إسلام ويب

تفسير سورة طه [17-35]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل نبي أو رسول أرسل إلى قومه ساق الله معه آية من آياته ومعجزة تدل على أنه نبي من عند الله، ولقد كان من أعظم المعجزات والآيات الباهرات ما أرسل به موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى ...)

    قال الله تعالى:[ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى [طه:17-21].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا برهان من الله تعالى لموسى عليه السلام، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر، دل على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله عز وجل، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، وقوله: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17] قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له. وقيل: إنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن، وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17]استفهام تقرير.

    قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا [طه:18] أي: أعتمد عليها في حال المشي: وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي [طه:18]أي: أهز بها الشجرة ليسقط ورقها، لترعاه غنمي، قال عبد الرحمن بن القاسم : عن الإمام مالك : الهش: أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يخبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضاً.

    وقوله: وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18] أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك ].

    العصا فيها مصالح عدة، منها: ما ذكره موسى عليه السلام من أنه يعتمد عليها في مشيه، ويهش بها على غنمه، وله فيها مصالح: كأن يضرب بها السبع مثلاً، أو الحية، أو العقرب، وكذلك أيضاً: يدافع بها عن نفسه إذا اعتدى عليه عدو، ويضعها سترة له عندما يصلي، ويضع عليها ثوباً يستظل به، ومصالح وفوائد كثيرة، كما أخبر في قوله: فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18].

    قال المصنف رحمه الله:[ وقوله: وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18]، أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غيرذلك، وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى عليه السلام صيرورتها ثعباناً، فما كان يفر منها هارباً، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم عليه السلام، وقول الآخر: أنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها: (ماشاء) والله أعلم بالصواب ].

    وكل هذه من أخبار من بني إسرائيل ولا دليل عليها، والأقرب: أن المآرب هي المعروفة التي سبق ذكرها.

    قال المصنف رحمه الله:[ وقوله تعالى: قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى [طه:19]أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى، (ألقها) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20] أي: صارت في الحال حية عظيمة ثعباناً طويلاً يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو: أسرع الحيات حركة ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة تَسْعَى [طه:20] أي: تمشي وتضطرب.

    قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا حفص بن جميع قال: حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس : فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20] ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، فمرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبراً، فنودي أن: يا موسى، خذها. فلم يأخذها، ثم نودي الثانية: أن خذها ولا تخف. فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين فأخذها.

    وقال وهب بن منبه في قوله: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20] قال: فألقاها على وجه الأرض، ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، فدب يلتمس كأنه يبتغى شيئاً يريد أخذه يمر بالصخرة مثله مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه تتقدان ناراً ].

    أي: نظرة إلى العصا لما وضعها فرآها ثعبان عظيم، فهذه من الآيات العظيمة، وقدرة ربانية عظيمة، حيث أنه إذا أخذها بيده تكون عصا، ويضعها على الأرض فتكون ثعبان معروف، قال الله: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ [طه:24] فهذه آية وبرهان إذا طلب منك آية ودليل.

    والآية الثانية: يده يدخلها في جيبه ثم يخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير سوء، يعني: من غير ضرر، نور تتلألأ مثل الشمس، قال الله: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ].

    هذه التفصيلات كونها تتوقد ناراً، وكونها ابتلعت الصخرة، وكونها قطعت أصل الشجرة، كل هذا يحتاج إلى دليل، المهم أنها صارت ثعبان عظيم، وحية تسعى وتضطرب بسرعة هائلة.

    قال المصنف رحمه الله: [ وقد عاد المحجن منها عرفاً، قيل: شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فماً مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب ].

    عرفاً بالضم، يعني: الحية.

    قال المصنف رحمه الله:[ لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبراً ولم يعقب، فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى! أن ارجع حيث كنت. فرجع موسى وهو شديد الخوف. فقال: خذها بيمينك وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى [طه:21] وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أرأيت يا موسى، لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، حتى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين؛ ولهذا قال تعالى: سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى [طه:21] أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء ...)

    قال تعالى: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:22-35].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا برهان ثان لموسى عليه الصلاة والسلام وهو: أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه كما صرح به في الآية الأخرى، وهاهنا عبر عن ذلك بقوله: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ [طه:22] ].

    وفي الآية الأخرى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل:12] أي: آية أخرى.

    قال المصنف رحمه الله:[ وقال في مكان آخر: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص:32]].

    برهانان: البرهان الأول: العصا، والبرهان الثاني: اليد، فهذه معجزتان لموسى، دليل على صدقه وأنه رسول من عند الله تعالى.

    قال المصنف رحمه الله:[ وقال مجاهد : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ [طه:22] كفه تحت عضدك، وذلك أن موسى عليه السلام كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر، وقوله: تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [طه:22]أي: من غير برص ولا أذى ومن غير شين. قاله ابن عباس ].

    من غير شين، أي: من غير عيب.

    قوله: (من غير شين)، أي: من غير عيب كالبرص وغيره من العيوب، فهي تتلألأ مثل القمر، وتلك معجزة له.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم.

    وقال الحسن البصري : أخرجها والله كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه عز وجل، ولهذا قال تعالى: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه:23] .

    وقال وهب : قال له ربه: ادنه، فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه.

    وقوله: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24] أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فاراً منه وهارباً فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم؛ فإنه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.

    قال وهب بن منبه : قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بسمعي وعيني، وإن معك يدي وبصري، وإني قد ألبستك جنة من سلطاني؛ لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان علي وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي أني أنا الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكّره أيامي، وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألسبته من لباس الدنيا؛ فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني ].

    قوله: (يطرف) أي: ينظر بطرفه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تغلب، ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديماً ما جرت عادتي في ذلك فإني لأذودهم عن نعيمها وزخارفها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالماً موفراً لم تكلمه الدنيا، واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا؛ فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقاً حقاً، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني، وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني؟ أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري. رواه ابن أبي حاتم ].

    وكلام وهب بن منبه هذا مأخوذ من الإسرائيليات والله أعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قال رب اشرح لي صدري ...)

    قال الله تعالى: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:25-26].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا سؤال من موسى عليه السلام لربه عز وجل أن يشرح له صدره فيما بعثه به؛ فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، وأجبرهم وأشدهم كفراً، وأكثرهم جنوداً، وأعمرهم ملكاً، وأطغاهم وأبلغهم تمرداً، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله ولا يعلم لرعاياه إلهاً غيره، هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليداً عندهم في حجر فرعون على فراشه، ثم قتل منهم نفساً فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها، ثم بعد هذا بعثه ربه عز وجل إليهم نذيراً يدعوهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولهذا قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:25-26] أي: إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري وإلا فلا طاقة لي بذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واحلل عقدة من لساني ...)

    قال الله تعالى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك لما كان أصابه من اللثغ حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية بل بحيث يزول العي ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخباراً عن فرعون أنه قال: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] أي: يفصح بالكلام.

    وقال الحسن البصري : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه:27] قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطي.

    وقال ابن عباس : شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه.

    وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن عمر بن عثمان حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو قرابة له فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك.

    فقال القرظي : يا ابن أخي! ألست أفهمك إذا حدثتُك؟ قال: نعم، قال: فإن موسى عليه السلام إنما سأل ربه أن يحلل عقدة من لسانه؛ كي يفقه بنو إسرائيل كلامه ولم يزد عليها. هذا لفظه ].

    وهذا الإسناد منقطع في الموضعين، في قول ابن أبي حاتم : ذكر عن عمر بن عثمان ، وفي قول أرطأة بن المنذر : حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب .

    وفي هذه الآية الكريمة أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه أن يشرح له صدره، وأن ييسر له أمره؛ لأنه أرسله بأمر عظيم، فقد أرسله بالنبوة والرسالة، وأرسله إلى أعظم ملوك أهل الأرض في زمانه، وأكثرهم عتواً وجبروتاً وطغياناً وهو فرعون ملك مصر، فقد ادعى الربوبية، وأنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره الأرض والسماوات، وقال للناس: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، فقد أنكر الرب العظيم تكبراً مع أنه كان مستيقناً في الباطن، كما قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] ، وصار فرعون إماماً في الضلال يقود إلى النار، كما قال الله عن آل فرعون: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص:41]، وصار كل إمام ضلال وإمام انحراف وإمام فساد ينسب إلى فرعون، ولهذا الجهمية الذين ينكرون علو الرب ينسبون إلى فرعون، فمن أنكر العلو فهو جهمي فرعوني، ومن أثبت علو الرب وأن الله في السماء فهو موسوي محمدي ينسب إلى موسى ومحمد عليهما السلام، ففرعون أنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره الأرض والسماوات، وعذب بني إسرائيل وسامهم سوء العذاب، وأخاف الناس، كما قال الله تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4].

    وفي إحدى الليالي رأى فرعون رؤيا أن ملكه سيزول على يد رجل من بني إسرائيل، فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل، فقيل له: إنك إذا ذبحت بني إسرائيل لا تجد يداً عاملة؛ لأنهم هم اليد العاملة الذين يخدمونه، فأمر أن يذبحوا في سنة ويتركوا في سنة، فولد هارون في السنة التي يترك فيها الغلمان وولد موسى في السنة التي يذبح فيها الغلمان لحكمة أرادها الله، ولما خافت أم موسى على وليدها ألهمها الله بأن تضعه في تابوت وأن تلقيه في اليم، فذهب اليم بهذا التابوت حتى أوصله إلى دار فرعون، فأخذته امرأة فرعون فألقى الله محبته في قلبها، فقالت لزوجها فرعون: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9] . قال: إني أخشى أن يكون هذا هو الذي يكون هلاكي على يديه، قالت: لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص:9] فتربى في حجر فرعون وهو يخاف منه، فتربى موسى في حجر امرأته في بيته وترعرع وأصبح شاباً، وقد خرج يوماً فوجد رجلين يقتتلان: إسرائيلي وقبطي، فاستغاثه الإسرائيلي على القبطي، فوكزه موسى فقضى عليه وقتله، فجاء رجل من المدينة يسعى قال: يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20]، وهذا الفعل من موسى كان قبل النبوة، وإلا فالأنبياء معصومون من الشرك ومن الكبائر بعد النبوة، ثم ذهب إلى فلسطين واجتمع بالرجل الصالح، واتفق معه على أن يرعى له الغنم ثمانِ سنين أو عشر سنين ويزوجه إحدى ابنتيه، فرعى له الغنم هذه المدة وتزوج، ثم أخذ أهله وسار بها إلى جانب الطور، وكانت ليلة باردة كما أخبر الله في أول الآيات، وكان قد ضل الطريق فوجد ناراً قبله قرب جبل الطور، وقال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً لعلي أجد خبراً، أي: أحداً يدلنا على الطريق أو آخذ جذوة من النار لتصطلون وتستدفئون بها، فلما جاء إلى الطور كلمه الله ونبأه وبعثه وأرسله إلى فرعون، فسأل ربه أن يشرح صدره، وأن ييسر له أمره، وأن يعينه على هذا الأمر العظيم، فقد أرسل إلى جبار لا يبالي بالقتل والبطش، جبار ادعى الربوبية، ويسوم الناس سوء العذاب، كيف وموسى قد قتل رجلاً منهم أيضاً وهو مطلوب من أجله، فالله سبحانه وتعالى يسر له أمره، وشرح صدره وحل عقدة من لسانه وقوى أزره بأخيه هارون، واستجاب الله طلبه وجعله نبياً مثله وأعانه، وقال سبحانه وتعالى لموسى وأخيه: لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] فذهبا إلى فرعون، وكان من أمرهما ما قص الله علينا في كتابه كما سيأتي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( واجعل لي وزيراً من أهلي ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي [طه:29-30]، وهذا أيضاً سؤال من موسى عليه السلام في أمر خارجي عنه وهو مساعدة أخيه هارون له. قال الثوري : عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: نبئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى عليهما السلام.

    وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن ابن نمير حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: لا ندري؟ قال: أنا والله أدري! قالت: فقلت في نفسي: في حلفه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه، قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلت: صدق والله!

    قلت: ومن هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى عليه السلام: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69] ].

    قلت: هذا الأثر منقطع الإسناد، فهو إذاً ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [طه:31] قال مجاهد : ظهري. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:32] أي: في مشاورتي.

    كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه:33-34] قال مجاهد : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.

    وقوله: إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [طه:35] أي: في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد على ذلك ].

    قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ [طه:36] يعني: أجاب الله سؤاله في هذه الأمور كلها، فشرح صدره، ويسر له أمره، وحل عقدة من لسانه، وجعل أخاه هارون نبياً معه، ووزيراً له يشد أزره، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه على عبده ورسوله موسى عليه الصلاة والسلام.

    وقول الله تعالى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:25-26] فهذا دعاء في كل وقت وليس في الاختبارات فقط، بل ينبغي للمسلم أن يقول: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:25-26] في كل وقت وحين، وشرح الصدر، قال الله تعالى لنبيه: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ [الشرح:1-2]. وإذا شرح الله للإنسان صدره، وهداه للإسلام ووفقه ويسر له أمره، حصل على كل شيء في كل وقت.

    والإنسان يثاب على كل شيء، فعندما يبتلى بالهموم أو الغموم أو ضيق الصدر أو أي شيء يؤلم الإنسان المؤمن فإنه يثاب عليه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله من خطاياه حتى الشوكة يشاكها) فعندما يصاب بالهم والغم فإنه يحتسب ويسأل ربه، ويتضرع إلى الله أن يزيل همومه وغمومه وأن يشرح صدره وهو مأجور على ذلك.