إسلام ويب

تفسير سورة طه [1-8]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نزل القرآن من عند الله رحمة منه بعباده، فليس فيه شقاء ولا تعسير، بل هو يسر كله وخير كله، والله سبحانه له الملك الحقيقي، فله ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وليس لأحد أن يدعي ملك شيء في السماوات أو في الأرض، وعلمه محيط بذلك كله، ولا يحيط الإنسان بشيء من علمه.

    1.   

    فضل قراءة سورة طه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ روى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد عن زياد بن أيوب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي : حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار عن عمر بن حفص بن ذكوان عن مولى الحرقة - يعني عبد الرحمن بن يعقوب - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا). هذا حديث غريب وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما ].

    قوله: [ إمام الأئمة ] أي: في زمانه، وأما إمام الأئمة على الإطلاق فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وإبراهيم بن مهاجر قال ابن عدي : لم أجد لـإبراهيم - أي: ابن مهاجر - حديثاً أنكر من حديث: قرأ طه ويس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (طه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ بسم الله الرحمن الرحيم.

    طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:1-8].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ].

    بيان المراد بالحروف المقطعة

    والأرجح في هذه الحروف المقطعة: أن الله تعالى أعلم بمرداه منها، قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن فيها إشارة إلى عظمة وإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أن القرآن مركب من الحروف الهجائية الثمانية والعشرين التي يتكلم بها العرب، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، ولهذا تحداهم الله أن يأتوا بمثله فعجزوا، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، بل وتحداهم أن يأتوا بسورة فعجزوا، ولهذا فكل سورة افتتحت بالحروف المقطعة لا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء في تسع وعشرين سورة مثل: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2]، الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران:1-3]، وغير ذلك من الآيات.

    قوله: (طه) حرفان من حروف الهجاء، طاء، وهاء، ومثلها: ن، ق، الم، الر، المص. وأما ما يذكره بعض الناس أن: (طه) اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم فلا أعرف لهذا أصل.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي ، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري - أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: طه: يا رجل ].

    ومحمد بن شنبة بفتح المعجمة والنون والموحدة الواسطي، أبو عبد الله البزاز ،صدوق، الأربعة.

    بعده الحسين بن معاذ ، وقبله الحسين بن محمد بن زياد العبدي .

    قال المؤلف رحمه الله: [ وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى أنهم قالوا : (طه) بمعنى: يا رجل.

    وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها يا رجل. وقال أبو صالح : هي معربة.

    وأسند القاضي عياض في كتابه الشفاء من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر عن الربيع بن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى : طه [طه:1] يعني: طأ الأرض يا محمد! مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] ثم قال: ولا يخفى بما في هذا من الإكرام وحسن المعاملة) .

    وقوله: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] قال جويبر عن الضحاك : لما أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:1-3] ].

    وجويبر هذا ضعيف.

    الكلمات المعربة في القرآن

    فإن قيل: هل في القرآن كلمات معربة؟

    والجواب: نعم، نحو: طه. فإن قيل: فإن معناها يا رجل! وهي كلمة نبطية معربة. فلا يمنع أن يكون القرآن عربياً إذا وجدت فيه بعض الكلمات المعربة.

    قال المؤلف رحمه الله [ فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين، عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) .

    وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد بن زهير حدثنا العلاء بن سالم حدثنا إبراهيم الطالقاني ].

    جاء في المعجم الكبير العلاء بن مسلمة وهو: العلاء بن مسلمة بن عثمان بن محمد بن إسحاق الرواس أبو سالم البغدادي ، مولى بني تميم .

    وفي التقريب: العلاء بن مسلمة بن عثمان الرواس (بتشديد الواو) مولى بني تميم، بغدادي، يكنى أبا سالم متروك، ورماه ابن حبان بالوضع.

    إذاً ابن مسلمة يكون: العلاء بن مسلمة أبو سالم .

    قال المؤلف رحمه الله: [ وما أحسن ما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد بن زهير حدثنا العلاء بن سالم حدثنا إبراهيم الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن سماك بن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي) .

    إسناده جيد، وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي ، ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب ].

    يقول ابن كثير : إسناده جيد مع أن فيه متروك.

    قال في التقريب: العلاء بن سالم الطبري ، أبو الحسن الحذاء نزل بغداد، صدوق من الحادية عشرة، وبعده: العلاء بن سالم العبدي الكوفي العطار ، مقبول، يروي عن إبراهيم الطالقاني .

    فقول ابن كثير رحمه الله: إسناده جيد. يحتمل أن العلاء بن سالم غير متروك، لكن الحافظ محدث، فيحتاج مراجعة للتأكد من الشيوخ والتلاميذ.

    هذا الحديث في بيان فضل العلماء العاملين، وأن الله يغفر لهم هفواتهم وزلاتهم.

    وأما العلماء المنحرفون مثل علماء السوء من أحبار اليهود والنصارى، الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فإنهم لا يدخلون ضمن هذا الحديث.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ...)

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال مجاهد في قوله: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] هي كقوله: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.

    وقال قتادة : مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:2] لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة.

    إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:3] أن الله أنزل كتابه وبعث رسوله صلى الله عليه وسلم رحمة رحم بها عباده؛ ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه ].

    قد سبق أن قوله: (طه) معناها بالنبطية: يا رجل، وهذا يحتاج إلى دليل ولا تكفي هذه الآثار، والأقرب أنها من الحروف المقطعة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقوله: تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى [طه:4] أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد، هو تنزيل من ربك، رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام.

    وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه].

    إثبات صفة الاستواء لله تعالى

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف: إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ].

    قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] هذه من آيات الصفات وفيها إثبات استواء الرب على العرش، وأنه سبحانه وتعالى مستو على عرشه حقيقة.

    و(استوى) لها في اللغة العربية أربع معان: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع، وتفسيرات السلف لهذا اللفظ لا تخرج عن هذه المعاني الأربعة، ذكرها العلامة ابن القيم في النونية:

    فلهم عبارات عليها أربع قد حصلت للفارس الطعان

    وهي استقر وقد علا وكذلك ار تفع الذي ما فيه من نكران

    وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني

    يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن

    وأما كيفية الاستواء فلا يعلمه إلا هو سبحانه وتعالى، فهو استواء يليق بجلاله وعظمته.

    الاستواء معلوم، والمعلوم معناه: استقر وعلا وصعد.

    والكيف مجهول: أي: كيفية استواء الرب، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.

    فالله تعالى استوى على العرش استواء حقيقة، يليق بجلاله وعظمته، فلا يكيف ولا يمثل ولا يشبه ولا يعطل، كما أننا لا نكيف ذاته، وكذلك لا يعلم كيفية صفاته إلا هو: علمه، وسمعه، وبصره، واستواؤه، ورحمته، كلها صفات متصف بها سبحانه حقيقة، كما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ومن غير تمثيل ومن غير تعطيل ومن غير تحريف، قال الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى)

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقوله: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6] أي: الجميع ملكه وفي قبضته وتحت تصريفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه ولا رب غيره.

    وقوله: وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6] قال محمد بن كعب : أي ما تحت الأرض السابعة.

    وقال الأوزاعي : إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعباً سئل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ فقال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الصخرة. قيل: وما تحت الصخرة؟ قال: ملك، قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة وانقطع العلم ].

    وهذا من أخبار بني إسرائيل التي ينقلها كعب الأحبار عنهم والله أعلم.

    كروية الأرض

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا عبد الله بن عياش حدثنا عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر، وفيها إبليس مصفد بالحديد أمامه ويد خلفه فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه) وهذا حديث غريب جداً، ورفعه فيه نظر ].

    لا شك أن الأرض كروية، بل جميع الأفلاك كروية، أي: مستديرة الشكل، والنصوص واضحة في ذلك: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر:5] والتكوير بمعنى التدوير، ولو كانت الأرض مربعة أو مسدسة ما قال: يكور.

    وهي في شكل الكرة لكنها مسطحة، قال تعالى:س وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:20] أي: مسطحة ومستديرة، وليست مربعة ولا مسدسة. وأما هذا الخبر فهو من أخبار بني إسرائيل؛ قال عنه المحقق: ورواه ابن مندة في كتاب التوحيد من طريق حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب بنحوه.

    ورواه الحاكم في المستدرك من طريق: بحر بن نصر عن عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عياش عن عبد الله بن سليمان عن دراج عن أبي الهيثم عن عكرمة بن هلال عن عن عبد الله بن عمرو بمثله فزاد (أبو الهيثم في إسناده، وقال: صحيح، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: بل منكر؛ فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود وعند مسلم أنه: ثقة، ودراج كثير المناكير والحديث ضعيف مثلما قال المؤلف ورفعه فيه نظر، ولعله من أخبار بني إسرائيل؛ فإن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أصاب زاملتين يوم اليرموك فكان يحدث منهما عن بني إسرائيل، وهذا مما أخذه منهما.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي عن العباس بن الفضل قال: قلت: ابن الفضل الأنصاري ؟ قال: نعم، عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر إذ عارضنا رجل فسلم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتاك. فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البكر الأحمر. فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أنت محمد؟ قال: نعم . قال: إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل عما شئت. قال: يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، من أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع الولد. فقال صدقت. فقال: ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ فقال: للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، ما تحت هذه، يعني الأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلق. فقال: فما تحتهم؟ قال: أرض. قال: فما تحت الأرض؟ قال الماء قال: فما تحت الماء؟ قال: ظلمة. قال: فما تحت الظلمة؟ قال: الهواء. قال: فما تحت الهواء؟ قال: الثرى. قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، وقال: انقطع علم الخلق عند علم الخالق، أيها السائل، ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ قال: فقال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل عليه السلام).

    هذا حديث غريب جدًا وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين : ليس يساوي شيئًا، وضعفه أبو حاتم الرازي ، وقال ابن عدي : لا يعرف.

    قلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث، وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه، والله أعلم ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] أي أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسموات العلى الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:6] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] قال: السر ما أسره ابن آدم في نفسه وَأَخْفَى [طه:7] ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله ].

    قوله: (يعلم السر) أي: ما أخفاه الإنسان في نفسه. وقوله: (وأخفى) أي: ما يعلمه الله مما يفعله ابن آدم في المستقبل والإنسان لا يعلمه، وهذا ظاهر العبارة.

    قال المؤلف رحمه الله:[ فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد ].

    أي: علم الله فيما مضى وفيما بقي من المستقبل واحد.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:28] ].

    وقد ذكر ابن جرير ، فقال: ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله. وهذا أحسن.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقال الضحاك : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] قال: السر: ما تحدث به نفسك، وأخفى ما لم تحدث به نفسك بعد.

    وقال سعيد بن جبير : أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غداً، والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غداً.

    وقال مجاهد وَأَخْفَى [طه:7] يعني: الوسوسة، وقال أيضاً هو وسعيد بن جبير .

    وَأَخْفَى [طه:7] أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه ].

    سعة علم الله

    قوله تعالى: وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7] فيها بيان سعة علم الله عز وجل، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه يعلم ما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في المستقبل، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو لا يخفى عليه شيء، وحتى الشيء الذي لا يكون يعلمه لو كان سبحانه وتعالى، كما أخبر الله عن المنافقين الذين يخرجون مع المسلمين للجهاد ماذا يفعلون؟ فقال سبحانه: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ [التوبة:47] ماذا سيعملون؟ قال: مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة:47].

    وقال سبحانه عن الكفار الذين تمنوا أن يردوا إلى الدنيا: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].

    وقال سبحانه: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23] كل هذه الآيات فيها بيان علمه سبحانه بما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو سبحانه يعلم السر الذي يخفيه الإنسان في نفسه، وأخفى من ذلك ما سيعمله في المستقبل، أو ما سيسره غداً، أو ما توسوس به نفسه، فكل ذلك يعلمه سبحانه وتعالى، والآية شاملة لكل هذه المعاني.

    كما أن قدرته سبحانه وتعالى شاملة لكل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو الذي خلق الخلائق كأنها نفس واحدة: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ [لقمان:28]، وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:27] أي: إعادة الخلق وبدؤهم هين على الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى)

    قال المؤلف رحمه الله: [ وقوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:8] أي: الذي أنزل عليك القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف ولله الحمد والمنة.