إسلام ويب

تفسير سورة الحج [1-4]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله تعالى عن يوم القيامة وما فيه من شدائد وأهوال، وهذا إنذار منه لعباده حتى يخافوه ويتقوه ويجتنبوا معاصيه، ولقد أنكر سبحانه على من يجادل في الله بغير علم ويتبع في ذلك هواه والشيطان، ويحذر سبحانه عباده من تولي مثل هؤلاء لأن من تولاهم أضلوه ودعوه إلى عذاب السعير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم...)

    قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى آمراً عباده بتقواه ومخبراً لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم، كما قال تعالى: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:1-2]، وقال تعالى: وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الحاقة:14-15]، وقال تعالى: إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:4-6]. فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة.

    وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال: قبل الساعة. ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن علقمة فذكره. قال: وروي عن الشعبي وإبراهيم وعبيد بن عمير نحو ذلك، وقال أبو كدينة عن عطاء عن عامر الشعبي يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.

    وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور ].

    وحديث الصور هذا ضعيف؛ لأن إسماعيل بن رافع هذا ضعيف، وقد ذكر فيه ثلاث نفخات، والمعروف في الأحاديث الصحيحة أنه نفختان: نفخة الصعق والموت، ثم نفخة البعث، ونفخة الفزع مذكورة في سورة النمل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل:87].

    ونفخة الصعق مذكورة في سورة الزمر: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الزمر:68]، ونفخة البعث قال: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، فالأولى والثانية نفخة واحدة طويلة، يطولها إسرافيل، وأولها تفزع الناس، ثم لا يزال في النفخ حتى يموت الناس. فهي نفخة واحدة أولها فزع وآخرها صعق وموت، ثم نفخة البعث بعد ذلك بعد أربعين. وأما حديث إسماعيل بن رافع فضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة عن يزيد بن أبي زياد عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي عن رجل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر، قال أبو هريرة : يا رسول الله! وما الصور؟ قال: قرن، قال: فكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [ص:15]، فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ [النازعات:6-8]، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله تعالى: يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر:32-33]، فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك). قال أبو هريرة : فمن استثنى الله حين يقول: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل:87]؟ قال أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون؛ وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2]).

    وهذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغير واحد مطولاً جداً، والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة ].

    حديث إسماعيل بن رافع طويل، لكن هذا جزء منه، وهو مجمع وملفق من عدة أحاديث، وإسماعيل بن رافع ضعيف.

    والزلزلة تكون في آخر الدنيا وأول الآخرة، يعني: قبل قيام الناس المقبورين، ثم يقوم الناس من قبورهم، هذا قول، والقول الثاني: أن الزلزلة تكون بعد قيام الناس من قبورهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والغرض منه أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم، وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور ].

    العرصات: جمع عرصة، والعرصة: المكان الفضاء أو موقف القيامة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير ، واحتجوا بأحاديث: الأول: قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن هشام حدثنا قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير رفع بهاتين الآيتين صوته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2]، فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: (أتدرون أي يوم ذاك ذاك؟ يوم ينادى آدم عليه السلام، فيناديه ربه عز وجل فيقول: يا آدم! ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة، قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة، فلما رأى ذلك قال: أبشروا واعملوا فوالذي نفس محمد بيده! إنكم مع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج ومن هلك من بني آدم وبني إبليس، قال: فسري عنهم ثم قال: اعملوا وأبشروا؛ فوالذي نفس محمد بيده! ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة) ].

    الشامة هي نقطة في جنب البعير، فهذه الأمة بالنسبة ليأجوج ومأجوج نقطة؛ لأن يأجوج ومأجوج كثرة كاثرة. وجاء في رواية: (فقال: أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم واحداً).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما عن محمد بن بشار عن يحيى -وهو القطان - عن هشام -وهو الدستوائي - عن قتادة به بنحوه، وقال الترمذي : حسن صحيح.

    طريق آخر لهذا الحديث: قال الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا ابن جدعان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما نزلت: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج:1]، إلى قوله: وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، قال: نزلت عليه هذه الآية وهو في سفر فقال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاربوا وسددوا؛ فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، قال: فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم ومثل الأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة. فكبروا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فكبروا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. فكبروا، ثم قال: ولا أدري أقال: الثلثين أم لا)].

    وهذا الحديث أصله في الصحيحين، وجاء في غير الصحيح أن هذه الأمة ثلثي أهل الجنة، وأن الجنة مائة وعشرون صفاً وهذه الأمة ثمانون صفاً، يعني: ثلثي أهل الجنة.

    وفي سماع الحسن عن عمران بن حصين نظر. والحسن كان كثيراً ما يروي عن جماعة لم يسمع منهم ويقول: حدثنا، ويقصد حدث قومه أهل البصرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به. ثم قال الترمذي أيضاً: هذا حديث صحيح، وقد روي عن سعيد بن أبي عروبة عن الحسن عن عمران بن حصين . وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي عن عمران بن حصين فذكره، وهكذا روى ابن جرير عن غندر عن عوف عن الحسن قال: (بلغني أن رسول صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسرة ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة قرأ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1])، وذكر الحديث، فذكر نحو سياق ابن جدعان . والله أعلم .

    الحديث الثاني: قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن الطباع حدثنا أبو سفيان يعني المعمري عن معمر عن قتادة عن أنس قال نزلت: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1] وذكر، يعني: نحو سياق الحسن عن عمران غير أنه قال: (ومن هلك من كفرة الجن والإنس)، رواه ابن جرير بطوله من حديث معمر .

    الحديث الثالث: قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد -يعني ابن العوام - حدثنا هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: (تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية.. فذكر نحوه، وقال فيه: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة. ففرحوا)، وزاد أيضاً: (وإنما أنتم جزء من ألف جزء).

    الحديث الرابع: قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم! فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار. قال: يا رب. وما بعث النار؟ قال: من كل ألف -أراه قال- تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2]، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من يأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، وكبرنا، ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: شطر أهل الجنة، فكبرنا)، وقد رواه البخاري أيضاً في غير هذا الموضع ومسلم والنسائي في تفسيره من طرق عن الأعمش به ].

    وهذا الأحاديث فيها دليل على إثبات الكلام لله عز وجل، وإثبات الصوت، والرد على الجهمية والأشاعرة والمعتزلة الذين أنكروا كلام الله عز وجل، أو أنكروا الصوت؛ لأن الله ينادي يوم القيامة؛ والنداء إنما هو الكلام، والنداء يكون من قرب، ويكون من بعد، وفي هذا الحديث صرح بالصوت، فالله ينادي آدم ويقول: (يا آدم)، ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، (فيقول: لبيك، فيقول: أخرج بعث النار، فيقول: يا رب! من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة) أي: ينجو واحد من كل ألف، فلما شق ذلك عليهم أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد).

    وفي هذا الحديث قال: (من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد)، يعني: أن أهل النار من كل ألف واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم والباقي من يأجوج ومأجوج، وهما أمتان عظيمتان كافرتان، إحداهما: يقال لها: يأجوج، والثانية: مأجوج، وهما من بني آدم، وهؤلاء هم الذي بنى ذو القرنين السد بينهم وبين المسلمين، وترك الترك فمن ترك خارج السد، ومن كان داخل السد فهم يأجوج ومأجوج، وسيخرجون في آخر الزمان، علامة من علامات الساعة.

    وأخبر الله أن الناس قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف:94].

    وقوله: (وإنما أنتم جزء من ألف) يعني: أنتم في غيركم من الأمم -ومنهم يأجوج ومأجوج- جزء من أجزاء كثيرة، وفي هذا الحديث قال: (ما أنتم في غيركم إلا كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود)، يعني: أن المسلمين إذا نسبوا إلى غيرهم فهم قلة، ثم بشر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين وقال: (أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبرنا، فقال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فكبرنا، قال: أما ترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ فكبرنا)، يعني: نصف أهل الجنة، فهذه الأمة نصف أهل الجنة، وهذا في الصحيحين، وجاء في غير الصحيحين أنهم ثلثا أهل الجنة، وأن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً، وهذه الأمة ثمانون صفاً، فيكونون ثلثي أهل الجنة، والثلث الباقي من بقية الأمم، وهذا فضل عظيم على هذه الأمة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الحديث الخامس: قال الإمام أحمد : حدثنا عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري وعبيدة ، المعنى كلاهما عن إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا آدم! إن الله يأمرك أن تبعث بعثاً من ذريتك إلى النار، فيقول: آدم يا رب من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعون، فقال رجل من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال: هل تدرون؟ ما أنتم في الناس إلا كالشامة في صدر البعير)، انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد .

    الحديث السادس: قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن حاتم بن أبي صغيرة حدثنا ابن أبي مليكة أن القاسم بن محمد أخبره عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنكم تحشرون إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قالت عائشة : يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة ! إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك)، أخرجاه في الصحيحين ].

    يعني: أنهم يحشرون على هذه الصفة: حفاة: لا نعال عليهم، عراة: لا ثياب عليهم، غرلاً: غير مختونين، يعني: أن الجلدة التي قطعت من الإنسان وهو صغير تعود إليه كما كان، ويحشرون جميعاً الرجال والنساء، قالت عائشة : يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة ! الأمر أشد من أن يهمهم ذلك، أي: أن كلاً مشغول بنفسه، كما قال عز وجل: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، فالأمر عظيم، وكل تهمه نفسه، كما قال عز وجل: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:33-37].

    والإنسان في الدنيا قد يندهش بعض الأحيان ولا يرى من حوله، بل قد تمر به وتسلم عليه فلا يرد عليك السلام؛ لأنه مندهش؛ إما أصابه حزن أو فرح شديد، وقد تعاتبه فيقول لك: ما رأيتك ولا سمعتك؛ هذا في الدنيا فكيف بالأهوال العظيمة يوم القيامة؟ فالوقت هناك ليس وقت نظر إلى النساء أو إلى الرجال؛ فكل مشغول بنفسه، ولا يرى إلا نفسه، ولا يشتغل إلا بما يخلص نفسه، فينظر ماذا يعمل، وماذا سيصيبه، وماذا سيحصل عليه.

    فيوم القيامة تكون الأبصار شاخصة، والشمس فوق الرءوس، والأمر عظيم، والخطب جسيم، ولا يدري هل يعطى كتابه بيمينه أو كتابه بشماله، ولا يدري هل يثقل ميزانه أو لا، ولا يدري هل يمر على الصراط أو يسقط في النار، ولا يدري هل يرد على الحوض أو لا يرد.

    فالأمر عظيم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ الحديث السابع: قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: (قلت: يا رسول الله! هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: يا عائشة ! أما عند ثلاث فلا: أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب فإما أن يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة: وكلت بمن ادعى مع الله إلهاً آخر ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد، قال: فينطوي عليهم ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أدق من الشعر وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذون من شاء الله، والناس عليه كالبرق وكالطرف وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب! سلم رب! سلم، فناج مسلم ومخدوش مسلم ومكور في النار على وجهه) ].

    وجاء في اللفظ الآخر: (ومكدوس). وهذا الحديث فيه ابن لهيعة ، وفيه ضعف، ولكن هذه المعاني ثابتة،أما المرور على الصراط فهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة، (وأن الناس يمرون على قدر أعمالهم، أولهم كالبرق ثم كالطير، ثم كالريح، وكأجاويد الخيل، والرجل يعدو عدواً، والرجل يزحف زحفاً، فناج مسلم ومكدوس على وجهه في النار). نسأل الله السلامة والعافية.

    والحسك: نوع من الشوك، لكنه ليس كشوك الدنيا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جداً لها موضع آخر.

    ولهذا قال تعالى : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، أي: أمر عظيم وخطب جليل وطارق مفظع وحادث هائل وكائن عجيب ].

    لا شك أنه أمر عظيم، كما قال عز وجل: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10]، فلا شك في عظم أهوال يوم القيامة، يقول القحطاني رحمه الله:

    يوم القيامة لو علمت بهوله لفررت من أهل ومن أوطان

    يوم تشققت السماء لهوله وتشيب فيه مفارق الولدان

    وفوق ذلك قول الله تعالى: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:33-37].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والزلزال هو: ما يحصل للنفوس من الفزع والرعب، كما قال تعالى : هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:11].

    ثم قال تعال : يَوْمَ تَرَوْنَهَا هذا من باب ضمير الشأن؛ ولهذا قال مفسراً له: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ أي: فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها والتي هي أشفق الناس عليه، تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: كُلُّ مُرْضِعَةٍ ولم يقل: مرضع، وقال: عَمَّا أَرْضَعَتْ أي: عن رضيعها قبل فطامه.

    وقوله : وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا أي: قبل تمامه؛ لشدة الهول، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وقرىء: (سكرى) أي: من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه، قد دهشت عقولهم وغابت أذهانهم، فمن رآهم حسب أنهم سكارى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ].

    في قوله عز وجل: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [الحج:2]، هل هناك حمل في يوم القيامة حتى تضع؟ وهل هناك إرضاع؟ قيل: المعنى أنها لو كانت مرضعة من شدة الهول لذهلت، ولو كانت حامل لوضعت حملها، وقيل: إن هذا قبيل قيام الساعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم...)

    قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج:3-4].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى ذاماً لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضاً عما أنزل الله على أنبيائه متبعاً في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل الضلال والبدع المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزل الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رءوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي: علم صحيح، وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ قال مجاهد : يعني: الشيطان. يعني: كتب عليه كتابة قدرية، أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ أي: اتبعه وقلده، فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج:4]، أي: يضله في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المقلق المزعج، وقد قال السدي عن أبي مالك : نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث ، وكذلك قال ابن جريج .

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا عمرو بن مسلم البصري حدثنا عمرو بن المحرم أبو قتادة حدثنا المعمر حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم من ذهب هو أو من فضة هو أو من نحاس هو؟! فقعقعت السماء قعقعة -والقعقعة في كلام العرب: الرعد- فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه.

    وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : (جاء يهودي فقال: يا محمد! أخبرني عن ربك من أي شيء هو من در أم من يا قوت ؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته) ].

    ليث بن أبي سليم ضعيف، والحديث الذي قبله موقوف على أبي كعب المكي .