إسلام ويب

تفسير سورة مريم [8-15]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بشر الله سيدنا زكريا بالولد بعد طول عمر، وكانت امرأته عاقراً، فتعجب من ذلك، فبين الله له أنه إذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن، فيكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم:8-9].

    هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحاً شديداً وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقراً لم تلد من أول عمرها مع كبرها ].

    الله تعالى لا يعجزه شيء، والله على كل شيء قدير: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وقد سأل زكريا عليه السلام ربه هذا لما كانت عنده مريم وكان زوج خالتها وقد كفلها فكان يجد عندها فاكهة الصيف في زمن الشتاء وفاكهة الشتاء في زمن الصيف، فكما أن الله سبحانه وتعالى قد يأتي بالشيء في غير وقته، فيمكن أن يأتيه الولد في غير وقت أوانه، ولهذا قال الله تعالى في سورة آل عمران: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران:37-38]، يعني: من أجل ذلك.

    وسؤال زكريا لم يكن اعتراضاً على الله، فهو يعلم أن الله لا يعجزه شيء وإنما تعجب من حاله وأنه سيأتيه ولد وهو كبير السن وأصله عاقر، ولهذا سأل ربه الكيفية والوجه الذي يأتيه حتى يتم الفرح، فبين الله له وجعل له علامة وآية وهي ألا يكلم الناس ثلاث ليال، فيستطيع أن يسبح ويهلل ويقرأ، لكن لا يستطيع أن يكلم الناس إلا بالإشارة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومع أنه قد كبر وعتا، أي: عسا عظمه ونحل ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، تقول العرب للعود إذا يبس: عتا يعتو عتياً وعتواً، وعسا يعسو عسواً وعسياً.

    وقال مجاهد : عتياً بمعنى نحول العظم، وقال ابن عباس وغيره: عتياً يعني: الكبر، والظاهر أنه أخص من الكبر.

    وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ، أو عسياً، ورواه الإمام أحمد ].

    مع علم ابن عباس الواسع إلا أنه خفي عليه هذا.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه الإمام أحمد عن سريج بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به، (قال) أي: الملك مجيباً لزكريا عما استعجب منه: كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ ، أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، هَيِّنٌ أي: يسير سهل على الله، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ، كما قال تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [ الإنسان:1]، قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم:10] ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:10-11].

    يقول تعالى مخبراً عن زكريا عليه السلام أنه: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ، أي: علامة ودليلاً على وجود ما وعدتني لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260].

    قَالَ آيَتُكَ أي: علامتك، أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا أي: أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة.

    قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب بن منبه والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ].

    اعتقل لسانه عن كلام الناس خاصة دون غيره من الذكر وغيرها.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة ].

    قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران:41] آية آل عمران لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً يعني: إلا بالإشارة.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال العوفي عن ابن عباس : ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا أي: متتابعات، والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح، كما قال تعالى في أول آل عمران: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران:41].

    وقال مالك عن زيد بن أسلم : ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ، من غير خرس ].

    يعني: ليس أخرس، ولهذا قال الله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ [آل عمران:41].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها إِلَّا رَمْزًا ، أي: إشارة.

    ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ [مريم:11] أي: الذي بشر فيه بالولد فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ ، أي: أشار إشارة خفية سريعة، أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله وشكراً لله على ما أولاه ].

    فهذه الأيام يخصها بمزيد من التسبيح بكرة وعشياً، وأوحى إليهم أي: أشار، والوحي هو الإشارة الخفية، وفي هذه الآيات الكريمات بيان رحمة الله تعالى بعبده زكريا عليه السلام، وفيه استجابة الله لدعاء الأنبياء وغيرهم وأن الله تعالى يستجيب الدعاء، وأن الله يحب الملحين في الدعاء.

    وفيه فضل الدعاء الخفي وذلك في قوله: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم:3]، وأنه أفضل من الدعاء الذي يجهر به الإنسان، وهذا عام في جميع العبادات، كالقراءة والصدقة والدعاء، فما كان سراً فهو أفضل من العلن إلا إذا كان تبعاً فيه مصلحة، ولهذا قال سبحانه: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف:55]، وقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [الأعراف:205].

    وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل إلى الله بالوسائل الشرعية كما توسل زكريا بالربوبية، فقال: رب، وكما توسل بضعفه وحاجته.

    وفيه أن الأنبياء لا يورثون، وفيه أن زكريا عليه السلام سأل ربه ولداً يرثه النبوة وسياسة الناس بالشرع.

    وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يكون همه للآخرة أعظم من همه للدنيا، وأن يكون طلبه للآخرة أعظم من طلبه للدنيا، اقتداء بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.

    وفيه كما سبق فضل العمل، وأن الإنسان ينبغي له أن يكون بيده مهنة يعمل فيها، ولهذا كان زكريا عليه الصلاة والسلام نجاراً وكان داود حداداً، وسبق الحديث: (أن أفضل ما أكل المرء من عمل يده وكل بيع مبرور)، وجاء في الحديث: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، واليد العليا هي اليد المنفقة والسفلى الآخذة، ولا تكون اليد العليا إلا إذا عمل الإنسان بيده عمل ليكف وجهه عن الناس، يكون نجاراً.. يكون حداداً.. يكون بناءً.. حراثاً.. زراعاً.. بياعاً يبيع ويشتري، ولا يكون كلاً وعالة على الناس.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال مجاهد : فأوحى إليهم أي: أشار، وبه قال وهب وقتادة .

    وقال مجاهد في رواية عنه: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ [مريم:11]، أي: كتب لهم في الأرض، كذا قال السدي ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم:12-15].

    وهذا أيضاً تضمن محذوفاً تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى عليه الصلاة والسلام، وأن الله علمه الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ، أي: تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد.

    وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، أي: الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث.

    قال عبد الله بن المبارك : قال معمر : قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا، قال: فلهذا أنزل الله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12].

    وقوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا [مريم:13]، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا [مريم:13]، يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا، وزاد قتادة : رحم الله بها زكريا.

    وقال مجاهد : وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ، وتعطفاً من ربه عليه.

    وقال عكرمة : وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ، قال: محبة عليه.

    وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة.

    وقال عطاء بن أبي رباح رحمه الله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ، قال: تعظيماً من لدنا.

    وقال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا والله! ما أدري ما حناناً.

    وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن منصور : سألت سعيد بن جبير عن قوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ، قال: سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئاً.

    والظاهر من السياق أن قوله: وَحَنَانًا ، معطوف على قوله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم:12]، أي: وآتيناه الحكم وحناناً وزكاة أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها، ومنه سميت المرأة حنة من الحنية، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر:

    تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا

    وفي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان!).

    وقد يثنى، ومنهم من يجعل ما ورد في ذلك لغة بذاتها كما قال طرفة :

    أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض ].

    والشاعر هو طرفة بن العبد .

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَزَكَاةً ، معطوفاً على وَحَنَانًا ، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام ].

    والحنان جاء القول بأن المقصود منه: التوراة.

    وأن الحنان من أسماء الله، والمنان ثابت ولا إشكال فيه، وفيه أن الله سبحانه وتعالى نشأ يحيى تنشئة صالحة، وأنه علمه الكتاب، وكلمة (كتاب) جنس يشمل جميع الكتب، والمراد به التوراة؛ لأنه الذي يعمل به بنو إسرائيل، ويحيى ابن خالة عيسى عليه السلام، لكن يحيى وزكريا كانا يعملان بالتوراة، ثم أنزل الله الإنجيل على عيسى.

    وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، وفيه دليل على أنه ينبغي التعلم في الصغر، وأن التعلم في الصغر له مزية، ولهذا قال الله عن يحيى: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ، فكون الإنسان يتعلم في الصغر ووقت الشباب ويجد ويجتهد فهذا هو الوقت المناسب لتحصيل العلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال قتادة : الزكاة العمل الصالح.

    وقال الضحاك وابن جريج : العمل الصالح الزكي.

    وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: وَزَكَاةً ، قال: بركة ].

    رواية العوفي عن ابن عباس وعلي بن أبي طلحة منقطعة؛ لأن العوفي ما أدرك ابن عباس ، وعلي بن أبي طلحة ، لكنه يعلم كثيراً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وَكَانَ تَقِيًّا ، طاهراً فلم يعمل بذنب.

    وقوله: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ، لما ذكر تعالى طاعته لربه وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما ومجانبته عقوقهما قولاً وفعلاً أمراً ونهياً، ولهذا قال: وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ، ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ، أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال ].

    والسلام وهو الأمان، وهذه منقبة عظيمة أعطاها الله ليحيى عليه الصلاة والسلام وأنزل فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

    وكما قال: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ [ص:46-47]، وهذه مناقب عظمة ذكرها الله في كتابه العزيز.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال سفيان بن عيينة : أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه ].

    ولهذا يبكي حينما يسقط من بطن أمه، فقد خرج من المألوف الذي ألفه وجلس فيه مدة إلى الأرض.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم ].

    يعاين الملائكة فيكشفون له عن مستقبله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم ].

    ولهذا يقول الشاعر:

    ولدتك حين ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً

    فاجهد لعلك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

    أي: اجتهد بالعمل الصالح، فلما ولدت كنت تبكي والناس يضحكون سروراً فرحاً بولادتك، فاجتهد بالعمل الصالح حتى إذا بكوا عليك في يوم موتك تكون ضاحكاً مسروراً تبشرك الملائكة بالجنة أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ [فصلت:30].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا عليهم الصلاة والسلام فخصه بالسلام عليه: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم:15] رواه ابن جرير ، عن أحمد بن منصور المروزي ، عن صدقة بن الفضل عنه.

    وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: جَبَّارًا عَصِيًّا [مريم:14]، قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا)، قال قتادة : ما أذنب ولا هم بامرأة، مرسل ].

    فهذا مرسل؛ لأن سعيد بن المسيب تابعي والمرسل ضعيف.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال محمد بن إسحاق ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، حدثني ابن العاص : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا) ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم ].

    فإذا صرح محمد بن إسحاق بالحديث فهو ثقة، وإذا عنعن يكون ضعيفاً بتدليسه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، أخبرنا علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)؛ وهذا أيضاً ضعيف لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة. والله أعلم ].

    وأما قوله: (وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، فهو ثابت صحيح.

    و علي بن زيد بن جدعان ضعيف عند الجمهور، وإن الترمذي رحمه الله والشيخ أحمد شاكر يحسنون حديثه، لكنه عند الجمهور ضعيف، كما قال الحافظ رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك، فعرف والله فضلهما ].

    قوله: سلمت على نفسي في قوله عن عيسى: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم:33].

    وفي قوله عن يحيى: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ [مريم:15]، يقول عيسى: أنا سلمت على نفسي، وأنت سلم الله عليك، فأنت أفضل مني، لكنه ضعيف؛ لأن الحسن وفيه سعيد بن أبي عروبة وقتادة وكل منهم مدلس معنعن.