إسلام ويب

تفسير سورة طه [112-126]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد وعد الله من عمل الصالحات وهو مؤمن أن يحييه حياة طيبة، وأن يجزيه أجره بأحسن ما عمل، ووعده بعدم الضلال في الدنيا، وعدم الشقاء في الآخرة. وأوعد من أعرض عن دينه بالمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة، فيكون أعمى البصر والبصيرة، فلا يرى الحق ولا يعيه وينتبه لما يضره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)

    قال الله تعالى: [ وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لما ذكر الظالمين ووعيدهم ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغير واحد.

    فالظلم: الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم النقص ].

    وهذا فيه أن الله تعالى أمن عباده من الظلم، كما قال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112]، والظلم هو: أن يحمل عليه سيئات غيره، والهضم هو: أن ينقص من ثواب حسناته، فالله سبحانه وتعالى أمنه من أن يوضع عليه سيئات غيره، أو ينقص من حسناته.

    وهذا فيه دليل على أن الظلم مقدور لله، لكن الله تنزه عنه ونفاه، قال سبحانه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112]، وقال: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر:17].

    وفي حديث أبي ذر يقول الرب عز وجل: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا) فالظلم يقدر عليه الرب سبحانه وتعالى ولكن الله تنزه عنه، فحرمه على نفسه ونفاه وهو قادر عليه، وهذا خلافاً للجبرية والجهمية والأشاعرة، فإنهم يقولون: إن الظلم غير مقدور لله، والظلم عندهم من الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وهو عندهم مستحيل، كالجمع بين الضدين، وقالوا: كل شيء يدخل تحت القدرة فليس لله أن يفعله، تعالى الله عما يقولون.

    وقالوا: إن لله تعالى أن يقلب التشريعات والجزاءات، فيجعل العفة محرمة، والزنا واجباً، والكفر إيماناً والإيمان كفراً، نعوذ بالله؛ لأن الله يفعل في ملكه ما يشاء، هكذا يقولون، وينكرون الحكمة، وينكرون الحكم، ويقولون إن الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، والظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس فوقه آمر ولا ناهي، فله أن يفعل ما يشاء، وإذا فعل ما يشاء فلا يكون ظلماً، فلو قلب التشريعات والجزاءات، وأبطل حسنات الأبرار والأنبياء، وحملهم سيئات الفجار، وعذب الأبرار بالنار، لما كان هذا ظلماً؛ لأنه تصرف في ملكه بما يشاء، واستدلوا بقوله تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم)، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ فإن الله عز وجل حكيم، والظلم مقدور لله، ولكن الله تنزه عنه، ومعنى قوله: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23] أي: لا يسأل لكمال حكمته؛ لأنه حكيم، فلكمال حكمته لا يسأل.

    وقولهم: لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، أي: أنه لو حاسب الله عباده بأعمالهم وبنعمه عليهم لكانوا مدينين له، وحينئذ لو وضع عدله فيهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لكنه سبحانه لا يفعل ذلك.

    فالجبرية مذهبهم باطل، فإنهم يقولون: الظلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وعلى عكسهم المعتزلة والقدرية، فإنهم يقولون: الظلم: كل ما كان من العبد ظلماً وقبيحاً، فيكون ظلماً وقبيحاً من الله تعالى، وأهل السنة قالوا: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو أن يحمل أحداً أوزار غيره، أو يمنعه من ثواب عمله، كما في هذه الآية: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا [طه:112]، فالظلم تنزه عنه الرب سبحانه، ونفاه، وحرمه على نفسه، وهو قادر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً ...)

    قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:113-114].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعاً لا محالة أنزلنا القرآن بشيراً ونذيراً بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عي.

    وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش، أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ أي: تنزه وتقدس الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق، وعدله تعالى ألا يعذب أحداً قبل الإنذار وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.

    وقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ كقوله تعالى في سورة: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة:1] .. لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:16-19].

    وثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية، يعني: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها صلى الله عليه وسلم معه؛ من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه، فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17] أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئاً، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:18-19].

    وقال في هذه الآية: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أي: زدني منك علماً ].

    وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى نبيه، فإنه كان عليه السلام يعاني من الوحي شدة، وكان إذا قرأ جبريل يحرك لسانه بالقرآن ؛ يخشى أن ينساه، فأمره الله أن ينصت، ووعده أن يجمعه في صدره ويثبته في قلبه، ونزل قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:16-17] أي: إن علينا أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه بعد ذلك، فكان ينصت، فإذا انطلق جبريل قرأه كما جاء به؛ لأن الله ثبته في صدره.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال في هذه الآية: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أي: بل أنصت فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أي: زدني منك علماً.

    قال ابن عيينة رحمه الله: ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة حتى توفاه الله عز وجل؛ ولهذا جاء في الحديث: (إن الله تابع الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم) ].

    وهذا من زيادة العلم، فمن زيادة العلم أن الله تابع الوحي على نبيه، فكان أكثر ما ينزل عليه الوحي قبيل وفاته عليه الصلاة والسلام، فزاده الله علماً، وجعل آخر عمره خير عمله، وعارضه جبريل القرآن في السنة التي توفي فيها مرتين، يعني: قابله عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن ماجة : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمد الله على كل حال).

    وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير به وقال: غريب من هذا الوجه، ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم عن موسى بن عبيدة به، وزاد في آخره: (وأعوذ بالله من حال أهل النار) ].

    الدعاء بزيادة العلم أمركما قال الله، نص الآية: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه:114]، لكن الحديث هذا ضعيف؛ لأن موسى بن عبيدة ضعيف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً ..)

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:115-122].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه، وقال مجاهد : ترك.

    وقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ يذكر تعالى تشريف آدم عليه السلام وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلاً، وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة، وفي الأعراف، وفي الحجر، والكهف، وسيأتي في آخر سورة ( ص) يذكر تعالى فيها خلق آدم عليه السلام، وأمره الملائكة بالسجود له تشريفاً وتكريماً، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديماً؛ ولهذا قال تعالى: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أي: امتنع واستكبر.

    فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ يعني: حواء عليهما السلام، فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى أي: إياك أن تسعى في إخراجك منها؛ فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة.

    إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى إنما قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل البطن والعري ذل الظاهر، وهذان أيضاً متقابلان، فالظمأ حر الباطن وهو العطش، والضحى حر الظاهر ].

    وهذه الآيات فيها تكريم الله لآدم، فالله تعالى كرم آدم وفضله بأنواع من التفضيلات منها: أنه خلقه الله بيده، وهذه مزية ليست لغيره من المخلوقات، فإن سائر المخلوقات خلقها الله بكلمة كن؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث التي استدل بها على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الملائكة قالوا: يا ربنا! كما جعلت الدنيا لبني آدم يلهون ويأكلون ما يشتهون، فاجعل لنا الآخرة، فقال الرب سبحانه في حديث قدسي: (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان) فالملائكة خلقوا بكلمة كن، وآدم خلقه الله بيده، وهذا تشريف وتكريم، التكريم الأول: أن الله خلقه بيده، والتكريم الثاني: أنه أسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فهذه تشريفات عظيمة، وكذلك أسكنه الله الجنة، وقال له الله: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى [طه:118] أي: لك عيش رغيد، بدون تعب ولا مشقة، فنفى عنه ذل الظاهر والباطن، فالجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر.

    وقوله: وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى الظمأ حر الباطن، ويضحى حر الظاهر، ولهذا فإن المحرم يكشف الرأس، ولما رأى بعض السلف من يغطي قال له: اضح لمن حرمت له، يعني: اكشف رأسك.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى قد تقدم أنه دلاهما بغرور، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ .

    وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرة الخلد، يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه ].

    والله تعالى حذر آدم وحوى من طاعة الشيطان، فقال تعالى: إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى [طه:117]، وأمرهما أن يأكلا من جميع الثمار التي في الجنة إلا شجرة واحدة عينت لهما؛ لحكمة بالغة، ولكن الشيطان ما زال بهما حتى أوقعهما في الأكل منها، حيث جعل يزين لهما، ويحلف لهما، وأقسم أنه ناصح، وهو كذاب، قال عز وجل: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21].

    فاغترا فأكلا منها، فلما أكلا منها سقطت الثياب التي على الظاهر، وبدت العورة، فالمعاصي عري، وكشف للسوأة، فلما عصيا الله سقطت الثياب، فاستحيا من ربهما، وجعلا يخصمان من ورق الجنة، ويستران أنفسهما من من ورق الشجر، قال عز وجل: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف:22]، فالمعاصي ذل وعري في الباطن.

    وهناك حكمة لله عز وجل من عصيانهما وخروجهما من الجنة وهي: إسكانهما في الأرض، وانتشار الذرية، ووجود الأنبياء والصالحين والأبرار والفجار والكفار، وليبتلي هؤلاء بهؤلاء، وما يحصلون من الطاعات والمعاصي، وحصول العبودية المتنوعة، وابتلاء هؤلاء بهؤلاء، وذلك بأن يبتلي سبحانه المؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين، فيحصل من ذلك العبودية المتنوعة، كعبودية الجهاد، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الولاء والبراء، وعبودية الحب في الله والبغض في الله، كل هذه من الحكم والأسرار.

    وهكذا ظهور أسماء الله القهرية كالقهار والمتجبر، وظهور أسماء المغفرة والتوبة والرحمة، وبيان قدرة الله على وجود المتقابلات، كل هذه من الحكم المترتبة على فعل المعصية، وإهباطهما من الجنة إلى الأرض.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة عن أبي الضحى سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد)، ورواه الإمام أحمد .

    وقوله: فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه؛ فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم! مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب! لا، ولكن استحياءً، أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم) فذلك قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37].

    وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضاً ].

    هذا الحديث ضعيف؛ لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي بن كعب، وفيه عنعنة قتادة وسعيد بن أبي عروبة .

    وسقوط اللباس هذا دلت عليه الآية: فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا [الأعراف:22]، لكن كونه أخذت شجرة شعر رأسه، وكونه ناداه الله: مني تفر؟ هذا كله يحتاج إلى ثبوت الدليل بذلك، وأما هذا فضعيف؛ لانقطاعه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قال مجاهد : يرقعان كهيئة الثوب، وكذا قال قتادة والسدي وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن عون حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوآتهما.

    وقوله: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:121-122]، قال البخاري : حدثنا قتيبة قال حدثنا أيوب بن النجار عن يحي بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حاج موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره الله علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى) وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما من المسانيد ].

    وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما، وهو حديث مشهور وله طرق متعددة، وفيه: (أنه تحاج موسى وآدم لما لقيه، فقال موسى لآدم : أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء؟ قال: نعم، قال: فلماذا أشقيتنا وأخرجتنا من الجنة؟ فقال: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته؟ أتلومني على شيء كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى)، وفي لفظ قال: (فحج آدم موسى ، فحج آدم موسى ، فحج آدم موسى) يعني: غلبه بالحجة، وخصمه.

    وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام لامه على ذنب قد تاب منه، ومن تاب من الذنب فإنه لا يعير ولا يلام، أو أنه لامه على المصيبة التي لحقته وذريته، وهو خروجه من الجنة، والمصيبة احتج عليها آدم بالقدر، فذكر أنها مصيبة مكتوبة عليه، ولا بأس بالاحتجاج بالقدر على المصيبة، لكن الممنوع هو الاحتجاج بالقدر على المعصية، فليس القدر حجة لك لتفعل المعصية؛ لأن الله أمرك ونهاك، وأعطاك السمع والبصر، وكلفك وأنزل عليك الكتاب والسنة.

    لكن الاحتجاج بالقدر على المصيبة هذا لا بأس به، ولهذا حج آدم موسى ، فإنه لما لامه على المصيبة قال: مصيبة مكتوبة علي.

    وهذا الالتقاء الله أعلم هل هو في ليلة المعراج، أو في مكان آخر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني أنس بن عياض عن الحارث بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتج آدم وموسى عند ربهما؛ فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته) ].

    هذه كلها من خصائص آدم ، فإنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة، وعلمه أسماء كل شيء، وهذا نوع من التكريمات، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء:70].

    وقوله: (ونفخ فيك من روحه) يعني: من الروح المخلوقة التي خلقها، وهذه إضافة تشريف وتكريم، والمراد: من الروح التي خلقها.

    كما أن عيسى أيضاً روح الله وكلمته، يعني: روح من الأرواح التي خلقها، وأضيفت إلى الله للتشريف والتكريم، من إضافة المخلوق إلى خالقه، كما أضيفت الناقة إلى الله فقيل: ناقة الله، ومثل ذلك عبد الله، ورسول الله، من إضافة المخلوق إلى خالقه؛ للتشريف والتكريم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (قال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟) ].

    كذلك هذه تكريمات لموسى بينها آدم ، فإن موسى عليه السلام اصطفاه الله برسالته، وأعطاه الألواح، وفصل له الألواح بيده سبحانه وتعالى، وقربه نجياً، وناجاه وكلمه، وكل هذا تشريفات لموسى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها (وعصى آدم ربه فغوى) قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى) قال الحارث : وحدثني عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ].

    وهذا تقدير مأخوذ من القدر السابق، فإن هذا الكتاب مكتوب على آدم قبل أن يخلق بأربعين سنة، وهو مكتوب عليه في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فهذا تقدير خاص يوافق القدر السابق؛ لأن التقديرات أنواع: التقدير العام، وهذا لجميع المخلوقات، وهو كتابة الله للمقادير في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

    كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء) وهذا تقدير عام.

    وهناك تقدير عمري للشخص حينما يكون في بطن أمه، فقبل أن ينفخ فيه الروح يؤمر الملك بكتب أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد.

    وهناك تقدير سنوي، وهو ما يكون في ليلة القدر، فإنه يقدر في ليلة القدر ما يكون من شقاوة وسعادة، وإعزاز وإذلال، وصحة ومرض، وحياة وموت.

    وهناك تقدير يومي، فإن الله عز وجل كل يوم هو في شأن، يرفع ويخفض، ويعز ويذل، ويحيي ويميت، ويُمرض ويصح، ويشقي ويسعد، وهذه كلها توافق القدر السابق ولا تخالفه.

    وهذا التقدير الذي كتبه الله على آدم قبل أربعين سنة هو تقدير خاص، أي: تقدير بعد التقدير السابق.

    والأصل هو ما في اللوح المحفوظ، وأما ما في صحف الحفظة وما يكتبه الحفظة فقد يمحى، كما قال الله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] أي: يمحو الله ما يشاء من كتب الحفظة؛ ليوافق اللوح المحفوظ، ولهذا قال: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] يعني: أصله، وهو اللوح المحفوظ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو ...)

    قال الله تعالى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:123-126].

    قال المؤلف رحمه الله: [ يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس : اهبطوا منها جميعاً، أي: من الجنة كلكم، وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة.

    بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة:36] قال: آدم وذريته وإبليس وذريته.

    وقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى [طه:123] قال أبو العالية : الأنبياء والرسل والبيان ].

    يعني: هذا هو الهدى الأنبياء والرسل، والبيان الذي جاء في كتب الله المنزلة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ].

    الله تعالى تكفل لمن عمل بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، والدليل هذه الآية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123]، فمن اتبع هدى الله، وآمن بكتبه المنزلة، وآمن برسوله الذي أرسل إليه في أي زمان؛ فإنه موعود بالهداية، وهو من المهديين الذين لا يضلون في الدنيا، ولا يشقون في الآخرة.

    ومن أعرض عن هدي الله، وعن كتابه، وعن نبيه الذي أرسله إليه في أي زمان، فإنه شقي في الآخرة، وضال في الدنيا، وله المعيشة الضنكا، نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا أي: ضنك في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشرح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك ].

    وهذا واقع؛ فإن الكفرة الآن وإن توصلوا إلى ما وصلوا إليه من الاختراعات الحديثة، والتطور وما وصلوا إليه من التقنية؛ فإنهم في معيشة ضنكا، فلا يجدون راحة في نفوسهم، ولا طمأنينة، بل يجدون ضيقاً وحرجاً، ويملون حياتهم، ويسأمونها؛ ولهذا نسمع عن الانتحارات كثيراً، وهم قد وصلوا إلى ما وصلوا، وعندهم آلاف والملايين من الأموال، ومع هذا لم يسعدوا بها.

    فالكافر قد يكون عنده تقدم في العلم، وعنده شهادات علمية، لكن عنده ضيق وحرج؛ لأنه ليس عنده إيمان ولا هدى، وقلبه خالٍ من الإيمان والهدى؛ فيعيش عيشة ضنكاً، ويمل الحياة ويسأمها، وتضيق عليه الدنيا بما رحبت، وهو عنده الأموال، وعنده كذا، وعنده من الجاه؛ لكنه لما لم يكن في قلبه هدى ويقين ضاق صدره، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصار في ضنك وقلق وعدم راحة وطمأنينة، نسأل الله السلامة والعافية.

    والمؤمن قد يصاب بالهموم، فيكفر الله بها عنه من الخطايا، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا غم إلا كفر الله من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها) فقد يكون الإنسان عنده هموم وغموم لكن مع ذلك فالمؤمن عنده راحة وطمأنية، وثقة بالله عز وجل، وبوعده وبما أعده للصابرين من الكرامة والأجر، فهو يعلم أن هذه الهموم وهذه المصائب وهذه النكبات يكفر الله بها من خطاياه، ويرفعه بها درجات، فيطمئن، وإن كان فقيراً، وإن كان مريضاً، ويكون قلبه منشرحاً مطمئناً راضياً بالله عز وجل؛ لما يعلم ما عند الله من الكرامة، ففرق بين المؤمن والكافر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلا يزال في ريبه يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.

    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا قال: الشقاء، وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا قال: كل مال أعطيته عبداً من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة ].

    وهذا مما يؤيد حال بعض الأغنياء الذي لا يتقي ربه فيما أعطاه بل يعصي ربه، فيكون وبالاً وضنكاً عليه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أيضاً: إن قوماً ضلالاً أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفاً لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك.

    وقال الضحاك : هو العمل السيء والرزق الخبيث. وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار.

    وقال سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قوله : مَعِيشَةً ضَنكًا قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه.

    وقال أبو حاتم الرازي : النعمان بن أبي عياض يكنى أبا سلمة .

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان أنبأنا الوليد أنبأنا عبد الله بن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا قال: (ضمة القبر له)، والموقوف أصح ].

    رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج أبو السمح عن ابن حجيرة -واسمه عبد الرحمن - عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيمَ أنزلت هذه الآية: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده! إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رءوس ينفخون في جسمه، ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون) رفعه منكر جداً.

    وقال البزار : حدثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثنا محمد بن عمرو حدثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] قال: (المعيشة الضنك التي قال الله: أنه يسلط عليه تسعاً وتسعين حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة).

    وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] قال: (عذاب القبر)، إسناد جيد.

    وقوله : وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] قال مجاهد وأبو صالح والسدي : لا حجة له. وقال عكرمة : عمي عليه كل شيء إلا جهنم.

    ويحتمل أن يكون المراد: أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضاً، كما قال تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97]، ولهذا يقول: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا [طه:125] أي: في الدنيا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:126] أي: لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك، تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها؛ كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك، فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف:51]؛ فإن الجزاء من جنس العمل.

    فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلاً في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعداً عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك ].

    مراد المؤلف رحمه الله: أن من أعرض عن ذكر الله، وأعرض عن آيات الله، ولم يعمل بكتاب الله، فإن عليه الوعيد الشديد: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، نسي آيات الله فنسيه الله، يعني: نسي آيات الله فلم يعمل بها، فعومل معاملة المنسي؛ جزاء وفاقاً، كما قال تعالى: فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف:51].

    والمراد بالنسيان لآيات الله عدم العمل بها، وارتكاب النواهي، وعدم تنفيذ الأوامر، هذا هو نسيانها، قال عز وجل: فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف:51]، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:18-19] (نسوا الله) أي: نسوا أوامره فلم ينفذوها، ونسوا نواهيه، واقترفوها، فأنساهم أنفسهم، وعاملهم معاملة المنسي؛ فلم يبال بهلاكهم.

    فالمراد بالنسيان: نسيان العمل، وأما نسيان لفظ القرآن، وكون الإنسان يحفظ القرآن ثم ينسى، فهذا جاء فيه وعيد، وقد تكلم عليه المؤلف رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الإمام أحمد حدثنا خلف بن الوليد حدثنا خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن رجل عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم) ].

    هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه رجلاً مبهماً، وعيسى بن فائد مجهول.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائد عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء ].

    يعني: أسقط الرجل المبهم، ولكن عيسى بن فائد مجهول وروايته عن الصحابة مرسلة، فالحديث ضعيف.

    وكون من نسي آية من القرآن لقي الله وهو أجذم، هذا الوعيد لا يتم؛ لأن النسيان صفة من صفات الإنسان، فإذا لم يتعمد ولم يهمل فلا شيء عليه؛ لأن بعض الناس ذاكرته ضعيفه، وقد ينشغل بأمور لا بد منها فينسى، فإذا كان يعمل بالقرآن فلا يضره نسيان اللفظ.

    وقد يحفظ المرء القرآن ويقيم حروفه إقامة السهم؛ ولكن لا يعمل به، فهذا عليه الوعيد الشديد؛ وذلك مثل الخوارج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، وقراءتكم عند قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).

    وجاء في حديث: (يأتي قوم يقيمونه إقامة السهم) فالمهم العمل، وإذا جمع المرء بين الأمرين فهذا نور على نور، ولا شك أن قراءة القرآن وتعلمه فيه فضل عظيم، وتلاوة القرآن عبادة لله عز وجل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) وهذا ثابت من حديث ابن مسعود، رواه أبو داود والترمذي .

    فالتلاوة وسيلة إلى العمل، والتلاوة تلاوتان: تلاوة لفظية، وهذه عبادة، وتلاوة حكمية، وهي تنفيذ أحكامه وتصديق أخباره، قال الله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:121] (يتلونه حق تلاوته) يعني: يعملون به، ويتبعون أوامره، ويجتنبون نواهيه.