إسلام ويب

تفسير سورة الحج [38-40]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة الله سبحانه أنه لم يشرع الجهاد دفعة واحدة، ولكن على مراحل وأطوار بحسب حال المسلمين، فكلما صار للمسلمين قوة وشوكة كان القدر الذي أمروا به من الجهاد أكبر وهكذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا ... )

    قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36].

    وقال: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3].

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا وهو الخيانة في العهود والمواثيق لا يفي بما قال، والكفر: الجحد للنعم فلا يعترف بها ].

    في هذا بيان فضل المؤمنين، وأنهم متوكلون على الله، فالله تعالى يدفع عنهم الشرور، ومن دفع الله عنه الشرور فهو السالم الموفق.

    وفيه إثبات المحبة لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته في هذه الآية الكريمة، وأن الله لا يحب الخائنين الذين يخونون في العهود والمواثيق، ولا يحب الكفار الذين ينكرون نعم الله ولا ينسبونها إليه، فدل هذا على أنه سبحانه وتعالى يحب الموفين بالعهود والمواثيق، ويحب المؤمنين الذين يعترفون بنعمه وينسبونها إليه، ويعظمون الله بقلوبهم، ويستعملون نعمه بجوارحهم.

    قوله: (كفور) هذا عام، فمن جحد نعم الله فالله يبغضه ولا يحبه، وأعظم الجحود جحود نعمة الإسلام؛ لأن من جحد نعمة الإسلام ولم يقبل شرع الله ودينه ولم يوحد الله فهذا أعظم الكفر وأعظم الجحود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا .... إن الله لقوي عزيز )

    قال الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:39-40].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال العوفي : عن ابن عباس نزلت في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم حين أخرجوا من مكة.

    وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف كـابن عباس وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية. وقال ابن جرير : حدثني يحيى بن داود الواسطي حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن مسلم هو البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر رضي الله عنه: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكُن قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأنزل الله عز وجل: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] . قال أبو بكر رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال). ورواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف الأزرق به. وزاد: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وهي أول آية نزلت في القتال).

    ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف ، زاد الترمذي : ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به، وقال الترمذي : حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري ، وليس فيه ابن عباس .

    وقوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:4-6].

    وقال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:14-15].

    وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [التوبة:16] .

    وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142] .

    وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] .

    والآيات في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39]: وقد فعل. وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نيفاً وثمانين قالوا: (يا رسول الله! ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى ليالي منى- فنقتلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أؤمر بهذا) فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وهموا بقتله وشردوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة وافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام ومعقل يلجئون إليه؛ شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ [الحج:39-40] قال العوفي : عن ابن عباس : أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40] أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب، كما قال تعالى: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ [الممتحنة:1] .

    وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج:8] . ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:

    لاهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

    فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

    إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

    فيوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقوم معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا يقول: أبينا يمد بها صوته.

    ثم قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الحج:40] أي: لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف، لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ [الحج:40] وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة : هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حيان : هي البيوت التي على الطرق، وَبِيَعٌ [الحج:40] وهي أوسع منها وأكثر عابدين فيها وهي للنصارى أيضاً، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم، وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس : أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس، والله أعلم.

    وقوله: وَصَلَوَاتٌ [الحج:40] قال العوفي : عن ابن عباس : الصلوات الكنائس، وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة : إنها كنائس اليهود وهم يسمونها صلوات.

    وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس : أنها كنائس النصارى، وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : الصلوات مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين.

    وقوله: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40] فقد قيل: الضمير في قوله: يُذْكَرُ فِيهَا عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات، وقال الضحاك : الجميع يذكر فيها اسم الله كثيراً، وقال ابن جرير : الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب.

    وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر، إلى أن انتهى إلى المساجد وهي أكثر عماراً وأكثر عباداً، وهم ذوو القصد الصحيح.

    وقوله: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40] كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7-8].

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].

    وقال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21] ].

    أطوار الإذن بالجهاد وأسبابه

    قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] هذه أول الآيات التي نزلت في الجهاد، وذلك أن الجهاد له أطوار وأحوال، والمسلمون لهم أحوال، فلما كان المسلمون في مكة كانوا قلة، والنبي صلى الله عليه وسلم معه العدد القليل، وكان الكفرة هم الذين لهم الغلبة وهم الأقوياء، والمسلمون كانوا مستضعفون ويؤذون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم منهياً عن القتال وعن الجهاد ولم يؤمر بالجهاد، بل كان مأموراً بالصفح عنهم والعفو عنهم، فقال له تعالى: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ [الزخرف:89] وقال: فَاعْفُ عَنْهُمْ [آل عمران:159] وقال: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:106] فأمر عليه الصلاة والسلام بالإعراض والصفح عن المشركين، لأن المسلمين كانوا قلة ولا يستطيعون مقابلة الكفرة؛ ولأنهم مستضعفون، والمسلمون كيف يقابلون المشركين وليس معهم عدد ولا عدة، فلو أمروا بالقتال لقضى عليهم المشركون ففي مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصفح عنهم والعفو والإعراض، فلما اشتد أذى قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أذن الله له بالهجرة إلى المدينة، وأصحابه شردوا وأوذوا فمنهم من هاجر إلى الحبشة، ومنهم من هاجر إلى المدينة، فحين اشتد أذى قريش وتآمروا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله وأذن له بالهجرة، وأخرجه من بين أظهرهم، حتى إنهم أعدوا شباباً أمام بيته ينتظرون خروجه لقتله، فالله تعالى ألقى عليهم النوم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم، وذر على رءوسهم التراب، وخرج إلى الغار وجلس فيه ثلاثة أيام هو وصاحبه أبو بكر ، وجاء الطلب، وجعلوا مائة ناقة لمن يأتي بمحمد صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، وجاء الطلب حتى جاءوا إلى الغار ونظروا فوق الغار وعن اليمين وعن الشمال، ولكن الله أعماهم فلم يروه، فالله تعالى على كل شيء قدير، كما أن الجن يروننا ولا نراهم، فكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه يريان المشركين وهم لا يرونهما، أعماهم الله، ولما قال أبو بكر رضي الله عنه: (يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما). فلما هاجر إلى المدينة عليه الصلاة والسلام وتقوى، وكانت المدينة هي معقل الإسلام ومقراً للمسلمين، وتقوى المسلمون وكان لهم أتباع وأنصار، وأسلم كثير من الأنصار في الموسم بعد بيعة النبي صلى الله عليه وسلم مرتين، وأذن الله تعالى لهم بالجهاد؛ لأنهم مظلومون، فالله تعالى أنزل هذه الآية: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] يعني: لما ظلمت قريش المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم من مكة، وأخذوا أموالهم وآذوهم وشردوهم، أذن الله لهم بالجهاد، قال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39] فهذه أول آية نزلت في الجهاد، ثم بعد ذلك نزلت الآية الأخرى وأذن الله لهم بالقتال لكن قتال الدفع، يقاتل من قاتله ولا يبدؤهم بقتال، ولا يهجم عليهم بالقتال، فأنزل الله قوله عز وجل: وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة:191] يعني: قتال مدافعة. كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة:191] هذا الطور الثاني.

    الطور الأول: أنهم منهيون عن الجهاد في مكة، والطور الثاني بعد الهجرة أذن ورخص في جهاد الدفع.

    أما الطور الثالث: فقد أذن الله بقتال من قاتل والكف عمن لم يقاتل.

    ثم جاء الطور الرابع في الجهاد: وهو أن الله أمر بالقتال هجوماً ودفاعاً، فأنزل قوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36] .

    وأنزل سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5] فهذه أطوار وأحوال الجهاد.

    في هذه الآية يقول الله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] فهو قادر سبحانه وتعالى، ولكنه شرع الجهاد ليبذل المسلمون جهدهم وقوتهم، وليظهر نصرهم لدين الله، ابتلاء وامتحاناً واختباراً، ليتبين الصادق من الكاذب، وليظهر ظهور عيان من يحب الله ورسوله بأن يبذل نفسه وماله في الجهاد في سبيل الله، كما بين الله في هذه الآيات التي سمعنا، قال سبحانه: وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] .

    وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] .

    وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142] .

    ففيها ابتلاء وامتحان واختبار من الله عز وجل؛ ليتبين الصادق من الكاذب، وليتخذ الله شهداء من المؤمنين، وليعظم الله لهم الأجور، ولهذا قال سبحانه: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] أي: قادر سبحانه وتعالى أن ينصرهم في لحظة واحدة بكلمة كن، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] لكنه سبحانه وتعالى شرع الجهاد لحكم وأسرار، كما بين الله سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104].

    وبين في آية أخرى شيئاً من الحكم فقال: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:140-141] تمحيص للمؤمنين ومحق للكافرين، واتخاذ الشهداء من المؤمنين، وغير ذلك من الحكم التي ذكرها سبحانه وتعالى.

    وقال تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:140-141] كل هذه من الحكم والأسرار، وإلا فالله قادر على نصرهم، ولهذا قال: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] وبين سبحانه وتعالى المسوغ للجهاد، قال: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40] أي: ليس لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وأفردوه بالعبادة، هذا ليس بذنب وإن كان عند المشركين أكبر ذنب، كما قال سبحانه في أصحاب الأخدود: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [البروج:8-9].

    ثم بين سبحانه أنه لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض.. يدفع هؤلاء بهؤلاء، وينصر عباده بما يخلق من الأسباب؛ لهدمت هذه المعابد المتعبدة والصوامع وهي مكان العبادة للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين، قال تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40]. وسيأتي في الآيات التي بعدها بيان أسباب النصر.

    1.   

    الأسئلة

    حقيقة حزب الله

    السؤال: يقول بعض الناس: إن الذي سيحرر فلسطين هم حزب الله، كيف نرد عليهم؛ حتى لا يعجبون بهم ويوالونهم، مع إيضاح التعامل مع هذا الحزب الرافضي؟

    الجواب: لا شك أن حزب الله هم المفلحون وهم المجاهدون، أما من تسمى بأنه حزب الله وهم من الكفرة فليسوا حزباً لله فهو حزب الشيطان، إذا كان من الكفرة ومن الذين عندهم نفاق وزندقة وتكفير للصحابة وبغضاً لهم فهؤلاء وإن سموا أنفسهم حزب الله فهم حزب الشيطان، ليست العبرة بالأسماء العبرة بالحقائق، لكن حزب الله هم المؤمنون المتقون، كما بين سبحانه في سورة المجادلة: أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22].

    إذاً: فالعبرة بالحقائق، فمن سمى نفسه حزب الله وهو من أنصار الشيطان فهو من حزب الشيطان، وحزب الله هم المؤمنون الموحدون الذين وحدوا الله، وأخلصوا له العبادة، ونصروا الله وجاهدوا في سبيله.

    حكم إثبات صفة الملك لله سبحانه وتعالى

    السؤال: ذكرتم حفظكم الله في درس سابق أن أهل السنة يثبتون صفة الملل لله سبحانه على ما يليق بجلاله، ولكن عند النظر إلى هذه الصفة نجد أنها صفة نقص ولا تأتي صفة كمال على أي وجه؛ فكيف يمكن إثباتها لله سبحانه؟ وهل من أئمة السلف من أول هذه الصفة؟

    الجواب: هذا لأنك لم تفهم منها إلا ما فهمت من المخلوق، الملل عند المخلوق نقص، ولكن بالنسبة للخالق صفة كمال، كما يليق بجلاله لا يكيف، وما ذكرته من التكييف؛ لأنه وقع في نفسك التكييف فظننت أن الملل للخالق مثل الملل للمخلوق، ثم إن هذه من باب المقابلة، كما قال الحافظ ابن كثير وغيره، مثل قوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40] الله تعالى قابل بذلك.

    ومن أثر هذه الصفة أن الله لا يمل، يعني: أن الله لا يقطع الثواب عن العبد حتى يقطع العبد العمل، فالمقصود أن قول السائل على أي وجه أنها صفة نقص؛ لأنه فهم منها ما يفهمه من المخلوق، فوقع في نفسه التشبيه، فلما وقع في نفسه التشبيه استشكل ذلك، لكن لو نفى هذا من نفسه لعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يماثل المخلوقين في شيء من صفاته، فهذه صفة الحياة اتصف بها الخالق واتصف بها المخلوق، فحياة الخالق سابقة لا يسبقها عدم ولا يعتريها نوم ولا ضعف ولا فساد، والمخلوق يوصف بالحياة وهي حياة ناقصة يسبقها العدم ويعتريها الضعف والموت والنسيان، وكذلك الملل: ملل المخلوق ناقص وضعيف، وملل الخالق كمال ليس فيه نقص ولا ضعف.

    حكم الاستمناء باليد لغرض التحليل الطبي

    السؤال: هل يجوز للرجل المتزوج الاستمناء باليد من أجل التحليل في المختبر، مع العلم أني كاره لذلك؟

    الجواب: ليس هذا للإنسان، هذا منهي عنه، إذا كان مضطراً فهذا شيء آخر، تحتاج المسألة إلى تأمل، وعلى السائل أن يرجع إلى فتاوى اللجنة الدائمة في هذا؛ لأن المسألة مسألة عامة فلا بد أن يأخذ فيها فتوى.

    حكم استئذان الوالدين في الذهاب إلى الجهاد في هذا العصر

    السؤال: هل يشترط إذن الوالدين في الذهاب إلى الجهاد في هذا الزمن؟

    الجواب، نعم، لابد من إذنهما؛ لأنه ثبت (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل يستأذنه في الجهاد فقال له: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد).

    وثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قيل: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله) فبر الوالدين واجب والجهاد مستحب، إلا في حالات يكون واجباً.

    حكم دخول مكة بدون إحرام لغرض معين

    السؤال: ما حكم دخول مكة بدون إحرام علماً بأن له غرضاً يسيراً في مكة؟

    الجواب: هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فبعض أهل العلم كالحنابلة وغيرهم يرون أن كل داخل إلى مكة يجب عليه أن يحرم، وقالوا: هذا من خصائص مكة.

    القول الثاني: إنه لا يجب إلا على من قصد الحج والعمرة، وهذا هو الصواب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس لما وقت المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة). فمن أراد الحج أو العمرة فلا يجوز له أن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، ومن دخل مكة لزيارة أو للتجارة أو لطلب العلم وهو لا يريد الحج ولا يريد العمرة جاز له الدخول بغير إحرام، هذا هو الصواب.

    درجة حديث: (أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم)

    السؤال: ما معنى حديث: (أصبحوا بالصبح؛ فإنه أعظم لأجوركم) ؟

    الجواب: هذا حديث فيه ضعف، ولكن لو صح فهو محمول على التبين للفجر، ولا ينافي حديث التغليس، فحديث التغليس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها بغلس) أصح، وأما حديث: (أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم) ففيه ضعف، ولو صح فهو محمول على تبين الفجر، وفق الله الجميع لطاعته.