    هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا اكتفى الإنسان بالصاع فلا بأس، وإلا زاد، لكن بلا يسرف.

    1.   

    ما جاء في كراهية الإسراف في الوضوء بالماء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في كراهية الإسراف في الوضوء بالماء.

    حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا خارجة بن مصعب عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عتي بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للوضوء شيطاناً يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء).

    قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مغفل .

    قال أبو عيسى : حديث أبي بن كعب رضي الله عنه حديث غريب، وليس إسناده بالقوي، والصحيح عند أهل الحديث؛ لأنّا لا نعلم أحداً أسنده غير خارجة ، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن : قوله -يعني: من قول الحسن - ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك ].

    قوله: (لأنا لا نعلم أحداً أسنده) أي: رواه مرفوعاً.

    وقوله: (و خارجة ليس بالقوي عند أصحابنا) أي: عند أهل الحديث، قاله الطيبي .

    قال الذهبي عن خارجة في الميزان: وهّاه أحمد ، وقال ابن معين : ليس بثقة، وقال أيضاً: كذاب، وقال البخاري : تركه ابن المبارك ووكيع ، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف.

    قال الذهبي : انفرد بخبر: (إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان).

    وهذا إنما ثابت في الشيطان الذي في الصلاة، وهو شيطان يقال له: خنزب، لما قال له عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: إن الشيطان يلبس علي الصلاة، قال: (ذاك شيطان يقال له خنزب)، فهذا ثابت، وأما الشيطان الذي يقال له: الولهان. فحديثه ضعيف.

    وخارجة بن مصعب أبي الحجاج الثقفي متروك، وكان يدلس عن الكذابين.

    1.   

    ما جاء في الوضوء لكل صلاة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الوضوء لكل صلاة.

    حدثنا محمد بن حميد الرازي حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن حميد عن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، قال: قلت لـأنس : فكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءاً واحداً).

    قال أبو عيسى : وحديث حميد عن أنس حديث حسن غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر الأنصاري عن أنس رضي الله عنه.

    وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحباباً، لا على الوجوب ].

    محمد بن حميد الرازي حافظ ضعيف، وحميد مدلس.

    وسلمة بن الفضل الأبرش -بالمعجمة- مولى الأنصار، صدوق، وابن إسحاق هو: صاحب المغازي.

    قوله: (حسن غريب) تفرد به محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد رواه عن حميد معنعناً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد روي في حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات).

    قال: وروى هذا الحديث الإفريقي عن أبي غطيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    حدثنا بذلك الحسين بن حريث المروزي حدثنا محمد بن يزيد الواسطي عن الإفريقي وهو إسناد ضعيف ].

    وسند هذا الحديث قد مر في أبي داود أنه ضعيف، وكذلك زيادة زيد بن جدعان عند السيوطي، وهو ضعيف.

    قال المصنف رحمه الله: [ قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد القطان : ذكر لـهشام بن عروة هذا الحديث فقال: هذا إسناد مشرقي ].

    يعني: رواته من أهل المشرق.

    قال المصنف رحمه الله: [ قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان ].

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن -هو ابن مهدي - قالا: حدثنا سفيان بن سعيد عن عمرو بن عامر الأنصاري قال سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قلت: فأنتم ما كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وحديث حميد عن أنس حديث جيد غريب حسن ].

    وهذا الحديث رواه البخاري .

    ولكن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح جمع الصلوات كلها بوضوء واحد، ولما سأله عمر قال: (عمداً فعلته يا عمر !) أي: أنه فعله لبيان الجواز.

    1.   

    ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد.

    حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة، فلما كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر : إنك فعلت شيئاً لم تكن فعلته، قال: عمداً فعلته) ].

    في هذا الحديث دليل على جواز أن تصلى الصلوات المتعددة بوضوء واحد، سواء صلى صلاتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد.

    والحديث أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي والدارمي وابن خزيمة وأحمد .

    قال المصنف رحمه الله: [ قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    وروى هذا الحديث علي بن قادم عن سفيان الثوري، وزاد فيه: (توضأ مرة مرة).

    قال: وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضاً عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة).

    قال: ورواه وكيع عن سفيان عن محارب عن سليمان بن بريدة عن أبيه.

    قال: ورواه عبد الرحمن بن مهدي وغيره عن سفيان عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً.

    وهذا أصح من حديث وكيع .

    والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم يحدث، وكان بعضهم يتوضأ لكل صلاة استحباباً وإرادة الفضل.

    ويروى عن الإفريقي عن أبي غطيف عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات)، وهذا إسناد ضعيف.

    وفي الباب عن جابر بن عبد الله : (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر بوضوء واحد) ].

    حديث ابن عمر المذكور هو في سنن أبي داود، وقد رواه أبو داود بسند ضعيف بلفظ: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)، يعني: توضأ وهو على وضوء؛ وهذا من باب النشاط إذا كان عنده كسل مثلاً، ولابد في تجديد الوضوء أن يكون بين الوضوءين مدة، أما أن يعيد الوضوء بعد وضوئه الأول مباشرة فهذا لا يشرع.

    1.   

    ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد.

    حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثتني ميمونة رضي الله عنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    وهو قول عامة الفقهاء: أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد.

    قال: وفي الباب عن علي وعائشة وأنس وأم هانئ وأم صبية الجهنية وأم سلمة وابن عمر .

    قال أبو عيسى : وأبو الشعثاء اسمه: جابر بن زيد ].

    وفيه جواز اغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، لأنها حل له وهو حل لها، وقد جاء أيضاً: (أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وعائشة من إناء واحد، وإذا بقي بقية تقول: دع لي، فيقول لها: دعي لي).

    وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.

    وجاء أيضاً في الحديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)، ورواه البخاري في الصحيح، وهو محمول على أحد أمرين: إما أن المراد بالرجال مع النساء من محارمه، أو أن المراد بذلك: غسل الأطراف قبل الحجاب؛ لأن الوضوء هو: غسل الأطراف، يعني: غسل الوجه واليدين.

    1.   

    ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في كراهية فضل طهور المرأة.

    حدثنا محمود بن غيلان قال حدثنا وكيع عن سفيان عن سليمان التيمي عن أبي حاجب عن رجل من بني غفار قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة).

    قال: وفي الباب عن عبد الله بن سرجس .

    قال أبو عيسى : وكره بعض الفقهاء الوضوء بفضل طهور المرأة، وهو قول أحمد وإسحاق: كرها فضل طهورها ولم يريا بفضل سؤرها بأساً ].

    وهذا النهي محمول على التنزيه؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل بفضل ماء ميمونة ، ففعله عليه الصلاة والسلام للشيء يدل على أن النهي للتنزيه، لكن تركه أولى، إلا إذا احتاج الإنسان إليه فلا حرج.

    قوله: (فضل سؤرها) يعني: بقية الأكل والشرب، فالسؤر: ما بقي في الإناء الذي شربت منه، أو من الطعام الذي أكلت منه، لكن هذا إنما هو في فضل الطهور في الوضوء.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن بشار ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا أبو داود عن شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن الحكم بن عمرو الغفاري رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) أو قال: (بسؤرها).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن.

    و أبو حاجب اسمه: سوادة بن عاصم.

    وقال محمد بن بشار في حديثه: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة). ولم يشك فيه محمد بن بشار ].

    1.   

    ما جاء في الرخصة بالتطهر بفضل طهور المرأة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الرخصة في ذلك.

    حدثنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه، فقالت: يا رسول الله! إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي ].

    وهذا يدل على أن النهي للتنزيه وليس للتحريم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسل بفضلها، وفعله عليه الصلاة والسلام للشيء الذي نهى عنه يدل على أن النهي للتنزيه، والقاعدة: أنه إذا نهى عن شيء ثم فعله دل ذلك على أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو للتنزيه، والقاعدة أيضاً يقول: أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين فلا يعدل للنسخ.

    والحنابلة يقولون: لا يجوز الوضوء بفضل المرأة، بشرط أن تكون بالغة، وتخلو به، وتتطهر منه طهارة شاملة من حدث، واختلال شرط من هذه الشروط لا يمنع التطهر به.

    ولا يقال: إن فعله صلى الله عليه وسلم خاص به إلا بدليل يدل على الخصوصية، لأن الشريعة عامة في الأصل.

    والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي ، وقال الحافظ في البلوغ: وصححه ابن خزيمة ، وقال في الفتح: وقد أعله قوم بـسماك بن حرب راويه عن عكرمة ؛ لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة، وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم. اهـ