إسلام ويب

تفسير سورة الحج [8-17]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذم الله عز وجل من يخوض في آياته ويجادل فيها بغير علم ليضل عن سبيله، وذم فريقاً ممن دخلوا في الإسلام إن وجدوا فيه ما يرضيهم بقوا فيه وإلا ارتدوا على أدبارهم. ثم ذكر الله عز وجل أنه يفصل بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، سواء كانوا مؤمنين أو يهوداً أو نصارى أو صابئين وغيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ...)

    قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الحج:9-10].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لما ذكر تعالى حال الضلال الجهال المقلدين في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [الحج:3] ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلالة من رءوس الكفر والبدع فقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ [الحج:8] أي: بلا عقل صحيح ولا نقل صريح؛ بل بمجرد الرأي والهوى، وقوله: ثَانِيَ عِطْفِهِ [الحج:9] قال ابن عباس وغيره: مستكبراً عن الحق إذا دعي إليه، وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم ثَانِيَ عِطْفِهِ [الحج:9] أي: لاوي عطفه وهي رقبته، يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق ويثني رقبته استكباراً، كقوله تعالى: وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات:38-39]، وقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء:61]، وقال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ [المنافقون:5]، وقال لقمان لابنه: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [لقمان:18] أي: تميله عنهم استكباراً عليهم، وقال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:7] ].

    والمعنى: أنه إذا دعي للحق أعرض واستكبر ورد الحق، كقوله سبحانه: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:206]، نسأل الله السلامة.

    فالواجب على الإنسان أن يقبل الحق، وأن يحذر من الكبر ورد الحق، فإنه من أعظم الجرائم، فإن رد الحق والاستكبار من الكبائر العظيمة؛ ولهذا خسف الله رءوس الضلال، وأهل البدع وأهل الكفر بسبب الجدال ورد الحق، والإعراض والتكبر، نسأل الله السلامة والعافية.

    قول المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الحج:9]قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قد لا يقصد ذلك، ويحتمل أن تكون لام التعليل، ثم إما أن يكون المراد بها: المعاندين، أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الدنيء لنجعله ممن يضل عن سبيل الله ].

    يعني: يحتمل أن تكون لام العاقبة، والمعنى أنه بفعله ذلك تكون العاقبة إضلاله الناس، ويحسب أن يكون قاصداً للإضلال؛ بخبثه وحقده فيقصد الإضلال، فإذا كان يقصد الإضلال صارت اللام للتعليل، وإن كان لا يقصد الإضلال، صارت اللام للعاقبة.

    ومثله قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8] أي: التقط موسى آل فرعون، قال تعالى: وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص:9] فهذه اللام لام العاقبة، والمعنى: أنهم التقطوه؛ لتكون العاقبة أن يكون لهم عدواً وحزناً، والعاقبة في النهاية أنه كان عدواً لهم، فهذه يسمونها لام العاقبة، وإن كان فرعون لم يقصد أن يكون عدواً له عندما أخذه، بل قصد أن يكون ولداً له، لكن العاقبة أن صار عدوا له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال تعالى: لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ [الحج:9] وهو الإهانة والذل، كما أنه لما استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا، وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر همه ومبلغ علمه، وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ [الحج:9-10] أي: يقال له هذا تقريعاً وتوبيخاً، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الحج:10] كقوله تعالى: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان:47-50].

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أحمد بن الصباح حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام عن الحسن قال : بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة ].

    وهذا رواه الحسن بأنه بلغه، يعني: منقطع، والله أعلم، لكن يكفي قول الله تعالى: : لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:9].

    وقول الحسن : بلغني، يعني: أخذه من أخبار بني إسرائيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف ...)

    قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:11-13].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال مجاهد وقتادة وغيرهما: [ عَلَى حَرْفٍ [الحج:11]: على شك، وقال غيرهم: على طرف، ومنه حرف الحبل أي: طرفه، أي: دخل في الدين على طرف فإن وجد ما يحبه استقر، وإلا انشمر ].

    قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج:11] يعني: على طرف، أي: لم يتمكن الإيمان من قلبه؛ فإن وجد ما يناسبه من الدنيا استمر، وإن وجد شيئاً لا يناسبه؛ فإنه ينحرف ويرتد عن دين الله، نعوذ بالله.

    سبب نزول قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال البخاري : حدثنا إبراهيم بن الحارث ،ا حدثنا يحيى بن أبي بكير ، حدثنا إسرائيل عن أبي الحصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج:11] قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء ].

    لأنه ضعيف الإيمان، وكان بعض الذين دخلوا في الإسلام من البوادي وغيره، يأتي المدينة فإن ولدت امرأته وأنتجت خيله شيئاً يناسبه، قال: هذا دين صالح، وإن لم يحصل ما يناسبه، قال: هذا دين سوء، فارتد نعوذ بالله، تفسيراً لهذه الآية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح؛ فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11] ].

    وذلك لأنهم دخلوا في الإسلام ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم؛ فإذا أصابهم شيء يكدرهم.. جدب أو شيء في أهليهم ارتدوا والعياذ بالله، وإن أصابوا شيئاً من الدنيا استمروا؛ لضعف إيمانهم، وقلة ديانتهم، وعدم تمكن الإيمان من نفوسهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال العوفي عن ابن عباس : كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً رضي به واطمأن إليه، وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ [الحج:11] والفتنة: البلاء، أي: وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، وذلك الفتنة، وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر، وقال مجاهد في قوله : انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11]أي: ارتد كافراً.

    وقوله: خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11] أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة؛ ولهذا قال تعالى: ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11] أي: هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة ].

    والحاصل: أن هذه الآية فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: أنها في ضعفاء الإيمان من الأعراب الذين دخلوا في الإسلام، ولم يستقر الإيمان في قلوبهم، وقيل: إنها في المنافق، والأقرب أنه في الأول، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج:11] أي: على طرف من دينه، لم يتمكن الإيمان من قلبه.

    فالمسلم إذا لم يصبر على المصائب، فهذا يدل على ضعف إيمانه وقلة يقينه، فالمؤمن صابر على البلاء.. شاكر عند النعمة.. مستغفر عند الذنوب والمعاصي، فإذا كان لا يصبر فهذا ضعيف الإيمان، ولا شك أن البلاء والمصائب والدنيا كلها اختبار وامتحان، كما أن الفقر والشدة والمرض كلها ابتلاء وامتحان، قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ [الحج:12] أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره ].

    يعني: يسألها الرزق، والنصر، والغوث.

    قوله المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهي لا تنفعه ولا تضره، ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [الحج:12].

    وقوله: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ [الحج:13] أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، وقوله: لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:13] قال مجاهد : يعني الوثن، يعني: بئس هذا الذي دعاه من دون الله مولى، يعني: ولياً وناصراً، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج:13] وهو المخالط والمعاشر.

    واختار ابن جرير أن المراد لبئس ابن العم والصاحب ].

    يعني: اختار ابن جرير لَبِئْسَ الْمَوْلَى [الحج:13] يعني: ابن العم، والعشير: الصاحب ].

    والقول الأول لَبِئْسَ الْمَوْلَى [الحج:13] يعني: هذا الصنم الذي يتولاه، ويستنصر به، يسترزقه، ويدعوه من دون الله، والعشير: المعاشر المخالط المصاحب ممن هو على شاكلته.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال تعالى: مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ [الحج:11] وقول مجاهد : إن المراد به الوثن أولى وأقرب إلى سياق الكلام والله أعلم ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا جنات تجري من تحتها الأنهار...)

    قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [الحج:14].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات، ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [الحج:14] ].

    وله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، هو عليم بأحوال العباد، وعليم بنياتهم وأقوالهم وأفعالهم، وعليم بالذوات التي تصلح للخير فيوفقها له، وعليم بالذوات التي لا تصلح لذلك فيشقيها، له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، لا أحد يحسب عليه، وهو حسيب، قبض قبضة وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة وقال: هؤلاء في النار ولا أبالي، لما يعلمه فيهم سبحانه وتعالى، فهو يعلم أن هؤلاء لا يصلحهم إلا الخير، وهؤلاء لا يصلحون للخير، فله الحكمة البالغة.

    والله سبحانه وتعالى يقرن بين الأشقياء والسعداء في كثير من الآيات، فلما ذكر ضعيف الإيمان أو المنافق الذي يرتد لأقل سبب ذكر بعدهم المؤمنين الصادقين، الذين صدقوا أقوالهم وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة، وذكر أن لهم الجنات وهم السعداء الذين ثبت الإيمان في قلوبهم ورسخ وصدقوا أقوالهم بأعمالهم، وعملوا الصالحات، يعني: أدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم، واستقاموا على دين الله، ووقفوا عند حدود الله.

    فهؤلاء لهم الجنة والكرامة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء...)

    قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [الحج:15-16].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن عباس رضي الله عنهما: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة؛ فليمدد بسبب أي: بحبل إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15] أي: سماء بيته، ثُمَّ لْيَقْطَعْ [الحج:15] يقول: ثم ليختنق به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم.

    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15] أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمداً صلى الله عليه وسلم من السماء، ثُمَّ لْيَقْطَعْ [الحج:15] ذلك عنه إن قدر على ذلك.

    وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم ]

    يعني: القول الأول: أن المراد بالسبب الحبل، يعلقه في سماء بيته، أي: في سقف بيته ثم ليختنق.

    فالمعنى: أن الله سيظهر نبيه وحزبه المؤمنين، وأن الله ناصر عبده محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، على رغم أنوف الكفرة والمنافقين، وأنه ليس لهم إلا الخيبة والندامة والنكد في قلوبهم، والله تعالى ناصر نبيه ومظهر دينه، ولو كره الكافرون، قال تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33]، فلا يزال أعداء الله من الكفرة والمنافقين يكيدون للإسلام والمسلمين، والله تعالى خاذلهم ومظهر حزبه وأوليائه.

    وهذا فيه تعجيز لهم وتبكيت، وبيان ما هم فيه من الغم والنكد؛ لأن أهل النفاق والريب والكفر يؤذيهم نصرة المؤمنين وظهور الإيمان وعلوه، والله تعالى يقول: من كان يظن ألن ينصر الله نبيه وحزبه المؤمنين فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15] أي: بحبل، فليختنق، والقول الثاني: أنه يمدد بسبب إلى السماء؛ لأن النصر إنما ينزل من السماء، فليقطعوا هذا النصر الذي يأتي من عند الله إن كانوا صادقين، فلا يستطيعون.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن المعنى: من كان يظن أن الله ليس بناصر محمداً صلى الله عليه وسلم وكتابه ودينه؛ فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] ولهذا قال: فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:15].

    قال السدي : يعني: من شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عطاء الخراساني : فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ ].

    يعني: هل يزول ما في صدره ونفسه من الغيظ؟ لا يزيله إلا أن يقتل نفسه، ويهلك نفسه، وله الهلاك في الدنيا والآخرة، والظهور والغلبة والعزة والكرامة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، ولو كره الكافرون، فالله تعالى مظهر دينه، وناصر حزبه على أنوف الكفرة والمنافقين، وسيظهر هذا الدين ويبلغ كل بيت.. مدراً أو شعراً.. بعز عزيز أو بذل ذليل، كما جاء في الحديث.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ [الحج:16] أي: القرآن، آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الحج:16] أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس، وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [الحج:16] أي: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، أما هو فلحكمته ورحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين إن الله يفصل بينهم يوم القيامة ...)

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج:17].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة، من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين، وقد قدمنا في سورة البقرة التعريف بهم، واختلاف الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين أشركوا؛ فعبدوا مع الله غيره فإنه تعالى: يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الحج:17]ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم ].

    وفيه دليل على أن من آمن، من أي جنس ومن أي صنف بالله ورسوله واستقام على دينه فله الجنة والكرامة من أي جنس كان، ولهذا ذكر هذه الأصناف، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الحج:17]، فمن آمن فله الجنة والكرامة، ومن استمر على كفره، فله النار والخيبة، وَالَّذِينَ هَادُوا [الحج:17] أي: اليهود، وَالصَّابِئِينَ [الحج:17] أي: عبدة الكواكب، في أصح أقوال العلماء، وفيهم كلام كثير، كما سبق في سورة البقرة، وَالنَّصَارَى [الحج:17] وهم عباد عيسى ومريم، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [الحج:17] أي: عبدة الأوثان، فالله تعالى يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الحج:17] ويجازيهم بأعمالهم، فالمؤمنين لهم الجنة، والكفرة لهم النار، نسأل الله السلامة، والله تعالى شهيد على أعمالهم يحفظها، ويجازي عليها بالقسط والعدل، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، سبحانه لا إله إلا هو.