إسلام ويب

تفسير سورة مريم [61-65]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالجنة، ووعدهم فيها بالنعيم المقيم، وحينئذ يندم الكفار والمنافقون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب)

    يقول تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:61-63].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات عدن، أي: جنات الإقامة التي وعد الرحمن عباده بظهر الغيب. أي هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم.

    وقوله: إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم:61] تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله كقوله: كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا [المزمل:18] أي: كائناً لا محالة.

    وقوله ههنا مَأْتِيًّا [مريم:61] أي: العباد صائرون إليه وسيأتونه.

    ومنهم من قال مَأْتِيًّا [مريم:61] بمعنى آتياً؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته كما تقول العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى واحد.

    وقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا [مريم:62] أي هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له كما قد يوجد في الدنيا.

    وقوله: إِلَّا سَلامًا [مريم:62] استثناء منقطع كقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا [الواقعة:25-26] ].

    استثناء منقطع؛ لأنه مستثنى من غير مستثنى منه، ويمثل النحاة لهذا مثل قولهم: قام القوم إلا حماراً، وقام الرجال إلا حماراً، هذا يسمى استثناءً منقطعاً، لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه.

    وقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا [مريم:62] السلام غير اللغو والاستثناء المنقطع بمعنى: (لكن)، أي: لا يسمعون فيها لغواً لكن يسمعون سلاماً.

    قال: [ وقوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62] أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلاً ونهاراً، ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار ].

    قوله: يعني وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62] يعني: بمقدار وقت البكرة وبمقدار وقت العشي؛ لأن الجنة ليس فيها ليل ولا نهار، بل نهار مطرد، ولكن يعرفون مقدار البكرة والعشي بأنوار تظهر لهم تحت العرش تكون بمقدار وقت البكرة ومقدار وقت العشي. فقوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62] يعني: بمقدار وقت أول النهار وآخر النهار، يعرفون ذلك بأنوار تحت العرش، وإلا فليس في الجنة ليل بل نهار مطرد.

    قال: [ كما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتمخطون فيها ولايتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض)].

    نسأل الله أن يجعلنا منهم، هؤلاء أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، أي: ليلة أربع عشرة أو خمس عشرة، لا يبولون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يموتون ولا يمرضون ولا يسقمون وليس عندهم هموم ولا أحزان، صحة دائمة وشباب دائم، وطهارة دائمة، وسعة صدر دائم، نزع الغل من نفوسهم بعدما اقتص بعضهم من بعض قبل دخول الجنة، قال الله تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    لكل واحد منهم زوجتان، يعني: هذا عام لكل واحد، وليس في الجنة أعزب، ولكل واحد منهم زوجتان، يعني: سوى زوجته في الدنيا، فقد يكون الإنسان له زوجات كثيرة، لكن هذا بالنسبة للعموم كل واحد مهما كانت درجته له زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الصفاء، ويرى وجهه في صدرها كالمرآة، ويرى مخ ساقها من وراء الثياب.

    قال: [ قال: (قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا)].

    نسأل الله الكريم من فضله، يسبحون الله بكرة وعشياً، يعني: بمقدار البكرة والعشي، وهذا التسبيح ليس تكليفاً وإنما هو نعيم يتنعمون به، يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس، وكما أن الإنسان يتنفس ويتلذذ بالتنفس وهو راحة له، فكذلك أهل الجنة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، قال تعالى: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [يونس:10] فالجنة ليس فيها تكليف، لكن هذا نعيم يتنعمون به.

    قال:[ أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به.

    وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد الأنصاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشهداء على بارق -نهر بباب الجنة- في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً) تفرد به أحمد من هذا الوجه ].

    وهذا يعني: قبل القيامة، وفي الحديث الآخر: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة ترد أنهارها وتأكل من ثمارها) وذلك لما بذل الشهداء أجسادهم لله فقتلوا في سبيل الله، عوض الله أرواحهم أجساداً يتنعمون بواسطتها، جعلت في حواصل طير خضر.

    فالمؤمن إذا مات بقيت روحه في الجنة تتنعم، وروح الكافر تنقل وتقذف في النار، والجسد جرى له ما قدر له، والروح لها صلة بالجسد، فالشهداء تتنعم أرواحهم في الجنة بواسطة طير خضر؛ لأنهم بذلوا أجسادهم لله وأبلوها في سبيله، فعوضهم الله أجساداً أخرى تتنعم بواسطتها وهي حواصل طير خضر.

    أما المؤمن غير الشهيد فإن روحه تتنعم وحدها مفردة فتأخذ شكل طائر كما في الحديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة، يأكل من أشجارها حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه) (نسمة المؤمن) يعني: روح المؤمن، طائر: على شكل طائر، (يعلق): يأكل في الجنة، (حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه).

    هذا المؤمن غير الشهيد، أما الشهيد فإن روحه تتنعم بواسطة طير خضر (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة ترد أنهارها وتأكل من ثمارها حتى يبعث الله أجسادهم وهم على النهر).

    قال:[ وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62] قال: مقادير الليل والنهار.

    وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم قال : سألت زهير بن محمد عن قول الله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62] قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب.

    وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن البصري وذكر أبواب الجنة فقال : أبواب يرى ظاهرها من باطنها فتكلم وتكلم فتفهم انفتحي انغلقي فتفعل ].

    يعني: يكلمونها في الجنة فتجيب.

    قال: [ وقال قتادة في قوله: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62] فيها ساعتان بكرة وعشي، ليس ثم ليل ولا نهار وإنما هو ضوء ونور.

    وقال مجاهد : ليس بكرة ولا عشي ولكن يأتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.

    وقال الحسن وقتادة وغيرهما: كانت العرب الأنعم فيهم من يتغدى ويتعشى، فنزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم فقال تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62].

    وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد عن هشام عن الحسن : وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:62] قال: البكور يرد على العشي والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا سليمان بن منصور بن عمار حدثني أبي حدثني محمد بن زياد قاضي أهل شماط عن عبد الله بن حدير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من غداة من غدوات الجنة وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من الزعفران) قال أبو محمد : هذا حديث غريب منكر ].

    فيه منصور بن عمار ، قال في الجرح والتعديل: ليس بالقوي صاحب هوى.

    وفيه نكارة من جهة المتن، كل غدوة تزف إلى الإنسان زوجة من الحور العين، والغدوات كثيرة إلى ما لا نهاية، وإن كان فضل الله واسعاً، لكن هذا يحتاج إلى ثبوت بالدليل الصحيح.

    وغُدوة بالضم كالُبكرة أي: ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، والغداة: تجمع على غدوات وغديات وغدايا وعشي، أي: لا يقال: غدايا إلا مع عشايا، وغدا عليه غدواً وغُدوة بالضم.

    قال: [ وقوله: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63] أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله عز وجل في السراء والضراء، والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] ] إلى أن قال: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:10-11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك ...)

    يقول تعالى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:64-65].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن بر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرائيل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: فنزلت: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] إلى آخر الآية).

    انفرد بإخراجه البخاري رحمه الله فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم عن عمر بن بر به.

    ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن عمر به، وعندهما زيادة في آخر الحديث: (فكان ذلك الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم).

    وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما (احتبس جبرائيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وحزن، فأتاه جبرائيل وقال: يا محمد! وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] الآية).

    وقال مجاهد : لبث جبرائيل عن محمد صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ليلة، ويقولون: أقلي؟ ] استفهام يعني: أأبغض؟! قال تعالى: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] يعني: وما أبغضك ويقولون: أقلي؟ أي: هل كان تأخر هذه المدة لأنه أبغض؟ يعني: هل تأخره لهوان النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] فالتنزل إنما هو بأمر الله، وجواب هذا: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] يعني: ما أبغضك.

    وسبب نزول الآية: وَالضُّحَى [الضحى:1] .. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] أنه لما لبث الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم جاءت امرأة مشركة وقالت: ما أرى شيطانك يا محمد إلا قلاك أو أبغضك، فنزلت: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3].

    قال:[ وقال مجاهد : لبث جبرائيل عن محمد صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ليلة، ويقولون: أقلي فلما جاءه قال: يا جبرائيل! لقد رثت علي ].

    قوله: (لقد رثت) أي: تأخرت، راث يريث أي: تأخر.

    قال: [ قال: يا جبرائيل! لقد رثت علي حتى ظن المشركون كل ظن، فنزلت: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] الآية.

    وهذه الآية كالتي في الضحى، وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقتادة والسدي وغير واحد أنها نزلت في احتباس جبرائيل.

    وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبرائيل النزول على النبي صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً، ثم نزل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما نزلت حتى اشتقت إليك. فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبرائيل أن قل له: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64] رواه ابن أبي حاتم رحمه الله وهو غريب.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: (أبطأت الرسل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتاه جبريل فقال له: ما حبسك يا جبريل؟ فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم) ].

    والبراجم: مفاصل الأصابع، وهي من الفطرة؛ لأنه جاء في الحديث (عشر من الفطرة) وذكر منها غسل البراجم، أي: مفاصل الأصابع. وتنقون يعني: تنظفون البراجم؛ لأن تنظيفها من الفطرة: (غسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الشارب، وقص الأظفار) كل هذه من الفطرة.

    قال: [ فقال له جبريل: (وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون، ثم قرأ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ [مريم:64]) ].

    وقد قال الطبراني رحمه الله: حدثنا أبو عامر النحوي محمد بن إبراهيم الصوري حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا إسماعيل بن عياش أخبرني ثعلبة بن مسلم عن أبي كعب مولى ابن عباس رضي الله عنهما عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن جبرائيل أبطأ عليه فذكر له ذلك، فقال: وكيف أنتم لا تستنون ولا تقلمون أظافركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون براجمكم) وهكذا رواه الإمام أحمد ].

    إذاً لابد من النظافة لمقابلة الملائكة، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على الرائحة الطيبة ويكره الرائحة الكريهة، وفي بعض المرات امتنع من أكل بعض الخضروات التي لها رائحة كالكراث وغيره فامتنع أحد الصحابة فقال: (كل، فإني أناجي من لا تناجي)، يعني: أنا أناجي جبرائيل والملائكة، وهم يتأذون بالرائحة الكريهة كما يتأذى ابن آدم، ولهذا قال العلماء: إنه لا يدخل المسجد من أكل ما له رائحة كريهة ولو لم يكن فيه آدمي واحد لتأذي الملائكة بذلك، ولهذا قال له: (كل فإني أناجي من لا تناجي) فلا يأكل الشيء الذي فيه رائحة كريهة.

    وكان يحب الرائحة الطيبة عليه الصلاة والسلام، ولهذا الملائكة عليهم الصلاة والسلام يحبون الرائحة الطيبة والنظافة، قالوا: (كيف نأنتيكم وأنتم لا تستنون -تستاكون- ولا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم) وهذه كلها من الفطرة، وكلها من النظافة؛ لأن الملائكة تحب النظافة، وتحب الرائحة الطيبة.

    والرواجب هي البراجم، يقال لها: رواجب وبراجم، وهي عقد الأصابع.

    قال: [ وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي اليمان عن إسماعيل بن عياش عن ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه.

    وقال الإمام أحمد : حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا المغيرة بن حبيب -ختن مالك بن دينار - حدثني شيخ من أهل المدينة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أصلحي لنا المجلس، فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط).

    وقوله: لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا [مريم:64] قيل: المراد (ما بين أيدينا): أمر الدنيا (وما خلفنا): أمر الآخرة ].

    فإن له أمر الدنيا والآخرة سبحانه وتعالى، وهو مالك الدنيا والآخرة.

    إذاً مالك الدنيا والآخرة هو الله سبحانه وتعالى، ومن هنا يتبين أن البوصيري في قصيدته التي غلا فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال:

    فإن من جودك الدنيا وضرتها

    فقد وقع في أمر عظيم وهو يخاطب النبي، والمعنى: من جودك يا محمد الدنيا والآخرة، فجعل الرسول يملك الدنيا والآخرة، ولم يبق لله شيئاً، والله تعالى يقول: لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا [مريم:64] فالله مالك الدنيا والآخرة، والرسول عليه الصلاة والسلام نبي كريم، وهذا غلو من البوصيري .

    قال:[ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ [مريم:64] ما بين النفختين، هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما، والسدي والربيع بن أنس .

    وقيل : مَا بَيْنَ أَيْدِينَا [مريم:64] ما يستقبل من أمر الآخرة. وَمَا خَلْفَنَا [مريم:64] أي: ما مضى من الدنيا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ [مريم:64] أي ما بين الدنيا والآخرة، ويروى نحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن جريج والثوري واختاره ابن جرير أيضاً، والله أعلم.

    وقوله : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64] قال مجاهد والسدي معناه: ما نسيك ربك. وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله : وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:1-3].

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي حدثنا محمد بن عثمان يعني أبا الجماهر حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه يرفعه قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا) ثم تلا هذه الآية: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته ...)

    وقوله: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [مريم:65] أي خالق ذلك ومدبره والحاكم فيه والمتصرف الذي لا معقب لحكمه. فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً ].

    فقوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65] يعني: ليس له مشابه ولا مماثل، وهذه من الآيات التي فيها نفي النقائص والعيوب عن الله إجمالاً.

    وكذلك قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74]، كل هذه الآيات وأمثالها يأتي فيها نفي النقائص والعيوب عن الله إجمالاً.

    أما الصفات فإنها تثبت لله تفصيلاً، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، يثبتون الأسماء والصفات إثباتاً مفصلاً وينفون النقائص والعيوب عن الله نفياً مجملاً كما في هذه الآية: هََلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

    والسمي: المشابه والمماثل، والاستفهام بمعنى النفي، والمعنى: لا تعلم له سمياً، يعني: ليس له سمي ولا مثيل، ولا مشابه ولا مماثل، كقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ [النحل:74].

    بخلاف أهل البدع فإنهم يعكسون، فينفون النقائص نفياً مفصلاً ويثبتون إثباتاً مجملاً، فيقولون: إن الله ليس كذا وليس كذا وليس كذا وليس كذا فيعددون، فوقعوا في التنقص.

    وأحياناً تأتي الآيات للرد على المشركين، مثل نفي الولد عن الله للرد على المشركين الذين نسبوا الولد لله، وإذا جاء تفصيل فإن الرد على المشركين في هذه النقيصة التي أثبتوها لله.

    قال: [ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هل تعلم لربي مثلاً أو شبيهاً، وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم.

    وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس أحد يسمى الرحمن غيره تبارك وتعالى وتقدس اسمه ].