إسلام ويب

تفسير سورة الحج [18-24]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل شيء في الكون يسبح الله ويسجد له إلا البشر، فكثير منهم من يسجد لله وكثير منهم مستكبرون عن طاعته. وقد ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم ما أعد للكافرين المستكبرين عن طاعته من العذاب الأليم، وفي المقابل ذكر ما أعده للمؤمنين به والمستجيبين لرسوله من النعيم المقيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ...)

    قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به، كما قال: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [النحل:48] وقال هنا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الحج:18] أي: من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ [الحج:18] إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة، لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت:37].

    وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر؛ فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت) ].

    وفي اللفظ الآخر: تستأذن.

    قوله: [ وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة في حديث الكسوف، (إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن الله عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له)

    وقال أبو العالية : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر؛ إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه.

    وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة؛ فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ، قال ابن عباس : (فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد؛ فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة) رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه ].

    وبهذا تثبت مشروعية هذا الذكر، وهذا الدعاء؛ لأن النبي قد قاله، وهو (اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين) وجاء هذا في رواية أخرى:

    (اللهم اكتب لي بها أجراً، واحطط عني بها وزراً، واكتبها لي بها عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود).

    وإذا قال: سبحان ربي الأعلى كفى، وإذا قرأ هذا الدعاء فهو أفضل.

    قوله المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَالدَّوَابُّ [الحج:18] أي: الحيوانات كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرب مركوبة خير وأكثر ذكراً لله تعالى من راكبها) ]

    أي: إذا كان راكبها فاسقاً أو كافراً فهي خير منه.

    والمنبر: هو الذي يتخذ للوعظ والخطبة؛ لأن هذا يشق عليها ويؤذيها، كونه يقف مدة طويلة على ظهرها.

    لكن جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب على دابته، أي: على ناقته، وكان ذلك يوم عرفه، وهذا ثابت في الصحيح، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني ، وهو عند أبي داود في كتاب الوقوف على الدابة.

    ولعل خطبة النبي صلى الله عليه وسلم على دابته مستثناة وخاصة به.

    وقد يجوز الخطبة على ظهر الدابة إذا كانت المصلحة تقتضيه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج:18] أي: يسجد لله طوعاً مختاراً متعبداً بذلك. وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18] أي: ممن امتنع وأبى واستكبر. وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18].

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن شيبان الرملي حدثنا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال: قيل لـعلي : إن هاهنا رجلاً يتكلم في المشيئة. فقال له علي : يا عبد الله! خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) رواه مسلم .

    وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا: حدثنا ابن لهيعة حدثنا مشرح بن هاعان أبو مصعب المعافري قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: (قلت: يا رسول الله! أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما) ].

    ابن لهيعة ضعيف، ومشرح بن هاعان مقبول، وعبد الرحمن المقرئ هذا ضعيف.

    وقوله: (فمن لم يسجد بهما فلا يقرأها) ضعيف، والمتن أيضاً فيه ضعف؛ لأن السجود ليس بواجب. فقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ آية السجدة وهو يخطب الناس في الجمعة ثم نزل فسجد، ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فلم يسجد، ثم قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء.

    قوله: (فمن لم يسجد بهما فلا يقرأها) هذا سنده ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقال الترمذي : ليس بقوي وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع، وأكثر ما نقموا عليه تدليسه ].

    نعم، فالسند: حدثنا ابن لهيعة حدثنا مشرح ، ففيه أنه صرح بالسماع، ومشرح مقبول ولو صرح.

    والحديث ضعفه الألباني ، والصواب أنه ضعيف جداً، ولو صرح بالسماع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن عامر بن جشب عن خالد بن معدان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين)، ثم قال أبو داود : وقد أسند هذا يعني من غير هذا الوجه ولا يصح.

    وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي : حدثنا ابن أبي داود حدثنا يزيد بن عبد الله حدثنا الوليد قال: حدثنا أبو عمرو حدثنا حفص بن عنان حدثني نافع قال: حدثني أبو الجهم أن عمر رضي الله عنه سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين ].

    لعله حفص بن غياث أو كأنها نسخة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى أبو داود وابن ماجة من حديث الحارث بن سعيد العتقي عن عبد لله بن منين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمسة عشر سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان)، فهذه شواهد يشد بعضها بعضاً ].

    قوله: فهذه شواهد يشد بعضها بعضاً أي: في أن سورة الحج فيها سجدتان؛ لأن السجدة الثانية اختلفوا فيها، وكذلك سجدات المفصل: سجدة النجم والانشقاق واقرأ، والصواب أنها ثابتة، وأنها كلها خمسة عشر سجدة في القرآن، في الحج سجدتان، وفي المفصل ثلاث.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم ...)

    قال: [ قال تعالى: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر رضي الله عنه: أنه كان يقسم قسماً: أن هذه الآية: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر، لفظ البخاري عند تفسيرها، ثم قال البخاري : حدثنا الحجاج بن المنهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (أنا أول من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)، قال قيس : وفيهم نزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، انفرد به البخاري .

    وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه وأنزل: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]وكذا روى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ].

    السند الأول أصح، وأنها نزلت في الخصمين: المسلمين ومشركي قريش، وقد دل عليه ما ثبت عند البخاري أنها نزلت في علي وعبيدة وخصومهم من مشركي قريش، فهي نزلت في خصمين: الخصم الأول: المؤمنون والخصم الثاني: الكفار في يوم بدر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال شعبة عن قتادة في قوله: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] قال: مصدق ومكذب.

    وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون.

    وقال عكرمة : هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة، وقول مجاهد وعطاء : إن المراد بهذا الكافرون والمؤمنون. يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله عز وجل، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل. وهذا اختيار ابن جرير وهو حسن؛ ولهذا قال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ، أي: فصلت لهم مقطعات من النار، قال: سعيد بن جبير : من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي ].

    يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:19-20] أي: إذا صب على رءوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة، وقال سعيد بن جبير : هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم. وكذلك تذوب جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد : تساقط.

    وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى حدثني إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن ابن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحميم ليصب على رءوسهم، فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان) ].

    يعني: يعود كما كان حتى يعاد عليه العذاب مرة أخرى -نسأل الله العافية- يعني: يسلت أمعاءه ثم تعود أمعاؤه مرة أخرى، حتى يصب عليها مرة أخرى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك وقال: حسن صحيح، وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي نعيم عن ابن المبارك به. ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه؛ فذلك قوله: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20].

    وقوله: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21] قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض).

    وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان، ولو أن دلواً من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا) ].

    دراج عن أبي الهيثم ضعيف، وابن لهيعة ضعيف، ففيه ضعيفان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21] قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فيدعون بالثبور ].

    يدعون على أنفسهم؛ لأنهم معذبين: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان:14].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحج:22] قال الأعمش عن أبي ظبيان عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قال: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون، وقال الفضيل بن عياض : والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.

    وقوله تعالى: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22] كقوله: وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة:20] ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولاً وفعلاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ...)

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:23-24].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لما أخبر تعالى عن حال أهل النار -عياذاً بالله من حالهم- وما هم فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار؛ ذكر حال أهل الجنة -نسأل الله من فضله وكرمه- فقال: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الحج:14] أي: تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها يصرفونها حيث شاءوا وأين أرادوا يُحَلَّوْنَ فِيهَا [الحج:23] من الحلية، مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا [الحج:23] أي: في أيديهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) ].

    والمعنى أنهم يحلون بالأساور في أيديهم، أسورة كأسورة الذهب يلبسها المؤمنون، وأسورة الدنيا لا يلبسها إلا النساء، لكن في الجنة يختلف الحال، فالمؤمنون يتحلى يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا [الحج:23] في أيديهم، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) يعني: يحلى في يديه حيث يبلغ الوضوء؛ ولهذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يطيل الماء، ويقول سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ الحيلة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل)، فكان يجتهد رضي الله عنه في ذلك، وإذا غسل ذراعه تجاوز حتى يصل إلى الأبط، يتأول ذلك ويقول: لكي تصل الحلية إلى هنا، وإذا غسل رجله تجاوز الساق حتى يكاد يصل إلى الركبة، اجتهاداً منه رضي الله عنه، ويقول: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل)، فالمؤمن يحلى بأساور الذهب واللؤلؤ في يديه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال كعب الأحبار : إن في الجنة ملكاً لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قلب منها -أي: سوار منها- لرد شعاع الشمس كما ترد الشمس نور القمر.

    وقوله تعالى: وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23] في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه، كما قال تعالى: عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ [الإنسان:21] ].

    المعنى: أنهم يلبسون نوعين من الحرير: سندس وإستبرق، أحدهما: غليظ والآخر رقيق، والسندس والإستبرق له بريق ولمعان، فهما نوعان من الحرير أحدهما رقيق والآخر غليظ.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كما قال تعالى: عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان:21-22]، وفي الصحيح: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، قال عبد الله بن الزبير : من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [الحج:23] وقوله تعالى: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [الحج:24]، كقوله تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23]، وقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24] ].

    يعني يقول: إن أهل الجنة يلبسون الحرير، والذي في الآخرة لن يلبس الحرير معناه أنه ممنوع من دخول الجنة؛ لأن من دخل الجنة لبس الحرير، ومن لم يلبس الحرير ممنوع من دخولها. هذا معنى كلامه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) هذا من باب الوعيد، ويدل على أنه من الكبائر، وأما من تاب تاب الله عليه، وفي الحديث الآخر: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)، قال بعض العلماء: إنه إذا دخل الجنة لا يشتهي الخمر، وعلى كل حال هذا الحديث من باب الوعيد ومن تاب تاب الله عليه.

    والوعيد إن شاء الله أنفذه، وإن شاء لم ينفذه، مثل قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    والوعيد على الفعل يدل على أنه من الكبائر، مثل قوله: (لا يدخل الجنة قتات)، يعني. نمام، وقوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، هذا كله من باب الوعيد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:23-24]. وقوله تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا [الواقعة:25-26]، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب. وقوله تعالى: وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا [الفرقان:75] لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون به، يقال لهم: ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:181]، وقوله تعالى: وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:24]، أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الحديث الصحيح: (إنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس).

    وقد قال بعض المفسرين في قوله: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القول ، أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة ].

    وكل هذه المعاني حق، فقد هداهم الله للقرآن وللأذكار المشروعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:24] أي: الطريق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم].

    ليس في الجنة عمل بل هي دار نعيم، ويلهمون فيها التسبيح كما يلهمون النفس ويتنعمون به.