إسلام ويب

تفسير سورة مريم [24-33]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فزعت مريم عليها السلام من الحمل من غير أب، وهجمت عليها الغموم من كل جانب حتى تمنت أن لم تكن ولدت وأنها كانت نسياً منسياً، فأنطق الله وليدها بما يجعلها تطمئن وتركن إلى أن الله لن يخذلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فناداها من تحتها ألا تحزني... فلن أكلم اليوم إنسياً)

    قال الله تعالى: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:24-26].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قرأ بعضهم: (مَنْ تَحْتِهَا) بمعنى: الذي تحتها، وقرأ الآخرون: ( مِنْ تَحْتِهَا) على أنه حرف جر. واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟

    فقال العوفي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: فناداها من تحتها جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة : أنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام، أي: ناداها من أسفل الوادي.

    وقال مجاهد : (فناداها من تحتها) قال: عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ، قال: قال الحسن : هو ابنها، وهي إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير : أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم:29] واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره.

    وقوله: أَلَّا تَحْزَنِي أي: ناداها قائلاً: لا تحزني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ، قال: الجدول، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: السري النهر، وبه قال عمرو بن ميمون : نهر تشرب منه.

    وقال مجاهد : هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير : السري النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك : هو النهر الصغير بالسريانية ].

    السريانية لغة النصارى، كما أن العبرانية لغة اليهود.

    قال: [ وقال إبراهيم النخعي : هو النهر الصغير، وقال قتادة : هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال وهب بن منبه : السري هو ربيع الماء، وقال السدي : هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير .

    وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني : حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ].

    البابلّتي بتشديد اللام.

    قال: [ حدثنا يحيى بن عبد الله البابلّتي حدثنا أيوب بن نهيك سمعت عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن السري الذي قال الله لـمريم : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا [مريم:24] نهر أخرجه الله لتشرب منه)، وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه.

    وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي ، قال فيه أبو حاتم الرازي : ضعيف، وقال أبو زرعة : منكر الحديث وقال أبو الفتح الأزدي : متروك الحديث.

    وقال آخرون: المراد بالسري عيسى عليه السلام ].

    لا يعتمد على هذا الحديث، لأنه ضعيف، والظاهر أنه جدول ماء أو نهر موجود، أما القول بأنه أخرجه الله في الحال فإنما جاء في هذا الحديث الضعيف.

    قال: [ وقال آخرون: المراد بالسري عيسى عليه السلام، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر ، وهو إحدى الروايتين عن قتادة ، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والقول الأول أظهر، ولهذا قال بعده: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25] أي: وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة. قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: مثمرة، قال مجاهد : كانت عجوة.

    وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى : كانت صرفانة ].

    المهم أنها نخلة، لكن هل مثمرة أو غير مثمرة؟ إن لم تكن مثمرة فهو من الكرامات، كما كانت تأتيها الثمرة من قبل إلى المحراب حيث كانت تأتيها فاكهة الشتاء في زمن الصيف، وفاكهة الصيف في زمن الشتاء.

    قال: [ والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه ، ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاماً وشراباً، فقال: تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا [مريم:25-26] أي: طيبي نفساً، ولهذا قال عمرو بن ميمون : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن روي م عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه الصلاة والسلام، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها) ].

    هذا حديث ضعيف بل موضوع.

    ولعل آفته مسرور هذا، وقد ذكر في الأحاديث الموضوعة ذكره ابن الجوزي وغيره، وابن القيم ذكره في الأحاديث الموضوعة، لكن هذا معناه أنه يكون ضعيفاً لا موضوعاً.

    لكن الموضوع هو الذي يكون في سنده كذاب، والذي في سنده متهم يكون ضعيفاً جداً، ولا يصل إلى درجة الوضع.

    قال: [ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أطعموا نساءكم الولد الرطب) ].

    (أطعموا نساءكم الولَّد)، يعني: الوالدات.

    قال: [ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أطعموا نساءكم الولَّد الرطب؛ فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران)، هذا حديث منكر جداً، ورواه أبو يعلى عن شيبان به ].

    يكون آفته مسرور ، والحديث هذا غير موضوع لكنه ضعيف.

    قال: [ وقرأ بعضهم: تُسَاقِطْ [مريم:25] بتشديد السين وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نهيك : (تُسقط عليك رطباً جنياً).

    وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها: (يُساقط) أي: الجذع، والكل متقارب ].

    الأقرب أن الذي ناداها عيسى؛ لأنها بعد ذلك لما ذهبت إلى قومها تحمله، فسألوها فأشارت إليه، يعني: كلموه؛ لأنه كلمها قبل ذلك، فالأقرب أنه الذي كلمها وناداها من تحتها.

    قال: [ وقوله: فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا [مريم:26] أي: مهما رأيت من أحد: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26] المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26] ].

    (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) يعني: إذا سألوها قولي: إني نذرت للرحمن، يعني: تشير أنا لا أتكلم، أنا عندي نذر، تشير بيدها، (فقولي) فأطلق القول على الإشارة، يعني: فأشيري لهم أني نذرت ألا أكلم أحداً، وإلا فكيف تقول: (إني نذرت ألا أكلم) ثم تتكلم، المراد بالقول هنا الإشارة، (فقولي) فعبر بالقول عن الإشارة.

    قال: [ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26].

    قال أنس بن مالك في قوله: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26] قال: صمتاً، وكذا قال ابن عباس والضحاك ، وفي رواية عن أنس : صوماً وصمتاً، وكذا قال قتادة وغيرهما.

    والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد .

    قال ابن إسحاق عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحداً لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم عليها الصلاة السلام؛ ليكون عذراً لها إذا سئلت، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله.

    وقال عبد الرحمن بن زيد : لما قال عيسى عليه الصلاة والسلام لـمريم : لَّا تَحْزَنِي قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة؟ أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26]، قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه، وكذا قال وهب ].

    هذا هو الأقرب.

    والصواب أن مريم ليست نبية، وإنما هي صديقة، وذهب ابن حزم إلى أنها نبية، فغلطه العلماء، وهذا من أغلاطه وأوهامه، واستدل بأن جبريل كلمها، قال: فدل على أنها نبية، وكذلك يقول: أم موسى أيضاً نبية، عندما قال: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص:7]، قال: هذا يدل على أنها نبية، وسارة امرأة إبراهيم قال: إنها نبية، هذه من أغلاطه وأوهامه.

    والصواب أنه ليس في النساء نبية، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109]، فالنبوة خاصة بالرجال، ومريم وصلت إلى درجة الصديقية؛ لأن الله تعالى ذكرها في مقابل الرسالة، قال: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [المائدة:75]، فبلغت الصديقية، والصديقية بعد النبوة، قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء:69]، فالصديق يلي درجة النبوة، وهي صديقة، ولو كانت نبية لقال الله: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه نبية)، فلما ذكر أن أعلى مقام لها فيما قابل الرسالة الصديقية دل على أنها ليست نبية.

    وهل هناك صديقون بعد أبي بكر ؟

    نعم، كثيرون، قال الله: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [النساء:69]، لكن الصديق الأكبر أبو بكر، والصديق صيغة مبالغة، من قوة تصديقه وصدقه مع الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأتت به قومها تحمله...)

    قال الإمام ابن كثير رحمه الله: [ قال الله تعالى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم:27-33].

    يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وأن لا تكلم أحداً من البشر، فإنها ستكفى أمرها، ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله عز وجل، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً وقالوا: يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً، أي: أمراً عظيماً، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي، قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئاً، فرءوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها سجداً نحو هذا الوادي.

    قال عبد الله بن زياد : وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نوراً ساطعاً، فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم ، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها: قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا [مريم:27] أمراً عظيماً يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:28] أي: يا شبيهة هارون في العبادة مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28] أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟

    قال علي بن أبي طلحة والسدي : قيل لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ أي: أخي موسى، وكانت من نسله، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.

    وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون ، فكانت تقاس به في العبادة والزهادة.

    وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له: هارون ، ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير .

    وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا المفضل بن فضالة قال: حدثنا أبو صخر عن القرظي في قوله الله عز وجل: يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:28]، قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [القصص:11] ].

    هذا بعيد؛ لأن بين مريم وبين موسى وهارون ما يقرب من ألف عام، وإنما قالوا: (يا أخت هارون) لأنهم يسمون بأسماء الأنبياء، أو أنه رجل صالح في زمانهم.

    وأما القول بأنه رجل فاجر فبعيد أيضاً؛ لأنهم قالوا لها: (يا أخت هارون) أنت معروفة بالعبادة، (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً) فهم يقولون: كيف يحصل هذا منك وأنت شبيهة بهارون أو أخت هارون، وكانوا يسمون بأسماء أنبيائهم.

    وكذلك القول بأنها أخت هارون النبي بعيد، فبينها وبينه دهور من الزمان؛ لأن موسى أول أنبياء بني إسرائيل، وعيسى آخر أنبياء بني إسرائيل، فكيف تكون أختاً لهارون؟! لا يمكن.

    قال: [ وهذا القول خطأ محض؛ فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء ].

    هو آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين نبينا نبي، وليس بعده نبي إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وموسى أول أنبياء بني إسرائيل، وبين موسى وعيسى أنبياء كثيرون وأمم لا يحصيهم إلا الله، داوود وسليمان ويحيى وزكريا.. كثير من الأنبياء، كلهم جاءوا بعد موسى، وكلفوا بالعمل بالتوراة، فكان آخرهم عيسى.

    قال: [ فدل على أنه آخر الأنبياء بعثاً، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا أولى الناس بابن مريم، إلا أنه ليس بيني وبينه نبي) ].

    ما جاء في الصحيحين: (أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، بدون ذكر الاستثناء.

    وهذا الحديث: (أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، يدل على ضعف الحديث الذي فيه أن هناك نبياً في هذه الفترة اسمه خالد بن سنان ، فليس هناك نبي بعد عيسى إلا نبينا محمد.

    قال: [ (أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي لم يكن متأخراً عن الرسل سوى محمد صلى الله عليه وسلم، ولكان قبل سليمان وداود ].

    معنى هذا إذا كانت مريم أختاً لهارون تكون قبل سليمان وداود، وهذا بعيد.

    يقولون: قول القرظي بأن مريم أخت لهارون النبي أخي موسى، على هذا يكون عيسى وموسى ليس بينهما نبي، والله تعالى يقول: وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ [البقرة:87] أخبر الله تعالى أنه قفى بعد موسى برسل كثيرين، ثم جاء عيسى، فهذا يدل على بطلان هذا القول؛ لأن الله أخبر أنه قفى بعد موسى بالرسل، ثم بعد ذلك أرسل الله عيسى.

    قال: [ ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى عليهما السلام في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246]، فذكر القصة إلى أن قال: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ [البقرة:251] الآية.

    والذي جرأ القرظي على هذه المقالة: ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها، يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى، وهي هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه ].

    يعني: إن صح ما في التوراة، ولم يكن محرفاً؛ تكن مريم بنت عمران أخت موسى اسمها كذلك، وليست هي أم عيسى، أي أن موسى بن عمران له أخت اسمها مريم غير مريم أم عيسى، هذا لو صح ما في التوراة مع أنه لا يعتمد على ما في التوراة، والتوراة التي في أيديهم حرفت على أيدي بني إسرائيل.

    قال: [ وهذه هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:28] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)، انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك به، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس ].

    هذا قوله: (يا أخت هارون), هارون سمي باسم هارون النبي، وهي سميت باسم مريم ، فعلى هذا ليس المراد هارون النبي لأن بينهما دهوراً، وإنما هارون آخر سمي باسم هارون النبي.

    قال: [ وقال ابن جرير : حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن كعباً قال: إن قوله: يَا أُخْتَ هَارُونَ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة : كذبت، قال: يا أم المؤمنين! إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة، قال: فسكتت، وفي هذا التاريخ نظر ].

    ثم أيضاً هو منقطع، قال محمد بن سيرين : نبئت. من الذي نبأه؟ فيه انقطاع، والأقرب أنه أكثر من ستمائة سنة بين موسى وعيسى، بل لعله يقارب ألف سنة.

    قال: [ وقال ابن جرير أيضا: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قوله: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28]، قالت: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به ].

    يتوالدون، يعني: يتوالدون على الفساد، لا يزالون هم وأولادهم فاسدين، نعوذ بالله.

    قال: [ وكان هارون مصلحاً محبباً في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر ].

    هذا هو الصواب، فليس هو هارون أخا موسى، وإنما سمي باسمه؛ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، فهارون أخوها، لكن ليس هارون النبي أخا موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن بينهما دهوراً، وإنما هارون آخر رجل صالح سمي باسم هارون النبي.

    قال: [ قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمون هارون من بني إسرائيل ].

    وهذا ضعيف، فيه مبالغة.

    قال: [ وقوله: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29] أي: أنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها، وقالوا لها ما قالوا معرّضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29]؟

    قال ميمون بن مهران : فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قالت: كلموه، فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبياً.

    وقال السدي : لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.

    قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم:29] أي: من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره كيف يتكلم؟

    قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم:30] أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى، وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.

    وقوله: آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30] تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة ].

    هذه من آيات الله العظيمة، وخارق من خوارق العادات، أمر عظيم بهر العقول، وهم لا يشكون أنها بغي، ولهذا قالوا: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم:28]، كيف يأتي هذا الولد من دون أب؟ ما كان أبوك معروفاً بالسوء، ولا كانت أمك معروفة بالزنا والفواحش، فكيف تقدمين على هذه الفاحشة العظيمة؟ لا يشكون في أنه لا يوجد أحد من دون أب، ولكن الله سبحانه جعله آية للناس -كما أخبر- فخلقه من أم بلا أب، حكمة بالغة ليكون آية للناس، وليتم بذلك القسمة الرباعية؛ فإن الناس أربعة أقسام: القسم الأول: خلق بلا ذكر ولا أنثى، وهو آدم خلقه الله من تراب ليس له أب ولا أم.

    القسم الثاني: خلق من ذكر بلا أنثى، وهي حواء خلقت من ضلع أعوج.

    القسم الثالث: عيسى خلق من أنثى بلا ذكر.

    القسم الرابع: سائر الناس خلقوا من ذكر وأنثى، فتمت بذلك القسمة الرباعية.

    والله تعالى برأ مريم البتول الطاهرة الصديقة وأنطق الولد، فتكلم في المهد، طفل لا يتكلم ثم يتكلم! ولذلك سكتوا وأذعنوا، لا يمكن أن يتكلم صبي وهو في المهد، فلما كلمهم عرفوا أن هذه آية، وأنها بريئة، فزال عنهم كل ما يدور في أذهانهم، ولهذا قال في أول ما تكلم: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم:30] فنسب نفسه إلى أنه عبد لله، ليس ولداً لله كما تقول النصارى.

    آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم:30] ثاني شيء: سيؤتيني الكتاب في الكبر.

    وَجَعَلَنِي نَبِيًّا بعد بلوغ سن الرشد، وبعد السن الذي يرسل الله فيه الأنبياء.

    قال: [ قال نوف البكالي : لما قالوا لأمه ما قالوا كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه واتكأ على جنبه الأيسر وقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30] إلى قوله: مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31].

    وقال حماد بن سلمة عن ثابت البناني : رفع إصبعه السبابة فوق منكبه وهو يقول: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30].

    وقال عكرمة : آتَانِيَ الْكِتَابَ أي: قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى.

    وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن المصفى حدثنا يحيى بن سعيد هو العطار عن عبد العزيز بن زياد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ].

    يحيى بن سعيد هو العطار .

    قال: [ وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا محمد بن المصفى حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد العزيز بن زياد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان عيسى بن مريم قد درس الإنجيل وأحكمه في بطن أمه، فذلك قوله: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30] ].

    لا وجه لهذا، هذا إن صح فهو من أخبار بني إسرائيل، وفي السند يحيى بن سعيد العطار وهو متروك! يعني: أن الحديث شديد الضعف، لأن الراوي متهم بالوضع، ومثل هذا لا يعول عليه، ولكن المعنى: (آتاني الكتاب وجعلني نبياً) يعني: سيؤتيني الكتاب في الكبر، يعني: قضى وقدر وكتب في الكتاب المحفوظ أنه سيؤتيه الكتاب بعد الكبر، وهو الإنجيل، أما أنه درس في بطن أمه فهذا لا وجه له.

    قال: [ فذلك قوله: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30] يحيى بن سعيد العطار الحمصي متروك ].

    متهم بالوضع.

    قال: [ وقوله: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ [مريم:31] قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري : وجعلني معلماً للخير، وفي رواية عن مجاهد : نفاعاً.

    وقال ابن جرير : حدثني سليمان بن عبد الجبار حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي ، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالماً هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله! ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده.

    وقد أجمع الفقهاء على قول الله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ [مريم:31]، وقيل: ما بركته؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان ].

    وفي التقريب قال: وهيب بن الورد بفتح الواو وسكون الراء، القرشي مولاهم المكي أبو عثمان، أو أبو أمية يقال اسمه: عبد الوهاب . ثقة عابد من كبار السابعة.

    ومعنى قوله الله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا [مريم:31] أنه يأمر بالمعروف، يعني: لما لقيه قال له: ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم ذكر له دليلاً فقال: أجمع الفقهاء على أن معنى قوله تعالى: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ [مريم:31] أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذه من بركته، ولا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نفعه يتعدى وينفع الناس، فهذا إن صح عن وهيب ، وحتى لو لم يصح لا شك أن من بركة المسلم كونه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولهذا قال أسيد بن حضير لـعائشة رضي الله عنها في قصة العقد لما ضاع، وتأخر الجيش من أجلها ونزلت آية التيمم: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر لأنه نزل بسببها آية التيمم فنفع الله بها الناس، وصاروا مباركين؛ ولهذا يقال للإنسان: أنت رجل مبارك وهذا من بركتك التي جعل الله فيك، إذا كان نفعه يتعدى، وإذا كان ينفع الناس بشفاعته أو بتوجيهه وإرشاده أو بماله أو ببدنه.

    وكذلك إذا كان الإنسان يأمر بالخير وينهى عن الشر فهو مبارك، ونفعه يتعدى.

    وإذا رأى معصية وهو يقدر على تغييرها ولم ير أحدٌ غيره هذه المعصية تعين ذلك عليه، فإن رآها غيره فإنه يجب على الأمة كلها، فإذا غيره الإنسان سقط الإثم عن الأمة، وإلا أثمت؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ولهذا قال سبحانه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104] يعني: من هذه الأمة من يقوم بهذا الواجب العظيم.

    وإذا رأيته وهو يفعل المنكر تنكر عليه باللين وبالرفق، تقول له: يا فلان اتق الله، هذا لا يجوز، هذا من المحرمات، هذا من الخبائث، وهذا فيه الضرر بالصحة والمال والبدن، هذا فيه أذية للمؤمنين وإضاعة للمال، والمسبل يقال له: اتق الله وارفع إزارك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أسفل من الكعبين ففي النار).

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قوله: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31]، كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99].

    وقال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس في قوله: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ما أثبتها لأهل القدر ].

    أخذ هذا من الوصية بالصلاة والزكاة، قال تعالى: وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:31] أي: ما دمت في حياتي فإني أقيم الصلاة والزكاة، وأخبره بما سيكون إلى أن يموت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً)

    قال تعالى: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم:32].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي [مريم:32] أي وأمرني ببر والدتي ذكره بعد طاعة ربه؛ لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] وقال: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14].

    وقوله: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم:32] أي: ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك.

    وقال سفيان الثوري : الجبار الشقي الذي يقبل على الغضب -وفي نسخة يقتل- وقال بعض السلف: لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً ثم قرأ: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم:32] قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً ثم قرأ: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [النساء:36] ].

    وفي الحاشية قال: سيئ الملكة: الذي يسيء إلى صحبه ومماليكه، يقال: وهو سيئ الملكة والملك، وحسن الملكة والملك.

    قال: [ قال قتادة : ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهن وأذن له فيهن فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى عليه السلام يجيبها: طوبى لمن تلا كلام الله فاتبع ما فيه ولم يكن جباراً شقياً ].

    وهذه من الآيات التي أوتيها عيسى عليه السلام، أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وذلك أن الله سبحانه وتعالى أعطى كل نبي من الآيات والمعجزات ما هو من جنس ما تفوق به قومه، وكان الناس في زمن عيسى تفوقوا في الطب وبلغوا فيه شأواً بعيداً، فأعطاه الله من الآيات أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فعرفوا أن هذا من الله، يحيي الموتى يعني: كما قال الله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي [المائدة:110]. تخلق يعني: تصور من الطين على شكل طير ثم ينفخ فيه فيحييه الله، فعيسى منه التصوير والتغيير والنفخ والإحياء من الله.

    وكذلك يبرئ الأكمه، والأكمه هو الذي لم يشق له عين، ثم يبرئه عيسى بإذن الله فيكون مبصراً، وكذلك يبرئ الأبرص، وهذه من الآيات التي أوتيها، ولما كان الناس في زمن موسى عليه السلام بلغوا في السحر شأواً بعيداً، أعطى الله موسى العصا وفاق به ما عند السحرة حتى إذا وضعها صارت حيه تسعى، وإذا أخذها عادت عصا.

    ولما جمع السحرة من أجل المناظرة، جمعوا الحبال والعصي وجعلوا فيها الزئبق فكانت تتلوى كأنها حيات وامتلأ الوادي، وأوجس في نفسه خيفة موسى قال الله له: لا تخف وألق ما في يدك، فوضع العصا فصارت حية عظيمة وابتلعت جميع ما في الوادي، فعند ذلك خر السحرة سجداً لله وآمنوا بالله، قالوا: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:121-122] وأن هذا ليس من صنع البشر وإنما هو من عند الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً)

    قال الله تعالى: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم:33]

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم:33]، إثبات منه لعبوديته لله عز وجل وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق ].

    وفيه الرد على النصارى القائلين بأنه ابن الله -قبحهم الله-، وأنه ثالث ثلاثة وأنه جزء من الله -تعالى الله عما يقولون- فيقول النصارى: إن عيسى جزء من الله وهو كلمة كن، والمسلمون يقولون: هو مخلوق بالكلمة وليس هو الكلمة، بل خلقه الله بكلمة كن، والنصارى يقولون: هو نفسه الكلمة، جعلوه جزءاً من الله؛ لأن الكلام صفة من صفات الله فقالوا: عيسى نفس كلمة كن، وهذا كفر وضلال، والمسلمون يعتقدون أن عيسى مخلوق بكلمة كن، أي: مخلوق بالكلمة وليس هو الكلمة، قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59].

    قال: [ وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد صلوات الله وسلامه عليه ].

    فالموت والحياة والبعث فيها الشدة، أي: عند الموت، وعند البعث، وعند الولادة، فله السلامة في هذه المواطن.