إسلام ويب

شرح جامع الترمذي أبواب الطهارة [4]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت السنة النبوية مفصلة ومبينة لكيفية مسح الرأس، وتخليل الأصابع، والتشديد والوعيد على التهاون في غسل الأعقاب، وبيان الواجب والجائز في الوضوء، وبيان هيئات وصفة الوضوء.

    1.   

    ما جاء في مسح الرأس أنه يبدأ بمقدم الرأس إلى مؤخره

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء في مسح الرأس أنه يبدأ بمقدم الرأس إلى مؤخره.

    حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري ، حدثنا معن بن عيسى القزاز ، حدثنا مالك بن أنس عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه) ].

    هذا الحديث ثابت في الصحيحين، وفيه: أن الأفضل أن يبدأ بمقدم رأسه إلى القفا، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهذا يعتبر مسحاً واحداً؛ لأنه حين يمسح هكذا يكون بعض أصول الشعر لم يصبها شيء، فإذا ردهما مسح بعض أصول الشعر، لأن بعض أصول الشعر لم تمسح في المسحة الأولى، ثم يردها إلى المكان الذي بدأ منه، وإن مسح وعمم رأسه بالمسح على أي كيفية أجزأه.

    قال أبو عيسى: [ وفي الباب عن معاوية، والمقدام بن معدي كرب وعائشة رضي الله عنهم.

    قال أبو عيسى : حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه أصح شيء في الباب وأحسن، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق ].

    1.   

    ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس.

    حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا بشر بن المفضل ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء

    : (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما: ظهورهما وبطونهما) ].

    هذا الحديث فيه عبد الله بن عقيل، وفي حفظه شيء.

    وقوله: (مرتين) ليس بجيد؛ لأن المسح مرة واحدة وليس مرتين، من مقدم رأسه إلى القفا، ثم قوله أيضاً فيه من النكارة: (بدأ بمؤخر رأسه) والمعروف في الأحاديث الصحيحة: أنه بدأ بمقدم رأسه لا بمؤخره.

    [ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه أصح من هذا وأجود إسناداً.

    وقد ذهب بعض أهل الكوفة إلى هذا الحديث، منهم وكيع بن الجراح ].

    قال في الشرح: [ قوله: هذا حديث حسن، حديث ربيع بنت معوذ هذا له روايات وألفاظ مدار الكل على عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه مقال مشهور، لاسيما إذا عنعن، وقد فعل ذلك في جميعها. قاله الشوكاني .

    قلت: عبد الله بن محمد بن عقيل مدلس كما صرح به الحافظ في طبقات المدلسين، ولذا قال الشوكاني: لاسيما إذا عنعن ].

    1.   

    ما جاء أن مسح الرأس مرة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء أن مسح الرأس مرة.

    حدثنا قتيبة ، حدثنا بكر بن مضر ، عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء

    : (أنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ، قالت: مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه وأذنيه مرة واحدة) ].

    قال في الشرح: [ الربيع -بالتصغير والتسكين- بنت معوذ بن عفراء الأنصارية النجارية، من صغار الصحابة ].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الباب عن علي وجد طلحة بن مصرف بن عمرو .

    قال أبو عيسى : وحديث الربيع حديث حسن صحيح.

    وقد روي من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه مسح برأسه مرة).

    والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم. وبه يقول جعفر بن محمد وسفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق : رأوا مسح الرأس مرة واحدة ].

    قال في الشرح: [ قال الشوكاني : وفي تصحيحه نظر، فإنه رواه من طريق ابن عقيل . انتهى ].

    وقول الشوكاني قول صحيح، لكن قد يقال: إن ابن عقيل هنا لم يخطئ؛ لأنه وافق الثقات في أن المسح مرة واحدة؛ ولأنه وافق الأحاديث الصحيحة في هذا.

    فالمسح لا يكرر، إنما التكرار أو التثليث في الأعضاء ثلاثاً: الوجه واليدين والرجلين، أما الرأس فهو مرة واحدة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن منصور المكي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سألت جعفر بن محمد عن مسح الرأس: أيجزئ مرة؟ فقال: إي والله ].

    قال في الشرح: [ قال محمد بن منصور بن داود الطوسي أبو جعفر العابد : وسألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بـالصادق ].

    1.   

    ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماءً جديداً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب: ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديداً.

    حدثنا على بن خشرم ، أخبرنا عبد الله بن وهب ، حدثنا عمرو بن الحارث ، عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه) ].

    وهذا لا شك فيه، بل هو واجب أن يأخذ ماء جديداً للرأس.

    قال أبو عيسى: [ هذا حديث حسن صحيح.

    وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه).

    ورواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديث عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لرأسه ماء جديداً).

    والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديداً ].

    قال في الشرح: [ واستدلوا على ذلك بحديث الباب، قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي : وبه أخذ علماؤنا -يعني: الحنفية- غير أنهم قالوا: هذا إذا أصابت يده شيئاً بحيث لم يبق البلل في يده، وهو لا ينافي الحديث، بل العلة تقتضيه، نعم ظاهر هذا الحديث الإطلاق، فيأخذ ماء جديداً على كل حال، لكن الحديث الثاني مسح رأسه بماء غبر، أي: بقي من فضل يديه، يدل على الذي ذهب إليه علماؤنا، فهم حملوا أحد الحديثين على حالة، والآخر على حالة أخرى، ففيه جمع بين حديثين، ولا شك أن الجمع أولى ].

    والحديث الثاني يحتاج إلى ثبوت، وكأن الأحناف يرون أنه لا بأس أن يمسح رأسه إذا بقي في يديه بلل من غسل يديه، وهذا يحتاج إلى دليل، فالأفضل أنه يأخذ ماءً جديداً، فيأخذ ماءً للوجه وماءً لليدين وماءً للرأس، وماءً للرجلين، أما أن يمسح الرأس بما بقي من البلل في يديه فهذا يحتاج إلى دليل.

    قال في الشرح: [ قلت: رواية: (مسح بما غبر) تفرد بها ابن لهيعة وهو ضعيف، وخالف فيها عمرو بن الحارث، وهو ثقة حافظ، فهذه الرواية غير محفوظة، نعم أخرج أبو داود عن الربيع بنت معوذ : (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان في يده)، قال السيوطي في مرقاة الصعود: احتج به من رأى طهورية الماء المستعمل، وتأوله البيهقي على أنه أخذ ماء جديداً وصب نصفه، ومسح ببلل يده ليوافق حديث عبد الله بن زيد ، ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، أخرجه مسلم والمصنف يعني: أبا داود والترمذي . انتهى كلام السيوطي .

    قلت: إن صح حديث الربيع بنت معوذ هذا فلا حاجة إلى تأويل البيهقي ، بل يقال: كلا الأمرين جائزان، إن شاء أخذ لرأسه ماء جديداً، أو إن شاء مسحه بفضل ما يكون في يده، لكن في سنده ابن عقيل وفيه مقال مشهور كما عرفت، وفي متنه اضطراب، فإن ابن ماجة أخرج من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بميضأة فقال: اسكبي، فسكبت فغسل وجهه وذراعيه، وأخذ ماء جديداً فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره).

    فالقول الراجح: هو أن يؤخذ لمسح الرأس ماءً جديداً. والله تعالى أعلم ].

    وقد أخرج ابن ماجة من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بميضأة فقال: اسكبي، فسكبت، فغسل وجهه وذارعيه، وأخذ ماء جديداً، فمسح به رأسه: مقدمه ومؤخره).

    فالقول الراجح هو أن يؤخذ لمسح الرأس ماءً جديداً، بل هو الصواب والمتعين؛ لأن الأحاديث التي فيها: أنه مسح رأسه بما بقي من البلل من ماء يده لم تصح.

    1.   

    ما جاء في مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما

    شرح حديث: (مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما.

    حدثنا هناد حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما).

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن الربيع .

    قال أبو عيسى : وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح.

    والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما ].

    وصححه أيضاً ابن خزيمة وابن مندة كما تقدم.

    و عبد الله بن إدريس هو عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الكوفي ، ثقة فقيه عابد، من الثامنة.

    و ابن عجلان هو محمد ، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة .

    و زيد بن أسلم ثقة.

    و عطاء بن يسار ثقة.

    ومسح الأذنين ثابت في الأحاديث الصحيحة، ولا يصح الوضوء إلا بمسح الأذنين، ومن لم يمسح أذنيه لم يصح وضوؤه؛ لأنهما من الرأس، فيمسح باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين.

    1.   

    ما جاء أن الأذنين من الرأس

    شرح حديث: (... الأذنان من الرأس)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء أن الأذنين من الرأس.

    حدثنا قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فغسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ومسح برأسه، وقال: الأذنان من الرأس).

    قال أبو عيسى : قال قتيبة : قال حماد : لا أدري هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي أمامة .

    قال: وفي الباب عن أنس .

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن، ليس إسناده بذاك القائم.

    والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم: أن الأذنين من الرأس، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق .

    وقال بعض أهل العلم: ما أقبل من الأذنين فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس.

    قال إسحاق : وأختار أن يمسح مقدمهما مع الوجه ومؤخرهما مع رأسه.

    قال الشافعي : هما سنة على حيالهما: يمسحهما بماء جديد ].

    هذا قول، لكن الصواب أنه لا يأخذ لهما ماءً جديداً، وإنما يمسحهما تبعاً للرأس.

    وقول المصنف: (ليس إسناده بذاك القائم) أي: ليس بالقوي، لأن فيه شهر بن حوشب ، وفيه كلام.

    قال ابن دقيق العيد في الإلمام: وهذا الحديث معلول من وجهين: أحدهما الكلام في شهر بن حوشب ، والثاني: الشك في رفعه -يعني: هذا من قول أبي أمامة أو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن شهراً وثقه أحمد ويحيى والعجلي ويعقوب بن شيبة.

    و سنان بن ربيعة أخرج له البخاري ، وهو وإن كان قد لُيّن، فقد قال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن معين : ليس بالقوي. فالحديث عندنا حسن، والله أعلم. اهـ.

    1.   

    ما جاء في تخليل الأصابع

    شرح حديث: (إذا توضأت فخلل الأصابع)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في تخليل الأصابع.

    حدثنا قتيبة وهناد قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأت فخلل الأصابع).

    قال: وفي الباب عن ابن عباس والمستورد -وهو ابن شداد الفهرى - وأبي أيوب الأنصاري .

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    والعمل على هذا عند أهل العلم: أنه يخلل أصابع رجليه في الوضوء، وبه يقول أحمد وإسحاق ، وقال إسحاق : يخلل أصابع يديه ورجليه في الوضوء.

    وأبو هاشم اسمه: إسماعيل بن كثير المكي .

    تكملة الحديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً).

    فيه مشروعية تخليل الأصابع حتى يبلغها الماء، فيخلل ما بين أصابع اليدين والرجلين، وكذلك المبالغة في الاستنشاق إلا إذا كان صائماً؛ لئلا يصل شيء من الماء إلى جوفه.

    والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والشافعي وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي مطولاً ومختصراً، وصححه أيضاً البغوي وابن القطان .

    والتخليل مستحب؛ حتى يبلغ الماء إلى جميع الأصابع، وهذا من إسباغ الوضوء، وإذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع كفى، فالمهم وصول الماء إلى ما بين الأصابع، وإن لم يصل إلا بالتخليل -وكان الماء قليلاً- فلابد أن يخلل حتى يبلغ الماء ما بين الأصابع.

    شرح حديث: (إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إبراهيم بن سعيد -هو الجوهري - حدثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأت فخلّل بين أصابع يديك ورجليك).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب ].

    قال الشوكاني في (نيل الأوطار): فيه صالح مولى التوأمة ، وهو ضعيف، ولكن حسنه البخاري ؛ لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح ، وسماع موسى عنه قبل أن يختلط.

    شرح حديث دلك النبي أصابع رجليه بخنصره في الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد الفهري قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره).

    قال أبو عيسى : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة ].

    و ابن لهيعة ضعيف، لكن الأحاديث يشد بعضها بعضاً، فهذا الحديث يشده الحديث الأول: حديث لقيط ، وإذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع فالتخليل مستحب، فإن لم يصل فلابد من التخليل، وهو حينئذٍ واجب.

    وغرابة هذا الحديث والذي قبله ترجع إلى الإسناد، ولا ينافي ذلك الحسن، قاله ابن سيد الناس ، وقد شارك ابن لهيعة في روايته عن ابن عمرو، والليث وعمرو بن الحارث.

    فالحديث إذاً صحيح سالم عن الغرابة. كذا في النيل.

    وعلى كل حال فالحديث الأول كافٍ، وإذا لم يصح فيكون من الشواهد، فالحديثان شاهدان للحديث الأول.

    1.   

    ما جاء (ويل للأعقاب من النار)

    شرح حديث: (ويل للأعقاب من النار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء (ويل للأعقاب من النار).

    حدثنا قتيبة قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للأعقاب من النار) ].

    قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الحارث -هو ابن جزء الزبيدي - ومعيقيب وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان .

    قال أبو عيسى : حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.

    وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار).

    قال: وفقه هذا الحديث: أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان ].

    وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يلاحظ العقب.

    وقوله: (ويل)، أي: شدة العذاب.

    والعقب هو: مؤخر القدم.

    وفي اللفظ الآخر: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار) فينبغي للإنسان أن يبلغ الماء، وسبب الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على بعض الصحابة وقد تقدموا، فأدركتهم الصلاة فجعلوا يمسحون أعقابهم، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار).

    وهذا التعريف الذي أشار إليه الترمذي رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مرفوعاً، ورواه أحمد موقوفاً عليه.

    وأما أصل الحديث الذي قرره الشيخان فلفظه: (ويل للأعقاب من النار).

    وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة .

    قوله: (وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان).

    خلافاً للرافضة، فهم يرون أنه يمسح على ظاهر القدمين إذا كانتا مكشوفتين، وإذا كان عليهما الخفان فتنزعان ويمسح ظهور القدمين! وهذا من أبطل الباطل.

    فإذا كانت الرجلان مكشوفتين فلابد من غسلهما، وإن كانتا مستورتين ولبس الخف على طهارة بالشروط فإنه يمسح عليهما، والأحاديث في المسح على الخفين متواترة، روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من صحابي.

    1.   

    ما جاء في الوضوء مرة مرة

    شرح حديث توضؤ النبي مرة مرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الوضوء مرة مرة.

    حدثنا أبو كريب وهناد وقتيبة قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان ح قال: وحدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا سفيان عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة).

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن عمر وجابر وبريدة وأبي رافع وابن الفاكه .

    قال أبو عيسى : وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أحسن شيء في هذا الباب وأصح.

    وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شرحبيل عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة).

    قال: وليس هذا بشيء، والصحيح ما روى ابن عجلان وهشام بن سعد وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ].

    هذا رواه البخاري في الصحيح، وفيه دليل على جواز الوضوء مرة مرة.

    ومعنى: (مرةً مرةً): أنه يعمم أعضاء الوضوء في غسلها مرة واحدة، فيغسل وجهه مرة واحدة، ويغسل كل يد إلى المرفق مرة واحدة، ويمسح رأسه مرة واحدة، ويغسل كل رجل مرة واحدة.

    والمراد بالمرة: تعميم العضو بالماء، سواء كان بغرفة أو بغرفتين، وإذا لم يعمم إلا بأن يأخذ عدة غرفات فيعتبر مرة واحدة إذا عمم الوضوء في الغسل، فسواء كان مرة بغرفة أو غرفتين أو ثلاث، فإنه يعتبر مرة، وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وتوضأ مخالفاً.

    1.   

    ما جاء في الوضوء مرتين مرتين

    شرح حديث توضؤ النبي مرتين مرتين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الوضوء مرتين مرتين.

    حدثنا أبو كريب ومحمد بن رافع قالا: حدثنا زيد بن حباب عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال حدثني عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز -هو الأعرج - عن أبي هريرة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين).

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن جابر .

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان عن عبد الله بن الفضل ، وهو إسناد حسن صحيح.

    قال أبو عيسى : وقد روى همام عن عامر الأحول عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً) ].

    وهذا أيضاً ثابت في الصحيح، وفيه صفة ثانية للوضوء، وأنه توضأ مرتين مرتين، بمعنى: أنه عمم كل عضو مرتين مرتين، ففي الحديث الأول يعمم كل عضو مرة مرة، وفي هذا الحديث يعمم كل عضو من أعضاء الوضوء الأربعة مرتين مرتين، إلا الرأس فإنه لا يمسحه إلا مرة.

    1.   

    ما جاء في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

    شرح حديث توضؤ النبي ثلاثاً ثلاثاً

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً.

    حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي حية عن علي : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً).

    قال أبو عيسى : وفي الباب عن عثمان وعائشة والربيع وابن عمر وأبي أمامة وأبي رافع وعبد الله بن عمرو ومعاوية وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن زيد وأبي بن كعب .

    قال أبو عيسى : حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن علي رضوان الله عليه.

    والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء.

    وقال ابن المبارك : لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم.

    وقال أحمد وإسحاق : لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى ].

    وهذه صفة ثالثة من صفات الوضوء، وهي أن يعمم العضو ثلاثاً، فيغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم يده اليسرى ثلاثاً ثم يمسح رأسه مرة، ثم يغسل رجله اليمنى ثلاثاً، ثم رجله اليسرى ثلاثاً، وهذا أكمل أنواع الوضوء، فأكملها أن يعمم كل عضو ثلاثاً، وليس له أن يزيد على الثلاث.

    وهذا أيضاً ثابت في الصحيحين.

    قوله: (حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن علي رضي الله عنه، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم: أن الوضوء يجزئ مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء) وهو كما قال أبو عيسى رحمه الله: يجزئ عن الوضوء مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وهو الأفضل، وليس بعده شيء.

    وهناك صفة رابعة، وهي الوضوء مخالفاً، بأن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، وهذا جائز أيضاً.

    قوله: (إلا رجل مبتلى) أي: مبتلى بالوسواس، ولذا فلا ينبغي للإنسان أن يزيد على الثلاث، وقد جاء في بعض الروايات: (من زاد فقد تعدى وأساء وظلم).

    1.   

    ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثاً

    شرح حديث توضؤ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثاً.

    حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا شريك عن ثابت بن أبي صفية قال: قلت لـأبي جعفر : حدثك جابر : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً)؟ قال: نعم.

    قال أبو عيسى : وروى وكيع هذا الحديث عن ثابت بن أبي صفية قال: قلت لـأبي جعفر : (حدثك جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة؟ قال: نعم، وحدثنا بذلك هناد وقتيبة ؟ قال: حدثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية).

    قال أبو عيسى : وهذا أصح من حديث شريك ؛ لأنه قد روي من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع ، وشريك كثير الغلط. وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي ].

    وهذه هي الصفة الرابعة للوضوء، وهي أن يتوضأ مخالفاً، فيغسل بعض الأعضاء مرة، ويغسل بعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، فهذه الصفات الأربع السابقة كلها جائزة، وأكملها أن يتوضأ ثلاثاً ثلاثاً.

    1.   

    ما جاء فيمن يتوضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثاً

    شرح حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ما جاء فيمن يتوضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثاً.

    حدثنا محمد بن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد : (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه مرتين مرتين، ومسح برأسه، وغسل رجليه مرتين).

    قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.

    وقد ذكر في غير حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بعض وضوئه مرة وبعضه ثلاثاً).

    وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك: لم يروا بأساً أن يتوضأ الرجل بعض وضوئه ثلاثاً، وبعضه مرتين أو مرة ].

    وهذا فيه جواز أن يغسل بعض الأعضاء مرتين، وبعضها ثلاثاً.

    والحديث أخرجه الشيخان.