إسلام ويب

تفسير سورة الحج [32-35]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعظيم شعائر الله علامة على تقوى القلوب، ومن تعظيم شعائر الله تعظيم مناسك الحج وتعظيم حرمة البيت العتيق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب...)

    قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:32-33].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: هذا وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ [الحج:32] أي: أوامره، فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس : تعظيمها: استسمانها واستحسانها.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبي ليلى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس : ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ [الحج:32]، قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام ].

    فالاستسمان والاستعظام من تعظيم شعائر الله، أي: كونه يختار من الهدي أو من الأضحية السمينة الحسنة الجميلة والعظيمة والكبيرة الجسم، فهذا من تعظيم شعائر الله؛ لأن السمينة كثيرة اللحم، والجميلة تكون محبوبة ومرغوبة، فكل هذا من تعظيم شعائر الله، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، أي: أنه دليل على التقوى.

    فكلما كانت الهدايا والأضاحي أسمن، وأغلى ثمناً، وأكثر لحماً وأعطى للفقراء فهو أفضل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو أمامة بن سهل : كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، رواه البخاري .

    وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين) ].

    وهذا الحديث ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ رواه أحمد وابن ماجة ، قالوا: والعفراء هي البيضاء بياضاً ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضاً، لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين).

    وعن أبي سعيد : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن كحيل، يأكل في سواد وينظر في سواد ويمشي في سواد) رواه أهل السنن وصححه الترمذي ، أي: بكبش أسود في هذه الأماكن ].

    يعني: في عينيه سواد، وفي فمه سواد، وفي رجله سواد، فهو يأكل في سواد، ويطأ في سواد، وينظر في سواد.

    وفي نسخة أخرى: فحيل، بدلاً من كحيل، أي: كامل الخلقة، وليس بخصي، بمعنى أنه لم تقطع أنثييه، والخصي يجزئ، بل إنه إذا خصي فإنه يكبر ويكون أسمن.

    فكحيل معناه: كحيل العينين، وفحيل يعني: كامل الخلقة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي سنن ابن ماجة عن أبي رافع رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين)، قيل: هما الخصيان، وقيل: اللذان رض خصياهما ولم يقطعهما، وكذا روى أبو داود وابن ماجة عن جابر رضي الله عنه: (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين، موجوءين)، والموجوءين قيل هما الخصيين، والله أعلم ].

    أي أن الموجوء مقطوع الخصيتين، وقيل: هو الذي رض خصيتاه، وهذا يدل على أن الخصي قد يكون أفضل؛ لأن هذا يفيده، فإنه إذا رض خصيتاه أو قطعا سمن.

    وفي الرواية الأخيرة الصحيح أن نقول: قيل هما الخصيان، وليس الخصيين.

    وورد أكثر من حديث فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى مرة بكبش وأخرى بكبشين؛ فيدل على أن هذا سنة وهذا سنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أقام في المدينة عشر سنوات، كل سنة يضحي، إلا في سنة حجة الوداع فإنه حج، فمرة ضحى بكبش، وأخرى ضحى بكبشين موجوءين، فلا مانع من اعتبار كل ذلك سنة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعن علي قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء)، رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي .

    ولهم عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي بأعضب القرن والأذن) ].

    ومعنى: نستشرف العين والأذن، يعني: ننظر فيهما، ونتأكد من عدم وجود أي عيب فيهما.

    والشرقاء: هي مقطوعة الأذن أو مخروقة الأذن، أو مقطوعة القرن.

    حتى العوراء أيضاً لا يضحى بها، ففي حديث البراء بن عازب : (قام فينا رسول الله يخطب ثم قال: أربع لا تجوز في الأضاحي، العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، الهزيلة التي لا مخ فيها).

    وكذلك أمر أن تكون سليمة العين، والأذن، فلا يكون فيها خرق أو قطع أكثر من النصف، وكذلك القرن إذا كان فيه قطع أكثر من النصف فإن هذا عيب في الأضحية.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولهم عنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي بأعضب القرن والأذن)، وقال سعيد بن المسيب العضب: النصف فأكثر ].

    الأعضب: المقطوع النصف من القرن أو الأذن، فإذا كان مقطوع النصف فأكثر فهذا أعضب القرن أو أعضب الأذن، ولا يجزئ.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء فأما العضب فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن: قطع بعضها، وعند الشافعي : أن التضحية بذلك مجزئة لكن تكره، وقال الإمام أحمد : لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث، وقال مالك : إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ، وإلا أجزأ، والله أعلم. وأما المقابلة فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها، والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولاً قاله الشافعي والأصمعي ، وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقاً مدوراً، والله أعلم ].

    والسمة: الوسم، أي: العلامة، وقوله: التي خرقت السمة أي: هي التي عندما توسم يخرقها الوسم، ويكون هذا الخرق مدوراً.

    وفي التضحية بمقطوعة الأذن خلاف مشهور، والأقرب أنه إذا كان قطع من الأذن أو من القرن أكثر من النصف فأكثر فيجتنب احتياطاً، أما إذا كان أقل من النصف فلا.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقي)، رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي ].

    والكسيرة هي الهزيلة: التي لا مخ فيها.

    والخصي يجزئ؛ لأن فيه مصلحة وهو أنه يسمن إذا خصي.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة كما هو ظاهر الحديث ].

    الشاء تكون فيها هذي العيوب الأربعة: العوراء البين عورها فتسبقها الغنم؛ لكونها لا تبصر، وتسبق إلى المرعى، ولا ترعى الرعي الجيد، فتكون ضعيفة، وكذلك العرجاء البين ضلعها تسبقها الغنم، ولا تستطيع المشي مع الصحاح فيسبقونها إلى العلف، وإلى المرعى الجيد فتكون ضعيفة، والهزيلة التي لا مخ فيها كذلك، والمريضة البين مرضها بسبب المرض تسبقها الغنم، فهذه العيوب تنقصها وتضعفها عن الرعي، فتكون ضعيفة الخلقة هزيلة.

    وهذا يؤثر على اللحم ويفسده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ واختلف قول الشافعي في المريضة مرضاً يسيراً على قولين، وروى أبو داود عن عتبة بن عبد السلمى : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن المصفرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسراء)، فالمصفرة قيل: الهزيلة، وقيل: المستأصلة الأذن، والمستأصلة: المكسورة القرن، والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم ولا تتبع لضعفها، والكسراء: العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء، فإن طرأ العيب بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عيبه عند الشافعي خلافاً لـأبي حنيفة ].

    لا يجوز للإنسان أن يشتري الأضحية وفيها هذه العيوب، لكن إذا اشتراها ثم طرأ عليها العيب ففيه خلاف: عند الشافعي تجزئ؛ لأنه عيَّنها، وعند أبي حنيفة لا تجزئ.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (اشتريت كبشاً أضحي به فعدا الذئب فأخذ الإلية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به) ].

    وإذا تعمد قطع الإلية من الأضحية ففي إجزائها نظر، أما لو كان بعدما عينها قطعت الإلية فيجوز، ولا يشتري مقطوعة الإلية، بل يشتري كاملة.

    وهذا الحديث ضعيف ؛ لأن فيه جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف جداً.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ولهذا جاء في الحديث (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن)، أي: أن تكون الهدية والأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (أهدى عمر نجيباً فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني أهديت نجيباً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنة، قال: لا، انحرها إياها) ].

    هو أهداها لله، وللبيت الحرام، أي: قال: هذه هدية تذبح في البلد الحرام لله، فلما أهداها أعطاه إنسان بها ثلاثمائة دينار فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله! أبيعها وأشتري بثلاثمائة دينار بدنة (فقال: لا انحرها إياها)، أي: انحرها هي، وما دام عينتها لله لا تبعها، ولو أعطيت ثلاثمائة دينار، لو ....... من ثمنها نعم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما البدن من شعائر الله، وقال محمد بن أبي موسى : الوقوف، ومزدلفة، والجمار، والرمي، والحلق، والبدن، من شعائر الله.

    وقال ابن عمر رضي الله عنهما: أعظم الشعائر البيت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ [الحج:33] أي: لكم في البدن منافع من لبنها، وصوفها، وأوبارها، وأشعارها، وركوبها إلى أجل مسمى، قال مقسم : عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج:33]، قال: ما لم تسم بدناً ].

    أي: ما لم يعينها.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وقال مجاهد في قوله: لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الحج:33]، قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هدياً ذهب ذلك كله، وكذا قال عطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخرساني وغيرهم، وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كانت هدياً إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويحك! في الثانية أو الثالثة).

    وفي رواية لـمسلم عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها)، وقال شعبة عن زهير عن أبي ثابت الأعمى عن المغيرة بن أبي الحر عن علي أنه رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها، وقوله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:33]، أي: محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق وهو الكعبة، كما قال تعالى: هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة:95]، وقال سبحانه: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح:25].

    وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريباً ولله الحمد، وقال ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل قال الله تعالى: ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:33] ].

    ابن عباس قالوا أنه يرى وجوب التمتع، ويقول: كل من طاف وسعى فقد حل شاء أم أبى، فلا يرى الإفراد ولا يرى القرآن، أي: كل حاج يجب عليه التمتع، فيطوف ويسعى ويتحلل بالعمرة ثم يحرم بالحج.

    وهذه البدنة لأنها مهداة تذبح هي وولدها، وكلهم يذبحوا لله.

    وله أن يركبها، وأن يشرب من لبنها؛ لأن اللبن يؤذيها فلا يتركه، بل يشرب ويوزع، وإذا كان لها ولد يأخذ ما فضل عن ولدها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله ...)

    قال الله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الحج:34-35].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعاً في جميع الملل، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا [الحج:34]، قال: عيداً، وقال عكرمة : ذبحاً، وقال زيد بن أسلم في قوله سبحانه وتعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا [الحج:34] أنها مكة لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها.

    وقوله: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج:34]، كما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما).

    قال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا يزيد بن هارون : أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود - وهو نفيع بن الحارث - عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (قلت أو قالوا: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: ما لنا منها؟ قال: بكل شعرة حسنة، قال: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة).

    وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به، وقوله تعالى: فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا [الحج:34]، أي: معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضاً فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له ].

    الحديث السابق ضعيف جداً، ولا شك أن الأضاحي والهدايا فيها أجر وثواب عظيم، لكن التخصيص بكل شعرة حسنة بهذا الحديث ضعيف.

    وهي ثابتة بالقرآن كما قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج:78] ويكفي العمل بالسنة، فمن عمل بالسنة فله أجر عظيم، وله ثواب كبير، لكن غير مقدر والله أعلم.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، ولهذا قال: فَلَهُ أَسْلِمُوا [الحج:34]، أي: أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34]، قال مجاهد : المطمئنين، وقال الضحاك وقتادة : المتواضعين، وقال السدي : الوجلين، وقال عمرو بن أوس : المخبتين: الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا، وقال الثوري : وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له.

    وأحسن بما يفسر بما بعده وهو قوله: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، أي: خافت منها قلوبهم ].

    قوله: المخبتين: تفسيرها الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الحج:35]، فهؤلاء هم المخبتون، وقد خصهم الله بهذا، وهم: الصابرون على ما أصابهم، والمقيمين الصلاة، والمنفقون مما رزقهم الله.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ [الحج:35]، أي: من المصائب، قال الحسن البصري : والله لنصبرن أو لنهلكن، وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ [الحج:35]، قرأ الجمهور بالإضافة.. السبعة وبقية العشرة، وقرأ ابن السميفع والمقيمين الصلاة بالنصب ].

    إذاً: تكون قراءة شاذة إذا كانت خارجة عن قراءة السبعة والعشرة.

    وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية عنه: الصلاة بالنصب، وأبو عمرو أحد القراء السبعة.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن الحسن البصري وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وإنما حذفت النون ها هنا تخفيفاً، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة، ولكن على سبيل التخفيف فنصبت، أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الحج:35]، أي: وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات المنافقين فإنهم بالعكس من هذا كله كما تقدم تفسيره في سورة براءة ].