إسلام ويب

تفسير سورة مريم [34-40]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • افترقت أحزاب النصارى في سيدنا عيسى بن مريم افتراقاً كبيراً، وقد بين الله قول الحق فيه؛ أنه عبده ورسوله وروحه ألقاها إلى مريم وكلمة منه، ونزه نفسه سبحانه عن اتخاذ الولد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ...)

    قال الله تعالى: [ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [مريم:34-37].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ذلك الذي قصصناه عليك من خبر عيسى عليه السلام: قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم:34] أي يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به؛ ولهذا قرأ الأكثرون (قولُ الحق) برفع قول ] .

    (ذلك عيسى بن مريم قولُ الحق) والقراءة المشهورة لـحفص بالنصب، ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ [مريم:34].

    قال: [ ولهذا قرأ الأكثرون (قولُ الحق) برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر (قولَ الحق)، وعن ابن مسعود أنه قرأ: (ذلك عيسى بن مريم قال الحق) والرفع أظهر إعرابا، ويشهد له قوله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران:60]، ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبداً نبياً نزه نفسه المقدسة فقال: مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ [مريم:35] ].

    فقراءة حفص عن عاصم (قولَ الحق) بالنصب، والرفع أظهر مثلما قال الحافظ رحمه الله: (ذلك عيسى بن مريم قولُ الحق) مبتدأ وخبر، أما النصب فعلى تقدير فعل، أي: أعني قولَ الحق.

    قال: [ ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبداً نبيا نزه نفسه المقدسة فقال:

    مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ [مريم:35] أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علواً كبيراً.

    إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [مريم:35]أي: إذا أراد شيئاً فإنما يأمر به، فيصير كما يشاء كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران:59-60].

    وقوله: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [مريم:36]، أي: ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته فقال: فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [مريم:36] أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى ].

    اختلاف أهل الكتاب وغيرهم في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ [مريم:37]، أي: اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.

    فصممت طائفة منهم وهم جمهور اليهود -عليهم لعائن الله- على أنه ولد زنية ].

    نسأل الله العافية، وقبح الله اليهود يقولون: إنه ولد بغي، والنصارى قالوا: إنه ابن الله، فالنصارى غلوا فرفعوه من مقام العبودية إلى مقام الربوبية، واليهود قبحهم الله هبطوا به وتنقصوه، ورموه بالعظائم حتى قالوا: إنه ولد زنا والعياذ بالله، وهدى الله المسلمين، فقالوا فيه المقالة التي قالها الله في كتابه، قالوا: إنه عبد الله ورسوله نبي كريم خلقه الله من أم بلا أب، أمه مريم البتول وليس له أب، خلقه الله بكلمة كن، قال له: كن فكان، كما أنه قال لآدم: كن فكان، ليس له أب ولا أم، وحواء خلقت من آدم وليس لها أم، خلقت من ذكر بلا أنثى وسائر الناس خلقوا من ذكر وأنثى ، فتمت القسمة الرباعية.

    قال: [ فصممت طائفة وهم جمهور اليهود -عليهم لعائن الله- على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر ].

    هذا كلامه حين تكلم في المهد قالوا إنه سحر، كيف يكون سحراً وهو طفلٌ يتكلم وأنطقه الله آية وتبرئة لأمه، .

    قال: [ وقالوا: كلامه هذا سحر، وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله ].

    نعوذ بالله هذه طائفة الاتحادية والملاحدة الذين يقولون: الوجود واحد يقولون: تكلم الله، فهم من أكفر خلق الله، يقولون: العبد رب والرب عبد، كما قال رئيسهم ابن عربي الطائي :

    والعبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف

    إن قلت عبد فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف

    رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك، وهذه الطائفة الذين يقولون: إن الذي تكلم إنما هو الله، ومقتضى هذا القول يتمشى مع قول الاتحادية الذين هم أكفر خلق الله والعياذ بالله، رئيسهم ابن عربي الطائي ، ولهم مؤلفات الآن تحقق وتطبع طباعة فاخرة في ورق فاخر موجودة في مصر وفي غيرها، وابن عربي رئيس وحدة الوجود، وله مؤلفات تسمى فصوص الحكم، والفتوحات المكية كلها كفر وضلال ومعارضه للقرآن، وسميت فصوص الحكم؛ لأنه يعارض القرآن، وفي فص قصة نوح أتى بخزعبلات وأمور باطلة، يقول: إن نوحاً يظهر بمظهر الله، وفرعون يظهر بمظهر الله وهكذا نعوذ بالله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، كفر وضلال لا يستطيع الإنسان أن يتكلم به، لولا أنه موجود ومكتوب ومسجل ومؤلف ومطبوع، وهناك من يدافع عنهم ويقول: إن هؤلاء أولياء، فهذا القول يتمشى مع هذا القول .

    قوله: [ وقال آخرون: هو ابن الله ].

    وهذا قول النصارى قبحهم الله، وهذا من اختلاف الأحزاب في عيسى، منهم من قال: إنه ولد البغي وهذا قول اليهود، ومنهم من قال: إنه ابن الله وهذا قول النصارى، ومنهم من قال إن المتكلم هو الله وهذا قول الاتحادية الذين يقولون بوحدة الوجود.

    قال: [ وقال آخرون: ثالث ثلاثة ].

    أيضاً هذا للنصارى، أنهم قالوا: إنه ثالث ثلاثة ، قالوا: والآلهة ثلاثة: الله، ومريم، وعيسى، وقد كفرهم الله في قوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة:73]، ثم عرض عليهم التوبة فقال: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ [المائدة:74] قال العلماء: التوبة لا يحجب عنها أحد، إذا كان الله تعالى عرض التوبة على المثلثة وذنبهم عظيم؛ فالتوبة معروضة لكل أحد، مقبولة من كل أحد، ومن تاب تاب الله عليه، وذلك إذا تاب قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، أما إذا سيقت الروح ووصلت إلى الحلقوم انتهى الأمر، قال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء:18]، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) وقال الله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا [الأنعام:158]، جاء في تفسير البعض أنها طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان.

    قال: [ وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله ].

    وهذا هو الحق، وهو قول المسلمين وهذا هو الذي قرره تعالى في كتابه.

    قال: [ وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.

    قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [مريم:34] قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع ].

    امتروا يعني: شكوا فيه.

    قال: [ فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه، قال: هو ابن الله وهم النسطورية ] .

    كل هذه من طوائف النصارى، فاليعقوبية طائفة من طوائف النصارى والنسطورية كذلك.

    قال: [ فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه؟ فقال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله، قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا ، فاقتتلوا فظهروا على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:21]، وقال قتادة : وهم الذين قال الله: فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ [مريم:37]، قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً.

    وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن عروة بن الزبير عن بعض أهل العلم قريباً من ذلك، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم ].

    وقد ذكر هذا أحد ملوكهم من المتأخرين، فعند النصارى اختلاف عظيم في الإنجيل حتى أوصلوها إلى أربعين إنجيلاً، والله تعالى أنزل إنجيلاً واحداً، ثم اختصروها إلى أربعة، وهكذا اجتمعوا مرات عديدة فيختلفون على ستة عشر قولاً، ويتلاعنون حتى جاء قسطنطين هذا وكان له مكانة عندهم وله هيبة وجمعهم.

    قال: [ فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفاً فاختلفوا في عيسى بن مريم عليه السلام اختلافاً متبايناً جداً، فقالت كل شرذمة فيه شيئاً، فمائة تقول فيه قولاً، وسبعون تقول قولاً آخر، وخمسون تقول فيه شيئاً آخر، ومائة وستون تقول شيئاً، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه فمال إليهم الملك، وكان فيلسوفاً فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة ].

    أي: ألفوا له كتاباً وسموه الأمانة، واجتمع عليه النصارى فيما بعد، والحافظ يقول: ينبغي أن يسمى خيانة؛ لأنه مختلق ومخالف للإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، لكن لما رأى الملك أن ثلاثمائة وثمانية اتفقوا على هذا الرأي مال إليهم وقال: ضعوا لي كتاباً فوضعوا كتاباً، يتفق عليه النصارى ويحكمون به وسموه الأمانة وهو خيانة؛ لأنه مخالف لكتاب الله.

    قال: [ فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعاً كثيرة وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى حينئذ لهم الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام والجزيرة والروم فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسة ].

    هذا يدل على أن له قوة وله مكانة وقدرة.

    قال: [ وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا بل رفعه الله إلى السماء ].

    صاروا يعظمون الصليب، وهذا من جهل النصارى، يزعمون أن عيسى قتل وصلب، فهم بذلك يعظمون الصليب؛ لأن عيسى مصلوب عليه، وهذا من جهلهم، يعني: كان المتبادر إلى العقل أن الصليب لا يعظم؛ لكن لأن هذا هو الذي قتل عليه نبيهم وصلب عليه يعظمونه، وهل تعظم الخشبة التي صلب عليها؟ لكن هذا من جهل النصارى وقلة عقولهم، فصاروا يعبدونه فرحاً منهم بصلبه، وهذا من كذبهم، قال تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158] ولكن الله ألقى شبهه على أحد الناس فقتل وصلب، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].

    فإذا قيل: هل جميع النصارى يعتقدون أن عيسى قتل؟

    الجواب: قد لا يقال: كلهم، لكن هذا معروف عند كثير منهم، لكن المؤمنين من آمن به يعلم أن الله رفعه إليه، وكذلك أيضاً يمكن ممن حوله من ألقي عليه الشبه، والمتأخرون يعبدونه لأنهم يعتقدون أنه مصلوب.

    ويذكر ابن القيم رحمه الله: أنهم يعتقدون أن عيسى يشنع عليهم، ويزعمون أن إلههم في بطن مريم و أنه حملت به ثم ولد بعد ذلك، ثم عاش مدة ثم قتل وصلب، ثم بعد الصلب بثلاثة أيام صعد إلى السماء، ثم بعد ذلك صار هذا إلههم، وهذا من عقائدهم الفاسدة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [مريم:37]، تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى وزعم أن له ولداً، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة ].

    قوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [مريم:37] يعني: الله تعالى أنظرهم وأمهلهم وله الحجة البالغة فهو سبحانه يملي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، وقال تعالى: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183] وهم قالوا على الله العظائم، وكفروا بالله وقالوا عليه وعلى أنبيائه، وهو مع ذلك يمهلهم ويملي لهم كما أنظر إبليس وهو أكفر خلق الله، وقائد لكل شر وضلال فلما قال: أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ [الأعراف:14-15] لحكم بالغة وأسرار عظيمة.

    قال: [ ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلماً وثقة بقدرته عليهم فإنه الذي لا يعجل على من عصاه ].

    أملى الله سبحانه وتعالى لهم ليزداد عذابهم وشقاؤهم؛ لأن الكافر كلما ازداد كفراً وضلالاً زاد عذابه والعياذ بالله، وهذا من مكر الله وكيده لهم، أن الله تعالى يملي لهم ويمهلهم ويعافيهم ويرزقهم ويعطيهم الأموال والأنعام والبنين؛ ليزداد عذابهم وعقوبتهم، فإذا ما أخذوا بعد ذلك أخذوا على غرة وقد ازداد عذابهم وعقوبتهم نسأل الله السلامة والعافية؛ ولهذا فالجهاد في سبيل الله فيه خير للمؤمنين، وخير للكافرين أيضاً؛ لأن الكافر الذي قد وفقه الله للإسلام يدخل في الإسلام ويسلم من الكفر والضلال، والكافر الذي يقتل يخف عذابه؛ لأنه لو استمر على كفره زاد عذابه، فإذا قُتل الكافر على يد المسلم خف عذابه ونقص، وانقطع استمراره في العذاب والمعاصي والكفر الذي يزداد به عذابه.

    قال: [ كما جاء في الصحيحين (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    وفي الصحيحين أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله) ].

    وفي الصحيحين: (ولا أحد أحب إليه مدحاً من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه عذراً من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين).

    قال: [ وفي الصحيحين أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم)، وقد قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48] ].

    (أمليت لها) يعني: أمهلتها وأنظرتها مدة في هذه الحياة وهي ظالمة، ثم بعد ذلك يعاجلها بالعقوبة، ويأخذها أخذ عزيز مقتدر.

    قال: [ وقال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:42]؛ ولهذا قال هاهنا: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [مريم:37]، أي: يوم القيامة، وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) ].

    يعني: شهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه كلمته، أي: أنه المخلوق بكلمته التي ألقاها إلى مريم، (وروح منه) أي: روح من الأرواح التي خلقها الله، وقوله: (منه) أي: من عند الله، والإضافة للتشريف والتكريم، تسمى روح الله كما يقال: عبد الله، ورسول الله، وناقة الله، هذه إضافة مخلوق إلى الخالق للتشريف.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ...)

    قال الله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:38-40] .

    يقول تعالى مخبراً عن الكفار يوم القيامة: إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12]، أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئاً، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لكان نافعاً لهم ومنقذاً من عذاب الله؛ ولهذا قال: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم:38]، أي: ما أسمعهم وأبصرهم يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم:38] يعني: يوم القيامة.

    لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ [مريم:38] أي: في الدنيا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك.

    ثم قال تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم:39]، أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار ودخل كل إلى ما صار إليه مخلداً فيه.

    وَهُمْ أي: اليوم، فِي غَفْلَةٍ : عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدقون به.

    قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:39] ، وأشار بيده ثم قال: أهل الدنيا في غفلة الدنيا)، هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به ولفظهما قريب من ذلك ].

    ففي هذه الآيات الكريمات بيان حال الكفار حقاً، فهم وإن كانوا يسمعون أمور دنياهم، وأسماعهم وأبصارهم سليمة من جهة أمور الدنيا، لكنهم لا يسمعون الحق، ولا يقبلونه، بل هم، كما قال الله تعالى عنهم: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [البقرة:171]؛ ولهذا قال الله سبحانه في الآية الأخرى أنهم قالوا: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا [السجدة:12]، يعني: تيقنا الآن، لكن ذلك لا يفيدهم، ولهذا قال تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم:38-39] وهو يوم القيامة، إذ يتحسر الكفار على ما عملوا من أعمال سيئة ويودون أن يرجعوا إلى الدنيا، ولكن كما قال الله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، نسأل الله السلامة والعافية.

    وفي هذا الحديث أنه يجاء بالموت على صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار، والموت وإن كان أمراً معنوياً فالله قادر على أن يجعله أمراً حسياً على صورة كبش يذبح.

    والذي يذبح هو الموت، وليس ملك الموت كما يظنه بعض الناس، والموت أمر معنوي قلبه الله وجعله أمراً حسياً، كما أن الأعمال يجعلها الله أمراً حسياً توزن وتوضع في كفة، وكما جاء أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان.

    وكما جاء أن العمل يأتي الإنسان في قبره، فإن العمل الصالح يأتي على صورة رجل حسن الوجه طيب الريح فلا يزال يؤنسه، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، والكافر والعياذ بالله يأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح قبيح الصورة فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، ولا حول ولا قوة إلى بالله.

    وكذلك الموت يجعل على صورة كبش ويعرفه أهل الجنة وأهل النار؛ ولهذا يشرئبون، ويتطلعون وينظرون إليه، فيقال لأهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، ويقال لأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، جعل الله في قلوبهم معرفة يعرفونه بها، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة نعيماً إلى نعيمهم ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم نسأل الله السلامة والعافية.

    ومن صيغ التعجب: ما أسمعهم وما أبصرهم، يعني: أنهم متيقظون وأسماعهم حادة لما يقال لهم ولما ينفعهم في ذلك اليوم لكن لا ينفع ، ومن هذا الباب أن آزر والد إبراهيم الخليل يلقى ولده إبراهيم كما في صحيح البخاري فيقول له: اليوم لا أعصيك، وقد كان في الدنيا عاصياً لله، كما أخبر الله تعالى في الآيات: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:42-45] ، دعاه ولكن أجاب الأب فقال: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا [مريم:46-47] ثم نهي عن الاستغفار، وفي صحيح البخاري : (أنه يلقى آزر إبراهيم يوم القيامة وعلى وجهه قترة، فيقول آزر لإبراهيم: اليوم لا أعصيك)، ولا يفيده ذلك يوم القيامة، فيرق إبراهيم عليه السلام لوالده، فينادي ربه يقول: يا رب وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أعظم من خزي أبي الأبعد، فلما رق له قيل له: انظر ما تحت قدميك، فيقلب الله صورته فيكون بذيخ وهو ذكر الضبع متلطخ، فيؤخذ بقوائمه ويلقى في النار؛ أي: لما رق له إبراهيم قلب الله صورته وجعله في صورة ذكر الضبع فيلقى في النار وهذا ثابت في صحيح البخاري .

    وجاء في الحديث: (ما من أحد يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون نزع).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة : حدثني أسباط بن محمد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، وفي سنن ابن ماجة وغيره من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه، وهو في الصحيحين عن ابن عمر .

    ورواه ابن جريج قال: قال ابن عباس فذكر من قبله نحوه، ورواه أيضاً عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون ].

    وهذا من قصص عبيد بن عمير ، ولكن ما في الصحيح مقدم، ففي الحديث الصحيح أنه في صورة كبش أملح، وليس في صورة دابة.

    قال: [ وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل : حدثنا أبو الزعراء عن عبد الله - هو ابن مسعود - في قصة ذكرها قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي كان الله قد أعده لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحاً كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة، قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن الله من عليكم!

    وقال السدي عن زياد عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في قوله: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:39]، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل النار هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادي: يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتاً من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتاً من شهقة ماتوا ].

    لكن الله كتب عليهم ألا يموتوا، فهو الخلود، يعني: هو المقام المستمر.

    قال: [ فذلك قوله تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ يقول إذا ذبح الموت, رواه ابن أبي حاتم في تفسيره.

    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده.

    وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ قال: يوم القيامة وقرأ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر:56]. وقوله: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40] يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكاً ولا تصرفا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئاً، ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة.

    قال ابن أبي حاتم : ذكر هدبة بن خالد القيسي : حدثنا حزم بن أبي حزم القطعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة : أما بعد فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على خلقه: أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون ].

    يعني: هو الباقي بعد العباد، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40] وكل من على الأرض سيموت، كما قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، فهو سبحانه وتعالى الوارث، وهو الباقي بعد خلقه وإليه يرجع العباد كلهم فيحاسبهم ويجازيهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، فالوارث هو الله عز وجل يرث الأرض ومن عليها ومن عليها يموتون ولا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى، ومعنى يتحسر: يتندم، فهو الندم والتغابن الذي يلزم منه الحسرة، والمؤمنون يغبنون الكفار وحينئذ يتحسر الكافر.