إسلام ويب

تفسير سورة مريم [59-60]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى حزب السعداء من النبيين والصديقين والشهداء، ثم ذكر خلوف الأشقياء الذين يضيعون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، وبين عاقبتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ...)

    حكم تارك الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم:59-60].

    لما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء عليهم السلام ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر أنه فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [مريم:59] أي: قرون أخر، أَضَاعُوا الصَّلاةَ [مريم:59]، وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59] أي: خساراً يوم القيامة.

    وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة ههنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي واختاره ابن جرير .

    ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد ، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة للحديث: (بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة)، والحديث الآخر: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وليس هذا محل بسط هذه المسألة ].

    الحديث الأول: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه الإمام مسلم من حديث جابر ، وهو حديث بريدة بن الحصيب: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه الإمام أحمد وأهل السنن بسند جيد، ومن جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، أما إذا أقر بوجوبها ثم تركها كسلاً أو تهاوناً فهذا محل الخلاف.

    والصواب أنه يكفر، وهذا الذي عليه الأئمة كما ذكر المؤلف رحمه الله وهو إجماع الصحابة، كما نقل عبد الله بن شقيق العقيلي الصحابي الجليل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، ونقل ابن حزم وإسحاق بن راهويه الإجماع على كفر تارك الصلاة كسلاً أو تهاوناً.

    ومن الأدلة على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري : (من ترك صلاة العصر حبط عمله) فمن ترك صلاة العصر بالكلية حتى خرج وقتها ولو فرضاً واحداً على القول الصحيح فقد حبط عمله، والذي يحبط عمله هو الكافر.

    وقال آخرون من أهل العلم: لا يكفر إلا إذا ترك جميع الصلوات، أما إذا كان يصلي في بعض الأحيان ويترك في البعض الآخر، فهذا كفره كفر أصغر.

    والصواب أنه يكفر بترك صلاة واحدة، إذا تركها متعمداً حتى خرج وقتها لا جاهلاً ولا ناسياً ولا متأولاً ولا نائماً نوماً يعذر فيه.

    معنى إضاعة الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الأوزاعي : عن موسى بن سليمان عن القاسم بن مخيمرة في قوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ [مريم:59]، قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركاً كان كفراً.

    وقال وكيع عن المسعودي ].

    المسعودي مختلف في صحة حديثه، فهذا الأثر ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال وكيع : عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:5] وعَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ [المعارج:23] وعَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [الأنعام:92].

    قال ابن مسعود : على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال ذاك الكفر ].

    أي: أن تارك الصلاة كافر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال مسروق : لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن: إضاعتهن عن وقتهن.

    وقال الأوزاعي عن إبراهيم بن يزيد : أن عمر بن عبد العزيز قرأ: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.

    معنى قوله تعالى: (واتبعوا الشهوات)

    وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم:59]، قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة ].

    الأزقة هي: الأسواق، والمراد بقوله: عند قيام الساعة أي: عند قرب قيام الساعة، ويشير إلى ما ورد في الحديث أنه في آخر الزمان وفي قرب قيام الساعة تأتي ريح طيبة وباردة من جهة اليمن فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، حتى لو كان المؤمن في كبد جبل لدخلت إليه حتى تقبضه، فلا يبقى على وجه الأرض إلا الكفرة، فيتناكحون في الأسواق وفي الشوارع مثل الحيوانات، فعليهم تقوم الساعة، فهؤلاء لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ولا يعرفون التوحيد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله).

    وهذا في آخر الزمان بعد علامات الساعة الكبرى، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأصنام والأوثان، وهم بذلك على أحسن حال في رزقهم وعيشهم فعليهم تقوم الساعة وهم يعملون، فلهم عقول لكن لا ينتفعون بها، ولهم آذان يسمعون بها في أمور دنياهم، ويبيعون ويشترون ويأكلون ويشربون ويغرسون، فتقوم الساعة وأحدهم يغرس الفسيلة قبل أن ينتهي من غرسها، وكذلك يرفع اللقمة فلا تصل إلى فمه حتى تقوم عليه الساعة، وتقوم الساعة والرجل يلوط الحوض لإبله، وتقوم الساعة والرجلان يتمادان في بيع القماش.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا روى ابن جريج عن مجاهد مثله، وروى جابر الجعفي عن مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح أنهم من هذه الأمة. يعنون في آخر الزمان.

    وقال ابن جرير : حدثني الحارث قال: حدثنا الحسن الأشيب قال: حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم:59] قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض ].

    جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله الكوفي ضعيف رافضي مدلس من الخامسة، فهو ضعيف في الحفظ ورافضي في العقيدة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا حيوة حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس حدثه: أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًّا) ].

    الخلْف بإسكان اللام هو العقب الفاسد، وبالفتح هو العقب الصالح، فعلى المعنى الأول قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ [مريم:59]، وكذلك قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169].

    وعلى المعنى الثاني يقال: هؤلاء خير خلف لخير سلف، أي: هؤلاء صالحون يتبعون السلف الصالح.

    قال: [ (ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر).

    قال بشير : قلت للوليد : ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل به، وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقرئ به.

    وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا عيسى بن يونس حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن مالك عن أبي الرجال (أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربرياً ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هم الخلف الذين قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ [مريم:59])، هذا حديث غريب ].

    و عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ليس بالقوي، فيه غرابة ونكارة.

    وأهل الصفة هم فقراء الصحابة كانوا يسكنون زاوية في المسجد.

    و أبو الرجال هو: أبو محمد بن عبد الرحمن بن حارثة البخاري .

    وفي قوله: (هذا حديث غريب) قال: ورواه الحاكم في المستدرك من طريق الحسن بن علي عن إبراهيم بن موسى به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: عبيد الله مختلف في توثيقه، ومالك لا أعرفه ثم هو منقطع ].

    فهذا الحديث ضعيف لأنه منقطع، ومالك هذا يقول عنه الذهبي أنه لا يعرفه.

    والحديث فيه نكارة وغرابة وهو أنها تبعث الصدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربرياً ولا بربرية، لأن أهل الصفة ليس فيهم بربري ولا بربرية، ولو فرضنا أنهم فيهم فيكون مسلمين في المدينة، ولا يمكن أن يكونوا مع أهل الصفة وهم كفار.

    ومن وجوه الغرابة فيه قصر إضاعة الصلاة على جنس بعينه، وليس في الكتاب ولا في السنة الصحيحة دليل على ذلك.

    فكل من أضاع الصلاة واتبع الشهوات سواء كان من البربر أو من غيرهم، فإنه من الذين قال الله فيهم: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم:59].

    فلا يثبت هذا الأثر لانقطاعه، وضعف عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب كما قال الذهبي رحمه الله، ولأن في متنه غرابة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أيضاً، قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا حريز عن شيخ من أهل المدينة أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [مريم:59] الآية، قال: هم أهل الغرب يملكون وهم شر من ملك ].

    وهذا الحديث غريب وفيه مجهول، وهو قوله: عن شيخ من أهل المدينة.

    وفي هذه النسخة: حدثنا حريز، وفي نسخة أخرى: حدثنا ابن جرير .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال كعب الأحبار : والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل: شرابين للقهوات تاركين للصلوات، لعابين بالكعبات رقادين عن العتمات مفرطين في الغدوات تراكين للجماعات قال: ثم تلا هذه الآية: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59] ].

    المراد بالقهوات جمع قهوة وهي الخمر، لأنهم يشربونها شيئاً بعد شيء.

    وقوله: تراكين للصلوات، وفي نسخة تاركين، فتراكين صيغة مبالغة.

    والكعبات هي من أنواع الميسر والقمار ويوجد في هذا الزمان أنواع من الكعبات.

    فقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ [مريم:59]، أي: شربوا الخمر ولعبوا الميسر.

    والعتمات جمع عتمة وهي صلاة العشاء، فكانوا يرقدون عنها، والغدوات جمع غداة وهي صلاة الفجر. فهؤلاء جمعوا شروراً كثيرة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الحسن البصري : عطلوا المساجد ولزموا الضيعات ].

    الضيعات هي الأموال والمزارع، فكانوا يشتغلون فيها ويضيعون الصلوات.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال أبو الأشهب العطاردي : أوحى الله تعالى إلى داود : يا داود! حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته عليَّ أن أحرمه طاعتي ].

    هذا من أخبار بني إسرائيل، والراوي أبو أشهب العطاردي وبينه وبين داود عليه السلام دهور، وهذا الأثر قد يكون معناه صحيحاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا أبو السمح التميمي ].

    وأبو السمح هو دراج بتثقيل الراء وآخره جيم ابن سمعان أبو السمح بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة، قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، السهمي مولاهم المصري القاص صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.

    فإذا روى عن أبي الهيثم يكون ضعيفاً وهو صدوق، إذا روى عن غيره.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ عن أبي قبيل أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن، أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين) ].

    ومعنى الحديث أنهم يتبعون الشهوات في الدنيا، فيربون الأغنام والأبقار والإبل ويظهرون ويتوسعون في هذا ويتركون الصلوات.

    و أبو قبيل هو حيي بن هانئ بن ناضر بنون ومعجمة أبو قبيل بفتح القاف وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة المعافري البصري صدوق يهم من الثالثة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة : حدثنا أبو قبيل عن عقبة به مرفوعاً بنحوه تفرد به ].

    أبو قبيل صدوق لكنه يهم قليلاً، من الثالثة، فلا بأس بسنده إن لم يكن فيه انقطاع.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللبن) كناية عن اتباع الشهوات في القرى، فيتوسعون في المزارع وغيرها، ويربون الإبل والبقر والغنم وينشغلون بذلك ويتركون الصلوات، والقرآن يتعلمه بعض الناس ويجادلون به المؤمنين.

    معنى قوله تعالى: (فسوف يلقون غياً)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59].

    قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59] أي: خسراناً، وقال قتادة : شراً .

    وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، قال: واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم ].

    وهذا الأثر عن عبد الله بن مسعود ضعيف لأنه منقطع، فـأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الأعمش : عن زياد عن أبي عياض في قوله: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]، قال : واد في جهنم من قيح ودم.

    وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير : حدثني عباس بن أبي طالب حدثنا محمد بن زياد حدثنا شرقي بن قطامي عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه فقلت: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بطعام ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفاً، ثم تنتهي إلى غي وآثام قال: قلت ما غي وآثام؟ قال: بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه، أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59]) وقوله في الفرقان: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [الفرقان:68]، هذا حديث غريب ورفعه منكر ].

    أبو الزرقاء هو شرقي بن سباط .

    و ابن زياد كما في تفسير الطبري هو محمد بن زياد بن زبار .

    هذا الحديث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم منكر كما ذكر الحافظ رحمه الله تعالى، لكن قوله: إن قعرها خمسون خريفاً، فهذا موافق لما ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم سمع وجبة، يعني: صوتاً، فقال: (هذا حجر قذف به في جهنم منذ سبعين خريفاً أو أربعين خريفاً حتى بلغ قعرها) فالحديث السابق يحتاج إلى أن يراجع سنده لمعرفة رواته واتصال السند.

    والغي هو الخسار والهلاك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [مريم:60] أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا [مريم:60]؛ وذلك لأن التوبة تجب ما قبلها.

    وفي الحديث الآخر: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ].

    من فضل الله تعالى وإحسانه أن التوبة من جميع الذنوب والمعاصي تجب ما قبلها، إذا كانت توبة نصوحاً قبل بلوغ الروح الحلقوم وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، بأن تكون توبة بإخلاص وصدق وإقلاع عن الذنب وندم وعزم صادق، ورد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس قبل الله توبته.

    قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53] وقد أجمع العلماء على أنه هذه الآية في التائبين، وأن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب.

    بخلاف آية النساء قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فهذه الآية في غير التائبين؛ لأنه خصص وعلق، خص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما دونه على المشيئة، وقد عرض الله التوبة على المثلثة الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73] ، ثم قال: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ [المائدة:74]، وكذلك عرضها على المنافقين، قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا [النساء:145-146].

    فالتوبة مقبولة ممن تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً إذا وجدت شروطها وكانت في وقت الإمكان، وأتبع التوبة بالإيمان والعمل الصالح، فإن الله يبدل سيئاته حسنات، قال تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70] وهذا فضل من الله تعالى وإحسان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئاً، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها، فينقص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هدراً وترك نسياً وذهب مجاناً من كرم الكريم وحلم الحليم ].

    قوله: لأن ذلك ذهب هدراً يعني: أن السيئة محيت ولا يقابل بشيء من الأعمال ولا يسقط شيء من الحسنات.

    قال:[ لأن ذلك ذهب هدراً وترك نسياً وذهب مجاناً من كرم الكريم وحلم الحليم، وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان:68] إلى قوله: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70].