إسلام ويب

تفسير سورة الكهف [92-98]للشيخ : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله تعالى من شأن ذي القرنين أنه بلغ في تطوافه موضع يأجوج ومأجوج بين السدين، وهما أمتان من نسل آدم عليه السلام تعيثان في الأرض فساداً، فسخر الله تعالى ذا القرنين لنجدة أناس طالهم السوء من تلك الأمتين، فبنى لهم ردماً عظيماً سد به مخرج يأجوج ومأجوج معترفاً بمنة الله تعالى عليه في تمكينه له، وبقدرة الله تعالى على دك السد حين يأذن بخروج يأجوج ومأجوج، وكان وعد الله تعالى حقاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً . حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ...)

    قال الله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا [الكهف:92-93].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخبراً عن ذي القرنين : ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا أي: ثم سلك طريقاً من مشارق الأرض، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وهما جبلان متناوحان ] يعني: جبلان متقابلان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيها فساداً، ويهلكون الحرث والنسل ].

    ويأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم على الصحيح، وسميتا بيأجوج ومأجوج لكثرة لغطهم وأصواتهم.

    وما ذكره بعضهم من أن آدم احتلم في الأرض، وأن الله خلقهما باحتلامه؛ فهو باطل لا أصل له، والصواب أنهما أمتان من بني آدم كافرتان تعيثان في الأرض فساداً، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: يا آدم! أخرج بعث النار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسمعائة وتسعة وتسعون في النار وواحد إلى الجنة، فشق ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟! فقال: أبشروا، فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً) وفي الحديث الآخر: (أنهما أمتان ما كانتا في شيء إلا كثرتاه) فهما أمتان كافرتان.

    وثبت في الحديث الصحيح أن ذا القرنين -كما في الآية- بنى السد، وأنهم يخرجون في آخر الزمان ويفسدون في الأرض، فيخرجون في زمن عيسى عليه السلام حين ينزل من السماء، وهو العلامة الثالثة من العلامات الكبرى للساعة، فأولها المهدي ، يخرج في آخر الزمان في وقت ليس للناس فيه إمام، ويبايع بين الركن وباب الكعبة، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهو محمد بن عبد الله المهدي ، والفتن تحصر أهل السنة وأهل الحق في الشام، وتحصل حروب في زمانه بين النصارى والمسلمين، وتفتح القسطنطينية، ويعلق المسلمون سيوفهم بالزيتون بعد فتح القسطنطينية وانتصار المسلمين، فبينما هم كذلك إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح الدجال قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج.

    فخروجه يعتبر العلامة الثانية من أشراط الساعة الكبرى، ثم ينزل عيسى بن مريم من السماء في وقت الدجال وفي زمن المهدي ، فنزول عيسى هو العلامة الثالثة من أشراط الساعة، فيقتل عيسى عليه الصلاة والسلام الدجال ، فمسيح الهدى يقتل مسيح الضلالة.

    ثم بعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج في زمان عيسى، فهذه أربع علامات متتالية في وقت واحد: المهدي ، ثم الدجال ، ثم نزول عيسى بن مريم، ثم خروج يأجوج ومأجوج، فيتحرز نبي الله عيسى ومن معه من المؤمنين بجبل الطور، فيوحي الله إلى عيسى أن: (حرز عبادي إلى الطور، فإني سأخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، فقوله: (عباداً لي) يعني العبودية العامة؛ لأن العبودية نوعان: عبودية عامة تشمل كل الناس كافرهم ومؤمنهم، بمعنى أنه تنفذ فيهم قدرة الله ومشيئته وإرادته، فلا يخرجون عنها، مثل قول الله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93].

    النوع الثاني: العبودية الخاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين، أي: من يعبد الله باختياره، ولهذا يوحي الله إلى عيسى أن: (حرز عبادي إلى الطور؛ فإني مخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، يعني: لا قدرة ولا طاقة لأحد بهم، فيتحرز نبي الله عيسى ومن معه إلى جبل الطور، فيخرج يأجوج ومأجوج ويفسدون في الأرض، فيدعو نبي الله عيسى ومن معه عليهم فيهلكهم الله كموت نفس واحدة، حتى يكونوا كالجبال وكالتلال بعضهم فوق بعض، فيرسل الله طيراً كالبخت -أي: الإبل- تأخذهم فتلقيهم في البحر، فينزل الله مطراً فيطهر الأرض به، وهذا من رحمة الله؛ لأنهم لو بقوا لأوخمت الأرض وهلك الناس.

    فهذه أربع علامات من أشراط الساعة الكبرى كلها متتالية، والمقصود أن يأجوج ومأجوج أمتان كافرتان مفسدتان في الأرض، ولهذا لما وصل إليهم ذو القرنين رحمه الله وشكى إليه الترك فساد يأجوج ومأجوج فقالوا: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فاجعل بيننا وبينهم سداً، وسنعطيك مالاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً، فقال ذو القرنين : مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ يعني: أنا عندي من المال ما يكفيني، لكن أعينوني بقوة ورجال، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ فأعانوه فبنى السد بينهم وبين يأجوج ومأجوج.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام، كما ثبت في الصحيحين: (إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بعث النار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج) ].

    هذا الحديث فيه إثبات الكلام لله عز وجل، وأن الله يتكلم بصوت وحرف، خلافاً للجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين أنكروا الصوت، فهو يناديهم، وفي الحديث الآخر: (أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).

    والمعتزلة والأشاعرة والجهمية أنكروا الكلام، فقال الأشاعرة: إن الكلام معنى قائم بالنفس لا يسمع، ليس بحرف ولا صوت، وهذا الحديث فيه الرد عليهم، فهو سبحانه يتكلم بحرف وصوت، لكن الله لا يشبه المخلوقين في شيء من صفاتهم، فصوت الله لا يشبه صوت المخلوق، ولهذا فإن كلام الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، بخلاف صوت المخلوق، فلا يسمعه إلا القريب.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد حكى النووي رحمه الله في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك ].

    هذا ذكره النووي في شرح صحيح مسلم ، وهو ضعيف وليس بصحيح.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء، وهذا قول غريب جداً، ثم لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم ].

    الصواب أنهم خلقوا من آدم وحواء وهما أمتان من آدم وحواء.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك) فقال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، قال: إنما سموا هؤلاء تركاً لأنهم تركوا من وراء السد، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة ].

    يعني: صاروا خارج السد، فسموا الترك، وبقي داخل السد يأجوج ومأجوج.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً عجيباً في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم ].

    ومن ذلك: أن الواحد منهم يفترش إحدى الأذنين ويلتحف بالأخرى، ووهب بن منبه يأخذ عن بني إسرائيل كما ذكر الحافظ ابن كثير ، والأقرب أن ذلك من أخبار بني إسرائيل.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح أسانيدها، والله أعلم.

    وقوله: لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا أي: لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس ].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ...)

    قال الله تعالى: قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف:94].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس : أجراً عظيما. يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سداً، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان عليه السلام: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ [النمل:36]، وهكذا قال ذو القرنين : الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني بقوة، أي: بعملكم وآلات البناء أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكهف:95-96] والزبر: جمع زبرة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة ، وهي كاللبنة، يقال: كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه.

    (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) أي: وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولاً وعرضاً، واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال (قَالَ انفُخُوا) أي: أجج عليه النار حتى صار كله ناراً (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي : هو النحاس. وزاد بعضهم: المذاب، ويستشهد بقوله تعالى: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [سبأ:12]، ولهذا يشبه بالبرد المحبر ].

    أي: القماش الذي فيه النقوش.

    و السدي الكبير ثقة معروف، يروي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس ، وأما السدي الصغير فكذاب.

    والمعنى أنه أتى بزبر الحديد -أي: قطع الحديد- كأنها لبن، وجعل يصف قطع الحديد بين السدين حتى وصل إلى رءوس الجبال فسدها، ثم أججها بالنار، ثم صب عليها النحاس المذاب حتى يُمسك ما بين قطع الحديد، فصار يأجوج ومأجوج من ورائه لا يستطيعون الخروج، فإذا جاء أمر الله في آخر الزمان خرجوا، قال تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97] أي: لا يستطيعون نقبه؛ لأنه حديد ونحاس، وليس عندهم آلات، فإذا جاء وعد الله خرجوا، كما قال: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [الكهف:98] أي أنهم سيخرجون بعد نزول عيسى عليه السلام.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال: (ذكر لنا أن رجلاً قال: يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: انعته لي قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته). هذا حديث مرسل ].

    يعني: كان فيه خطوط سوداء وخطوط حمراء، فقد خلط فيه نحاساً بحديد، يعني: قطع حديد كأنها لبن، فأحمى النحاس بالنار حتى ذاب وصبه عليه؛ حتى يمسك ما بين لبن الحديد فتتماسك، فعل ذلك من الأساس حتى حاذى رؤوس رأسي الجبلين.

    وفي الحاشية: وقد روي موصولاً من طرق، رواه ابن مردويه في تفسيره -كما في تخريج الكشاف- من طريق أبي الجماهر عن سعيد بن بشير عن قتادة عن رجل عن أبي بكرة الثقفي : (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيته) فذكر نحوه.

    ورواه البزار في مسنده -كما في تخريج الكشاف- من طريق عبد الملك بن أبي نعامة عن يوسف بن أبي مريم عن أبي بكرة بنحوه مطولاً، ورواه ابن مردويه أيضاً من طريق سفيان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوه، انتهى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه وجهز معه جيشاً سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه باباً عظيماً، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرساً من الملوك المتاخمة له، وأنه عال منيف شاهق لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالاً وعجائب ].

    يعني: وذلك لأنه لم تكن لديهم مواصلات سريعة مثل الحال الآن، فلم تكن لديهم سيارات ولا طائرات ولا قطارات ولا بواخر في البحر كما هو الحال اليوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً ..)

    قال الله تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ يقول تعالى مخبراً عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلاً بما يناسبه، فقال: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ، وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه ].

    يعني: ما استطاعوا أن يصعدوه ويظهروه وما استطاعوا نقبه، وصعوده أسهل عليهم من نقبه؛ لأن نقب الحديد ليس بسهل، ولم يكن عندهم من الآلات الحديثة كما عندنا الآن، وفهم لا يستطيعون نقبه ولا يستطيعون صعوده، ولذلك قال: (فما اسطاعوا أن يظهروه) وهذا أسهل (وما استطاعوا له نقباً) وهذا أشد، فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، فيستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً في رقابهم فيقتلهم بها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم) ].

    قوله: (فيستثنى) يعني: يقول: إن شاء الله، قال تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24] والاستثناء فيه فائدة هنا؛ لأن الاستثناء فيه جعل الأمر إلى الله عز وجل، ولهذا لو حلف واستثنى ثم لم يفعل لم يحنث، فإذا قال: والله لا أدخل بيت زيد غداً إن شاء الله ثم دخله لا يحنث؛ لأن الله لم يشأ ذلك، فهذه فائدة الاستثناء، ولو قال: والله لا أزور فلاناً إن شاء الله، ثم زاره لا يحنث، لكن لابد من أن يكون الاستثناء متصلاً، فإن قال: والله لأزورن زيداً غداً، ثم قال بعد يوم: إن شاء الله، لا يكون استثناءً؛ لأنه لابد من أن يكون متصلاً.

    وهذا الحديث -كما سيذكر: المؤلف رحمه الله- مخالف للآية، فإن الآية الكريمة فيها أنهم ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً، فإذا جاء أمر الله جعله دكاً في آخر الزمان، ويصيبهم النغف في رقابهم، وهذا حينما ينزل عيسى عليه الصلاة والسلام ويأذن الله لهم بالخروج فيخرجون فيفسدون في الأرض، فيأمر الله عيسى عليه السلام أن (حرز عبادي إلى الطور؛ فإني مخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، يعني: لا قوة لأحد بهم، فسماهم عباداً من باب العبودية العامة، لكونهم عباداً تنفذ فيهم قدرة الله ومشيئته، والعبودية نوعان: عبودية عامة وعبودية خاصة، فالعبودية العامة تشمل جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، والجن والإنس والشياطين، فلا أحد يستعصي على قدرة الله ومشيئته، قال سبحانه: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93]، يعني: معبداً مقهوراً تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، ليس له من نفسه تصرف ولا امتناع.

    أما العبودية الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين الذين يعبدون الله باختيارهم عن طواعية.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم) معناه أنهم يكونون كالجبال وكالتلال بعضهم فوق بعض من كثرتهم، ثم يبعث الله طيراً كالبخت فتأخذهم فتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطراً فيغسل الأرض ويطهرها، وهذا من رحمة الله؛ لأنهم لو بقوا لأوخمت الأرض ومات الناس، فالله تعالى من رحمته بعباده يرسل طيراً فتأخذهم وتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطراً يغسل الأرض من آثارهم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ورواه أحمد -أيضاً- عن حسن -هو ابن موسى الأشيب - عن سفيان عن قتادة به.

    وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان ].

    ابن ماجه تقرأ بالهاء وصلاً ووقفاً.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدث أبو رافع . وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه. وهذا إسناد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته ].

    يعني أن الحديث -وإن كان سنده قوياً- متنه شاذ منكر؛ لأنه يعارض ظاهر الآية، ولأن من شرط الحديث الصحيح أن يكون برواية العدل الضابط تام الضبط عن مثله من أول السند إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة، فإذا كان متنه مخالفاً للأحاديث الصحيحة أو للقرآن أو للقواعد العامة وأصول الشريعة فإنه يكون شاذاً، ولو كان سنده ظاهره الصحة، فهذا الحديث متنه شاذ مخالف للآية، يقول الله تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ، وهذا الحديث فيه أنهم ينقبونه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غداً نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، فيصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غداً نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه، وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب ؛ فإنه كان كثيراً ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة ، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه، والله أعلم ].

    هذا توجيه من المؤلف، وهو أن الحديث -وإن كان سنده قوياً- يحمل على أنه من كلام كعب الأحبار ، وكعب الأحبار من بني إسرائيل أسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان ينقل عن بني إسرائيل كثيراً، وكان يجالس أبا هريرة كثيراً، فلعل بعض الرواة وهم فرفع هذا الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فإن أبا هريرة رواه عن كعب ، وكعب أخذه عن بني إسرائيل، لكن وهم بعض الرواة فظن أنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويشبه هذا ما ورد في صحيح مسلم في قصة خلق المخلوقات، فقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن الله تعالى خلق التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)، فهذا الحديث قد رواه بعضهم عن أبي هريرة عن كعب الأحبار وهو الأصح، وهذا الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن أن يوم السبت لم يخلق الله فيه شيئاً، وأن أول المخلوقات في يوم الأحد وآخرها في يوم الجمعة، ولهذا قالت اليهود قبحهم الله: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم تعب فاستراح في يوم السبت، فأنزل الله هذه الآية: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] يعني: من تعب وإعياء.

    فهذا الحديث في صحيح مسلم ، إلا أن النقاد بينوا أن رفع هذا الحديث من الخطأ، وأنه من كلام أبي هريرة ، وأن أبا هريرة رواه عن كعب الأحبار ، فوهم بعضهم ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث يكاد يكون الوحيد في صحيح مسلم مما انتقد عليه من ناحية الصحة، والنقد فيه من جهة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مأخوذ من كلام كعب الأحبار ، وإلا فمعلوم أن الصحيحين تلقتهما الأمة بالقبول.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويؤيد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد : حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم -قال سفيان : أربع نسوة- قالت: (استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الزهري ، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة وأثبتها مسلم ، وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد، منها: رواية الزهري عن عروة وهما تابعيان، ومنها: اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهن عن بعض، ثم كل منهن صحابية، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان رضي الله عنهن ].

    يعني أن الزهري وعروة تابعيان يروي أحدهما عن الآخر، ثم إن فيه أربع نسوة يروي بعضهن عن بعض، وكلهن صحابيات، ومنهن زوجتان للنبي صلى الله عليه وسلم: أم حبيبة وزينب بنت جحش ، وربيبتان: زينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، أي: بنت زوجته، وكذلك -أيضاً- حبيبة بنت أم حبيبة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضاً، فقال البزار : حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأموج مثل هذا، وعقد التسعين) وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهيب به ].

    هذا من اصطلاحات العرب في العد.

    الجمع بين قوله تعالى: (فما اسطاعوا أني ظهروه وما استطاعوا له نقبا) وبين الأحاديث التي صرحت بذكر النقب

    ذكر الحافظ ابن كثير هنا أن هذا الحديث يعارض الآية: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ، لكن الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عندما تكلم على يأجوج ومأجوج قال: فإن قيل: فما الجمع بين قوله تعالى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف:97] وبين الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه محمراً وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق تسعين)، الحديث.

    وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا

    فالجواب: أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن، وأن هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا إشكال، وأما على قول من جعل ذلك إخباراً عن أمر محسوس -كما هو الظاهر المتبادر- فلا إشكال أيضاً؛ لأن قوله: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا أي: في ذلك الزمان؛ لأن هذه صيغة خبر ماض، فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قدراً، ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا، وهو ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً...) إلى آخر الحديث، فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظاً، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار -كما قال بعضهم- فقد استرحنا من المؤنة، وإن كان محفوظاً فيكون محمولاً على أن صنيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم.

    ثم قال: وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في الصحيحين عن أبي هريرة : (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد تسعين) أي: فتح فتحاً نافذاً فيه، والله أعلم.

    انتهى كلام ابن كثير من البداية والنهاية، وهو يدل على أنه لا تعارض بين الآية والأحاديث، فالنقب يكون عند الإذن بخروجهم في زمن عيسى عليه السلام.

    والمتأمل في قوله: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا يرى أنَّ ظاهر أن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا نقبه وما استطاعوا مروره، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج) ليس فيه أنهم هم الذين فتحوه، فيحتمل أنه فتح من قبل غيرهم، فقد يكون -مثلاً- بأمر الله من فعله وليس من فعلهم، وهذا يدل على اقتراب أجلهم، ويدل على هذا سبب الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ فزعاً محمراً وجهه يقول: (لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا) يعني أنه قد اقترب خروجهم، فإذا اقترب ذلك جعله الله دكاً، وليسوا هم الذين يجعلونه دكاً، كما قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ [الكهف:98] أي: يسويه بالأرض فيكون هذا الفتح من فعل الله وليس من فعلهم، وهذا إذا جاء الوعد الحق، كما قال الله تعالى في سورة الأنبياء: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنبياء:97].

    والمقصود أنه يظهر لي أن هذا يكون جواباً، وهو أن الفتح ليس من فعلهم، فإذا أذن الله بخروجهم جعله دكاً فيزول السد كاملاً، فإذا بهم يخرجون إلى الناس، وعلى هذا فلا يعارض الحديث الآية، بل الآية على ظاهرها أنهم ما استطاعوا له نقباً، والحديث ما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنهم هم الذين فتحوه حتى يعارض الآية، بل قال: (فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج).

    والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تكلم على الحديث فقال: [ قلت: تنبيه: أورد الحافظ ابن كثير هذا الحديث من رواية الإمام أحمد رحمه الله تحت تفسير آيات قصة ذي القرنين وبنائه السد، وقوله تعالى في يأجوج ومأجوج فيه: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ، ثم قال عقبه: وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته. قلت: نعم، ولكن الآية لا تدل من قريب ولا من بعيد على أنهم لن يستطيعوا ذلك أبداً، فالآية تتحدث عن الماضي والحديث عن المستقبل الآتي، فلا تنافي ولا نكارة، بل الحديث يتمشى تماماً مع القرآن في قوله: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ [الأنبياء:96] ].

    إذاً: حاصله أنه -كما قال الحافظ- كالجواب الثاني عن حديث زينب ، أي أن هذه الآية في الماضي، وهذا الحديث في المستقبل.

    ولكنه ظهر لي جواب آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إنهم نقبوه ولا فتحوه، وإنما قال: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج)، والله قادر على أن يجعله ينفتح بدونهم وبدون سببهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ...)

    قال الله تعالى: قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [الكهف:98].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وقوله: قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أي: لما بناه ذو القرنين قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي أي: بالناس، حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلاً يمنعهم من العيث في الأرض والفساد، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي أي: إذا اقترب الوعد الحق، جَعَلَهُ دَكَّاءَ أي: ساواه بالأرض، تقول العرب: ناقة دكاء: إذا كان ظهرها مستوياً لا سنام لها، وقال تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف:143] أي: مساوياً للأرض.

    وقال عكرمة في قوله: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ قال: طريقاً كما كان، وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا أي: كائناً لا محالة ].