إسلام ويب

تفسير سورة طه [99-111]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قص الله تعالى في هذا القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم من أخبار الأمم الماضية، ما حصل لهم من المحن والابتلاءات، وعاقبة ذلك في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق...)

    قال الله تعالى: [ قال الله تعالى: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [طه:99-101].

    قال المؤلف رحمه الله : [ يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا (وقد آتيناك من لدنا) أي: من عندنا ذكراً، وهو القرآن العظيم الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]

    ، الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم كتاباً مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق، وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه، ولهذا قال تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ ].

    يعني: هذا الكتاب العظيم وهو كتاب الله القرآن العظيم الذي أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أجمع كتاب وأفضل كتاب، فيه أخبار الماضين والسابقين واللاحقين، وأخبار الغيوب المستقبلة من أشراط الساعة والبعث والجزاء والحساب، وفيه الحكم في فصل المنازعات والخصومات، فكل خصومة جاء ذكرها في القرآن حلها وفصلها، وهو خاتم الكتب السماوية، والمهيمن عليها، والحاكم بينها: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [المائدة:48].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ أي: كذب به وأعرض عن اتباعه أمراً وطلباً، وابتغى الهدى في غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم ].

    والقرآن فيه الأوامر والأخبار، ومن أعرض عنه خبراً وأمراً فإنه ضال، والواجب على كل إنسان أن يصدق بأخباره، وأن ينفذ أوامره، فالأخبار تصدق والأوامر تنفذ، وتلاوة القرآن حق التلاوة: أن تصدق أخباره، وتنفذ أوامره، فإن تلاوة القرآن نوعان:

    تلاوة لفظية وهي قراءة القرآن، وهذه عبادة، فيتعبد الله المسلمين بتلاوة الكتاب، وقد جاء في حديث ابن مسعود : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).

    والنوع الثاني: تلاوة حكمية، وهي تنفيذ أوامره، وتصديق أخباره، وهذه هي الغاية من إنزال الكتاب، وعليها مدار السعادة والشقاوة، فقد يتلو الإنسان القرآن تلاوة لفظية، لكنه لا يعمل بها، فتقوم عليه الحجة ويكون من الأشقياء، قال سبحانه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [البقرة:121].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا أي: إثماً، كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود:17]، وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم.

    كما قال: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا .

    خَالِدِينَ فِيهِ أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك، وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا أي: بئس الحمل حملهم ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً ...)

    قال الله تعالى: [ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه:102-104].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصور فقال: (قرن ينفخ فيه)، وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قرن عظيم، الدائرة منه بقدر السموات والأرض ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام ].

    الصور فيه دوائر، والدائرة مثل أطباق السماوات والأرض، فينفخ فيه إسرافيل بأمر الله عز وجل، ينفخ فيه نفختين: النفخة الأولى تسمى نفخة الصعق والموت، فأولها فزع وآخرها صعق وموت، فأول ما ينفخ في الصور يخرج صوت ليس بقوي، ولا يزال الصوت يقوى يقوى يقوى حتى يموت الناس، فأوله فزع، كما قال سبحانه في سورة النمل: وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [النمل:87]، وآخره صعق وموت كما قال تعالى في سورة الزمر قال سبحانه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر:68]، فإذا مات الناس بقوا أربعين، فينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشأ الناس تنشئة قوية، وتبدل الصفات، وتبقى الذوات كما هي، فإذا تم خلقهم أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور النفخة الثانية، وهي نفخة البعث، فتتطاير الأرواح إلى أجسادها، وتدخل كل روح في جسدها، فيقوم الناس فينفضون التراب عن رءوسهم للحساب، ويقفون بين يدي الله، وهذا هو معنى قوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    وجاء في حديث الصور أنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة البعث، ونفخة الموت، لكن الحديث ضعيف، والصواب أنهما نفختان، لكن الأولى طويلة، وأولها فزع وآخرها صعق وموت، ثم النفخة الثانية نفخة البعث.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وجاء في الحديث: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له فقالوا: يا رسول الله! كيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا) ].

    والمقصود بصاحب القرن: إسرافيل عليه الصلاة والسلام.

    وقد ذكر ابن كثير هذا الحديث في تفسير سورة الأنعام، وقال: هذا حديث غريب، وقد أخرجه الترمذي عن عطية عن أبي سعيد ، قال الترمذي : هذا حديث حسن، وقال صاحب تحفة الأحوذي: وأخرجه الحاكم وصححه. قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا: وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم وابن مردويه من حديث أبي هريرة، ولـأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس وفي أسانيد كل منها مقال، فإذا كانت الأسانيد كلها تدور على من فيه مقال فلا فائدة منها، وإن كانت متعددة الأسانيد فإن بعضها يشد بعضاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ، قيل: معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال ].

    وهذا وصف المجرمين نسأل الله العافية: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه:102] أي: زرق العيون من شدة الأهوال التي تصيبهم، أما المؤمن فإنه لا يصيبه ذلك، قال الله تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10]، نسأل الله العافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتسارون بينهم، أي: يقول بعضهم لبعض: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلاً عشرة أيام أو نحوها.

    قال الله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ أي: في حال تناجيهم بينهم، إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي: العاقل الكامل فيهم، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا أي: لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد ].

    يعني: ذهبت الدنيا وكأنها يوم.

    يَتَخَافَتُونَ يعني: يتناجون سراً فيما بينهم إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا .

    قال الله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي: أحسنهم عقلاً يقول: ما لبثتم إلا يوماً واحداً، فالدنيا قلت في نفوسهم لما رأوا الأهوال.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ لأن الدنيا كلها، وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها كأنها يوم واحد ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة ].

    قصدهم من قولهم: إن الدنيا قصيرة لكي لا تقوم عليهم الحجة، ولهذا إذا سألهم الله يوم القيامة: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:112-115] قصدهم من هذا: إنكار طول المدة؛ حتى لا تقوم عليهم الحجة، والحجة قائمة عليهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:55-56]، وقال تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37]، وقال تعالى: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:112-114] أي: إنما كان لبثكم فيها قليلاً لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال.. فلا تسمع إلا همساً)

    قال الله تعالى: [ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:105-108].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييراً فَيَذَرُهَا أي: الأرض، قَاعًا صَفْصَفًا أي: بساطاً واحداً، والقاع: هو المستوي من الأرض والصفصف: تأكيد لمعنى ذلك ].

    والقاع هو الذي يرى فيه سراب، وليس فيه ارتفاع ولا جبال.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مراداً أيضاً باللازم ].

    إن الأرض يوم القيامة يزال ما عليها من الجبال والارتفاعات فتكون مستوية، قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا فليس فيها جبال ولا نبات، وتمد الأرض كما يمد الأديم، وتبسط وتستوي، فيكون هناك الحساب على راحة الأرض بعد استوائها، يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، وهذا تبديل صفات لا تبديل ذات، فإنها تمد كما يمد الأديم، فيزال ما عليها من الجبال، فتكون قاعاً صفصفاً، فيكون الحساب عليها، كما أن جلود الكفار تبدل كما قال تعالى: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء:56]، وهذا تبديل صفات لا تبديل ذوات، خلافاً لأهل البدع كالجهمية وغيرهم الذين يقولون: إن الجلود تبدل بجلود أخر، فينسبوا الظلم إلى الله، تعالى الله عما يقولون، فمعنى الآية: إذا نضجت جلودهم بدلت وجددت؛ ليذوقوا العذاب.

    كما أن الإنسان يبعث يوم القيامة بذاته، ويبدأ خلقه من عجب الذنب، خلافاً للجهم بن صفوان قبحه الله، الذي يقول: إن الإنسان يبلى ويبعث إنساناً آخر، يعني: يبعث شخصاً آخر غير الذي مات، وهذا من أبطل الباطل، فلما قال الجهم كذلك فتح باباً لـابن سينا بأن أنكر المعاد وأنكر البعث، وقال: ما دام أن الذي يبعث شخص آخر فلا يوجد بعث للأجساد وإنما البعث يكون للأرواح، قال هذا في رسالة له أنكر فيها البعث، وهذا كفر، فمن أنكر البعث للأجساد فهو كافر بإجماع المسلمين وبنص القرآن، قال الله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7] وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم على البعث وعلى الساعة في ثلاثة مواضع: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3]، وقال تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس:53] فالفلاسفة الذين ينكرون بعث الأجساد كفار بإجماع المسلمين، مثل: ابن سينا والفارابي وأرسطو وكل هؤلاء ملاحدة؛ لأنهم ينكرون بعث الأجساد.

    و أرسطو هو أول من قال بقدم العالم، وكان شيخه سقراط وشيخه أفلاطون كلهم يعظمون الشرائع والإلهيات، ويقولون بحدوث العالم، فلما جاء أرسطو ابتدع القول بقدم العالم، وقال: إن العالم قديم ليس له أول ولا بداية، وهذا إنكار لله، نسأل الله العافية.

    ومن قال: إن البعث للروح دون الجسد فهو كافر، والجهم هو الذي فتح لهم الباب؛ لأن الجهم قال: إن الذوات تفنى وتبعث ذوات أخرى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال: لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا أي: لا ترى في الأرض يومئذ وادياً ولا رابية، ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً، كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف.

    يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم لا ينفعهم ].

    فالمبادرة والاستجابة في الدنيا ينتفع بها صاحبها، لكن الاستجابة يوم القيامة للداعي لا ينفعهم؛ لأن الدنيا هي دار العمل وقد انتهت.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كما قال تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38]، وقال: مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [القمر:8].

    وقال محمد بن كعب القرظي : يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت فيأتونه، فذلك قوله: يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ ، وقال قتادة : (لا عوج له) لا يميلون عنه، وقال أبو صالح : (لا عوج له) أي: لا عوج عنه ].

    يعني: أنهم يتبعون صوت الداعي ولا يميلون ولا ينحرفون عنه، بل يسمعونه ويقصدونه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ قال ابن عباس رضي الله عنهما: سكنت، وكذا قال السدي .

    فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : يعني: وطء الأقدام، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد .. وغيرهم.

    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا الصوت الخفي، وهو رواية عن عكرمة والضحاك .

    وقال سعيد بن جبير : فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا الحديث وسره، ووطء الأقدام، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل.

    أما وطء الأقدام: فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي: فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود:105] ].

    ولذلك فإن مشاهد القيامة متعددة، ففيه مشهد لا يتكلم فيه أحد، كما أخبر الله عن الكفار أنهم يحشرون على وجوههم صماً وعمياً وبكماً، وفي مشهد يتكلمون وينطقون وينكرون فيه، قال الله عنهم: قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام:23].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن...)

    قال الله تعالى: [ يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:109-111]

    قال المؤلف رحمه الله: [ يقول تعالى: يَوْمَئِذٍ )[طه:109] أي: يوم القيامة، لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ [طه:109] أي: عنده، إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ، كقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26] ].

    والشفاعة لابد فيها من توفر هذين الشرطين: إذن الله للشافع بأن يشفع، ورضاه عن المشفوع عنه، قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وقال سبحانه: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وقد جمع الله بين الشرطين في قوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، وكما في هذه الآية: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه:109].

    فلابد من الإذن للشافع، حتى ولو كان أوجه الناس وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فلا يبدأ بالشفاعة مباشرة، وإنما يسجد تحت العرش، ويحمد الله ويلهمه محامد لا يحصيها، ثم يأذن الرب سبحانه فيقال: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع)، ثم بعد ذلك إذا شفع في العصاة فيحد الله له حداً من كذا إلى كذا، فيجعل له علامة يشفع فيهم ويخرجهم من النار، وهم من رضي الله قولهم، وهم العصاة من أهل التوحيد، أما الكفرة فلا تكتب لهم الشفاعة، قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، ولا يقبل الله أقوالهم ولا أعمالهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:28]، وقال: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23]، وقال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [النبأ:38].

    وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد ولد آدم وأكرم الخلائق على الله عز وجل، أنه قال صلى الله عليه وسلم: (آتي تحت العرش، وأخر لله ساجداً، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني، ثم يقول: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أعود) فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء ].

    وثبت في الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم يشفع أربع شفاعات، في كل مرة يحد الله له حداً من الناس فيدخلهم الجنة، جاء في بعضها: أن الله تعالى يشفع فيه، فيقول الله: (أخرج من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، وفي المرة الثانية: أخرج من كان في قلبه مثقال نصف دينار، -وفي بعضها يقول في المرة الثالثة- أخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردل، وفي بعض الروايات: أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث أيضاً: (يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان) الحديث ].

    وذلك أن المعاصي -وإن عظمت وكثرت- لا تقضي على الإيمان، بل لا بد أن يبقى بقية من الإيمان، فلا يخلد صاحبها في النار، ويخرج بهذا الإيمان من النار، فالمعاصي -وإن كثرت وعظمت- لا تقضي على الإيمان؛ لكنها تضعفه ولا يبقى إلا أقل القليل، وهذا القليل يُخرج صاحبه من النار، ولا ينتهي الإيمان إلا إذا وجد الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر، فهذا هو الذي يقضي على الإيمان، وبه ينتهي الإيمان، ولا يبقى منه شيء ولا مثقال ذرة.

    والمرء إذا قال: لا إله إلا الله، وأتى بناقض من نواقض الإسلام، فإنه يبطل توحيده وإيمانه، والصلاة تبطل مع عدم صحة الإيمان، ولو توضأ الإنسان وتطهر وأحسن الطهارة، ثم خرج منه ريح أو بول فإنه تنقض الطهارة وتزول، فكذلك إذا كان الإنسان يقول: لا إله إلا الله، وكان موحداً ويصلي، ثم سب الله، أو سب الرسول، أو قال: إن محمداً رسول للعرب خاصة، أو قال: إن رسالة محمد ليست للثقلين، أو ليس خاتم النبيين بل بعده رسول، أو شك في ربوبية الله أو في ألوهيته، أو شك في ملك من الملائكة، أو شك في البعث، أو في الجنة، أو في النار، فإنه يبطل توحيده.

    فكذلك إذا قال: لا إله إلا الله، ووحد الله، ولم يصل، فإنه يبطل توحيده؛ لأن الصلاة شرط في صحة التوحيد كما أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، فالصلاة شرط في صحة الدين.

    فالصلاة لا بد منها في الإيمان، والذي لا يصلي ليس عنده إيمان.

    والزكاة إذا أنكرها الإنسان جاحداً بوجوبها كفر، وإن منعها بخلاً وتهاوناً يفسق، وتؤخذ منه ويؤدب، ولا يكفر على الصحيح، وقال بعض العلماء بكفره، فإن بعض العلماء يرى أن ترك الزكاة كفر، وترك الصيام كفر، وترك الحج كفر كالصلاة.

    والصواب: أن هذا خاص بالصلاة؛ لأن الصلاة جاء فيها من الأدلة ما لم يأت في غيرها، وعلى هذا فإن ترك الصلاة كفر، وأما ترك الزكاة تهاوناً وكسلاً، وترك الصوم تهاوناً أو الحج فلا يكون كفراً أكبر، وإنما يكون فاعل ذلك مرتكب كبيرة، فيعزر وعليه الوعيد الشديد، ولا يكفر إلا إذا جحد، فإذا جحد وجوب الزكاة أو وجوب الصوم أو وجوب الحج كفر، وهذا بالإجماع.

    وأما إذا لم يجحد وجوب الزكاة لكن تركها بخلاً، ويعلم أن الصوم واجب وأفطر كسلاً، فإنه لا يكفر، وعليه الوعيد الشديد.

    وبعض أهل العلم يرى أنه إذا ترك ركناً من أركان الإسلام فإنه يكفر، كالزكاة والصوم ولو أقر بوجوبها.

    وإذا منعوها وقاتلوا عليها هذا يدل على جحدهم، وأما لو منعوها ولم يقاتلوا عليها فإنها تؤخذ منهم ويعزرون، فالإنسان إذا منعها وقاتل عليها هذا يدل على جحوده، فيعامل معاملة الكفار.

    وجاء عن شقيق بن عبد الله أنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة.

    قال الله تعالى: [ وقوله: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [طه:110] أي: يحيط علماً بالخلائق كلهم وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]، كقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255]، وقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111] قال ابن عباس رضي الله عنهما وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به ].

    قوله: (الحي القيوم) قيل: إن هذا هو الاسم الأعظم، وقد جمع الله بين هذين الاسمين في ثلاثة مواضع في كتابه، قال تعالى في آية الكرسي: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255]، وقال في أول سورة آل عمران: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران:1-3]، وقال في هذه الآية في سورة طه: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه:111].

    وجميع الصفات والأسماء ترجع إلى هذين الاسمين، كالعلم والقدرة والسمع وغيرها من الصفات الذاتية، وكذلك الصفات الفعلية.

    والقيوم هو: القائم بنفسه المقيم لغيره، فهو سبحانه وتعالى القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى أحد، المقيم لغيره فلا قيام لأحد إلا به سبحانه وتعالى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:111] أي: يوم القيامة؛ فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء ].

    قوله: حتى يقاد للشاة الجلحاء، هذا جاء في حديث: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) والشاة الجلحاء هي: التي ليس لها قرون، فإذا نطحتها الشاة التي لها قرون فإنها تقتص منها يوم القيامة، يقول رسول الله: (فيقص بعضهم من بعض، ثم يقول الله لها: كوني تراباً)، فالحيوانات تبعث، فيقص من بعضها لبعض، ثم إذا انتهى القصاص يقول الله لها: (كوني تراباً)؛ لأنها ليس لها جنة ولا نار، وليس عليها حساب ولا عذاب، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الحديث (يقول الله عز وجل : وعزتي وجلالي! لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم).

    وفي الصحيح (إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)، والخيبة كل الخيبة لمن لقي الله وهو به مشرك؛ فإن الله تعالى يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] ].

    فالظالم متوعد بالعذاب، كما قال تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19] وقال سبحانه: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، وأظلم الظلم وأعظم الظلم هو الشرك بالله عز وجل.

    والظلم ثلاثة أنواع أعظمها الشرك، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فالظالم وقع في أظلم الظلم، حيث صرف العبادة لغير مستحقها، صرفها للمخلوق الضعيف.

    والنوع الثاني: ظلم العباد بعضهم لبعض، كظلم الناس في دمائهم، أو في أموالهم، أو في أعراضهم.

    والنوع الثالث من الظلم: ظلم الإنسان لنفسه، وذلك فيما بينه وبين الله.

    وجاء في حديث مانع الزكاة: (ما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها في قاع قرقر، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).

    وهكذا إذا كان المال ذهباً أو فضة، تصفح له صفائح من نار، وكذلك الأوراق النقدية لا تكون أوراقاً، بل تصفح له صفائح من نار، والعياذ بالله!

    ويوسع جلده، قال بعض السلف: لا يوضع دينار على دينار، وإنما يوسع جلده، فيكون كل درهم على الجلد، ولا يكون درهم فوق آخر، وإنما يوسع الجلد، نسأل الله السلامة والعافية.