إسلام ويب

تفسير سورة طه [67-82]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد قام سحرة فرعون بسحر أعين الناس واسترهبوهم، فأوجس موسى في نفسه الخوف من عظمة ذلك، لكن الله ثبته وربط على قلبه، فألقى ما في يمينه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وزهق الباطل، فخر السحرة سجداً، فآمنوا إيماناً عظيماً، فقد كانوا في أول النهار سحرة، وصاروا في آخره شهداء بررة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى ...)

    قال الله تعالى: قوله: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:67 70].

    قال المؤلف رحمه الله: [ أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه ].

    أي: خاف على الناس ولم يخف على نفسه من سحرهم، فالله ثبته وأمره بأن يلقي العصا التي في يده.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن: ( وألق ما في يمينك ) يعني: عصاه، فإذا هي تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه:69]، وذلك أنها صارت تنيناً عظيماً هائلاً ].

    والتنين هو الذكر من الحيات العظيمة، وهو من أسماء الحيات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ذا عيون وقوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئاً إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عياناً جهرة نهاراً ضحوة، فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون ].

    أي: بطل السحر واضمحل وزال وذهب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال تعالى: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن موسى الشيباني قال: حدثنا حماد بن خالد قال: حدثنا ابن معاذ أحسبه الصائغ عن الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أخذتم -يعني: الساحر- فاقتلوه، ثم قرأ: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ، قال: لا يؤمن به حيث وجد)، وقد روى أصله الترمذي موقوفاً ومرفوعاً ].

    قال الترمذي هذا الحديث لم يأت مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف هذا الحديث.

    وعلى كل حال فإنه يوجد غير هذا الحديث ينص على قتل الساحر، وقد صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صح عن عمر أنه أمر بقتل كل ساحر، وأنه كتب إلى عماله أن يقتلوا كل ساحر وساحرة، قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر. وجاء عن حفصة أنها أمرت بجارية لها سحرتها فقتلت، وكذا صح عن جندب أنه أمر بقتل الساحر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه -ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه- علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجداً لله، وقالوا: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:121-122]، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما وعبيد بن عمير : كانوا أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء بررة وقال محمد بن كعب : كانوا ثمانين ألفاً، وقال القاسم بن أبي بزة : كانوا سبعين ألفاً، وقال السدي : بضعة وثلاثين ألفاً، وقال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة : كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفاً، وقال محمد بن إسحاق : كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال كعب الأحبار : كانوا اثني عشر ألفاً.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن علي بن حمزة حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : كانت السحرة سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا المسيب بن واضح بمكة حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي : لما خر السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها.

    قال: وذكر عن سعيد بن سلام حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا [طه:70] قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم به قبل أن آذن لكم ...)

    قال الله تعالى: قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:71-73] ].

    وهناك فرق كبير وبون شاسع بين قول السحرة قبل أن يؤمنوا وبعد أن آمنوا، فقد قالوا قبل الإيمان لفرعون: ماذا ستعطينا إذا غلبنا موسى؟ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:41-42]، ويقول بعضهم كذلك: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا [طه:64] وأما قولهم بعد الإيمان: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ [طه:72] أي: افعل ما تريد يا فرعون، : إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:73]، قالوا: إن هذه الدنيا منقضية مهما كان الحال، ولو عشنا فإنها سوف تنقضي، إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]، فهي منقضية ونحن على الإيمان ثابتون لا يهمنا أي شيء تعمله، فالموت موت واحد، ثم ذكروا: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى [طه:74-75].

    وقوله: قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [طه:72] أي: لن نؤثر العاجلة وهي الدنيا، ونؤثر سحرك على ما ظهر لنا من البينات، ولن نؤثر الدنيا على الآخرة، والذي يؤثر الدنيا على الآخرة ليس بمسلم.

    وقوله: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72] أي: اصنع ما تصنع، فمهما توعدت ومهما فعلت فالنهاية هي الموت ولا شيء غير الموت، والموت لابد منه، ونحن سنثبت على الحق ونموت على الحق مهما توعدت ومهما فعلت، فاقض ما أنت قاض أي: افعل ما أنت فاعل، فلا تستطيع فعل ما هو أكثر من الموت.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة ].

    وهذه عادة المنهزم فإذا عجز عن الحجة لجأ إلى القوة، وهذه عادة المبتدعين فهم يلجئون إلى القوة، كما كان حال المعتزلة في زمن المأمون الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، فقد ناظروا الإمام أحمد رحمه الله، فلما غلبهم بالحجة استعدوا عليه السلطان، وقالوا: إن هذا مبتدع، وإنه يضل الناس، حتى قال أحمد بن أبي دؤاد رئيس المعتزلة في زمن المأمون : اقتل الإمام أحمد ودمه في ذمتي، فعادة الكفرة والمبتدعة إذا عجزوا عن المجادلة والمناظرة استعدوا السلاطين والأمراء على أهل الحق، وهذا هو العجز بعينه، وهذا حال من لم يستطع أن يدفع الحجة بالحجة.

    وهكذا تجد المنافقين في كل زمان يستعدون السلطة على المؤمنين وعلى الأخيار.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فتهددهم وتوعدهم، وقال: قَالَ آمَنْتُمْ [طه:71] أي: صدقتموه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي: وما أمرتكم بذلك، وافتئتم علي في ذلك ].

    يقول: تفتائتون في هذا الأمر، أي: تعملون أمراً يخالف أمري ولم تستشيروني؟ فالأمر لي والسلطة لي، فكيف تعلمون شيئاً دون مشورتي وأخذ رأيي، فهو يوبخهم على فعلهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قولاً يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ [طه:71] أي: أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:123] ].

    يقول فرعون للسحرة: لقد اتفقتم مع موسى على هذا، فقد حصل بينكم وبينه اتفاق، وهو كبيركم وقد علمكم السحر، واتفقتم معه في أمر مسبق على أن تنهزموا أمامه، حتى يظهر موسى، وتكونوا من أتباعه، وهو يعلم أن هذا بهتان وكذب، لكن المغلوب ليس له إلا أن يستعمل قوته وسلطانه، فقال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:124].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم أخذ يتهددهم فقال: فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71] أي: لأجعلنكم مُثلة، ولأقتلنكم ولأشهرنكم، قال ابن عباس : فكان أول من فعل ذلك، رواه ابن أبي حاتم .

    وقوله: وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى أي: أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة، وأنتم مع موسى وقومه على الهدى فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه، فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل، و قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ أي: لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، وَالَّذِي فَطَرَنَا ، يحتمل أن يكون قسماً، ويحتمل أن يكون معطوفاً على البينات ].

    يحتمل أن يكون معنى قولهم: لن نؤثرك على البينات وعلى الذي فطرنا وهو الله، ويحتمل أن يكون: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ [طه:72]، ثم استأنفوا كلاماً جديداً فقالوا: وَالَّذِي فَطَرَنَا وقصدهم الحلف بالله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يعنون لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدي خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت، فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ [طه:72] أي: فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72] أي: إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا [طه:73] أي: ما كان منا من الآثام خصوصاً ما أكرهتنا عليه من السحر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [طه:73] قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر بالفرماء ].

    أي: مكان يتعلم فيه هؤلاء الشباب السحر.

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال: علموهم تعليماً لا يعلمه أحد في الأرض، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فهم من الذين آمنوا بموسى وهم من الذين قالوا: إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ [طه:73]، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

    وقوله: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى أي: خير لنا منك وَأَبْقَى أي: أدوم ثواباً مما كنت وعدتنا ومنيتنا، وهو رواية عن ابن إسحاق رحمه الله.

    وقال محمد بن كعب القرظي : وَاللَّهُ خَيْرٌ أي: لنا منك إن أطيع، وَأَبْقَى أي: منك عذاباً إن عصي. وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضاً، والظاهر أن فرعون لعنه الله صمم على ذلك وفعله بهم رحمة لهم من الله ].

    وكأن المسألة فيها قولان: قول بأنه نفذ ما توعد به وقتلهم، والقول الثاني إنه تهدد ولم ينفذ، فقال ابن كثير رحمه الله: الظاهر أنه نفذ وأنه قتلهم، وهذا رحمة من الله بهم حتى يصلوا إلى ما أعد الله لهم من النعيم، ويستريحوا من تعب الدنيا ونصبها، ولهذا جاء في الحديث: (أنه مر بجنازة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مستريح ومستراح منه، فقالوا: يا رسول الله ما مستريح ومستراح منه؟ فقال: المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها وتعبها، والكافر أو الفاجر يستريح منه الناس والشجر والدواب)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم ...)

    قال الله تعالى: [ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:74-76].

    قال المؤلف رحمه الله: [ الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا أي: يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم، فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ، كقوله: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36]، وقال: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [الأعلى:11-13]، وقال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] ].

    والكافر والعياذ بالله هو الذي يبقى في جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، فلا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة هنية، بل يبقى معذباً، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56]، نسأل الله السلامة.

    فصار السحرة دعاة فوعظوا فرعون قبل أن يقتلهم، وصاروا دعاة مع موسى عليه الصلاة والسلام، ففي أول النهار يحلفون بعزة فرعون وفي آخر النهار وعظوه ونصحوه، ثم قتلهم بعد ذلك.

    فلم تهده نصيحة موسى وهارون وهما نبيان كريمان نصحاه وجاءا بالبينات الواضحات فلم ينتفع، ثم وعظه السحرة أيضاً فلم ينتفع، نسأل الله السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: حدثنا إسماعيل أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم فتميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) ].

    والحِبة أي: البذرة، وحميل السيل أي: محمول السيل، فالسيل يمشي ويحمل معه غثاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالبادية) ].

    أي: يعرف هذا أهل البوادي.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به.

    وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي حدثنا حيان سمعت سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه:74]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها) ].

    والمقصود بأهل النار: الكفرة، والذين ليسوا من أهلها هم: العصاة الموحدون، فدخولهم عارض للتطهير.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ (وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسهم، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهر يقال له: الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل).

    وقوله تعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ [طه:75] أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى [طه:75] أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات.

    قال الإمام أحمد : حدثنا عفان أنبأنا همام حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس) ].

    والفردوس هو أعلى الجنة، وأوسط الجنة، تخرج منه أنهار الجنة الأربعة المذكورة في قوله تعالى: أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.

    وقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه الترمذي من حديث يزيد بن هارون عن همام به.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: (كان يقال: الجنة مائة درجة، في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد) ].

    أي: أن في الجنة مائة درجة كبيرة، في كل درجة مائة درجة صغيرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي الصحيحين: (إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء؛ لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء؟ قال: بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) ].

    أي: التصديق الكامل الذي يستلزم القول والعمل، فآمنوا بالله وصدقوا المرسلين بأقوالهم وأعمالهم الطيبة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وفي السنن: أن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما ].

    أي: من الرجال الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين؛ لأنهم ليسوا أنبياء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ [طه:76] أي: إقامة، وهي بدل من الدرجات العلى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [طه:76] أي: ماكثين أبداً وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:76] أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب ].

    والطلب هو الأوامر والنواهي، يعني: اتبع المرسلين وصدقهم في أخبارهم، ونفذ الطلب من الأوامر والنواهي، فامتثل الأوامر واجتنب النواهي، ويكون بذلك قد صدق المرسلين التصديق الكامل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ...)

    قال الله تعالى: [ قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [طه:77-79].

    قال المؤلف رحمه الله: [ يقول تعالى مخبراً أنه أمر موسى عليه الصلاة والسلام حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون، وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة؛ وذلك أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون غضباً شديداً وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الأعراف:111] أي: من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه ].

    والرستاق: هو ما يقال فيه: رزداق، وهو موضع فيه مزدرع وقرى.

    وقد خرج موسى ببني إسرائيل وهم اليد العاملة، فلما أصبح فرعون لم يجد أحداً من بني إسرائيل، واليد العاملة كلها قد خرجت مع موسى، فغضب فرعون وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الأعراف:111]، وتبع موسى يريد أن ينتقم منه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ يقول: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:54-55]، ثم لما جمع جنده واستوسق له جيشه.. ].

    واستوسق بمعنى: اجتمع له جيشه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ساق في طلبهم، فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء:60] أي: عند طلوع الشمس، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ [الشعراء:61] أي: نظر كل من الفريقين إلى الآخر، قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61-62].

    ووقف موسى ببني إسرائيل: البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه أن اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [طه:77]، فضرب البحر بعصاه وقال: انفلق بإذن الله، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي: الجبل العظيم، فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يابساً كوجه الأرض، ولذلك قال: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا [طه:77] أي: من فرعون ، وَلا تَخْشَى [طه:77] يعني: من البحر أن يغرق قومك ].

    قوله: لا تَخَافُ دَرَكًا أي: لا تخاف أن يدركك فرعون ويلحقك، ولا تخشى من البحر أن ينطبق على قومك فيغرقون، وهذا من عناية الله تعالى بموسى وبني إسرائيل، فقد جعل الله لهم مخرجاً على الرغم من أن العدو خلفهم والبحر أمامهم، فأمره الله فضرب البحر بعصاه فانفلق وصار طرقاً متعددة فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] أي: صارت أمواج البحر كأنها جبال والطرق يابسة يمشون عليها؛ فسلكوا هذه الطرق، فلما خرجوا من الجهة الأخرى تبعهم فرعون ، فلما تكامل فرعون وقومه داخلون وتكامل موسى وقومه خارجون من الجهة الأخرى أمر الله البحر أن يعود إلى حالته، فانطبق على فرعون وجنوده، فكانوا من المغرقين، فذهبت أجسامهم للغرق، وأرواحهم للنار والحرق، نعوذ بالله نسأل السلامة والعافية.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا قال: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا [طه:77]، أي: من فرعون، وَلا تَخْشَى [طه:77] يعني: من البحر أن يغرق قومك.

    ثم قال تعالى: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ [طه:78] أي: البحر مَا غَشِيَهُمْ [طه:78] أي: الذي هو معروف ومشهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [النجم:53-54]، وكما قال الشاعر:

    أنا أبو النجم وشعري شعري ].

    وصاحب البيت هو أبو النجم العجلي ، وقوله: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه:78] يعني: ما غشيهم من الموج المعروف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ أي: الذي يعرف وهو مشهور، وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98] ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ...)

    قال الله تعالى: [ قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:80-82].

    قال المؤلف رحمه الله: [ يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومننه الجسام حيث نجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة لم ينج منهم أحد، كما قال تعالى: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50].

    وقال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بموسى، فصوموه)، رواه مسلم أيضاً في صحيحه.

    ثم إنه تعالى واعد موسى صلى الله عليه وسلم وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هنالك، وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل كما يقصه تعالى قريباً ].

    وهذا فيه بيان أن التوراة إنما أنزلت على موسى بعد هلاك فرعون، وفيه أن موسى سأل ربه الرؤية كذلك، كما قال الله: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] أي: لما جاء للميقات الذي واعده ربه سأل الرؤية، فأخبره الله أنه لن يراه، وأمره أن ينظر إلى الجبل، فلما تجلى الله للجبل دُكَّ الجبل وخر موسى صعقاً، فلما أفاق من الغشي الذي أصابه: قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143].

    وفي الوقت الذي ذهب فيه موسى لميقات ربه عبد بنو إسرائيل العجل، وقد استخلف أخاه هارون عليهم، ولكنهم استضعفوا هارون عليه السلام ولم يسمعوا كلامه، وأضلهم السامري، فقد صور لهم العجل من الحلي والذهب، فافتتنوا به وعبدوه من دون الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها، فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء ].

    وسبق في سورة البقرة أنه نوع من العسل وقد يكون حلوى، المهم أنه شيء حلو المذاق فلا منافاة، وقد قرر الحافظ ابن كثير أنه إن جعل مع غيره صار فاكهة وحلوى، وإن جعل وحده صار غذاء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ والسلوى: طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد لطفاً من الله ورحمة بهم وإحساناً إليهم، ولهذا قال تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه:81] أي: كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به.

    فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي أي: أغضب عليكم وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه:81].

    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: فقد شقى وقال شفي بن مانع : إن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه فيهوي في جهنم أربعين خريفاً قبل أن يبلغ الصلصال؛ وذلك قوله: وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه:81] رواه ابن أبي حاتم .

    وقوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [طه:82] أي: كل من تاب إلي تبت عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تعالى تاب على من عبد العجل من بني إسرائيل ].

    وهذا يتحقق إذا كانت توبة صادقة ولو كانت من أعظم الذنوب وهو الشرك، فقد تاب الله على بني إسرائيل لما عبدوا العجل ووقعوا في الشرك، وعرض الله تعالى للمثلثة من النصارى عرض الله عليهم التوبة وذنبهم من أعظم الذنوب، قال الله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:73]، ثم قال سبحانه: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74].

    والمثلثة هم الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فكل من تاب من الذنب تاب الله عليه إذا تحققت الشروط، بأن يتخلى عن المعصية، ويندم على ما مضى منها، ويعزم على ألا يعود إليها، وتكون التوبة في وقت الإمكان قبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فمن تاب بهذه الشروط تاب الله عليه.

    ولهذا قال سبحانه وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، وقد أجمعوا على أن هذه الآية في التائبين، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لمن تاب من أي ذنب ابتداءً الشرك فما دونه، وأما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فهذه في غير التائبين؛ لأن الله أخبر أنه لا يغفر الشرك، وخص الشرك بأنه لا يغفر وعلق ما دون الشرك بأنه تحت المشيئة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: تَابَ أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية.

    وقوله: وَآمَنَ أي: بقلبه، وَعَمِلَ صَالِحًا أي: بجوارحه.

    وقوله: ثُمَّ اهْتَدَى قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: ثم لم يشكك.

    وقال سعيد بن جبير : ثُمَّ اهْتَدَى أي: استقام على السنة والجماعة، وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف.

    وقال قتادة : ثُمَّ اهْتَدَى أي: لزم الإسلام حتى يموت. وقال سفيان الثوري : ثُمَّ اهْتَدَى أي: علم أن لهذا ثواباً، و(ثم) هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد:17] ].

    وهذا فيه بيان فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده، وأنه سبحانه وتعالى يغفر لمن تاب من الذنب بشرط أن تكون التوبة صادقة، فيكون مصدقاً بقلبه مستقيماً على السنة وعلى الإسلام، فمن كان كذلك تاب الله عليه من أي ذنب كان.