إسلام ويب

تفسير سورة طه [127-135]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستنكر الله تعالى على المشركين كيف لا يتعظون وهم يعلمون كيف أهلك الله الأمم السابقة لما عاندت واستكبرت عن تقبل هذا الدين، وهم كثيراً ما يمرون على ديار هؤلاء الذين أهلكهم الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ...)

    قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:127].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [الرعد:34] ؛ولهذا قال: وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:127] أي: أشد ألماً من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: (إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون ...)

    قال الله تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى * وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه:128-130].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: أَفَلَمْ يَهْدِ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد! كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها.

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:128] أي: العقول الصحيحة، والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وقال في سورة السجدة: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ [السجدة:26] ].

    وهذا مثل ديار ثمود؛ فإنهم شاهدوها في الحجْر على طريقهم، فلما مروا بها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم، ثم قنع رأسه وأسرع عليه الصلاة والسلام بالسير) .

    وهذا يدل على أنه لا ينبغي دخولها على سبيل المزاح واللعب، كما يفعل بعض الناس، فإنهم يدخلون ديار ثمود للفرجة والنزهة وللضحك، وهذا لا ينبغي، وإنما يكون على وجه الاعتبار والعظة والثبات، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم ) ثم قنع رأسه وأسرع عليه الصلاة والسلام بالسير.

    فمن مر عليها أو دخلها على هذه الكيفية التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم قال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:129] أي: لولا الكلمة السابقة من الله، وهو أنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة؛ لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه مسلياً له: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [طه:130] أي: من تكذيبهم لك، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [طه:130] يعني: صلاة الفجر، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا [طه:130] يعني صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: (كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ هذه الآية ].

    والصلاة التي قبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر، والصلاة التي قبل غروبها هي صلاة العصر، وهذا فيه بشارة للمؤمنين، وأنهم يرون ربهم يوم القيامة.

    وفيه دليل على أهمية هاتين الصلاتين، وأن إتيان هاتين الصلاتين من أسباب رؤية الله عز وجل يوم القيامة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) وتضامون بتخفيف الميم أو بتشديده، (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الفجر وقبل غروبها فافعلوا) يعني: أن ذلك من أسباب رؤية الله عز وجل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عمارة بن رويبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)، رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير به ].

    وقوله: (لن يلج النار ) يعني: لن يدخل النار، (من صلى قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها) وهما: صلاة العصر وصلاة الفجر، فليس المعنى أنه يهمل بقية الصلوات، بل المعنى: أنه من حافظ على هاتين الصلاتين، ولا بد أن يحافظ على بقية الصلوات، وإيمانه الذي يدفعه إلى العناية بهاتين الصلاتين سيدفعه للمحافظة على بقية الصلوات، وليس المراد أنه يصلي العصر ويصلي الفجر ويترك بقية الصلاة الصلوات؛ لأن من ترك صلاة واحدة كفر، والعياذ بالله!

    فالمعنى أنه يخص هاتين الصلاتين بمزيد من العناية، ويحافظ على بقية الصلوات، وهذا لا بد منه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين) ]

    وهذ الحديث في سنده ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف ليس بشيء، وفيه: (أن أدنى أهل الجنة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي) وهذا يعارض الحديث الصحيح الذي ورد في البخاري : (أن آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً فيها رجل يخرج وقد وُجه وجهه إلى النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار؛ فقد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيأخذ الله عليه العهود ألا يسأله غيرها، فيعطيه العهود والمواثيق، فيصرف الله وجهه، ثم ترفع له شجرة فيمكث ما شاء الله، ثم يقول: رب! ادنني، فيقول الله: ويلك ما أغدرك! ألم تعط العهود ألا تسألني غيرها؟ وربك يعذره، فلا يزال ترفع له شجرة بعد شجرة، حتى يصل إلى الجنة، فإذا قرب منها سكت ما شاء الله، ثم ترفع له الجنة فيرى ما فيها من النعيم، فيقول: رب أدخلني الجنة، فيقول الله: ويلك ما أغدرك! ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسألني غيرها؟ فيقول: يا رب! لا أكون أشقى خلقك، فيضحك الله منه، قال له: ادخل الجنة، فيخيل إليه أنها ملأى فيقول يا رب! ما فيها مكان -مرتين أو ثلاثاً-، فيقول له الله: أما ترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: بلى، رضيت يا رب! فيقول الله: فإن لك ذلك ومثله ومثله -خمس مرات-، ثم قال: لك ذلك وعشرة أمثاله)، فهذه له مثل ملك من ملوك الدنيا خمسين مرة، هذا آخر من يخرج من النار، وآخر من يدخل الجنة، له مثل ملك في الدنيا خمسين مرة.

    وهذا الحديث فيه أن أدنى أهل الجنةلمن ينظر في ملكه وخدمه ألفي عام، يعني: هذا دون هذا، فهذا الحديث الصحيح يعارض هذا الحديث الذي فيه ثوير بن أبي فاختة .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ [طه:130] أي: من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء وَأَطْرَافَ النَّهَارِ [طه:130] في مقابلة آناء الليل لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه:130]، كما قال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5].

    وفي الصحيح (يقول الله: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟) ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ...)

    قال الله تعالى: [ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما هم فيه من النعم؛ فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة؛ لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد : أزواجاً منهم يعني: الأغنياء، فقد آتاك الله خيراً مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [الحجر:87-88]، وكذلك ما ادخره تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى:5]، ولهذا قال: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:131]، وفي الصحيح: (أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نسائه) ].

    والمشربة هي الغرفة المرتفعة، وقد هجر نساءه عليه الصلاة والسلام شهراً واعتزلهن في غرفة مرتفعة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (حين آلى منهن، فرآه متوسداً مضطجعاً على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ وأهب معلقة) ].

    وأهب معلقة: جمع إهاب، وهو جلد، فرآه عمر بن الخطاب وليس له فراش إلا الحصير وقد أثر في جسده، فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله أفضل الناس وهكذا يؤثر الحصير في جسدك؟ ولا يوجد شيء في البيت؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقال (أفي شك يا ابن الخطاب ؟! إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه، فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت طيباتهم في حياتهم الدنيا).

    فكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، وإذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئاً لغد.

    قال ابن أبي حاتم : أنبأنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟! قال: بركات الأرض).

    وقال قتادة والسدي : ( زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا طه:131]

    يعني: زينة الحياة الدنيا. وقال قتادة : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه:131] لنبتليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ...)

    قال الله تعالى: [وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132].

    قال المؤلف رحمه الله: [ أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، فاصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6].

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يبيت عنده أنا ويرفأ ].

    كان يبيت عند غلمانه، فـزيد بن أسلم غلام ويرفأ غلام آخر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام يعني أهله، وقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132].

    وقوله: لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ [طه:132] يعني: إذا أقمت الصلاة آتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] ].

    وتقوى الله هي توحيد الله وطاعته وأداء الأوامر واجتناب النواهي، فمن وحد الله وأدى حقه واجتنب نهيه، فهو المستقيم، وهو موعود بالرزق.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58]، ولهذا قال: لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ [طه:132]، وقال الثوري : لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا [طه:132] أي: لا نكلفك الطلب.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه: أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفاً، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ [طه:131] إلى قوله: نَحْنُ نَرْزُقُكَ [طه:132]، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله ].

    و هشام هو هشام بن عروة .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر عن ثابت رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه! صلوا صلوا، قال ثابت : وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة) ].

    فزعوا أي: في النوافل، فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) فيصلي النافلة، وإذا كانت فريضة صلى الفريضة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روى الترمذي وابن ماجة من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك).

    وروى ابن ماجة من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: (من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك) ].

    قوله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه:132] هذا عام في الفرائض، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)، فالأهل والأولاد كلهم يجب أمرهم بالصلوات المفروضة، والنوافل تبع، لكن المهم هي الفرائض، ومن ذلك ما جاء في الحديث: (رحم الله من قام من الليل وأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل وزوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)، وهذا من التعاون على البر والتقوى، ومن أمر الأهل بالصلاة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروي أيضاً من حديث شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كانت الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته: جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) ].

    وهذا سند جيد.

    وأحياناً ينبغي للإنسان أن يجعل همه هم الآخرة، والدنيا تكون وسيلة لا غاية، فإذا جعل هم الآخرة نصب عينيه أتت الدنيا وهي راغمة، وإذا جعل الدنيا همه تشتت عليه أموره، وامتلأ قلبه بالدنيا، وتشعبت الهموم عليه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، وفاته نصيبه من الآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة -وهي الجنة- لمن اتقى الله، وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب ابن طاب فأولت ذلك: أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب) ].

    وهذا ثابت في الصحيحين، وفيه: (أتينا برطب ابن طاب ) وهذا نخل في المدينة يسمى رطب ابن طاب ، وتأولها النبي: بأن عيشنا قد طاب، هذا من باب الفأل الحسن، فقد تفاءل عليه الصلاة والسلام بذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه ...)

    قال الله تعالى: [ وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى [طه:133].

    قال المؤلف رحمه الله : [ يقول تعالى مخبراً عن الكفار في قولهم: لَوْلا [طه:134] أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه، أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله، قال الله تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى [طه:133] يعني: القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمي لا يحسن الكتابة ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها ].

    ومهيمن أي: هو الحاكم على الكتب السابقة، يصدق الحق وينفي الباطل، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48]، (مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) المراد بالكتاب الجنس، أي: جنس الكتب السابقة: التوراة والإنجيل، فهو يصدق ما فيها، وينفي الباطل منها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذه الآية كقوله تعالى في سورة العنكبوت: وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:50-51]، وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) ].

    يعني: أن الأنبياء السابقين أعطاهم الله من المعجزات ما يؤمن على مثله البشر، وهي معجزات حسية، فموسى أعطاه الله العصا واليد، وعيسى كان يبرئ الأكمه والأبرص؛ لأن قومه برعوا في الطب وبلغوا شأناً عظيماً، فأعطى لهم من الآيات ما بهر به الأطباء، فكان يبرئ الأكمه الذي لم يشق له عين، فيشق له عيناً فيبصر، والأطباء لا يستطيعون ذلك؛ لأن هذا آية من آيات الله، وكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيحييه الله، فيكون طيراً بإذن الله، فبهر الأطباء.

    ولما كان الناس في زمان موسى عليه السلام قد برعوا في السحر ووصلوا إلى شأو بعيد منه، وكثر السحرة في زمن فرعون وملئوا وادياً بالحيات والعقارب حين ألقوا العصي والحبال، فجعل الله عصا موسى تنيناً يأكل حبالهم وعصيهم، فبهرت هذه المعجزة عقول السحرة، وعلموا أن هذا من عند الله، فخروا لله سجداً وآمنوا، وقَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:121-122]، ولما توعدهم فرعون بأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف قالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَاأَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [طه:72-73]، ولهذا قال بعض العلماء: كانوا في أول النهار سحرة فجرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. وهذا على القول بأنه صلبهم وقتلهم.

    فأعطاهم الله من المعجزات الحسية، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فأعطاه الله القرآن، وهو وحي يتلا إلى يوم القيامة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً )، فلما بلغ الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم شأواً بعيداً في الفصاحة والبلاغة، وكانت لهم الأسواق ينشدون فيها الأشعار ويفتخرون فيها، أنزل الله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وتحداهم وهم فرسان البلاغة وأمراء البيان، فتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بآية فعجزوا، وهو متكون من ثمانية وعشرين حرفاً، وهي الحروف التي ينطقون بها، ومع ذلك عجزوا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها عليه السلام وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه ].

    فمعجزات الرسول كثيرة، لكن القرآن هو المعجزة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة، وإلا فقد أعطاه معجزات كثيرة منها: تكثير الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكلم الحجر، وحنين الجذع.. إلى غير ذلك من المعجزات الكثيرة، لكن هذا القرآن هو أعظمها، وهو الباقي وهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ...)

    قال الله تعالى: [ ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى [طه:134-135].

    قال المؤلف رحمه الله: [ أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، كما قال: فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:134]، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [يونس:97]، كما قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155] إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [الأنعام:157]، وقال: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ [فاطر:42]، وقال: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا [الأنعام:109] الآيتين، ثم قال تعالى: قُلْ [طه:135] أي: يا محمد! لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده، كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ [طه:135] أي: منا ومنكم، فَتَرَبَّصُوا [طه:135] أي: فانتظروا ].

    أي: أنا منتظر ما وعدني الله به من إظهار الدين، وسوف يأتيكم ما وعدتم في الدنيا أو في الآخرة، فكل منا منتظر، ونزلت هذه الآية قبل أن يؤمر عليه الصلاة والسلام بالجهاد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ [طه:135] أي: الطريق المستقيم، وَمَنِ اهْتَدَى [طه:135] إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:42]، وقال: سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ [القمر:26]، آخر تفسير سورة طه.

    ولله الحمد والمنة، ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة الأنبياء، ولله الحمد ].